Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Muhammad 47:4–11
47:4–6Page 507
فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤
So when you meet those who disbelieve [in battle], strike [their] necks until, when you have inflicted slaughter upon them, then secure [their] bonds,1 and either [confer] favor2 afterwards or ransom [them] until the war lays down its burdens.3 That [is the command]. And if Allāh had willed, He could have taken vengeance upon them [Himself], but [He ordered armed struggle] to test some of you by means of others. And those who are killed in the cause of Allāh - never will He waste their deeds.
سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ ٥
He will guide them and amend their condition
وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ ٦
And admit them to Paradise, which He has made known to them.
صفحة ٧٨
﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدَ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾
لا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ لِأنَّ فِيها قَوْلَهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ . وهو الحُكْمُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ العِقابُ عَلى ما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن فِداءِ الأسْرى الَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) الآيَةَ، إذْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ ذَلِكَ مُقَرَّرًا يَوْمَئِذٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْفالِ.
والفاءُ لِتَفْرِيعِ هَذا الكَلامِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن إثارَةِ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ بِتَشْنِيعِ حالِ المُشْرِكِينَ وظُهُورِ خَيْبَةِ أعْمالِهِمْ وتَنْوِيهِ حالِ المُسْلِمِينَ وتَوْفِيقِ آرائِهِمْ.
والمَقْصُودُ: تَهْوِينُ شَأْنِهِمْ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ وإغْراؤُهم بِقَطْعِ دابِرِهِمْ، لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مِن مَنافِعِ فِداءِ أسْراهم بِالمالِ لِيَعْبُدَ المُسْلِمُونَ رَبَّهم آمِنِينَ. وذَلِكَ ناظِرٌ إلى آيَةِ سُورَةِ الأنْفالِ وإلى ما يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ .
و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُضَمَّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ غالِبُ اسْتِعْمالِها وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ .
واللِّقاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: المُقابَلَةُ: وهو إطْلاقٌ شَهِيرٌ لِلِّقاءِ. يُقالُ: يَوْمَ اللِّقاءِ، فَلا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا لِقاءُ الحَرْبِ، ويُقالُ: إنْ لَقِيتَ فَلانًا لَقِيتَ مِنهُ أسَدًا، وقالَ النّابِغَةُ:
تَجَنَّبْ بَنِي حُنٍّ فَإنَّ لِقاءَهُـمْ كَرِيهٌ وإنْ لَمْ تَلْقَ إلّا بَصائِرُ
فَلَيْسَ المَعْنى: إذا لَقِيتُمُ الكافِرِينَ في الطَّرِيقِ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ وبِذَلِكَ لا يُحْتاجُ لِذِكْرِ مُخَصَّصٍ لِفِعْلِ لَقِيتُمْ.
والمَعْنى: فَإذا قاتَلْتُمُ المُشْرِكِينَ في المُسْتَقْبَلِ فَأمْعِنُوا في قَتْلِهِمْ حَتّى إذا رَأيْتُمْ أنْ قَدْ خَضَدْتُمْ شَوْكَتَهم، فَأْسِرُوا مِنهم أسْرى.
”وضَرْبَ الرِّقابِ“: كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ يُعَبَّرُ بِها عَنِ القَتْلِ سَواءٌ كانَ بِالضَّرْبِ أمْ
صفحة ٧٩
بِالطَّعْنِ في القُلُوبِ بِالرِّماحِ أوْ بِالرَّمْيِ بِالسِّهامِ، وأُوثِرَتْ عَلى كَلِمَةِ القَتْلِ؛ لِأنَّ في اسْتِعْمالِ الكِنايَةِ بَلاغَةٌ؛ ولِأنَّ في خُصُوصِ هَذا اللَّفْظِ غِلْظَةً وشِدَّةً تُناسِبانِ مَقامَ التَّحْرِيضِ.
والضَّرْبُ هُنا بِمَعْنى: القَطْعُ بِالسَّيْفِ، وهو أحَدُ أحْوالِ القِتالِ عِنْدَهم؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى شَجاعَةِ المُحارِبِ لِكَوْنِهِ مُواجِهًا عَدُوَّهُ وجْهًا لِوَجْهٍ.
والمَعْنى: فاقْتُلُوهم سَواءٌ كانَ القَتْلُ بِضَرْبِ السَّيْفِ، أوْ طَعْنِ الرِّماحِ، أوْ رَشْقِ النِّبالِ، لِأنَّ الغايَةَ مِن ذَلِكَ هو الإثْخانُ.
والَّذِينَ كَفَرُوا: هُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّ اصْطِلاحَ القُرْآنِ مِن تَصارِيفِ مادَّةِ الكُفْرِ، نَحْوِ: الكافِرِينَ، والكُفّارِ، والَّذِينَ كَفَرُوا، هو الشِّرْكُ.
و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. ومَعْنى الغايَةُ مَعَها يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى التَّفْرِيعِ.
والإثْخانُ: الغَلَبَةُ لِأنَّها تَتْرُكُ المَغْلُوبَ كالشَّيْءِ المُثْخَنِ وهو الثَّقِيلُ الصُّلْبُ الَّذِي لا يَخِفُّ لِلْحَرَكَةِ، ويُوصَفُ بِهِ المائِعُ الَّذِي جَمُدَ أوْ قارَبَ الجُمُودَ بِحَيْثُ لا يَسِيلُ بِسُهُولَةٍ، ووُصِفَ بِهِ الثَّوْبُ والحَبْلُ إذا كَثُرَتْ طاقاتُهُما بِحَيْثُ يَعْسُرُ تَفَكُّكُها.
وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى التَّوْهِينِ بِالقَتْلِ، وكِلا المَعْنِيِّينِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإذا فُسِّرَ بِالغَلَبَةِ كانَ المَعْنى حَتّى إذا غَلَبْتُمْ مِنهم مَن وقَعُوا في قَبْضَتِكم أسْرى فَشَدُّوا وثاقَهم. وعَلَيْهِ، فَجَوازُ المَنِّ والفِداءِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ.
وإذا فُسِّرَ الإثْخانُ بِكَثْرَةِ القَتْلِ فِيهِمْ كانَ المَعْنى حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ مِنَ الجَيْشِ إلّا القَلِيلُ فَأْسِرُوا حِينَئِذٍ، أيْ أبْقُوا الأسْرى، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يَخْلُو مِن تَأْوِيلٍ في نَظْمِ الآيَةِ إلّا أنَّ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ أظْهَرُ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأنْفالِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] .
وانْتَصَبَ ضَرْبَ الرِّقابَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ ثُمَّ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ، والتَّقْدِيرُ: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا، فَلَمّا حَذَفَ الفِعْلَ اخْتِصارًا قَدَّمَ المَفْعُولَ المُطْلَقَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ ونابَ مَنابَ الفِعْلِ في العَمَلِ في ذَلِكَ المَفْعُولِ وأُضِيفَ إلى المَفْعُولِ إضافَةَ الأسْماءِ إلى الأسْماءِ لِأنَّ المَصْدَرَ راجِحٌ في الِاسْمِيَّةِ.
صفحة ٨٠
والشَّدُّ: قُوَّةُ الرَّبْطِ، وقُوَّةُ الإمْساكِ.
والوَثاقُ بِفَتْحِ الواوِ: الشَّيْءُ الَّذِي يَوْثَقُ بِهِ، ويَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الواوِ ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ. وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الأسْرِ؛ لِأنَّ الأسْرَ يَسْتَلْزِمُ الوَضْعَ في القَيْدِ يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ.
والمَعْنى: فاقْتُلُوهم، فَإنْ أثْخَنْتُمْ مِنهم فَأْسِرُوا مِنهم.
وتَعْرِيفُ الرِّقابِ والوَثاقَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ فَضَرْبَ رِقابَهم وشُدُّوا وثاقَهم.
والمَنُّ: الإنْعامُ. والمُرادُ بِهِ: إطْلاقُ الأسِيرِ واسْتِرْقاقُهُ فَإنَّ الِاسْتِرْقاقَ مَنٌّ عَلَيْهِ إذْا لَمْ يُقْتَلْ، والفِداءُ: بِكَسْرِ الفاءِ مَمْدُودًا تَخْلِيصُ الأسِيرِ مِنَ الأسْرِ بِعِوَضٍ مِن مالٍ أوْ مُبادَلَةٍ بِأسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ في يَدَيِ العَدُوِّ. وقَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ تَرْجِيحًا لَهُ؛ لِأنَّهُ أعْوَنُ عَلى امْتِلاكِ ضَمِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ لِيُسْتَعْمَلَ بِذَلِكَ بَعْضُهُ.
وانْتَصَبَ ”مَنًّا“ وفِداءً عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بَدَلًا مِن عامِلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: إمّا تَمُنُّونَ وإمّا تَفْدُونَ.
وقَوْلُهُ ”بَعْدُ“ أيْ بَعْدَ الإثْخانِ، وهَذا تَقْيِيدٌ لِإباحَةِ المَنِّ والفِداءِ. وذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى نَظَرِ أمِيرِ الجَيْشِ بِحَسَبِ ما يَراهُ مِنَ المَصْلَحَةِ في أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما فَعَلَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْدَ غَزْوَةِ هَوازِنَ. وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ والأصْلُ عَدَمُ النَّسْخِ، وهَذا رَأْيُ جُمْهُورِ أيِمَّةِ الفِقْهِ وأهْلِ النَّظَرِ.
فَقَوْلُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ في كُلِّ كافِرٍ، أيْ مُشْرِكٍ يَشْمَلُ الرِّجالَ وهُمُ المَعْرُوفُ حَرْبُهم ويَشْمَلُ مَن حارَبَ مَعَهم مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ والأحْبارِ. وهَذِهِ الآيَةُ لِتَحْدِيدِ أحْوالِ القِتالِ وما بَعْدَهُ، لا لِبَيانِ وقْتِ القِتالِ ولا لِبَيانِ مَن هُمُ الكافِرُونَ، لِأنَّ أوْقاتَ القِتالِ مُبِيَّنَةٌ في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ . ومَعْرِفَةُ الكافِرِينَ مَعْلُومَةٌ مِنَ اصْطِلاحِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
ثُمَّ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) في سُورَةِ الأنْفالِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ في القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ والشّافِعِيُّ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ
صفحة ٨١
وهُوَ أحَدُ قَوْلَيْنِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَواهُ الطَّحاوِيُّ، ومِنَ السَلَفِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وعَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وأنَّها تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ في أسْرى المُشْرِكِينَ بَيْنَ القَتْلِ أوِ المَنِّ أوِ الفِداءِ، وأمِيرُ الجَيْشِ مُخَيَّرٌ في ذَلِكَ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ يَرَوْنَ أنَّ مَوْرِدَ الآيَةِ الإذْنُ في المَنِّ أوِ الفِداءِ فَهي ناسِخَةٌ أوْ مُنْهِيَةٌ لِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) إلى قَوْلِهِ ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وهَذا أوْلى مِن جَعْلِها ناسِخَةً لِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ مَوْرِدَ تِلْكَ هو تَعْيِينُ أوْقاتِ المُتارَكَةِ وأوْقاتِ المُحارَبَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هَؤُلاءِ بِحَظْرِ قَتْلِ الأسِيرِ في حِينِ أنَّ التَّخْيِيرَ هُنا وارِدٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَهُما القَتْلُ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ ثُبُوتًا مُسْتَفِيضًا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَ مِن أسْرى بَدْرٍ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ» وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وقَتَلَ أسْرى قُرَيْظَةَ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وقَتَلَ هِلالَ بْنَ خَطَلٍ ومِقْيَسَ بْنَ حُبابَةٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَتَلَ بَعْدَ أُحُدٍ أبا عَزَّةَ الجُمَعِيَّ الشّاعِرَ وذَلِكَ كُلُّهُ لا يُعارِضُ هَذِهِ الآيَةَ لِأنَّها جَعَلَتِ التَّخْيِيرَ لِوَلِيِّ الأمْرِ.
وأيْضًا لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ الِاسْتِرْقاقِ، وهو الأصْلُ في الأسْرى، وهو يُدْخَلُ في المَنِّ إذا اعْتُبِرَ المَنُّ شامِلًا لِتَرْكِ القَتْلِ، ولِأنَّ مُقابَلَةَ المَنِّ بِالفِداءِ تَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِرْقاقَ مَشْرُوعٌ. وقَدْ رَوى ابْنُ القاسِمِ وابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: أنَّ المَنَّ مِنَ العِتْقِ.
وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ: التَّخْيِيرُ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ فَقَطْ دُونَ قَتْلِ الأسِيرِ، فَقَتْلُ الأسِيرِ يَكُونُ مَحْظُورًا. وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُعَضِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ وعَطاءٌ.
وذَهَبَ فَرِيقٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ في الأسِيرِ المُشْرِكِ إلّا القَتْلُ بِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ، ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو المَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ: لا بَأْسَ أنْ يُفادى أسْرى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِأسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِيَدِ
صفحة ٨٢
المُشْرِكِينَ. ورَوى الجَصّاصُ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ فَدى أسِيرَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِأسِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ في ثَقِيفٍ» .
والغايَةُ المُسْتَفادَةُ مِن (حَتّى) في قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّقْيِيدِ، أيْ لِأجْلِ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، أيْ لِيَكُفَّ المُشْرِكُونَ عَنْها فَتَأْمَنُوا مِنَ الحَرْبِ عَلَيْكم ولَيْسَتْ غايَةً لِحُكْمِ القِتالِ.
والمَعْنى يَسْتَمِرُّ هَذا الحُكْمُ بِهَذا لِيَهِنَ العَدُوُّ فَيَتْرُكُوا حَرْبَكم، فَلا مَفْهُومَ لِهَذِهِ الغايَةِ، فالتَّعْلِيلُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. والتَّقْدِيرُ: فَضَرْبَ الرِّقابِ، أيْ لا تَتْرُكُوا القَتْلَ لِأجْلِ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَيَكُونُ وارِدًا مَوْرِدَ التَّعْلِيمِ والمَوْعِظَةِ، أيْ فَلا تَشْتَغِلُوا عِنْدَ اللِّقاءِ لا بِقَتْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِتَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها فَإذا غَلَبْتُمُوهم فاشْتَغِلُوا بِالإبْقاءِ عَلى مَن تَغْلِبُونَهُ بِالأسْرِ لِيَكُونَ المَنُّ بَعْدَ ذَلِكَ أوِ الفِداءُ.
والأوْزارُ: الأثْقالُ، ووَضْعُ الأوْزارِ تَمْثِيلٌ لِانْتِهاءِ العَمَلِ فَشُبِّهَتْ حالَةُ انْتِهاءِ القِتالِ بِحالَةِ وضْعِ الحَمّالِ أوِ المُسافِرِ أثْقالَهُ، وهَذا مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ. وأخَذَ مِنهُ عَبَدُ رَبِّهِ السُّلَمِيُّ، أوْ سُلَيْمٌ الحَنَفِيُّ قَوْلَهُ:
فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّ بِها النَّوى ∗∗∗ كَما قَرَّ عَيْنًا بِالإيابِ المُسافِـرُ
فَشَبَّهَ حالَةَ المُنْتَهِي مِن كُلْفَةٍ بِحالَةِ السّائِرِ يُلْقِي عَصاهُ الَّتِي اسْتَصْحَبَها في سَيْرِهِ.
* * *
﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أُعِيدَ اسْمُ الإشارَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ [محمد: ٣] لِلنُّكْتَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ هُنالِكَ، وهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: الأمْرُ ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلى هُنا، ويُفِيدُ اسْمُ الإشارَةِ تَقْرِيرَ الحُكْمِ ورُسُوخِهِ في النُّفُوسِ.
والجُمْلَةُ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ والمَحْذُوفِ مُعْتَرِضَةٌ ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُقَدَّرِ في المَصْدَرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾
صفحة ٨٣
أيْ أُمِرْتُمْ بِضَرْبِ رِقابِهِمْ، والحالُ أنَّ اللَّهَ لَوْ يَشاءُ لاسْتَأْصَلَهم ولَمْ يُكَلِّفْكم بِقِتالِهِمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ ناطَ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها المُعْتادَةِ وهي أنْ يَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ.
وتَعْدِيَةُ انْتَصَرَ بِحَرْفِ (مِن) مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: انْتَقَمَ.
والِاسْتِدْراكُ راجِعٌ إلى ما في مَعْنى المَشِيئَةِ مِنَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَرَكَ الِانْتِقامَ مِنهم لِسَبَبٍ غَيْرِ ما بَعْدَ الِاسْتِدْراكِ.
والبَلْوُ حَقِيقَتُهُ: الِاخْتِبارُ والتَّجْرِبَةُ، وهو هُنا مَجازٌ في لازِمِهِ وهو ظُهُورُ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن رَفْعِ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ووَقْعِ بَأْسِهِمْ في قُلُوبِ أعْدائِهِمْ ومِن إهانَةِ الكُفّارِ، وهو أنَّ شَأْنَهم بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ.
* * *
(﴿والَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾)
هَذا مِن مَظاهِرِ بَلْوى بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وهو مُقابِلُ ما في قَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإمّا فِداءً﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مِن مَظاهِرِ إهانَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَذُكِرَ هُنا ما هو مِن رِفْعَةِ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
وجُمْلَةُ (﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾) إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ الآيَةَ، فَإنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِقِتالِ المُشْرِكِينَ أعْقَبَ الأمْرَ بِوَعْدِ الجَزاءِ عَلى فِعْلِهِ.
وذِكْرُ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ إذْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَلَنْ يُضِلَّ اللَّهُ أعْمالَكم، وهَكَذا بِأُسْلُوبِ الخِطابِ، فَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِنَ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ؛ لِيَكُونَ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ إفادَةٌ تُقَوِّي الخَبَرَ، ولِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْوِيهِ بِصِلَتِهِ، ولِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ عَلى الصِّلَةِ بِأنَّ تِلْكَ الصِّلَةَ هي عِلَّةُ ما ورَدَ بَعْدَها مِنَ الخَبَرِ.
صفحة ٨٤
فَجُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ المَوْصُولِ، وقُرِنَتْ بِالفاءِ لِإفادَةِ السَّبَبِيَّةِ في تَرَتُّبِ ما بَعْدَ الفاءِ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ لِأنَّ المَوْصُولَ كَثِيرًا ما يُشْرَبُ مَعْنى الشَّرْطِ فَيُقْرَنُ خَبَرُهُ بِالفاءِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ صِيغَةُ الماضِي في فِعْلِ (قاتَلُوا) مُنْصَرِفَةً إلى الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى الشَّرْطِ.
وجُمْلَةُ سَيَهْدِيهِمْ وما عُطِفَ عَلَيْها بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ آنِفًا عَلى مَعْنى إضْلالِ الأعْمالِ وإصْلاحِ البالِ.
ومَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أنَّهُ وصَفَها لَهم في الدُّنْيا فَهم يَعْرِفُونَها بِصِفاتِها، فالجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، أوِ المَعْنى هَداهم إلى طَرِيقِها في الآخِرَةِ فَلا يَتَرَدَّدُونَ في أنَّهم داخِلُونَها، وذَلِكَ مِن تَعْجِيلِ الفَرَحِ بِها. وقِيلَ عَرَّفَها جَعَلَ فِيها عَرْفًا، أيْ رِيحًا طَيِّبًا، والتَّطْيِيبُ مِن تَمامِ حُسْنِ الضِّيافَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قاتَلُوا“ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، فَهو وعْدٌ لِلْمُجاهِدِينَ أحْيائُهم وأمْواتُهم. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (قُتَلُوا) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ مَضْمُونُ الآيَةِ جَزاءَ الشُّهَداءِ، فَهِدايَتُهم وإصْلاحُ بالِهِمْ كائِنانِ في الآخِرَةِ.
47:7Page 507
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧
O you who have believed, if you support Allāh, He will support you and plant firmly your feet.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم عُلِمَ مِنهُ أنَّ ما أمَرَ بِهِ المُسْلِمِينَ مِن قِتالِ الكُفّارِ إنَّما أرادَ مِنهُ نَصْرَ الدِّينِ بِخَضَدِ شَوْكَةِ أعْدائِهِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنْهُ، أتْبَعَهُ بِالتَّرْغِيبِ في نَصْرِ اللَّهِ، والوَعْدِ بِتَكَفُّلِ اللَّهِ لَهم بِالنَّصْرِ إنْ نَصَرُوهُ، وبِأنَّهُ خاذِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِسَبَبِ كَراهِيَتِهِمْ ما شَرَعَهُ مِنَ الدِّينِ.
فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لَهاتِهِ المُناسِبَةِ. وافْتُتِحَ التَّرْغِيبُ بِنِدائِهِمْ بِصِلَةِ الإيمانِ اهْتِمامًا بِالكَلامِ وإيماءً إلى أنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي مِنهم ذَلِكَ، والمَقْصُودُ تَحْرِيضِهِمْ عَلى الجِهادِ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ أنِ اجْتَنَوْا فائِدَتَهُ مُشاهَدَةً يَوْمَ بَدْرٍ.
صفحة ٨٥
ومَعْنى نَصْرِهِمُ اللَّهَ: نَصْرُ دِينِهِ ورَسُولِهِ ﷺ لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ النَّصْرِ في تَنْفِيذِ إرادَتِهِ كَما قالَ ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ [محمد: ٤] .
ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ بَيْنَ تَنْصُرُوا واسْمِ الجَلالَةِ تَقْدِيرُهُ: دِينُ اللَّهِ، لِأنَّهُ يُقالُ: نَصَرَ فُلانٌ فُلانًا، إذا نَصَرَ ذَوِيهِ وهو غَيْرُ حاضِرٍ.
وجِيءَ في الشَّرْطِ بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي الأصْلُ فِيهِ عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ لِلْإشارَةِ إلى مَشَقَّةِ الشَّرْطِ وشِدَّتِهِ لِيُجْعَلَ المَطْلُوبُ بِهِ كالَّذِي يُشَكُّ في وفائِهِ بِهِ.
وتَثْبِيتُ الأقْدامِ: تَمْثِيلٌ لِلْيَقِينِ وعَدَمِ الوَهَنِ بِحالَةِ مَن ثَبَتَتْ قَدَمُهُ في الأرْضِ فَلَمْ يَزَلْ، فَإنَّ الزَّلَلَ وهَنٌ يُسْقِطُ صاحِبَهُ، ولِذَلِكَ يُمَثَّلُ الِانْهِزامُ والخَيْبَةُ والخَطَأُ بِزَلَلِ القَدَمِ قالَ تَعالى ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ [النحل: ٩٤] .
47:8–9Page 507
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨
But those who disbelieve - for them is misery, and He will waste their deeds.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩
That is because they disliked what Allāh revealed, so He rendered worthless their deeds.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ (﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤]) فَإنَّ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَهَذا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٤] الآيَةَ.
والتَّعْسُ: الشَّقاءُ ويُطْلَقُ عَلى عِدَّةِ مَعانٍ: الهَلاكُ، والخَيْبَةُ، والِانْحِطاطُ، والسُّقُوطُ، وهي مَعانٍ تَحُومُ حَوْلَ الشَّقاءِ، وقَدْ كَثُرَ أنْ يُقالَ: تَعْسًا لَهُ، لِلْعاثِرِ البَغِيضِ، أيْ سُقُوطًا وخُرُورًا لا نُهُوضَ مِنهُ. ويُقابِلُهُ قَوْلُهم لِلْعاثِرِ: لَعًا لَهُ، أيِ ارْتِفاعًا، قالَ الأعْشى:
بِذاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةٍ إذا عَـثَـرَتْ فالتَّعْسُ أوْلى لَها مِن أنْ أقُولَ لَعا
وفِي حَدِيثِ الإفْكِ فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها فَقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، لِأنَّ العِثارَ تَعْسٌ.
ومِن بَدائِعِ القُرْآنِ وُقُوعُ فَتَعْسًا لَهم في جانِبِ الكُفّارِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] .
صفحة ٨٦
والفِعْلُ مِنَ التَّعْسِ يَجِيءُ مِن بابِ مَنَعَ وبابِ سَمِعَ، وفي القامُوسِ إذا خاطَبْتَ قُلْتَ: تَعَسْتَ كَمَنَعَ، وإذا حَكَيْتَ قُلْتَ: تَعِسَ كَسَمِعَ.
وانْتَصَبَ تَعْسًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. والتَّقْدِيرُ: فَتَعِسُوا تَعْسَهم، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ مِثْلُ تَبًّا لَهُ، ووَيْحًا لَهُ. وقُصِدَ مِنَ الإضافَةِ اخْتِصاصُ التَّعْسِ بِهِمْ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلى الفاعِلِ لامُ التَّبْيِينِ فَصارَ تَعْسًا لَهم. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، أوْ بِعامِلِهِ المَحْذُوفِ عَلى التَّحْقِيقِ وهو مُخْتارُ ابْنِ مالِكٍ وإنَّ أباهُ ابْنُ هِشامٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْسًا لَهم مُسْتَعْمَلًا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ لِقَصْدِ التَّحْقِيرِ والتَّفْظِيعِ، وذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالاتِ هَذا المُرَكَّبِ مِثْلَ سَقْيًا لَهُ، ورَعْيًا لَهُ، وتَبًّا لَهُ، ووَيْحًا لَهُ، وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ في الآيَةِ فِعْلُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ اللَّهُ: تَعْسًا لَهم، أوْ فَيُقالُ: تَعْسًا لَهم.
ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى تَعْسًا وهو خَبَرُ المَوْصُولِ لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] هُنالِكَ.
والقَوْلُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا﴾ إلَخْ في مَعْناهُ، وفي مَوْقِعِهِ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وفي نُكْتَةِ تَكْرِيرِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ذَلِكَ ﴿بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ [محمد: ٣] .
والإشارَةُ إلى التَّعْسِ وإضْلالِ الأعْمالِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما. والكَراهِيَةُ: البُغْضُ والعَداوَةُ.
و﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ والبَعْثِ، قالَ - تَعالى - ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] .
والباءُ في ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ.
صفحة ٨٧
وإحْباطُ الأعْمالِ إبْطالُها: أيْ جَعْلُها بُطْلًا، أيْ ضائِعَةً لا نَفْعَ لَهم مِنها، والمُرادُ بِأعْمالِهِمْ: الأعْمالُ الَّتِي يَرْجُونَ مِنها النَّفْعَ في الدُّنْيا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَرْجُونَ نَفْعَها في الآخِرَةِ إذْ هم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ وإنَّما كانُوا يَرْجُونَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ رِضا اللَّهِ ورِضا الأصْنامِ لِيَعِيشُوا في سَعَةِ رِزْقٍ وسَلامَةٍ وعافِيَةٍ، وتَسْلَمَ أوْلادُهم وأنْعامُهم، فالأعْمالُ المُحْبَطَةُ بَعْضُ الأعْمالِ المُضَلِّلَةِ، وإحْباطُها هو عَدَمُ تَحَقُّقِ ما رَجَوْهُ مِنها فَهو أخَصُّ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ كَما عَلِمْتَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] أوَّلَ السُّورَةِ.
والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الخاصِّ بَعْدَ العامِّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّها قَدْ تُخَفِّفُ عَنْهم مِنَ العَذابِ فَقَدْ كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنْ ذَلِكَ، كَما في حَدِيثِ «عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أعْمالٍ كانَ يُتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن عَتاقَةٍ ونَحْوِها فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ» أيْ ولَوْ لَمْ يُسْلِمْ لَما كانَ لَهُ فِيها خَيْرٌ.
والمَعْنى: أنَّهم لَوْ آمَنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ لانْتَفَعُوا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الآخِرَةِ وهي المَقْصُودُ الأهَمُّ وفي الدُّنْيا عَلى الجُمْلَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ هَذا الخاصِّ بَعْدَ العامِّ تَأْكِيدُ الخَيْرِ المَذْكُورِ.
47:10Page 507
۞ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا ١٠
Have they not traveled through the land and seen how was the end of those before them? Allāh destroyed [everything] over them,1 and for the disbelievers is something comparable.
﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكَفَرَيْنِ أمْثالُها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٨] الآيَةَ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظائِرِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] في سُورَةِ الرُّومِ وفي سُورَةِ غافِرٍ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، والمَعْنى: ألَيْسَ تَعْسُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَشْهُودًا عَلَيْهِ بِآثارِهِ مِن سُوءِ عاقِبَةِ أمْثالِهِمُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم يَدِينُونَ بِمِثْلِ دِينِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ. والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ والدَّمارُ وهو الهَلْكُ.
صفحة ٨٨
وفِعْلُ (دَمَّرَ) مُتَعَدٍّ إلى المُدَمَّرِ بِنَفْسِهِ، فَيُقالُ: دَمَّرَهُمُ اللَّهُ، وإنَّما عُدِّيَ في الآيَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِلْمُبالَغَةِ في قُوَّةِ التَّدْمِيرِ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ دَمَّرَ لِقَصْدِ العُمُومِ، ثُمَّ جُعِلَ التَّدْمِيرُ واقِعًا عَلَيْهِمْ فَأفادَ مَعْنى دَمَّرَ كُلَّ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، وهو المَفْعُولُ المَحْذُوفُ، وأنَّ التَّدْمِيرَ واقِعٌ عَلَيْهِمْ فَهم مِن مَشْمُولِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١] . والمُرادُ بِالكافِرِينَ: كُفّارُ مَكَّةَ والمَعْنى: ولِكُفّارِكم أمْثالُ عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الدَّمارِ وهَذا تَصْرِيحٌ بِما وقَعَ بِهِ التَّعْرِيضُ لِلتَّأْكِيدِ بِالتَّعْمِيمِ ثُمَّ الخُصُوصِ.
وأمْثالُ: جَمْعُ مِثْلٍ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ، وجَمَعَ الأمْثالَ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَأْصَلَ الكافِرِينَ مَرّاتٍ حَتّى اسْتَقَرَّ الإسْلامُ فاسْتَأْصَلَ صَنادِيدَهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ، ويَوْمَ حُنَيْنٍ بِالسَّيْفِ أيْضًا، وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَهَزَمَهم وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ والمَذَلَّةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وكُلُّ ذَلِكَ مُماثِلٌ لِما سَلَّطَهُ عَلى الأُمَمِ في الغايَةِ مِنهُ وهو نَصْرُ الرَّسُولِ ﷺ ودِينِهِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ ما نَصَرَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ أعْلى قِيمَةً بِكَوْنِهِ بِيَدِهِ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ مُباشَرَةً بِسُيُوفِهِمْ وذَلِكَ أنْكى لِلْعَدُوِّ.
وضَمِيرُ ”أمْثالُها“ عائِدٌ إلى عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّها حالَةُ سُوءٍ.
47:11Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ ١١
That is because Allāh is the protector of those who have believed and because the disbelievers have no protector.
﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أُعِيدَ اسْمُ الإشارَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ [محمد: ٣] وقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ [محمد: ٤] .
واسْمُ الإشارَةِ مُنْصَرِفٌ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] بِتَأْوِيلِ: ذَلِكَ المَذْكُورِ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ بِالتَّدْمِيرِ، وفي تَدْمِيرِهِمُ انْتِصارٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى ما لَقُوا مِنهم مِنَ الأضْرارِ، فَأُفِيدَ أنَّ ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مُسَبَّبٌ عَلى أنَّ اللَّهَ نَصِيرُ الَّذِينَ آمَنُوا وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيلِ وما بَعْدَهُ تَتْمِيمٌ.
صفحة ٨٩
والمَوْلى هُنا: الوَلِيُّ والنّاصِرُ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ دِينَهُ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا ولا يَنْصُرُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، فَأشْرَكُوا مَعَهُ في إلَهِيَّتِهِ وإذا كانَ لا يَنْصُرُهم فَلا يَجِدُونَ نَصِيرًا لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَنْصُرَهم عَلى اللَّهِ، فَنُفِيَ جِنْسُ المَوْلى لَهم بِهَذا المَعْنى مِن مَعانِي المَوْلى.
فَقَوْلُهُ ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أفادَ شَيْئَيْنِ: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُهم، وأنَّهُ إذا لَمْ يَنْصُرُهم فَلا ناصِرَ لَهم، وأمّا إثْباتُ المَوْلى لِلْمُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] إلى قَوْلِهِ ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] فَذَلِكَ المَوْلى بِمَعْنًى آخَرَ، وهو مَعْنى: المالِكِ والرَّبِّ، فَلا تَعارُضَ بَيْنِهِما.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences