Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Muhammad 47:16–20
47:16Page 508
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ ١٦
And among them, [O Muḥammad], are those who listen to you, until when they depart from you, they say to those who were given knowledge,1 "What has he said just now?" Those are the ones of whom Allāh has sealed over their hearts and who have followed their [own] desires.
﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾
ضَمِيرُ ومِنهم عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، أيْ ومِنَ الكافِرِينَ قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ، وأرادَ بِمَن يَسْتَمِعُ مَعَهُمُ المُنافِقِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ .
ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ المُسْتَمِعِينَ مِثْلَ ما في قَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [يونس: ٤٢] وقَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ [الأنعام: ٢٥] لِلْفَرْقِ الواضِحِ بَيْنَ الأُسْلُوبَيْنِ، وهَذا صِنْفٌ آخَرُ مِنَ الكافِرِينَ الَّذِينَ أسَرُّوا الكُفْرَ وتَظاهَرُوا بِالإيمانِ، وقَدْ كانَ المُنافِقُونَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَقْصُودِينَ مَن لَفْظِ الكُفّارِ. وهَذِهِ السُّورَةُ نازِلَةٌ بِقُرْبِ عَهْدٍ مِنَ الهِجْرَةِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ فِيها الفَرِيقانِ مِنَ الكُفّارِ.
ومَعْنى ﴿يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾: يَحْضُرُونَ مَجْلِسَكَ ويَسْمَعُونَ كَلامَكَ وما تَقْرَأُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ. وهَذِهِ صِفَةُ مَن يَتَظاهَرُ بِالإسْلامِ فَلا يُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ إعْراضَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ. رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ
صفحة ٩٩
بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ورِفاعَةَ بْنِ الثّابُوتِ، والحارِثِ بْنِ عَمْرٍو، وزَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ، ومالِكِ بْنِ الدَّخْشَمِ.
والِاسْتِماعُ: أشَدُّ السَّمْعِ وأقْواهُ، أيْ يَسْتَمِعُونَ بِاهْتِمامٍ يُظْهِرُونَ أنَّهم حَرِيصُونَ عَلى وعْيِ ما يَقُولُهُ الرَّسُولُ ﷺ وأنَّهم يُلْقُونَ إلَيْهِ بالَهم، وهَذا مِنَ اسْتِعْمالِ الفِعْلِ في مَعْنى إظْهارِهِ لا في مَعْنى حُصُولِهِ. وحَقُّ فِعْلِ ”اسْتَمَعَ“ أنْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] فَإذا أُرِيدَ تَعَلُّقُهُ بِالشَّخْصِ المَسْمُوعِ مِنهُ يُقالُ: اسْتَمَعَ إلى فُلانٍ، كَما قالَ هُنا ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾، وكَذا جاءَ في مَواقِعِهِ كُلِّها مِنَ القُرْآنِ.
و(حَتّى) في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ و(إذا) اسْمُ زَمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”قالُوا“ .
والمَعْنى: فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا. . . إلَخْ.
والخُرُوجُ: مُغادَرَةُ مَكانٍ مُعَيَّنٍ مَحْصُورًا وغَيْرَ مَحْصُورٍ، فَمِنهُ ﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ومِنهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠] .
والخُرُوجُ مِن عِنْدِ النَّبِيءِ ﷺ مُغادِرَةُ مَجْلِسِهِ الَّذِي في المَسْجِدِ وهو الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ هُنا بِلَفْظِ ”عِنْدَكَ“ .
و(مِن) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ ”خَرَجُوا“ ولَيْسَتِ الَّتِي تُزادُ مَعَ الظُّرُوفِ في نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] .
والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ: هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُلازِمُونَ لِمَجْلِسِهِ. وسُمِّيَ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبُو الدَّرْداءِ وابْنُ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنا مِنهم وسُئِلْتُ فِيمَن سُئِلَ.
والمَعْنى: أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ وما يَقُولُهُ مِنَ الإرْشادِ وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَسْتَمِعُ“ لِيَشْمَلَ ذَلِكَ.
صفحة ١٠٠
ومَعْنى آنِفًا: وقْتًا قَرِيبًا مِن زَمَنِ التَّكَلُّمِ، ولَمْ تَرِدْ هَذِهِ الكَلِمَةُ إلّا مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الزَّجّاجُ: هو مِنِ اسْتَأْنَفَ الشَّيْءَ إذا ابْتَدَأهُ ا هـ يُرِيدُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن فِعْلٍ مَزِيدٍ ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو الأنْفُ، أيْ جارِحَةُ الشَّمِّ وكَأنَّهم عَنَوْا بِهِ أنْفَ البَعِيرِ لِأنَّ الأنْفَ أوَّلُ ما يَبْدُو لِراكِبِهِ فَيَأْخُذُ بِخِطامِهِ، فَلُوحِظَ في اسْمِ الأنْفِ مَعْنى الوَصْفِ بِالظُّهُورِ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ عَنِ القُرْبِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مُشْتَقٌّ مِن أُنُفٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ النُّونِ يُوصَفُ بِهِ الكَأْسُ الَّتِي لَمْ يُشْرَبْ مِنها مِن قَبْلُ، وتُوصَفُ بِهِ الرَّوْضَةُ الَّتِي لَمْ تُرْعَ قَبْلُ، كَأنَّهم لاحَظُوا فِيها لازِمَ وصْفِ عَدَمِ الِاسْتِعْمالِ وهو أنَّهُ جَدِيدٌ، أيْ زَمَنٌ قَرِيبٌ، فَـ ”آنِفًا“ زَمانًا لَمْ يَبْعُدِ العَهْدُ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: آنِفًا مَعْناهُ: السّاعَةُ القَرِيبَةُ مِنّا وهَذا تَفْسِيرُ المَعْنى ا هـ. وفي كَلامِهِ نَظَرٌ لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ فَسَّرُوهُ بِوَقْتٍ يَقْرُبُ مِنّا.
وصِيغَ عَلى زِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ ولَيْسَ فِيهِ مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَهَذا اسْمٌ غَرِيبُ التَّصْرِيفِ ولا يُحْفَظُ شَيْءٌ مِن شِعْرِ العَرَبِ وقَعَ فِيهِ هَذا اللَّفْظُ.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَتِهِ بِصِيغَةِ فاعِلٍ وشَذَّتْ رِوايَةٌ عَنِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ (أنِفًا) بِوَزْنِ كَتِفٍ. وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ عُلَماءِ القِراءاتِ نِسْبَتَها إلى ابْنِ كَثِيرٍ ولَكِنَّ الشّاطِبِيَّ أثْبَتَها في حِرْزِ الأمانِي وقَدْ ذَكَرَها أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ.
فَإذا صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنِ البَزِّيِّ عَنْهُ كانَ (أنِفًا) حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿مَن يَسْتَمِعُ﴾ أُجْرِيَ عَلى الإفْرادِ رَعْيًا لِلَفْظِ (مَن) . ومَعْناهُ: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ في حالِ أنَّهُ شَدِيدُ الأنَفَةِ، أيِ التَّكَبُّرِ إظْهارًا لِتَرَفُّعِهِ عَنْ وعْيِ ما يَقُولُهُ النَّبِيءُ ﷺ ويَنْتَهِي الكَلامُ عِنْدَ ماذا. وزَعَمَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ: أنَّ البَزِّيَّ تَوَهَّمَهُ مِثْلَ حاذِرٍ وحَذِرٍ. ولا يُظَنُّ مِثْلُ هَذا بِالبَزِّيِّ لَوْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وسِياقُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى ذَمِّ هَذا السُّؤالِ لِقَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَهو سُؤالٌ يُنْبِئُ عَنْ مَذَمَّةِ سائِلِيهِ، فَإنْ كانَ سُؤالُهم حَقِيقَةً أنْبَأ عَنْ قِلَّةِ وعْيِهِمْ لِما يَسْمَعُونَهُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ فَهم يَسْتَعِيدُونَهُ مِنَ الَّذِينَ عَلِمُوهُ فَلَعَلَّ اسْتِعادَتَهم إيّاهُ لِقَصْدِ أنْ يَتَدارَسُوهُ إذا خَلَوْا مَعَ إخْوانِهِمْ لِيَخْتَلِقُوا مَغامِرَ يُهَيِّئُونَها بَيْنَهم، أوْ أنْ يُجِيبُوا مَن يَسْألُهم مِن إخْوانِهِمْ عَمّا سَمِعُوهُ في المَجْلِسِ الَّذِي كانُوا فِيهِ.
صفحة ١٠١
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ ناوِينَ بِهِ الِاسْتِهْزاءَ يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ اهْتِمامَهم بِاسْتِعادَةِ ما سَمِعُوهُ ويَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، أوْ أنْ يَكُونَ سُؤالُهم تَعْرِيضًا بِأنَّهم سَمِعُوا كَلامًا لا يَسْتَبِينُ المُرادُ مِنهُ لِإدْخالِ الشَّكِّ في نُفُوسِ مَن يُحِسُّونَ مِنهُمُ الرَّغْبَةَ في حُضُورِ مَجالِسِ النَّبِيءِ ﷺ تَعْرِيضًا لِقِلَّةِ جَدْوى حُضُورِها.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ أشارَتْ إلى حادِثَةٍ خاصَّةٍ ذَكَرَ فِيها النَّبِيءُ ﷺ المُنافِقِينَ وأحْوالَهم وعَلِمَ الَّذِينَ كانُوا حاضِرِينَ مِنهم أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِذَلِكَ، فَأرادُوا أنْ يَسْألُوا سُؤالَ اسْتِطْلاعٍ هَلْ شَعَرَ أهْلُ العِلْمِ بِأنَّ أُولَئِكَ هُمُ المَعْنِيُّونَ، فَيَكُونُ مَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ مَحْذُوفًا لِلْعِلْمِ بِهِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ .
* * *
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ سُؤالٌ غَرِيبٌ مِن شَأْنِهِ إثارَةُ سُؤالِ مَن يَسْألُ عَنْ سَبَبِ حُصُولِهِ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ السّابِقَةِ في مُرادِهِمْ مِنهُ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ ذِكْرِ صِفاتِهِمْ تَشْهِيرًا بِهِمْ، وجِيءَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَمَيِّزِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ هم أشْخاصُ الفَرِيقِ المُتَقَرِّرِ بَيْنَ النّاسِ أنَّهم فَرِيقٌ مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ أنْ الَّذِينَ صَمَّمُوا عَلى الكُفْرِ هم قَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وأنَّهم مُتَّبِعُونَ لِأهْوائِهِمْ، فَأفادَتْ أنَّ هَؤُلاءِ المُسْتَمِعِينَ زُمْرَةٌ مِن ذَلِكَ الفَرِيقِ، فَهَذا التَّرْكِيبُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والطَّبْعُ عَلى القَلْبِ: تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ مُخالَطَةِ الهُدى والرُّشْدِ لِعُقُولِهِمْ بِحالِ الكِتابِ المَطْبُوعِ عَلَيْهِ، أوِ الإناءِ المَخْتُومِ بِحَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْهِ مَن يُحاوِلُ الوُصُولَ إلى داخِلِهِ، فَمَعْناهُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَهم، أيْ عُقُولَهم غَيْرَ مُدْرِكَةٍ ومُصَدِّقَةٍ لِلْحَقائِقِ والهُدى. وهَذا الطَّبْعُ مُتَفاوِتٌ يَزُولُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضِ أهْلِهِ في مُدَدٍ مُتَفاوِتَةٍ ويَدُومُ مَعَ بَعْضٍ إلى المَوْتِ كَما وقَعَ، وزَوالُهُ بِانْتِهاءِ ما في العَقْلِ مِن غِشاوَةِ الضَّلالَةِ وبِتَوَجُّهِ لُطْفِ اللَّهِ بِمَن شاءَ بِحِكْمَتِهِ اللُّطْفَ بِهِ المُسَمّى بِالتَّوْفِيقِ الَّذِي فَسَّرَهُ الأشْعَرِيَّةُ بِخَلْقِ القُدْرَةِ
صفحة ١٠٢
والدّاعِيَةِ إلى الطّاعَةِ، وبِأنَّهُ ما يَقَعُ عِنْدَهُ صَلاحُ العَبْدِ آخِرَةً. وفَسَّرَ المُعْتَزِلَةُ اللُّطْفَ بِإيصالِ المَنافِعِ إلى العَبْدِ مِن وجْهٍ يَدِقُّ إدْراكُهُ وتَمْكِينُهُ بِالقُدْرَةِ والآلاتِ.
47:17Page 508
وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧
And those who are guided - He increases them in guidance and gives them their righteousness.1
﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [محمد: ١٦] وما فُهِمَ عَنْها مِن قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ﴾ [محمد: ١٨] والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ: مُقابَلَةُ فَرِيقِ الضَّلالَةِ بِفَرِيقِ الهِدايَةِ عَلى الأُسْلُوبِ الَّذِي أُقِيمَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِها. فَهَذا أُسْلُوبٌ مُسْتَمِرٌّ وإنِ اخْتَلَفَتْ مَواقِعُ جُمَلِهِ.
والمَعْنى: والَّذِينَ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهم لِلْإيمانِ فاهْتَدَوْا لَطَفَ اللَّهِ بِهِمْ فَزادَهم هُدًى وأرْسَخَ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ ووَفَّقَهم لِلتَّقْوى، فاتَّقَوْا وغالَبُوا أهْواءَهم.
وإيتاءُ التَّقْوى مُسْتَعارٌ لِتَيْسِيرِ أسْبابِها إذِ التَّقْوى مَعْنًى نَفْسانِيٌّ، والإيتاءُ يَتَعَدّى حَقِيقَةً لِلذَّواتِ.
وإضافَةُ التَّقْوى إلى ضَمِيرِ ﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ [مريم: ٧٦] إيماءٌ إلى أنَّهم عُرِفُوا بِها واخْتَصَّتْ بِهِمْ.
47:18Page 508
فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ ١٨
Then do they await except that the Hour should come upon them unexpectedly? But already there have come [some of] its indications. Then how [i.e., what good] to them, when it has come, will be their remembrance?
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾
تَفْرِيعٌ عَلى ما مَضى مِن وصْفِ أحْوالِ الكافِرِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [محمد: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] الشّامِلَةَ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ فَفَرَّعَ عَلَيْها أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ يَنْتَظِرُونَ حُلُولَ السّاعَةِ لِيَنالُوا جَزاءَهم عَلى سُوءِ كُفْرِهِمْ فَضَمِيرُ ”يَنْظُرُونَ“ مُرادٌ بِهِ الكافِرُونَ لِأنَّ الكَلامَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، ولِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَنْتَظِرُونَ أُمُورًا أُخَرَ مِثْلَ النَّصْرِ والشَّهادَةِ، قالَ - تَعالى - ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] الآيَةَ. والنَّظَرُ هُنا بِمَعْنى الِانْتِظارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآيَةَ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ مَشُوبٌ بِتَهَكُّمٍ، وهو إنْكارٌ وتَهَكُّمٌ عَلى غائِبِينَ، مُوَجَّهٌ إلى
صفحة ١٠٣
الرَّسُولِ ﷺ، أيْ لا تَحْسَبْ تَأْخِيرَ مُؤاخَذَتِهِمْ إفْلاتًا مِنَ العِقابِ، فَإنَّهم مُرْجَوْنَ إلى السّاعَةِ.
وهَذا الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ آنِفًا ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] .
والقَصْرُ الَّذِي أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ، نُزِّلَ انْتِظارُهم ما يَأْمُلُونَهُ مِنَ المَرْغُوباتِ في الدُّنْيا مَنزِلَةَ العَدَمِ لِضَآلَةِ أمْرِهِ بَعْدَ أنْ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَنْتَظِرُونَ فِيما يَنْتَظِرُونَ السّاعَةَ لِأنَّهم لِتَحَقُّقِ حُلُولِهِ عَلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِأنْ يَكُونُوا مِن مُنْتَظِرِيها.
و﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ السّاعَةِ.
و”بَغْتَةً“ حالٌ مِنَ السّاعَةِ قالَ - تَعالى - ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] . والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَرَّةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الوَصْفُ، أيْ مُباغِتَةً لَهم.
ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ السّاعَةَ مَوْعِدُهم وأنَّ السّاعَةَ قَرِيبَةٌ مِنهم، فَحالُهم كَحالِ مَن يَنْتَظِرُ شَيْئًا فَإنَّما يَكُونُ الِانْتِظارُ إذا اقْتَرَبَ مَوْعِدُ الشَّيْءِ، هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ تَهَكُّمِيَّةٌ.
والفاءُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ كالَّتِي في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ:
قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسَـانَـا
وهَذِهِ الفَصِيحَةُ تُفِيدُ مَعْنى تَعْلِيلِ قُرْبِ مُؤاخَذَتِهِمْ.
والأشْراطُ: جَمْعُ شَرَطٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو: العَلامَةُ والأمارَةُ عَلى وُجُودِ شَيْءٍ أوْ عَلى وصْفِهِ.
وعَلاماتُ السّاعَةِ هي عَلاماتُ كَوْنِها قَرِيبَةً. وهَذا القُرْبُ يُتَصَوَّرُ بِصُورَتَيْنِ: إحْداهُما أنَّ وقْتَ السّاعَةِ قَرِيبٌ قُرْبًا نِسْبِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى طُولِ مُدَّةِ هَذا العالَمِ ومَن عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ.
والثّانِيَةُ: أنَّ ابْتِداءَ مُشاهَدَةِ أحْوالِ السّاعَةِ يَحْصُلُ لِكُلِّ أحَدٍ بِمَوْتِهِ فَإنَّ رُوحَهُ إذا خَلَصَتْ عَنْ جَسَدِهِ شاهَدَتْ مَصِيرَها مُشاهَدَةً إجْمالِيَّةً. وبِهِ فُسِرَّ حَدِيثُ أبِي
صفحة ١٠٤
هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ. وهو ضَعِيفٌ ويُفَسِّرُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذا ماتَ المَيِّتُ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ فَإنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ ثُمَّ يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» ونِهايَةُ حَياةِ المَرْءِ قَرِيبَةٌ وإنْ طالَ العُمُرُ.
والأشْراطُ بِالنِّسْبَةِ لِلصُّورَةِ الأُولى: الحَوادِثُ الَّتِي أخْبَرَ النَّبِيءُ ﷺ أنَّها تَقَعُ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ، وأوَّلُها بِعْثَتُهُ لِأنَّهُ آخِرُ الرُّسُلِ وشَرِيعَتُهُ آخِرُ الشَّرائِعِ ثُمَّ ما يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ، وبِالنِّسْبَةِ لِلصُّورَةِ الثّانِيَةِ أشْراطُها الأمْراضُ والشَّيْخُوخَةُ.
* * *
﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ . و(أنّى) اسْمٌ يَدُلُّ عَلى الحالَةِ، ويُضَمَّنُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ كَثِيرًا وهو هُنا اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ كَيْفَ يَحْصُلُ لَهُمُ الذِّكْرى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ، والمَقْصُودُ: إنْكارُ الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى حِينَئِذٍ.
و(أنّى) مُبْتَدَأٌ ثانٍ مُقَدَّمٌ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ الصَّدارَةُ. و”ذِكْراهم“ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ و”لَهم“ خَبَرٌ عَنْ (أنّى)، وهَذا التَّرْكِيبُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ [الدخان: ١٣] في سُورَةِ الدُّخانِ، وضَمِيرُ ”جاءَتْهم“ عائِدٌ إلى السّاعَةِ.
47:19Page 508
فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩
So know, [O Muḥammad], that there is no deity except Allāh and ask forgiveness for your sin1 and for the believing men and believing women. And Allāh knows of your movement and your resting place.
﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾
فُرِّعَ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ وحالِ الكافِرِينَ ومِن عَواقِبِ ذَلِكَ ووَعْدِهِ أوْ وعِيدِهِ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالثَّباتِ عَلى ما لَهُ مِنَ العِلْمِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وعَلى ما هو دَأْبُهُ مِنَ التَّواضُعِ لِلَّهِ بِالِاسْتِغْفارِ لِذَنْبِهِ ومِنَ الحِرْصِ عَلى نَجاةِ المُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم لِأنَّ في ذَلِكَ العِلْمِ وذَلِكَ الدَّأْبِ اسْتِمْطارُ الخَيْراتِ لَهُ ولِأُمَّتِهِ
صفحة ١٠٥
والتَّفْرِيعُ هَذا مَزِيدُ مُناسَبَةٍ لِقَوْلِهِ آنِفًا ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] الآيَةَ.
فالأمْرُ في قَوْلِهِ (فاعْلَمْ) كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ العِلْمِ وهو العَمَلُ بِالمَعْلُومِ، وذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ عَلَيْهِ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ وعَلِمَهُ المُؤْمِنُونَ، وإذا حَصَلَ العِلْمُ بِذَلِكَ مَرَّةً واحِدَةً تَقَرَّرَ في النَّفْسِ لِأنَّ العِلْمَ لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فَلَيْسَ الأمْرُ بِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ لِطَلَبِ تَحْصِيلِهِ بَلْ لِطَلَبِ الثَّباتِ فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] .
وأمّا الأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فَهو لِطَلَبِ تَجْدِيدِ ذَلِكَ إنْ كانَ قَدْ عَلِمَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِن قَبْلُ وعَمِلَهُ، أوْ هو لِطَلَبِ تَحْصِيلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ مِن قَبْلُ.
وذِكْرُ ”المُؤْمِناتِ“ بَعْدَ ”المُؤْمِنِينَ“ اهْتِمامٌ بِهِنَّ في هَذا المَقامِ وإلّا فَإنَّ الغالِبَ اكْتِفاءُ القُرْآنِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وشُمُولِهِ لِلْمُؤْمِناتِ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ لِلْعِلْمِ بِعُمُومِ تَكالِيفِ الشَّرِيعَةِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ إلّا ما اسْتُثْنِيَ مِنَ التَّكالِيفِ.
ومِنَ اللَّطائِفِ القُرْآنِيَّةِ أنْ أمَرَ هُنا بِالعِلْمِ قَبْلَ الأمْرِ بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ . قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمّا سُئِلَ عَنْ فَضْلِ العِلْمِ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ حِينَ بَدَأ بِهِ ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ . وتَرْجَمَ البُخارِيُّ في كِتابِ العِلْمِ مِن صَحِيحِهِ بابَ العِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ فَبَدَأ بِالعِلْمِ.
وما يَسْتَغْفِرُ مِنهُ النَّبِيءُ ﷺ لَيْسَ مِنَ السَّيِّئاتِ لِعِصْمَتِهِ مِنها، وإنَّما هو اسْتِغْفارٌ مِنَ الغَفَلاتِ ونَحْوِها، وتَسْمِيَتُهُ بِالذَّنْبِ في الآيَةِ إمّا مُحاكاةٌ لِما كانَ يُكْثِرُ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وإنَّما كانَ يَقُولُهُ في مَقامِ التَّواضُعِ، وإمّا إطْلاقٌ لِاسْمِ الذَّنْبِ عَلى ما يَفُوتُ مِنَ الِازْدِيادِ في العِبادَةِ مِثْلُ أوْقاتِ النَّوْمِ والأكْلِ، وإطْلاقُهُ عَلى ما عَناهُ النَّبِيءُ ﷺ في قَوْلِهِ: «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي أسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» .
صفحة ١٠٦
واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِذَنْبِكَ“ لامُ التَّعْيِينِ بَيَّنَتْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِفِعْلِ ”اسْتَغْفِرْ“ واللّامُ في قَوْلِهِ ”ولِلْمُؤْمِنِينَ“ لامُ العِلَّةِ، أوْ بِمَعْنى (عَنْ) والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيِ اسْتَغْفِرِ الذُّنُوبَ لِأجْلِ المُؤْمِنِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولِلْمُؤْمِنِينَ لِذُنُوبِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِأحْوالِ ما تَقَدَّمَ. فالمُتَقَلَّبُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّقَلُّبِ، أُوثِرَ جَلْبُهُ هُنا لِمُزاوَجَةِ قَوْلِهِ ومَثْواكم. والتَّقَلُّبُ: العَمَلُ المُخْتَلِفُ ظاهِرًا كانَ كالصَّلاةِ، أوْ باطِنًا كالإيمانِ والنُّصْحِ.
والمَثْوى: المَرْجِعُ والمَآلُ، أيْ يَعْلَمُ اللَّهُ أحْوالَكم جَمِيعًا مِن مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، وقَدَّرَ لَها جَزاءَها عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَراتِبِها ويَعْلَمُ مَصائِرَكم وإنَّما أمَرَكم ونَهاكم وأمَرَكم بِالِاسْتِغْفارِ خاصَّةً لِإجْراءِ أحْكامِ الأسْبابِ عَلى مُسَبِّباتِها فَلا تَيْأسُوا ولا تُهْمِلُوا.
47:20Page 509
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠
Those who believe say, "Why has a sūrah1 not been sent down?" But when a precise sūrah is revealed and battle is mentioned therein, you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] looking at you with a look of one overcome by death. And more appropriate for them2 [would have been]
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأوْلى لَهُمْ﴾ ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]
قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ وقَدْ بَدَتْ قُرُونُ نِفاقِ المُنافِقِينَ، فَلَمّا جَرى في هَذِهِ السُّورَةِ وصْفُ حالِ المُنافِقِينَ أُعْقِبَ ذَلِكَ بِوَصْفِ أجْلى مَظاهِرِ نِفاقِهِمْ، وذَلِكَ حِينَ يُدْعى المُسْلِمُونَ إلى الجِهادِ فَقَدْ يَضِيقُ الأمْرُ بِالمُنافِقِينَ إذْ كانَ تَظاهُرُهم بِالإسْلامِ سَيُلْجِئُهم إلى الخُرُوجِ لِلْقِتالِ مَعَ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ أمْرٌ لَيْسَ بِالهَيِّنِ لِأنَّهُ تَعَرُّضٌ لِإتْلافِهِمُ النُّفُوسِ دُونَ أنْ يَرْجُوا مِنهُ نَفْعًا في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ إذْ هم لا يُصَدِّقُونَ بِها فَيُصْبِحُوا في حَيْرَةٍ. وكانَ حالُهم هَذا مُخالِفًا لِحالِ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِي تَمَنَّوْا أنْ يَنْزِلَ القُرْآنُ بِالدَّعْوَةِ إلى القِتالِ لِيُلاقُوا المُشْرِكِينَ فَيَشْفُوا مِنهم غَلِيلَهم، فَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ حُكِيَ تَمَنِّي المُؤْمِنِينَ نُزُولَ حُكْمِ القِتالِ لِأنَّهُ يَلُوحُ بِهِ تَمْيِيزُ حالِ المُنافِقِينَ، ويَبْدُو مِنهُ الفَرْقُ بَيْنَ حالِ الفَرِيقَيْنِ وقَدْ بَيَّنَ كُرْهَ القِتالِ لَدَيْهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ.
فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآيَةَ، وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ بِذِكْرِ سَبَّبِهِ، وأفادَ تَقْدِيمُهُ
صفحة ١٠٧
أيْضًا تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا، وأفادَ ذِكْرُهُ مُقابَلَةً بَيْنَ حالَيِ الفَرِيقَيْنِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ هَذِهِ السُّورَةِ. ومَقالُ الَّذِينَ آمَنُوا هَذا كانَ سَبَبًا في نُزُولِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤]، ولِذَلِكَ فالمَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها القِتالُ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها.
ومَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ هَذا واقِعٌ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ: إمّا لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ مِثْلَ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى هَذا القَوْلِ.
وتَبَعًا لِذَلِكَ تَكُونُ (إذا) في قَوْلِهِ ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ ظَرْفًا مُسْتَعْمَلًا في الزَّمَنِ الماضِي لِأنَّ نُزُولَ السُّورَةِ قَدْ وقَعَ، ونَظَرُ المُنافِقِينَ إلى الرَّسُولِ ﷺ هَذا النَّظَرَ قَدْ وقَعَ إذْ لا يَكُونُ ذَمُّهم وزَجْرُهم قَبْلَ حُصُولِ ما يُوجِبُهُ فالمَقامُ دالٌّ والقَرِينَةُ واضِحَةٌ.
و(لَوْلا) حَرْفٌ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في التَّمَنِّي، وأصْلُ مَعْناهُ التَّخْصِيصُ فَأُطْلِقَ وأُرِيدَ بِهِ التَّمَنِّي لِأنَّ التَّمَنِّيَ يَسْتَلْزِمُ الحِرْصَ والحِرْصُ يَدْعُو إلى التَّحْضِيضِ.
وحُذِفَ وُصْفُ ”سُورَةٌ“ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾، أيْ كَما تَمَنَّوُا اقْتَضى أنَّ المَسْئُولَ سُورَةٌ يُشَرَّعُ فِيها قِتالُ المُشْرِكِينَ. فالمَعْنى: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها القِتالُ وفَرْضُهُ، فَحُذِفَ الوَصْفُ إيجازًا.
ووَصْفُ السُّورَةِ بِـ ”مَحْكَمَةٌ“ بِاعْتِبارِ وصْفِ آياتِها بِالإحْكامِ، أيْ عَدَمِ التَّشابُهِ وانْتِفاءِ الِاحْتِمالِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ مُقابَلَةُ المُحْكَماتِ بِالمُتَشابِهاتِ في قَوْلِهِ ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ لا تَحْتَمِلُ آياتُ تِلْكَ السُّورَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالقِتالِ إلّا وُجُوبَ القِتالِ وعَدَمَ الهَوادَةِ فِيهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] الآياتَ، فَلا جَرَمَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي الَّتِي نَزَلَتْ إجابَةً عَنْ تَمَنِّي الَّذِينَ آمَنُوا.
وإنَّما قالَ ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ لِأنَّ السُّورَةَ لَيْسَتْ كُلُّها مُتَمَحِّضَةٌ لِذِكْرِ القِتالِ فَإنَّ سُوَرَ القُرْآنِ ذَواتُ أغْراضٍ شَتّى.
صفحة ١٠٨
والخِطابُ في ”رَأيْتَ“ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ لاحِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [محمد: ١٦] .
و﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم المُبْطِنُونَ لِلْكُفْرِ فَجَعَلَ الكُفْرَ الخَفِيَّ كالمَرَضِ الَّذِي مَقَرُّهُ القَلْبُ لا يَبْدُو مِنهُ شَيْءٌ عَلى ظاهِرِ الجَسَدِ، أيْ رَأيْتَ المُنافِقِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. وقَدْ غَلَبَ إطْلاقُ هَذِهِ الصِّلَةِ عَلى المُنافِقِينَ، وأنَّ النِّفاقَ مَرَضٌ نَفْسانِيٌّ مُعْضِلٌ لِأنَّهُ تَتَفَرَّعُ مِنهُ فُرُوعٌ بَيَّنّاها في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وانْتَصَبَ ﴿نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ صِفَةِ النَّظَرِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ فَهو عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
ووَجْهُ الشَّبَهِ ثَباتُ الحَدَقَةِ وعَدَمُ التَّحْرِيكِ، أيْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المُتَحَيِّرِ بِحَيْثُ يَتَّجِهُ إلى صَوْبٍ واحِدٍ ولا يَشْتَغِلُ بِالمَرْئِيّاتِ لِأنَّهُ في شاغِلٍ عَنِ النَّظَرِ، وإنَّما يُوَجِّهُونَ أنْظارَهم إلى النَّبِيءِ ﷺ إذْ كانُوا بِمَجْلِسِهِ حِينَ نُزُولِ السُّورَةِ، وكانُوا يَتَظاهَرُونَ بِالإقْبالِ عَلى تَلَقِّي ما يَنْطِقُ بِهِ مِنَ الوَحْيِ فَلَمّا سَمِعُوا ذِكْرَ القِتالِ بُهِتُوا، فالمَقْصُودُ المُشابِهَةُ في هَذِهِ الصُّورَةِ. وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] في سُورَةِ الأحْزابِ.
و(مِن) هُنا تَعْلِيلِيَّةٌ، أيِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ لِأجْلِ المَوْتِ، أيْ حُضُورِ المَوْتِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] .
وهَذا التَّفْرِيعُ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] .
ولَفْظُ (أوْلى) هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في ظاهِرِهِ اسْتِعْمالَ التَّفْضِيلِ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ أوْلى لَهم مِن ذَلِكَ الخَوْفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ نَظَرُهم كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، أنْ يُطِيعُوا أمْرَ اللَّهِ ويَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وهو قَوْلُ سَمِعْنا وأطَعْنا، فَذَلِكَ القَوْلُ المَعْرُوفُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا أوْ أُمِرُوا كَما قالَ - تَعالى -
صفحة ١٠٩
﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] في سُورَةِ النُّورِ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ فَتَعْدِيَةُ (أوْلى) بِاللّامِ دُونَ الباءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ أوْلى وأنْفَعُ، فَكانَ اجْتِلابُ اللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى النَّفْعِ. فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ أزْكى لَكُمْ﴾ [النور: ٣٠] وقَوْلِهِ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] .
وهُوَ يَرْتَبِطُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ مُسْتَعْمَلًا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] في سُورَةِ القِيامَةِ، وهو الَّذِي اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَيْهِ. ومَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ تَوَعُّدِهِ إيّاهم.
ثُمَّ قِيلَ عَلى هَذا الوَجْهِ إنَّ ”أوْلى“ مَرْتَبَةٌ حُرُوفُهُ عَلى حالِها مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ، وأنَّ وزْنَهُ أفْعَلُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: هو في هَذا الِاسْتِعْمالِ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَيْلِ. فَأصْلُ أوْلى: أوْيَلُ، أيْ أشَدُّ ويْلًا، فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ، ووَزْنُهُ أفْلَعُ. وفي الصِّحاحِ عَنِ الأصْمَعِيِّ ما يَقْتَضِي: أنَّهُ يَجْعَلُ (أوْلى لَهُ) مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: أقْرَبُ ما يُهْلِكُهُ، قالَ ثَعْلَبٌ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في (أوْلى لَهُ) أحْسَنَ مِمّا قالَ الأصْمَعِيُّ.
واللّامُ عَلى هَذا الوَجْهِ إمّا مَزِيدَةٌ، أيْ أوْلاهُمُ اللَّهُ ما يَكْرَهُونَ فَيَكُونُ مِثْلَ اللّامِ في قَوْلِ النّابِغَةِ:
سَقْيًا ورَعْيًا لِذاكَ العاتِبِ الزّارِي
وإمّا مُتَعَلِّقَةً بِـ (أوْلى) عَلى أنَّهُ فَعْلُ مُضِيٍّ، وعَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] كَلامًا مُسْتَأْنَفًا وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خَيْرٌ لَهم، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ طاعَةٌ، وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، أيْ أمَرَ اللَّهُ أنْ يُطِيعُوا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences