Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Fath 48:16–21
48:16Page 513
قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦
Say to those who remained behind of the bedouins, "You will be called to [face] a people of great military might; you may fight them, or they will submit.1 So if you obey, Allāh will give you a good reward; but if you turn away as you turned away before, He will punish you with a painful punishment."
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾
انْتِقالٌ إلى طَمْأنَةِ المُخَلَّفِينَ بِأنَّهم سَيَنالُونَ مَغانِمَ في غَزَواتٍ آتِيَةٍ لِيَعْلَمُوا أنَّ حِرْمانَهم مِنَ الخُرُوجِ إلى خَيْبَرَ مَعَ جَيْشِ الإسْلامِ لَيْسَ لِانْسِلاخِ الإسْلامِ عَنْهم ولَكِنَّهُ لِحِكْمَةِ نَوْطِ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها عَلى طَرِيقَةِ حِكْمَةِ الشَّرِيعَةِ فَهو حِرْمانٌ خاصٌّ بِوَقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وأنَّهم سَيُدْعَوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى قِتالِ قَوْمٍ كافِرِينَ كَما تُدْعى طَوائِفُ المُسْلِمِينَ، فَذِكْرُ هَذا في هَذا المَقامِ إدْخالٌ لِلْمَسَرَّةِ بَعْدَ الحُزْنِ لِيُزِيلَ عَنْهُمُ انْكِسارَ خَواطِرِهِمْ مِن جَرّاءِ الحِرْمانِ. وفي هَذِهِ البِشارَةِ فُرْصَةٌ لَهم لِيَسْتَدْرِكُوا ما جَنَوْهُ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ وكُلُّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْسَلِخُوا عَنِ الإيمانِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُعامِلِ المُنافِقِينَ المُبْطِنِينَ لِلْكُفْرِ بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣]
صفحة ١٧١
وكَرَّرَ وصْفَ ”مِنَ الأعْرابِ“ هُنا لِيُظْهِرَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ قُصِدَ بِها الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] فَلا يَتَوَهَّمُ السّامِعُونَ أنَّ المَعْنِيَّ بِالمُخَلَّفِينَ كُلُّ مَن يَقَعُ مِنهُ التَّخَلُّفُ.
وأُسْنِدَ تُدْعَوْنَ إلى المَجْهُولِ لِأنَّ الغَرَضَ الأمْرُ بِامْتِثالِ الدّاعِي وهو ولِيُّ أمْرِ المُسْلِمِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ في تَذْيِيلِهِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الفتح: ١٧] ودَعْوَةُ خُلَفاءِ الرَّسُولِ ﷺ مِن بَعْدِهِ تَرْجِعُ إلى دَعْوَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ لِقَوْلِهِ ومَن أطاعَ أمْرِي فَقَدْ أطاعَنِي.
وعُدِّيَ فَعْلُ سَتُدْعَوْنَ بِحَرْفِ (إلى) لِإفادَةِ أنَّها مُضَمَّنَةٌ مَعْنى المَشْيِ، وهَذا فَرْقٌ دَقِيقٌ بَيْنَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الدَّعْوَةِ بِحَرْفِ (إلى) وبَيْنَ تَعْدِيَتِهِ بِاللّامِ نَحْوُ قَوْلِكَ: دَعَوْتُ فَلانًا لِما نابَنِي، قالَ طَرَفَةُ:
وإنْ أُدْعَ لِلْجُلّى أكُنْ مِن حُماتِها
وقَدْ يَتَعاقَبُ الِاسْتِعْمالانِ بِضَرْبٍ مِنَ المَجازِ والتَّسامُحِ.
والقَوْمُ أُولُو البَأْسِ الشَّدِيدِ يَتَعَيَّنُ أنَّهم قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ لِأنَّ قَوْلَهُ - تَعالى - ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ القِتالَ لا يُرْفَعُ عَنْهم إلّا إذا أسْلَمُوا، وإنَّما يَكُونُ هَذا حُكْمًا في قِتالِ مُشْرِكِي العَرَبِ إذْ لا تُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَوازِنَ وثَقِيفَ. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، وذَلِكَ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ وهي بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وأمّا فَتْحُ مَكَّةَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ قِتالٌ. وعَنِ الزُّهْرِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّهم أهْلُ الرِّدَّةِ لِأنَّهم مِن قَبائِلِ العَرَبِ المَعْرُوفَةِ بِالبَأْسِ، وكانَ ذَلِكَ صَدْرَ خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وعَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ فَلا نَعْلَمُ مِن هم حَتّى دَعانا أبُو بَكْرٍ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ فَعَلِمْنا أنَّهم هم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ بْنِ أبِي رَباحٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، والحَسَنِ هم فارِسُ والرُّومُ.
وجُمْلَةُ ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ تُدْعَوْنَ، وإمّا بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَضْمُونِ تُدْعَوْنَ.
صفحة ١٧٢
و(أوْ) لِلتَّرْدِيدِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ والتَّنْوِيعِ في حالَةِ تُدْعَوْنَ، أيْ تُدْعَوْنَ إلى قِتالِهِمْ وإسْلامِهِمْ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الإمْعانَ في مُقاتَلَتِهِمْ والِاسْتِمْرارَ فِيها ما لَمْ يُسْلِمُوا، فَبِذَلِكَ كانَ ”﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾“ حالًا مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ”تُقاتِلُونَهم“ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ تُدْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ تَعْبِيرٌ بِالتَّوالِي الَّذِي مَضى، وتَحْذِيرٌ مِنَ ارْتِكابِ مِثْلِهِ في مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ بِأنَّهُ تَوَلٍّ يُوقِعُ في الإثْمِ لِأنَّهُ تَوَلٍّ عَنْ دَعْوَةٍ إلى واجِبٍ وهو القِتالُ لِلْجِهادِ.
فالتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ تَشْبِيهٌ في مُطْلَقِ التَّوَلِّي لِقَصْدِ التَّشْوِيهِ ولَيْسَ تَشْبِيهًا فِيما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ التَّوَلِّي.
48:17Page 513
لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٧
There is not upon the blind any guilt or upon the lame any guilt or upon the ill any guilt [for remaining behind]. And whoever obeys Allāh and His Messenger - He will admit him to gardens beneath which rivers flow; but whoever turns away - He will punish him with a painful punishment.
﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ نُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح: ١٦] وبَيْنَ جُمْلَةِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ الآيَةَ قُصِدَ مِنها نَفْيُ الوَعِيدِ عَنْ أصْحابِ الضَّرارَةِ تَنْصِيصًا عَلى العُذْرِ لِلْعِنايَةِ بِحُكْمِ التَّوَلِّي والتَّحْذِيرِ مِنهُ.
وجُمْلَةُ مَن يُطِعِ اللَّهَ إلَخْ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح: ١٦] الآيَةَ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن إيتاءِ الأجْرِ لِكُلِّ مُطِيعٍ مِنَ المُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ، والتَّعْذِيبِ لِكُلِّ مُتَوَلٍّ كَذَلِكَ، مَعَ ما في جُمْلَةِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ مِن بَيانِ أنَّ الأجْرَ هو إدْخالُ الجَنّاتِ، وهو يُفِيدُ بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ أنَّ التَّعْذِيبَ الألِيمَ بِإدْخالِهِمْ جَهَنَّمَ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ نُدْخِلْهُ ونُعَذِّبْهُ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُدْخِلْهُ“ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ جَرْيًا عَلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ.
48:18–19Page 513
۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨
Certainly was Allāh pleased with the believers when they pledged allegiance to you, [O Muḥammad], under the tree, and He knew what was in their hearts, so He sent down tranquility upon them and rewarded them with an imminent conquest1
وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٩
And much war booty which they will take. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
صفحة ١٧٣
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ عَوْدٌ إلى تَفْصِيلِ ما جازى اللَّهُ بِهِ أصْحابَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ المُتَقَدِّمِ إجْمالُهُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، فَإنَّ كَوْنَ بَيْعَتِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ تُعْتَبَرُ بَيْعَةً لِلَّهِ - تَعالى - أوْمَأ إلى أنَّ لَهم بِتِلْكَ المُبايَعَةِ مَكانَةً رَفِيعَةً مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَمّا قُطِعَ الِاسْتِرْسالُ في ذَلِكَ بِما كانَ تَحْذِيرًا مِنَ النَّكْثِ وتَرْغِيبًا في الوَفاءِ، بِمُناسَبَةِ التَّضادِّ وذِكْرِ ما هو وسَطٌ بَيْنَ الحالَيْنِ وهو حالُ المُخَلَّفِينَ، وإبْطالُ اعْتِذارِهِمْ وكَشْفُ طَوِيَّتِهِمْ، وإقْصائِهِمْ عَنِ الخَيْرِ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُبايِعِينَ وإرْجائِهِمْ إلى خَيْرٍ يَسْنَحُ مِن بَعْدِ إنْ هم صَدَقُوا التَّوْبَةَ وأخْلَصُوا النِّيَّةَ.
فَقَدْ أنالَ اللَّهُ المُبايِعِينَ رِضْوانَهُ وهو أعْظَمُ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ قالَ - تَعالى - ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] والشَّهادَةَ لَهم بِإخْلاصِ النِّيَّةِ، وإنْزالَهُ السَّكِينَةَ قُلُوبَهم ووَعْدَهم بِثَوابِ فَتْحٍ قَرِيبٍ ومَغانِمَ كَثِيرَةٍ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ﴾ إيذانٌ بِأنَّ مَن لَمْ يُبايِعْ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ لَيْسَ حِينَئِذٍ بِمُؤْمِنٍ وهو تَعْرِيضٌ بِالجَدِّ بْنِ قَيْسٍ إذْ كانَ يَوْمَئِذٍ مُنافِقًا ثُمَّ حَسُنَ إسْلامُهُ.
وقَدْ دُعِيَتْ هَذِهِ البَيْعَةُ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ .
و”إذْ يُبايِعُونَكَ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”رَضِيَ“، وفي تَعْلِيقِ هَذا الظَّرْفِ بِفِعْلِ الرِّضا ما يُفْهِمُ أنَّ الرِّضا مُسَبَّبٌ عَنْ مَفادِ ذَلِكَ الظَّرْفِ الخاصِّ بِما أُضِيفَ هو إلَيْهِ، مَعَ ما يُعْطِيهِ تَوْقِيتُ الرِّضا بِالظَّرْفِ المَذْكُورِ مِن تَعْجِيلِ حُصُولِ الرِّضا بِحِدْثانِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ومَعَ ما في جَعْلِ الجُمْلَةِ المُضافِ إلَيْها الظَّرْفُ فِعْلِيَّةً مُضارِعِيَّةً مِن حُصُولِ الرِّضا قَبْلَ انْقِضاءِ الفِعْلِ بَلْ في حالِ تَجَدُّدِهِ.
فالمُضارِعُ في قَوْلِهِ ”يُبايِعُونَكَ“ مُسْتَعْمِلٌ في الزَّمانِ الماضِي لِاسْتِحْضارِ حالَةِ
صفحة ١٧٤
المُبايَعَةِ الجَلِيلَةِ، وكَوْنُ الرِّضا حَصَلَ عِنْدَ تَجْدِيدِ المُبايَعَةِ ولَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ تَمامُها، فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ.
والتَّعْرِيفُ في الشَّجَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ وهي: الشَّجَرَةُ الَّتِي عَهِدَها أهْلُ البَيْعَةِ حِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ جالِسًا في ظِلِّها، وهي شَجَرَةٌ مِن شَجَرِ السَّمُرِ بِفَتْحِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وضَمِّ المِيمِ وهو شَجَرُ الطَّلْحِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ البَيْعَةَ كانَتْ لَمّا أُرْجِفَ بِقَتْلِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ بِمَكَّةَ «. فَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ تَفَرَّقَ النّاسُ في ظِلالِ الشَّجَرِ إذْ نادى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أيُّها النّاسُ البَيْعَةَ البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ فاخْرُجُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي دَعا النّاسَ إلى البَيْعَةِ فَثارَ النّاسُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَبايَعُوهُ كُلُّهم إلّا الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ» .
وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ أنْ عَمِيَ: لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ لَأرَيْتُكم مَكانَ الشَّجَرَةِ.
وتَواتَرَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عِلْمُ مَكانِ الشَّجَرَةِ بِصَلاةِ النّاسِ عِنْدَ مَكانِها. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ المُسَيَّبِ أنَّهُ كانَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: فَلَمّا خَرَجْنا مِنَ العامِ المُقْبِلِ أيْ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ نَسِيناها فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْها. وعَنْ طارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: انْطَلَقْتُ حاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ: ما هَذا المَسْجِدُ ؟ قالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بايَعَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. فَأتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ سَعِيدٌ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَعْلَمُوها وعَلِمْتُمُوها أنْتُمْ، أفَأنْتُمْ أعْلَمُ ؟ ! .
والمُرادُ بِقَوْلِ طارِقٍ: ما هَذا المَسْجِدُ: مَكانُ السُّجُودِ، أيِ الصَّلاةِ، ولَيْسَ المُرادُ البَيْتَ الَّذِي يُبْنى لِلصَّلاةِ لِأنَّ البِناءَ عَلى مَوْضِعِ الشَّجَرَةِ وقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمَنِ فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ كانَتْ مَعْرُوفَةً لِلْمُسْلِمِينَ وكانُوا إذا مَرُّوا بِها يُصَلُّونَ عِنْدَها تَيَمُّنًا بِها إلى أنْ كانَتْ خِلافَةُ عُمَرَ فَأمَرَ بِقَطْعِها خَشْيَةَ أنْ تَكُونَ كَذاتِ أنْواطٍ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، ولا مُعارَضَةَ بَيْنَ ما فَعَلَهُ المُسْلِمُونَ وبَيْنَ ما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ وبَعْضَ أصْحابِهِ نَسُوا مَكانَها لِأنَّ النّاسَ مُتَفاوِتُونَ في تَوَسُّمِ الأمْكِنَةِ واقْتِفاءِ الآثارِ.
صفحة ١٧٥
والمَرْوِيُّ أنَّ الَّذِي بَنى مَسْجِدًا عَلى مَكانِ الشَّجَرَةِ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ الخَلِيفَةُ العَبّاسِيُّ ولَكِنْ في المَسْجِدِ المَذْكُورِ حَجَرٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ أمَرَ عَبْدُ اللَّهِ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ - أكْرَمَهُ اللَّهُ - بِبِناءِ هَذا المَسْجِدِ مَسْجِدِ البَيْعَةِ وأنَّهُ بُنِيَ سَنَةَ أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ ومِائَتَيْنِ، وهي تُوافِقُ مُدَّةَ المُتَوَكِّلِ جَعْفَرِ بْنِ المُعْتَصِمِ وقَدْ تَخَرَّبَ فَجَدَّدَهُ المُسْتَنْصِرُ العَبّاسِيُّ سَنَةَ ٦٢٩ هـ ثُمَّ جَدَّدَهُ السُّلْطانُ مَحْمُودُ خانْ العُثْمانِيُّ سَنَةَ ١٢٥٤ هـ وهو قائِمٌ إلى اليَوْمِ.
وذُكِرَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ تَنْوِيهًا بِالمَكانِ فَإنَّ لِذِكْرِ مَواضِعِ الحَوادِثِ وأزْمانِها مَعانِيَ تُزِيدُ السّامِعَ تَصَوُّرًا ولِما في تِلْكَ الحَوادِثِ مِن ذِكْرى مِثْلِ مَواقِعِ الحُرُوبِ والحَوادِثِ «كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: ويَوْمُ الخَمِيسِ وما يَوْمُ الخَمِيسِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَعُهُ»، الحَدِيثَ. ومَواقِعُ المَصائِبِ وأيّامُها.
و(إذْ) ظَرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ رَضِيَ، أيْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في ذَلِكَ الحِينِ. وهَذا رِضًا خاصٌّ، أيْ تَعَلَّقَ رِضا اللَّهِ - تَعالى - عَنْهم بِتِلْكَ الحالَةِ.
والفاءُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّعْقِيبِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِما في قُلُوبِهِمْ لَيْسَ عَقِبَ رِضاهُ عَنْهم ولا عَقِبَ وُقُوعِ بَيْعَتِهِمْ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ فاءً فَصِيحَةً تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها. والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا بايَعُوكَ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكَآبَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ بَعْدَ الإخْبارِ بِرِضا اللَّهُ عَنْهم لِما في الإخْبارِ بِعِلْمِهِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن إظْهارِ عِنايَتِهِ بِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ قَوْلُهُ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ تَوْطِئَةً لَهُ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ.
والمَعْنى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ مِن أجْلِ مُبايَعَتِهِمْ عَلى نَصْرِكَ فَلَمّا بايَعُوا وتَحَفَّزُوا لِقِتالِ المُشْرِكِينَ ووَقَعَ الصُّلْحُ حَصَلَتْ لَهم كَآبَةٌ في نُفُوسِهِمْ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ اطَّلَعَ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن تِلْكَ الكَآبَةِ، وهَذا مِن عِلْمِهِ الأشْياءَ بَعْدَ وُقُوعِها وهو مِن تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالحَوادِثِ بَعْدَ حُدُوثِها، أيْ عِلْمِهِ بِأنَّها وقَعَتْ وهو تَعَلُّقٌ حادِثٌ مِثْلُ التَّعَلُّقاتِ التَّنْجِيزَيَّةِ.
والمَقْصُودُ بِإخْبارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما حَصَّلَ في قُلُوبِهِمُ الكَآبَةَ عَنْ أنَّهُ قَدَرَ ذَلِكَ
صفحة ١٧٦
لَهم وشَكَرَهم عَلى حُبِّهِمْ نَصْرَ النَّبِيءِ ﷺ بِالفِعْلِ ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ .
والسَّكِينَةُ هُنا هي: الطُّمَأْنِينَةُ والثِّقَةُ بِتَحَقُّقِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ الفَتْحِ والِارْتِياضِ عَلى تَرَقُّبِهِ دُونَ حَسْرَةٍ فَتَرَتَّبَ عَلى عِلْمِهِ ما في قُلُوبِهِمْ إنْزالُهُ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، أيْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَعَبَّرَ بِضَمِيرِهِمْ عِوَضًا عَنْ ضَمِيرِ قُلُوبِهِمْ لِأنَّ قُلُوبَهم هي نُفُوسُهم.
وعُطِفَ ”أثابَهم“ عَلى فِعْلِ رَضِيَ اللَّهُ.
ومَعْنى أثابَهم: أعْطاهم ثَوابًا، أيْ عِوَضًا، كَما يُقالُ في هِبَةِ الثَّوابِ، أيْ عَوَّضَهم عَنِ المُبايَعَةِ بِفَتْحٍ قَرِيبٍ. والمُرادُ: أنَّهُ وعَدَهم بِثَوابٍ هو فَتْحٌ قَرِيبٌ ومَغانِمُ كَثِيرَةٌ، فَفِعْلُ ”أثابَهم“ مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَقْبَلِ.
وهَذا الفَتْحُ هو فَتْحُ خَيْبَرَ فَإنَّهُ كانَ خاصًّا بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وكانَ قَرِيبًا مِن يَوْمِ البَيْعَةِ بِنَحْوِ شَهْرٍ ونِصْفٍ.
والمَغانِمُ الكَثِيرَةُ المَذْكُورَةُ هُنا هي: مَغانِمُ أرْضِ خَيْبَرَ والأنْعامُ والمَتاعُ والحَوائِطُ فَوُصِفَتْ بِـ ”كَثِيرَةً“ لِتَعَدُّدِ أنْواعِها وهي أوَّلُ المَغانِمِ الَّتِي كانَتْ فِيها الحَوائِطُ.
وفائِدَةُ وصْفِ المَغانِمِ بِجُمْلَةِ ”يَأْخُذُونَها“ تَحْقِيقُ حُصُولِ فائِدَةِ هَذا الوَعْدِ لِجَمِيعِ أهْلِ البَيْعَةِ قَبْلَ أنْ يَقَعَ بِالفِعْلِ فَفِيهِ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِكَوْنِ الفَتْحِ قَرِيبًا، وبِشارَةٌ لَهم بِأنَّهم لا يَهْلِكُ مِنهم أحَدٌ قَبْلَ رُؤْيَةِ هَذا الفَتْحِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي مُفِيدَةٌ، تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ لِأنَّ تَيْسِيرَ الفَتْحِ لَهم وما حَصَلَ لَهم فِيهِ مِنَ المَغانِمِ الكَثِيرَةِ مِن أثَرِ عِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي لا يَتَعاصى عَلَيْها شَيْءٌ صَعْبٌ، ومِن أثَرِ حِكْمَتِهِ في تَرْتِيبِ المُسَبِّباتِ عَلى أسْبابِها في حالَةٍ لِيَظُنَّ الرّائِي أنَّها لا تُيَسَّرُ فِيها أمْثالُها.
48:20Page 513
وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَيَهۡدِيَكُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢٠
Allāh has promised you much booty that you will take [in the future] and has hastened for you this [victory] and withheld the hands of people from you - that it may be a sign for the believers and [that] He may guide you to a straight path.
﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ [الفتح: ١٩] إذْ عُلِمَ أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، فَحَقَّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ أنْ
صفحة ١٧٧
يَتَرَقَّبُوا مَغانِمَ أُخْرى فَكانَ هَذا الكَلامُ جَوابًا لَهم، أيْ لَكم مَغانِمُ أُخْرى لا يُحْرَمُ مِنها مَن تَخَلَّفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ وهي المَغانِمُ الَّتِي حَصَلَتْ في الفُتُوحِ المُسْتَقْبَلَةِ.
فالخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلْخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] ولَيْسَ خاصًّا بِالَّذِينَ بايِعُوا.
والوَعْدُ بِالمَغانِمِ الكَثِيرَةِ واقِعٌ في ما سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ وعَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ مِمّا بَلَّغَهُ إلى المُسْلِمِينَ في مَقاماتِ دَعْوَتِهِ لِلْجِهادِ.
ووَصْفُ ”مَغانِمَ“ بِجُمْلَةِ تَأْخُذُونَها لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ.
وبِناءً عَلى ما اخْتَرْناهُ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً يَكُونُ فِعْلُ ”فَعَجَّلَ“ مُسْتَعْمَلًا في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مَجازًا تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، أيْ سَيُعَجِّلُ لَكم هَذِهِ. وإنَّما جَعَلَ نُوالَهم غَنائِمَ خَيْبَرَ تَعْجِيلًا، لِقُرْبِ حُصُولِهِ مِن وقْتِ الوَعْدِ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأخُّرُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إلى ما بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ عَلى أنَّها تَكْمِلَةٌ لِآيَةِ الوَعْدِ الَّتِي قَبْلَها، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ أمَرَ بِوَضْعِها عَقِبَها وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ولَكِنَّ هَذا غَيْرُ مَرْوِيٍّ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ هَذِهِ إلى المَغانِمِ في قَوْلِهِ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ [الفتح: ١٩] وأُشِيرَ إلَيْها عَلى اخْتِلافِ الِاعْتِبارَيْنِ في اسْتِعْمالِ فِعْلِ ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ .
* * *
﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةٍ غَفَلُوا عَنْها حِينَ حَزِنُوا لِوُقُوعِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وهي نِعْمَةُ السَّلْمِ، أيْ كَفِّ أيْدِيَ المُشْرِكِينَ عَنْهم فَإنَّهم لَوْ واجَهُوهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ بِالقِتالِ دُونَ المُراجَعَةِ في سَبَبِ قُدُومِهِمْ لَرَجَعَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ القِتالِ مُتْعَبِينَ. ولَما تَهَيَّأ لَهم فَتْحُ خَيْبَرَ، وأنَّهم لَوِ اقْتَتَلُوا مَعَ أهْلِ مَكَّةَ لَدُحِضَ في ذَلِكَ مُؤْمِنُونَ ومُؤْمِناتٍ كانُوا في مَكَّةَ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥] الآيَةَ.
فالمُرادُ بِـ ”النّاسِ“: أهْلُ مَكَّةَ جَرْيًا عَلى مُصْطَلَحِ القُرْآنِ في إطْلاقِ هَذا اللَّفْظِ غالِبًا.
صفحة ١٧٨
وقِيلَ: المُرادُ كَفُّ أيْدِي الإعْرابِ المُشْرِكِينَ مِن بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ وكانُوا أحْلافًا لِيَهُودِ خَيْبَرَ وجاءُوا لِنُصْرَتِهِمْ لَمّا حاصَرَ المُسْلِمُونَ خَيْبَرَ فَألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَنَكَصُوا.
وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ بَعَثُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا لِيُصِيبُوا مِنَ المُسْلِمِينَ في الحُدَيْبِيَةِ فَأسَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، وهو ما سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿وأيْدِيَكم عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] .
وقِيلَ: كَفَّ أيْدِيَ اليَهُودِ عَنْكم، أيْ عَنْ أهْلِكم وذَرارِيكم إذْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَهْجُمُوا عَلى المَدِينَةِ في مُدَّةِ غَيْبَةِ مُعْظَمِ أهْلِها في الحُدَيْبِيَةِ، وهَذا القَوْلُ لا يُناسِبُهُ إطْلاقُ لَفْظِ النّاسِ في غالِبِ مُصْطَلَحِ القُرْآنِ، والكَفُّ: مَنعُ الفاعِلِ مِن فِعْلٍ أرادَهُ أوْ شَرَعَ فِيهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الكَفِّ الَّتِي هي اليَدُ لِأنَّ أصْلَ المَنعِ أنْ يَكُونَ دَفْعًا بِاليَدِ، ويُقالُ: كَفَّ يَدَهُ عَنْ كَذا، إذا مَنَعَهُ مِن تَناوُلِهِ بِيَدِهِ.
وأُطْلِقَ الكَفُّ هُنا مَجازًا عَلى الصَّرْفِ، أيْ قَدَّرَ اللَّهُ كَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم بِأنْ أوْجَدَ أسْبابَ صَرْفِهِمْ عَنْ أنْ يَتَناوَلُوكم بِضُرٍّ سَواءٌ نَوَوْهُ أوْ لَمْ يَنْوُوهُ، وإطْلاقُ الفِعْلِ عَلى تَقْدِيرِهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ حِينَ لا يَكُونُ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ المَعانِي الإلَهِيَّةِ فِعْلٌ مُناسِبٌ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ، فَإنَّ اللُّغَةَ بُنِيَتْ عَلى مُتَعارَفِ النّاسِ مُخاطِباتِهِمْ وطَرَأتْ مُعْظَمُ المَعانِي الإلَهِيَّةِ بِمَجِيءِ القُرْآنِ فَتُغَيَّرُ عَنِ الشَّأْنِ الإلَهِيِّ بِأقْرَبِ الأفْعالِ إلى مَعْناهُ.
* * *
﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾
الظّاهِرُ أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ وأنَّ ما بَعْدَ الواوِ عِلَّةٌ كَما تَقْتَضِي لامُ كَيْ فَتَعِيَّنَ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ قَبْلَهُ في اللَّفْظِ أوْ عَطْفٌ عَلى تَعْلِيلٍ سَبَقَهُ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى بَعْضِ التَّعْلِيلاتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وهو وإنْ طالَ فَقَدِ اقْتَضَتْهُ التَّنَقُّلاتُ المُتَناسِباتُ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِمَصالِحَ لَهم مِنها ازْدِيادُ إيمانِهِمْ واسْتِحْقاقُهُمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرُ سَيِّئاتِهِمْ
صفحة ١٧٩
واسْتِحْقاقُ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ العَذابَ، ولِتَكُونَ السَّكِينَةُ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ عِبْرَةً لَهم واسْتِدْلالًا عَلى لُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ وعَلى أنَّ وعْدَهُ لا تَأْوِيلَ فِيهِ.
ومَضى كَوْنُ السَّكِينَةِ آيَةً أنَّها سَبَبُ آيَةٍ لِأنَّهم لَمّا نَزَلَتِ السَّكِينَةُ في قُلُوبِهِمُ اطْمَأنَّتْ نُفُوسُهم فَخَلُصَتْ إلى التَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ فَبانَتْ لَها آياتُ اللَّهِ فَتَأْنِيثُ ضَمِيرِ الفِعْلِ لِأنَّ مَعادَهُ السَّكِينَةُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ يُثارُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، حُذِفَ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ في تَقْدِيرِهِ تَوْفِيرًا لِلْمَعْنى. والتَّقْدِيرُ: فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ لِغاياتٍ وحِكَمٍ ولِتَكُونَ آيَةً. فَهو مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ المُقَدَّرِ.
فالتَّقْدِيرُ مَثَلًا: لِيَحْصُلَ التَّعْجِيلُ لَكم بِنَفْعٍ عِوَضًا عَمّا تَرَقَّبْتُمُوهُ مِن مَنافِعِ قِتالِ المُشْرِكِينَ، ولِتَكُونَ هَذِهِ المَغانِمُ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِنكم ومَن يَعْرِفُونَ بِها أنَّهم مِنَ اللَّهِ بِمَكانِ عِنايَتِهِ وأنَّهُ مُوفٍّ لَهم ما وعَدَهم وضامِنٌ لَهم نَصْرَهُمُ المَوْعُودَ كَما ضَمِنَ لَهُمُ المَغانِمَ القَرِيبَةَ والنَّصْرَ القَرِيبَ. وتِلْكَ الآيَةُ تَزِيدُ المُؤْمِنِينَ قُوَّةَ إيمانٍ. وضَمِيرُ (لِتَكُونَ) عَلى هَذِهِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ (هَذِهِ) عَلى أنَّها المُعَلِّلَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْخِصالِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها مَجْمُوعُ قَوْلِهِ ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لِغاياتٍ جَمَّةٍ مِنها ما ذُكِرَ آنِفًا ومِنها سَلامَةُ المُسْلِمِينَ في وقْتٍ هم أحْوَجُ فِيهِ إلى اسْتِبْقاءِ قُوَّتِهِمْ مِنهم إلى قِتالِ المُشْرِكِينَ ادِّخارًا لِلْمُسْتَقْبَلِ.
وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ جُمْلَةَ ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضَةً، وعَلَيْهِ فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ غَيْرُ عاطِفَةٍ وأنَّ ضَمِيرَ (لِتَكُونَ) عائِدٌ إلى المَرَّةِ مِن فِعْلِ ”كَفَّ“: أيِ الكَفَّةِ.
وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو حِكْمَةٌ أُخْرى، أيْ لِيَزُولَ بِذَلِكَ ما خامَرَكم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ فَتَتَجَرَّدُ نُفُوسُكم لِإدْراكِ الخَيْرِ المَحْضِ الَّذِي في أمْرِ الصُّلْحِ وإحالَتِكم عَلى الوَعْدِ فَتُوقِنُوا أنَّ ذَلِكَ هو الحَقُّ فَتَزْدادُوا يَقِينًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ (ويَهْدِيَكم) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الإدامَةِ عَلى الهُدى وهو: الإيمانُ الحاصِلُ لَهم مِن قَبْلُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ.
48:21Page 513
وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢١
And [He promises] other [victories] that you were [so far] unable to [realize] which Allāh has already encompassed.1 And ever is Allāh, over all things, competent.
صفحة ١٨٠
﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾
هَذا مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، فَقَوْلُهُ (أُخْرى) مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ بِجُمْلَةِ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها والخَبَرُ قَوْلُهُ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها.
ومَجْمُوعُ الجُمْلَةِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً فَلَفْظُ (أُخْرى) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”مَغانِمَ“ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَها، أيْ هي نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المَغانِمِ صَعْبَةِ المَنالِ، ومَعْنى المَغانِمِ يَقْتَضِي غانِمِينَ فَعُلِمَ أنَّها لَهم، أيْ غَيْرَ الَّتِي وعَدَهُمُ اللَّهُ بِها، أيْ هَذِهِ لَمْ يَعِدْهُمُ اللَّهُ بِها، ولَمْ نَجْعَلْ (وأُخْرى) عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ (هَذِهِ) عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ إذْ لَيْسَ المُرادُ غَنِيمَةً واحِدَةً بَلْ غَنائِمَ كَثِيرَةً.
ومَعْنى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها: أنَّها مَوْصُوفَةٌ بِعَدَمِ قُدْرَتِكم عَلَيْها، فَلَمّا كانَتْ جُمْلَةُ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها صِفَةً لِـ (أُخْرى) لَمْ يَقْتَضِ مَدْلُولُ الجُمْلَةِ أنَّهم حاوَلُوا الحُصُولَ عَلَيْها فَلَمْ يَقْدِرُوا، وإنَّما المَعْنى: أنَّ صِفَتَها عَدَمُ قُدْرَتِكم عَلَيْها فَلَمْ تَتَعَلَّقْ أطْماعُكم بِأخْذِها.
والإحاطَةُ بِالهَمْزِ: جَعْلُ الشَّيْءِ حائِطًا أيْ حافِظًا، فَأصْلُ هَمْزَتِهِ لِلْجَعْلِ وصارَ بِالِاسْتِعْمالِ قاصِرًا، ومَعْناهُ: احْتَوى عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْ لَهُ مُنْصَرَفًا، فَدَلَّ عَلى شِدَّةِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ قالَ - تَعالى - ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أيْ إلّا أنْ تُغْلَبُوا غَلَبًا لا تَسْتَطِيعُونَ مَعَهُ الإتْيانَ بِهِ.
فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدَرَ عَلَيْها، أيْ قَدَرَ عَلَيْها فَجَعَلَها لَكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها. والمَعْنى: ومَغانِمُ أُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلى نَيْلِها قَدْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْها، أيْ فَأنالَكم إيّاها.
وإلّا لَمْ يَكُنْ لِإعْلامِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ قَدَرَ عَلى ما لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ جَدْوى لِأنَّهم لا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ، أيْ أحاطَ اللَّهُ بِها لِأجْلِكم، وفي مَعْنى الإحاطَةِ إيماءٌ إلى أنَّها كالشَّيْءِ المُحاطِ بِهِ مِن جَوانِبِهِ فَلا يَفُوتُهم مَكانُهُ، جُعِلَتْ كالمَخْبُوءِ لَهم.
ولِذَلِكَ ذَيَّلَ بِقَوْلِهِ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا إذْ هو أمْرٌ مُقَرَّرٌ في عِلْمِهِمْ.
صفحة ١٨١
فَعُلِمَ أنَّ الآيَةَ أشارَتْ إلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ المَغانِمِ: نَوْعٌ مِن مَغانِمَ مَوْعُودَةٍ لَهم قَرِيبَةِ الحُصُولِ وهي مَغانِمُ خَيْبَرَ، ونَوْعٌ هو مَغانِمُ مَرْجُوَّةٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وقْتُ حُصُولِها، ومِنها مَغانِمُ يَوْمِ حُنَيْنٍ وما بَعْدَهُ مِنَ الغَزَواتِ، ونَوْعٌ هو مَغانِمُ عَظِيمَةٌ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ نُوالُها قَدْ أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ ولَعَلَّها مَغانِمُ بِلادِ الرُّومِ وبِلادِ الفُرْسِ وبِلادِ البَرْبَرِ.
وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذا النَّوْعَ الأخِيرَ لا يَنالُهُ جَمِيعُ المُخاطَبِينَ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ في ذِكْرِهِ بِضَمِيرِهِمْ، وهو الَّذِي تَأوَّلَهُ عُمَرُ في عَدَمِ قِسْمَةِ سَوادِ العِراقِ وقَرَأ قَوْلَهُ - تَعالى - والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences