Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Muhammad 47:21–29
47:21Page 509
طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١
Obedience and good words. And when the matter [of fighting] was determined, if they had been true to Allāh, it would have been better for them.
صفحة ١١٠
﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى وصْفِ حالِ المُنافِقِينَ مِنَ الهَلَعِ عِنْدَ سَماعِ ذِكْرِ القِتالِ فَإنَّهُ إذا جَدَّ أمْرُ القِتالِ، أيْ حانَ أنْ يُنْدَبَ المُسْلِمُونَ إلى القِتالِ سَيَضْطَرِبُ أمْرُ المُنافِقِينَ ويَتَسَلَّلُونَ لِواذًا مِن حُضُورِ الجِهادِ، وأنَّ الأوْلى لَهم حِينَئِذٍ أنْ يُخْلِصُوا الإيمانَ ويُجاهِدُوا كَما يُجاهِدُ المُسْلِمُونَ الخُلَّصُ وإلّا فَإنَّهم لا مَحِيصَ لَهم مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا حُضُورُ القِتالِ بِدُونِ نِيَّةٍ فَتَكُونُ عَلَيْهِمُ الهَزِيمَةُ ويَخْسَرُوا أنْفُسَهم باطِلًا، وإمّا أنْ يَنْخَزِلُوا عَنِ القِتالِ كَما فَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ وأتْباعُهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وهو الغالِبُ فِيها فَيَكُونُ ما بَعْدَها مُقَدَّرًا وجُودُهُ، أيْ فَإذا جَدَّ أمْرُ القِتالِ وحَدَثَ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ دَلِيلُ جَوابِ (إذا) لِأنَّ (إذا) ضُمِّنَتْ هُنا مَعْنى الشَّرْطِ، أيْ كَذَّبُوا اللَّهَ وأخْلَفُوا فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهم، واقْتِرانُ جُمْلَةِ الجَوابِ بِالفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضْمِينِ (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ أحْسَنُ مِن تَجْرِيدِهِ عَنِ الفاءِ إذا كانَتْ جُمْلَةُ الجَوابِ شَرْطِيَّةً أيْضًا.
والتَّعْرِيفُ في ”الأمْرُ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أوِ اللّامُ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ أمْرُ القِتالِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ [محمد: ٢٠] .
والعَزْمُ: القَطْعُ وتَحَقُّقُ الأمْرِ، أيْ كَوْنُهُ لا مَحِيصَ مِنهُ.
واسْتُعِيرَ العَزْمُ لِلتَّعْيِينِ واللُّزُومِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ، أيِ القِتالِ بِرَجُلٍ عَزَمَ عَلى عَمَلٍ ما وإثْباتُ العَزْمِ لَهُ تَخْيِيلَةٌ كَإثْباتِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ السَّكّاكِيِّ في جَمِيعِ أمْثِلَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، وهي طَرِيقَةٌ دَقِيقَةٌ لَكِنْ بِدُونِ اطِّرادٍ ولَكِنْ عِنْدَما يَسْمَحُ بِها المَقامُ.
وجَعَلَ في الكَشّافِ إسْنادَ ”العَزْمِ“ إلى ”الأمْرِ“ مَجازًا عَقْلِيًّا، وحَقِيقَتُهُ أنْ يُسْنَدَ لِأصْحابِ العَزْمِ عَلى طَرِيقِ الجُمْهُورِ في مِثْلِهِ وهو هُنا بَعِيدٌ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى حُصُولِ الجِدِّ مِن أصْحابِ الأمْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] فالكَلامُ فِيها سَواءٌ.
صفحة ١١١
ومَعْنى ﴿صَدَقُوا اللَّهَ﴾ قالُوا لَهُ الصِّدْقَ، وهو مُطابَقَةُ الكَلامِ لِما في نَفْسِ الأمْرِ، أيْ لَوْ صَدَقُوا في قَوْلِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ، وهم إنَّما كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذْ أظْهَرُوا لَهُ خِلافَ ما في نُفُوسِهِمْ، فَجَعَلَ الكَذِبَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذِبًا عَلى اللَّهِ تَفْظِيعًا لَهُ وتَهْوِيلًا لِمَغَبَّتِهِ، أيْ لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ وقاتَلُوا بِنِيَّةِ الجِهادِ لَكانَ خَيْرًا لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَفي الدُّنْيا خَيْرُ العِزَّةِ والحُرْمَةِ وفي الآخِرَةِ خَيْرُ الجَنَّةِ.
فَهَذِهِ الآيَةُ إنْباءٌ مِمّا سَيَكُونُ مِنهم حِينَ يَجِدُّ الجِدُّ ويَجِيءُ أوانُ القِتالِ وهي مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ في الإخْبارِ بِالغَيْبِ فَقَدْ عَزَمَ أمْرُ القِتالِ يَوْمَ أُحُدٍ وخَرَجَ المُنافِقُونَ مَعَ جَيْشِ المُسْلِمِينَ في صُورَةِ المُجاهِدِينَ فَلَمّا بَلَغَ الجَيْشُ إلى الشَّوْطِ بَيْنَ المَدِينَةِ وأُحُدٍ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ: ما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هاهُنا أيُّها النّاسُ ؟ ورَجَعَ هو وأتْباعُهُ وكانُوا ثُلُثَ الجَيْشِ وذَلِكَ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، أيْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِنَحْوِ ثَلاثِ سِنِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ جَوابٌ كَما تَقَدَّمَ، وفي الكَلامِ إيجازٌ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَكانَ خَيْرًا﴾ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ إذا عَزَمَ الأمْرُ حَصَلَ لَهم ما لا خَيْرَ فِيهِ.
ولَفْظُ ”خَيْرًا“ ضِدُّ الشَّرِّ بِوَزْنِ فَعْلٍ، ولَيْسَ هو هُنا بِوَزْنِ أفْعَلَ.
47:22Page 509
فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢
So would you perhaps, if you turned away,1 cause corruption on earth and sever your [ties of] relationship?
﴿فَهَلْ عَسِيتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾
مُقْتَضى تَناسُقِ النَّظْمِ أنَّ هَذا مُفَرَّعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] لِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ إذا عَزَمَ الأمْرُ تَوَلَّوْا عَنِ القِتالِ وانْكَشَفَ نِفاقُهم فَتَكُونُ إتْمامًا لِما في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ الإنْباءِ بِما سَيَكُونُ مِنَ المُنافِقِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. وقَدْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هاهُنا ؟ ورُبَّما قالَ في كَلامِهِ: وكَيْفَ نُقاتِلُ قُرَيْشًا وهم مِن قَوْمِنا، وكانَ لا يَرى عَلى أهْلِ يَثْرِبَ أنْ يُقاتِلُوا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ ويَرى الِاقْتِصارَ عَلى أنَّهم آوَوْهُ. والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عَلى الِالتِفاتِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّكْذِيبِ لِما سَيَعْتَذِرُونَ بِهِ لِانْخِزالِهِمْ ولِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ
صفحة ١١٢
بِـ (هَلْ) الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ لِأنَّها في الِاسْتِفْهامِ بِمَنزِلَةِ (قَدْ) في الخَبَرِ، فالمَعْنى: أفَيَتَحَقَّقُ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنَّكم تُفْسِدُونَ في الأرْضِ وتُقَطِّعُونَ أرْحامَكم وأنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّكم تَوَلَّيْتُمْ إبْقاءً عَلى أنْفُسِكم وعَلى ذَوِي قَرابَةِ أنْسابِكم عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا﴾ [البقرة: ٢٤٦] وهَذا تَوْبِيخٌ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥] . والمَعْنى: أنَّكم تَقَعُونَ فِيما زَعَمْتُمُ التَّفادِيَ مِنهُ وذَلِكَ بِتَأْيِيدِ الكُفْرِ وإحْداثِ العَداوَةِ بَيْنَكم وبَيْنَ قَوْمِكم مِنَ الأنْصارِ.
فالتَّوَلِّي هُنا هو الرُّجُوعُ عَنِ الوِجْهَةِ الَّتِي خَرَجُوا لَها كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] وقَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] وقَوْلِهِ ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] . وبِمِثْلِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَ التَّفاسِيرِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ التَّوَلِّيَ عَلى أنَّهُ مُطاوِعُ وُلّاهُ إذا أعْطاهُ وِلايَةً، أيْ وِلايَةَ الحُكْمِ والإمارَةِ عَلى النّاسِ وبِهِ فَسَّرَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ وكَعْبُ الأحْبارِ. وهَذا بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ ومِنَ النَّظْمِ وفِيهِ تَفْكِيكٌ لِاتِّصالِ نَظْمِ الكَلامِ، وانْتِقالٌ بِدُونِ مُناسَبَةٍ، وتَجاوَزَ بَعْضُهم ذَلِكَ فَأخَذَ يَدَّعِي أنَّها نَزَلَتْ في الحَرُورِيَةِ ومِنهم مَن جَعَلَها فِيما يَحْدُثُ بَيْنَ بَنِي أُمَيَّةَ وبَنِي هاشِمٍ عَلى عادَةِ أهْلِ الشِّيَعِ والأهْواءِ مِن تَحْمِيلِ كِتابِ اللَّهِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ ومِن قَصْرِ عُمُوماتِهِ عَلى بَعْضِ ما يُرادُ مِنها.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”عَسِيتُمْ“ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ بِفَتْحِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ في فِعْلِ عَسى إذا اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّ فِعْلَهُ: عَسِيَ مِثْلُ رَضِيَ، ولَمْ يَنْطِقُوا بِهِ إلّا إذا أُسْنِدَ هَذا الفِعْلُ إلى ضَمِيرٍ، وإسْنادُهُ إلى الضَّمِيرِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، أمّا بَنُو تَمِيمٍ فَلا يُسْنِدُونَهُ إلى الضَّمِيرِ البَتَّةَ، يَقُولُونَ: عَسى أنْ تَفْعَلُوا.
47:23Page 509
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ ٢٣
Those [who do so] are the ones that Allāh has cursed, so He deafened them and blinded their vision.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾
الإشارَةُ إلى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦] ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] لِأنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَوْجِبُ اللَّعْنَةَ ولا أنْ مُرْتَكِبِيهِ بِمَنزِلَةِ
صفحة ١١٣
الصُّمِّ، عَلى أنَّ في صِيغَةِ المُضِيِّ في أفْعالِ: لَعَنَهم، وأصَمَّهم، وأعْمى، ما لا يُلاقِي قَوْلَهُ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ولا ما في حَرْفِ (إنْ) مِن زَمانِ الِاسْتِقْبالِ.
واسْتُعِيرَ الصَّمَمُ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالمَسْمُوعاتِ مِن آياتِ القُرْآنِ ومَواعِظِ النَّبِيءِ ﷺ، كَما اسْتُعِيرَ العَمى هُنا لِعَدَمِ الفَهْمِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ لِأنَّ حالَ الأعْمى أنْ يَكُونَ مُضْطَرِبًا فِيما يُحِيطُ بِهِ لا يَدْرِي نافِعَهُ مِن ضارِّهِ إلّا بِمَعُونَةِ مَن يُرْشِدُهُ، وكَثُرَ أنْ يُقالَ: أعْمى اللَّهُ بَصَرَهُ، مُرادًا بِهِ أنَّهُ لَمْ يَهْدِهِ، وهَذِهِ هي النُّكْتَةُ في مَجِيءِ تَرْكِيبِ ﴿وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ مُخالِفًا لِتَرْكِيبِ فَأصَمَّهم إذْ لَمْ يَقُلْ: وأعْماهم.
وفِي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ الفَسادَ في الأرْضِ وقَطِيعَةَ الأرْحامِ مِن شِعارِ أهْلِ الكُفْرِ، فَهُما جُرْمانِ كَبِيرانِ يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ اجْتِنابُهُما.
47:24Page 509
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤
Then do they not reflect upon the Qur’ān, or are there locks upon [their] hearts?
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]، أيْ هَلّا تَدَبَّرُوا القُرْآنَ عِوَضَ شَغْلِ بِالِهِمْ في مَجْلِسِكَ بِتَتَبُّعِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، أوْ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] .
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم بِعُقُولٍ غَيْرِ مُنْفَعِلَةٍ بِمَعانِي الخَيْرِ والصَّلاحِ، فَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ مَعَ فَهْمِهِ أوْ لا يَفْهَمُونَهُ عِنْدَ تَلَقِّيهِ وكِلا الأمْرَيْنِ عَجِيبٌ.
والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبٌ مِن سُوءِ عِلْمِهِمْ بِالقُرْآنِ ومِن إعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِهِ.
وحَرْفُ (أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. والمَعْنى: بَلْ عَلى قُلُوبِهِمْ أقْفالٌ وهَذا الَّذِي سَلَكَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وهو الجارِي عَلى كَلامِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، خِلافًا لِما يُوهِمُهُ أوْ تَوَهَّمَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
والتَّدَبُّرُ: التَّفَهُّمُ في دُبُرِ الأمْرِ، أيْ ما يَخْفى مِنهُ وهو مُشْتَقٌّ مِن دُبُرِ الشَّيْءِ، أيْ خَلْفُهُ.
صفحة ١١٤
والأقْفالُ: جَمْعُ قُفْلٍ، وهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ إذْ شُبِّهَتِ القُلُوبُ، أيِ العُقُولُ في عَدَمِ إدْراكِها المَعانِيَ بِالأبْوابِ أوِ الصَّنادِيقِ المُغْلَقَةِ، والأقْفالُ تَخْيِيلٌ كالأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
وإذا المَنِيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفارَها ألْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لا تَنْفَـعُ
وتَنْكِيرُ ”قُلُوبٍ“ لِلتَّنْوِيعِ أوِ التَّبْعِيضِ، أيْ عَلى نَوْعٍ مِنَ القُلُوبِ أقْفالٌ.
والمَعْنى: بَلْ بَعْضُ القُلُوبِ عَلَيْها أقْفالٌ. وهَذا مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ قُلُوبَهم مِن هَذا النَّوْعِ لِأنَّ إثْباتَ هَذا النَّوْعِ مِنَ القُلُوبِ في أثْناءِ التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ تَدَبُّرِ هَؤُلاءِ القُرْآنَ يَدُلُّ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ أنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ القُلُوبِ ذَواتِ الأقْفالِ. فَكَوْنُ قُلُوبِهِمْ مِن هَذا النَّوْعِ مُسْتَفادٌ مِنَ الإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ في حِكايَةِ أحْوالِهِمْ.
ويَدْنُو مِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَهَـا ∗∗∗ أوْ يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
يُرِيدُ نَفْسَهُ لِأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ. . . البَيْتَ، أيْ أنا تَرّاكُ أمْكِنَةٍ.
وإضافَةُ أقْفالٍ إلى ضَمِيرِ قُلُوبٍ نَظْمٌ بَدِيعٌ أشارَ إلى اخْتِصاصِ الأقْفالِ بِتِلْكَ القُلُوبِ، أيْ مُلازَمَتِها لَها فَدَلَّ عَلى أنَّها قاسِيَةٌ.
47:25Page 509
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥
Indeed, those who reverted back [to disbelief] after guidance had become clear to them - Satan enticed them and prolonged hope for them.
﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾
لَمْ يَزَلِ الكَلامُ عَلى المُنافِقِينَ فالَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مُنافِقُونَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ قَوْمٌ مِن أهْلِ النِّفاقِ كانُوا قَدْ آمَنُوا حَقًّا ثُمَّ رَجَعُوا إلى الكُفْرِ لِأنَّهم كانُوا ضُعَفاءَ الإيمانِ قَلِيلِي الِاطْمِئْنانِ وهُمُ الَّذِينَ مَثَّلَهُمُ اللَّهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] الآيَةَ.
صفحة ١١٥
والِارْتِدادُ عَلى الأدْبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ: تَمْثِيلٌ لِلرّاجِعِ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِحالِ مَن سارَ لِيَصِلَ إلى مَكانٍ ثُمَّ ارْتَدَّ في طَرِيقِهِ. ولَمّا كانَ الِارْتِدادُ سَيْرًا إلى الجِهَةِ الَّتِي كانَتْ وراءَ السّائِرِ جُعِلَ الِارْتِدادُ إلى الأدْبارِ، أيْ إلى جِهَةِ الأدْبارِ. وجِيءَ بِحَرْفِ (عَلى) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الِارْتِدادَ مُتَمَكِّنٌ مِن جِهَةِ الأدْبارِ كَما يُقالُ: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
والهُدى: الإيمانُ، وتَبَيَّنَ الهُدى لَهم عَلى هَذا الوَجْهِ تَبَيُّنًا حَقِيقِيًّا لِأنَّهم ما آمَنُوا إلّا بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لَهم هُدى الإيمانِ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ فالإتْيانُ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ لَيْسَ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ الصِّلَةِ بَعْضُ الَّذِينَ كانَ الحَدِيثُ عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ جَمِيعُ المُنافِقِينَ، عُبِّرَ عَنْ تَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ مُشارَكَتِهِمُ المُسْلِمِينَ في أحْوالِهِمْ في مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ والصَّلاةِ مَعَهُ وسَماعِ القُرْآنِ والمَواعِظِ بِالِارْتِدادِ لِأنَّهُ مُفارَقَةٌ لِتِلْكَ الأحْوالِ الطَّيِّبَةِ، أيْ رَجَعُوا إلى أقْوالِ الكُفْرِ وأعْمالِهِ وذَلِكَ إذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ، وتَبَيُّنُ الهُدى عَلى هَذا الوَجْهِ كَوْنُهُ بَيِّنًا في نَفْسِهِ، وهو بَيِّنٌ لَهم لِوُضُوحِ أدِلَّتِهِ ولا غُبارَ عَلَيْهِ، فَهَذا التَّبَيُّنُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، أيْ لَيْسَ مَعَهُ ما يُوجِبُ رَيْبَ المُرْتابِينَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ لَمْ يُقاتِلُوا مَعَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا أنَّ القِتالَ حَقٌّ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، وعَلَيْهِ فَلَعَلَّ المُرادَ: الجَماعَةُ الَّذِينَ انْخَزَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، والِارْتِدادُ عَلى الأدْبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ حَقِيقَةٌ لِأنَّهم رَجَعُوا عَنْ مَوْقِعِ القِتالِ بَعْدَ أنْ نَزَلُوا بِهِ فَرَجَعُوا إلى المَدِينَةِ وكانَتِ المَدِينَةُ خَلْفَهم. وهَذا عِنْدِي أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ وألْيَقُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ [محمد: ٢٦] إلى قَوْلِهِ ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧] . والهُدى عَلى هَذا الوَجْهِ هو الحَقُّ، أيْ مِن بَعْدِ ما عَلِمُوا أنَّ الحَقَّ قِتالُ المُشْرِكِينَ.
وأُوثِرَ أنْ يَكُونَ خَبَرُ (إنَّ) جُمْلَةً لِيَتَأتّى بِالجُمْلَةِ اشْتِمالُها عَلى خَصائِصِ الِابْتِداءِ بِاسْمِ الشَّيْطانِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ في غَرَضِ ذَمِّهِمْ، وأنْ يُسْنَدَ إلى اسْمِهِ مُسْنَدٌ فِعْلِيٌّ لِيُفِيدَ تَقَوِّيَ الحُكْمِ نَحْوُ: هو يُعْطِي الجَزِيلَ.
صفحة ١١٦
والتَّسْوِيلُ: تَسْهِيلُ الأمْرِ الَّذِي يُسْتَشْعَرُ مِنهُ صُعُوبَةٌ أوْ ضُرٌّ وتَزْيِينُ ما لَيْسَ بِحَسَنٍ.
والإمْلاءُ: المَدُّ والتَّمْدِيدُ في الزَّمانِ، ويُطْلَقُ عَلى الإبْقاءِ عَلى الشَّيْءِ كَثِيرًا، أيْ أراهُمُ الِارْتِدادَ حَسَنًا دائِمًا كَما حَكى عَنْهُ في قَوْلِهِ - تَعالى - قالَ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠]، أيْ أنَّ ارْتِدادَهم مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأمْلى لَهُمْ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ إلى المَجْهُولِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ مُسْنَدٌ إلى المُتَكَلِّمِ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى -، أيِ الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأنا أُمْلِي لَهم فَيَكُونُ الكَلامُ وعِيدًا، أيْ أنا أُؤَخِّرُهم قَلِيلًا ثُمَّ أُعاقِبُهم.
47:26Page 509
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦
That is because they said to those who disliked what Allāh sent down,1 "We will obey you in part of the matter." And Allāh knows what they conceal.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ أسْرارَهُمْ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ إذِ التَّقْدِيرُ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ مَظْهَرِ تَسْوِيلِ الشَّيْطانِ لَهُمُ الِارْتِدادَ بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى، فَأُجِيبَ بِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَدْرَجَهم إلى الضَّلالِ عِنْدَما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى فَسَوَّلَ لَهم أنْ يُوافِقُوا أهْلَ الشِّرْكِ والكُفْرِ في بَعْضِ الأُمُورِ مُسَوِلًا أنَّ تِلْكَ المُوافَقَةَ في بَعْضِ الأمْرِ لا تَنْقُضُ اهْتِداءَهم فَلَمّا وافَقُوهم وجَدُوا حَلاوَةَ ما ألِفُوهُ مِنَ الكُفْرِ فِيما وافَقُوا فِيهِ أهْلَ الكُفْرِ فَأخَذُوا يَعُودُونَ إلى الكُفْرِ المَأْلُوفِ حَتّى ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ. وهَذا شَأْنُ النَّفْسِ في مُعاوَدَةِ ما تُحِبُّهُ بَعْدَ الِانْقِطاعِ عَنْهُ إنْ كانَ الِانْقِطاعُ قَرِيبَ العَهْدِ.
فَمَعْنى قالُوا: قالُوا قَوْلًا عَنِ اعْتِقادٍ ورَأْيٍ، وإنَّما قالُوا ﴿فِي بَعْضِ الأمْرِ﴾ احْتِرازًا لِأنْفُسِهِمْ إذا لَمْ يُطِيعُوا في بَعْضِ.
والَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ هُمُ الَّذِينَ كَرِهُوا القُرْآنَ وكَفَرُوا، وهم: إمّا المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ قالَ - تَعالى - فِيهِمْ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] وقَدْ كانَتْ لَهم صِلَةٌ بِأهْلِ يَثْرِبَ فَلَمّا هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى
صفحة ١١٧
٧٢ المَدِينَةِ اشْتَدَّ تَعَهُّدُ أهْلِ مَكَّةَ لِأصْحابِهِمْ مِن أهْلِ يَثْرِبَ لِيَتَطَلَّعُوا أحْوالَ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّهم بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ كانُوا يَكِيدُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ويَتَأهَّبُونَ لِلثَّأْرِ مِنهُمُ الَّذِي أنْجَزُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
وإمّا اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ١١] .
فالمُرادُ بِـ ﴿بَعْضِ الأمْرِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في مَحْمَلِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ [محمد: ٢٥] إفْشاءُ بَعْضِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ وإشْعارُهم بِوَفْرَةِ عَدَدِ المُنافِقِينَ وإنْ كانُوا لا يُقاتِلُونَ لِكَراهَتِهِمُ القِتالَ.
والمُرادُ بِـ ﴿بَعْضِ الأمْرِ﴾ عَلى الوَجْهِ الثّانِي بَعْضُ أمْرِ القِتالِ، يَعْنُونَ تِلْكَ المَكِيدَةُ الَّتِي دَبَّرُوها لِلِانْخِزالِ عَنْ جَيْشِ المُسْلِمِينَ.
والأمْرُ هو: شَأْنُ الشِّرْكِ وما يُلائِمُ أهْلَهُ، أيْ نُطِيعُكم في بَعْضِ الكُفْرِ ولا نُطِيعُكم في جَمِيعِ الشُّئُونِ لِأنَّ ذَلِكَ يَفْضَحُ نِفاقَهم، أوِ المُرادُ في بَعْضِ ما تَأْمُرُونَنا بِهِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ اسْمِ المَفْعُولِ كالخَلْقِ عَلى المَخْلُوقِ.
وأيًّا ما كانَ فَهم قالُوا ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ سِرًّا فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيئَهُ ﷺ ولِذَلِكَ قالَ - تَعالى - ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (أسْرارَهم) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ سِرٍّ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرُ أسَرَّ.
47:27Page 509
فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧
Then how [will it be] when the angels take them in death, striking their faces and their backs?
﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾
الفاءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ [محمد: ٢٥] الآيَةَ وما بَيْنَهُما مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] بِناءً عَلى المَحْمَلِ الأوَّلِ لِلِارْتِدادِ فَيَكُونُ التَّفْرِيعُ لِبَيانِ ما سَيَلْحَقُهم مِنَ العَذابِ عِنْدَ المَوْتِ وهو اسْتِهْلالٌ لِما يَتَواصَلُ مِن عَذابِهِمْ عَنْ مَبْدَأِ المَوْتِ إلى اسْتِقْرارِهِمْ في العَذابِ الخالِدِ.
صفحة ١١٨
ويَجُوزُ عَلى المَحْمَلِ الثّانِي وهو أنَّ المُرادَ الِارْتِدادُ عَنِ القِتالِ وتَكُونُ الفاءُ فَصِيحَةً فَيُفِيدُ: إذا كانُوا فَرَّوا مِنَ القِتالِ هَلَعًا وخَوْفًا فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، أيْ كَيْفَ هَلَعُهم ووَجَلُهُمُ الَّذِي ارْتَدُّوا بِهِما عَنِ القِتالِ. وهَذا يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: أوَّلُهُما أنَّهم مَيِّتُونَ لا مَحالَةَ، وثانِيهُما أنَّ مَوْتَتَهم يَصْحَبُها تَعْذِيبٌ.
فالأوَّلُ مَأْخُوذٌ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] وقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١] .
والثّانِي هو صَرِيحُ الكَلامِ وهو وعِيدٌ لِتَعْذِيبٍ في الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ.
والمَقْصُودُ: وعِيدُهم بِأنَّهم سَيُعَجَّلُ لَهُمُ العَذابُ مِن أوَّلِ مَنازِلَ الآخِرَةِ وهو حالَةُ المَوْتِ.
ولَمّا جُعِلَ هَذا العَذابُ مُحَقَّقًا وُقُوعُهُ رُتِّبَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ عَنْ حالِهِمُ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى تَعْجِيبِ المُخاطَبِ مِن حالِهِمْ عِنْدَ الوَفاةِ، وهَذا التَّعْجِيبُ مُؤْذِنٌ بِأنَّها حالَةٌ فَظِيعَةٌ غَيْرُ مُعْتادَةٍ إذْ لا يُتَعَجَّبُ إلّا مِن أمْرٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، والسِّياقُ يَدُلُّ عَلى الفَظاعَةِ.
و(إذا) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الِاسْتِفْهامِ، تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ حالُهم أوْ عَمَلُهم حِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ.
وكَثُرَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ (كَيْفَ) في أمْثالِ هَذا مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْ (كَيْفَ) وعَنْ (إذا) كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ ويَحْتالُونَ.
وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ كَيْفَ في مِثْلِهِ ظَرْفًا وتَبِعَهُ ابْنُ الحاجِبِ في الكافِيَةِ. ولَعَلَّهُ أرادَ الفِرارَ مِنَ الحَذْفِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ: وعِيدُهم بِهَذِهِ المِيتَةِ الفَظِيعَةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لَهم وجَعَلَ المَلائِكَةَ تَضْرِبُ وُجُوهَهم وأدْبارَهم، أيْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمُ الَّتِي وقَوْها مِن ضَرْبِ السَّيْفِ
صفحة ١١٩
حِينَ فَرُّوا مِنَ الجِهادِ فَإنَّ الوُجُوهَ مِمّا يُقْصَدُ بِالضَّرْبِ بِالسُّيُوفِ عِنْدَ القِتالِ قالَ الحَرِيشُ القُرَيْعِيُّ، أوِ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
نُعَرِّضُ لِلسُّيُوفِ إذا التَقَيْنا وُجُوهًا لا تُعَرَّضُ لِلنِّظامِ
ويَضْرِبُونَ أدْبارَهُمُ الَّتِي كانَتْ مَحَلَّ الضَّرْبِ لَوْ قاتَلُوا، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لَوْ قاتَلُوا لَفَرُّوا فَلا يَقَعُ الضَّرْبُ إلّا في أدْبارِهِمْ.
47:28Page 509
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨
That is because they followed what angered Allāh and disliked [what earns] His pleasure, so He rendered worthless their deeds.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾
الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَوْتِ الفَظِيعِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [محمد: ٢٧] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
واتِّباعُهم ما أسْخَطَ اللَّهَ: هو اتِّباعُهُمُ الشِّرْكَ.
والسُّخْطُ مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ الرِّضا بِالفِعْلِ.
وكَراهَتُهم رِضْوانَ اللَّهِ: كَراهَتُهم أسْبابَ رِضْوانِهِ وهو الإسْلامُ.
وفِي ذِكْرِ اتِّباعِ ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَراهَةَ رِضْوانِهِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ مَرَّتَيْنِ لِلْمُضادَّةِ بَيْنَ السُّخْطِ والرِّضْوانِ، والِاتِّباعِ والكَراهِيَةِ.
والجَمْعُ بَيْنَ الإخْبارِ عَنْهم بِاتِّباعِهِمْ ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَراهَتِهِمْ رِضْوانَهُ مَعَ إمْكانِ الِاجْتِزاءِ بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ضَرْبَ المَلائِكَةِ وُجُوهَ هَؤُلاءِ مُناسِبٌ لِإقْبالِهِمْ عَلى ما أسْخَطَ اللَّهَ، وأنَّ ضَرْبَهم أدْبارَهم مُناسِبٌ لِكَراهَتِهِمْ رِضْوانَهُ لِأنَّ الكَراهَةَ تَسْتَلْزِمُ الإعْراضَ والإدْبارَ، فَفي الكَلامِ أيْضًا مُحَسِّنُ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ.
فَكانَ ذَلِكَ التَّعْذِيبُ مُناسِبًا لِحالَيْ تَوَقِّيهِمْ في الفِرارِ مِنَ القِتالِ ولِلسَّبَبَيْنِ الباعِثَيْنِ عَلى ذَلِكَ التَّوَقِّي.
وفَرَّعَ عَلى اتِّباعِهِمْ ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَراهَتِهِمْ رِضْوانَهُ قالَ ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ فَكانَ اتِّباعُهم ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَراهَتُهم رِضْوانَهُ سَبَبًا في الأمْرَيْنِ: ضَرْبِ المَلائِكَةِ وُجُوهَهم وأدْبارَهم عِنْدَ الوَفاةِ، وإحْباطِ أعْمالِهِمْ.
صفحة ١٢٠
والإحْباطُ: إبْطالُ العَمَلِ، أيْ أبْطَلَ انْتِفاعَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها مَعَ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ومِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ ما هو بِمَعْناهُ في أوَّلِ السُّورَةِ.
47:29Page 509
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩
Or do those in whose hearts is disease think that Allāh would never expose their [feelings of] hatred?
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾
انْتِقالٌ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ إلى الإنْذارِ بِأنَّ اللَّهَ مُطْلِعٌ رَسُولَهُ ﷺ عَلى ما يُضْمِرُهُ المُنافِقُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَكْرِ والكَيْدِ لِيَعْلَمُوا أنَّ أسْرارَهم غَيْرُ خافِيَةٍ فَيُوقِنُوا أنَّهم يَكُدُّونَ عُقُولَهم في تَرْتِيبِ المَكائِدِ بِلا طائِلٍ وذَلِكَ خَيْبَةٌ لِآمالِهِمْ.
و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ في مَعْنى (بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، والِاسْتِفْهامُ المُقَدِّرُ بَعْدَ (أمْ) لِلْإنْكارِ.
وحَرْفُ (لَنْ) لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ، أيْ لا يَحْسَبُونَ انْتِفاءَ إظْهارِ أضْغانِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، كَما انْتَفى ذَلِكَ فِيما مَضى، فَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَفْضَحَ نِفاقَهم.
واسْتُعِيرَ المَرَضُ إلى الكُفْرِ بِجامِعِ الإضْرارِ بِصاحِبِهِ، ولِكَوْنِ الكُفْرِ مَقَرُّهُ العَقْلُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالقَلْبِ كانَ ذِكْرُ القُلُوبِ مَعَ المَرَضِ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ لِأنَّ القَلْبَ مِمّا يُناسِبُ المَرَضَ الخَفِيَّ إذْ هو عُضْوٌ باطِنٌ فَناسَبَ المَرَضَ الخَفِيَّ.
والإخْراجُ أُطْلِقَ عَلى الإظْهارِ والإبْرازِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ الإخْراجَ اسْتِلالُ شَيْءٍ مِن مَكْمَنِهِ، فاسْتُعِيرَ بِخَبَرٍ خَفِيٍّ.
والأضْغانُ: جَمْعُ ضِغْنٍ بِكَسْرِ الضّادِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وهو الحِقْدُ والعَداوَةُ.
والمَعْنى أنَّهُ يُخْرِجُها مِن قُلُوبِهِمْ وكانَ العَرَبُ يَجْعَلُونَ القُلُوبَ مَقَرَّ الأضْغانِ قالَ الشّاعِرُ، وهو مِن شَواهِدِ المِفْتاحِ لِلسَّكّاكِيِّ ولا يُعْرَفُ قائِلُهُ:
الضّارِبِينَ بِكُلِّ أبْيَضَ مِخْذَمِ والطّاعِنِينَ مَجامِعَ الأضْغانِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences