Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Fath 48:22–24
48:22–23Page 513
وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٢٢
And if those [Makkans] who disbelieve had fought you, they would have turned their backs [in flight]. Then they would not find a protector or a helper.
سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٢٣
[This is] the established way of Allāh which has occurred before. And never will you find in the way of Allāh any change.
﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾
هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم عَلى أنَّ بَعْضَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وبَعْضَهُ مَعْطُوفٌ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَما بَيْنَهُما لَيْسَ مِن الِاعْتِراضِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا العَطْفِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ كَفَّ أيْدِي النّاسِ عَنْهم نِعْمَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ بِاسْتِبْقاءِ قُوَّتِهِمْ وعِدَّتِهِمْ ونَشاطِهِمْ.
ولَيْسَ الكَفُّ لِدَفْعِ غَلَبَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم لِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِلْمُسْلِمِينَ عاقِبَةَ النَّصْرِ فَلَوْ قاتَلَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهَزَمَهُمُ المُسْلِمُونَ ولَمْ يَجِدُوا نَصِيرًا، أيْ لَمْ يَنْتَصِرُوا بِجَمْعِهِمْ ولا بِمَن يُعِينُهم.
والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ما أُرِيدَ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإتْيانَ بِضَمِيرِ النّاسِ بِأنْ يُقالَ: ولَوْ قاتَلُوكم، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أنَّ الكُفْرَ هو سَبَبُ تَوْلِيَةِ الأدْبارِ في قِتالِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ.
صفحة ١٨٢
و”الأدْبارُ“ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (ولَّوُا) ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ضَمِيرِ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: لَوَلَّوْكُمُ الأدْبارَ.
و”أل“ لِلْعَهْدِ، أيْ أدْبارَهم، ولِذَلِكَ يَقُولُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ (أل) في مَثْلِهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وهو تَعْوِيضٌ مَعْنَوِيٌّ.
والتَّوْلِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ والِيًا، أيْ لَجَعَلُوا ظُهُورَهم تَلِيكم، أيِ ارْتَدُّوا إلى ورائِهِمْ فَصِرْتُمْ وراءَهم.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ فَإنَّ عَدَمَ وِجْدانِ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ أشُدُّ عَلى المُنْهَزِمِ مِنَ انْهِزامِهِ لِأنَّهُ حِينَ يَنْهَزِمُ قَدْ يَكُونُ لَهُ أمَلٌ بِأنْ يَسْتَنْصِرَ مَن يُنْجِدُهُ فَيَكُرُّ بِهِ عَلى الَّذِينَ هَزَمُوهُ فَإذا لَمْ يَجِدْ ولِيًّا ولا نَصِيرًا تَحَقَّقَ أنَّهُ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ وأصْلُ الكَلامِ لَوَلَّوُا الأدْبارَ وما وجَدُوا ولِيًّا ولا نَصِيرًا.
والوَلِيُّ: المُوالِي والصَّدِيقُ، وهو أعَمُّ مِنَ النَّصِيرِ إذْ قَدْ يَكُونُ الوَلِيُّ غَيْرَ قادِرٍ عَلى إيواءِ ولَيِّهِ وإسْعافِهِ.
والسُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ والعادَةُ.
وانْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) نِيابَةً عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ لِإفادَةِ مَعْنى تَأْكِيدِ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. والمَعْنى: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، أيْ جَعَلَهُ عادَةً لَهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ إذا كانَتْ نِيَّةُ المُؤْمِنِينَ نَصْرَ دِينِ اللَّهِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقالَ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، أيْ أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ النَّصْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ تَكُونَ عاقِبَةُ حُرُوبِهِمْ نَصْرًا وإنْ كانُوا قَدْ يُغْلَبُونَ في بَعْضِ المَواقِعِ كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ وقَدْ قالَ - تَعالى - والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وقالَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى.
وإنَّما يَكُونُ كَمالُ النَّصْرِ عَلى حَسَبِ ضَرُورَةِ المُؤْمِنِينَ وعَلى حَسَبِ الإيمانِ والتَّقْوى، ولِذَلِكَ كانَ هَذا الوَعْدُ غالِبًا لِلرَّسُولِ ومَن مَعَهُ فَيَكُونُ النَّصْرُ تامًّا في حالَةِ الخَطَرِ كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، ويَكُونُ سِجالًا في حالَةِ السِّعَةِ كَما في وقْعَةِ أُحُدٍ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: «اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تَعْبُدُ في الأرْضِ» وقالَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]
صفحة ١٨٣
ويَكُونُ لِمَن بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ مِن جُيُوشِ المُسْلِمِينَ عَلى حَسَبِ تَمَسُّكِهِمْ بِوَصايا الرَّسُولِ ﷺ .
فَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «يَأْتِي زَمانٌ يَغْزُو فِئامٌ مِنَ النّاسِ فَيُقالُ: فِيكم مَن صَحِبَ النَّبِيءَ ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأْتِي زَمانٌ فَيُقالُ: فِيكم مَن صَحِبَ أصْحابَ النَّبِيءَ ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ ثُمَّ يَأْتِي زَمانٌ فَيُقالُ: فِيكم مَن صَحِبَ مَن صاحَبَ النَّبِيءِ ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ» .
ومَعْنى ”خَلَتْ“ مَضَتْ وسَبَقَتْ مِن أقْدَمِ عُصُورِ اجْتِلادِ الحَقِّ والباطِلِ، والمُضافُ إلَيْهِ (قَبْلُ) مَحْذُوفٌ نُوِيَ مَعْناهُ دُونَ لَفْظِهِ، أيْ لَيْسَ في الكَلامِ دالٌّ عَلى لَفْظِهِ ولَكِنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ ”قَبْلُ“ عَلى الضَّمِّ.
وفائِدَةُ هَذا الوَصْفِ الدَّلالَةُ عَلى اطِّرادِها وثَباتِها.
والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الرُّسُلِ قالَ - تَعالى - كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.
ولَمّا وُصِفَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ بِأنَّها راسِخَةٌ فِيما مَضى أعْقَبَ ذَلِكَ بِوَصْفِها بِالتَّحَقُّقِ في المُسْتَقْبَلِ تَعْمِيمًا لِلْأزْمِنَةِ بِقَوْلِهِ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا لِأنَّ اطِّرادَ ذَلِكَ النَّصْرِ في مُخْتَلَفِ الأُمَمِ والعُصُورِ وإخْبارَ اللَّهِ - تَعالى - بِهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ - يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَ تَأْيِيدَ أحْزابِهِ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ كائِنٌ أنْ يَحُولَ دُونَ إرادَةِ اللَّهِ - تَعالى.
48:24Page 514
وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ عَنۡهُم بِبَطۡنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعۡدِ أَنۡ أَظۡفَرَكُمۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٢٤
And it is He who withheld their hands from you and your hands from them within [the area of] Makkah after He caused you to overcome them. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.
﴿وهْوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم وهَذا كَفٌّ غَيْرُ الكَفِّ المُرادِ مِن قَوْلِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيِ القَصْرِ، أيْ لَمْ
صفحة ١٨٤
يَكُفُّهم عَنْكم ولا كَفَّكم عَنْهم إلّا اللَّهَ تَعالى، لا أنْتُمْ ولا هم فَإنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ الشَّرَّ بِكم وأنْتُمْ حِينَ أحَطْتُمْ بِهِمْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَتْلَهم أوْ أسْرَهم فَإنَّ دَواعِيَ امْتِدادِ أيْدِيهِمْ إلَيْكم وامْتِدادِ أيْدِيكم إلَيْهِمْ مُتَوَفِّرَةٌ فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَوانِعَ لَهم ولَكم لاشْتَبَكْتُمْ في القِتالِ، فَكَفَّ أيْدِيَهِمْ عَنْكم بِأنْ نَبَّهَكم إلَيْهِمْ قَبْلَ أنْ يُفاجِئُوكم وكَفَّ أيْدِيَكم عَنْهم حِينَ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويُطْلِقَهم.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى كَفَّ في قَوْلِهِ آنِفًا وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم.
والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ أحَدٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الِاعْتِداءَ عَلى الفَرِيقِ الآخَرِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ ولَكِنَّ ذَلِكَ كانَ بِأسْبابٍ أوْجَدَها اللَّهُ - تَعالى - لِإرادَتِهِ عَدَمَ القِتالِ بَيْنَهم، وهي مِنَّةٌ ثانِيَةٌ مِثْلُ المِنَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم.
وهَذِهِ الآيَةُ أشارَتْ إلى كَفٍّ عَنِ القِتالِ يَسَّرَهُ اللَّهُ رِفْقًا بِالمُسْلِمِينَ وإبْقاءً عَلى قُوَّتِهِمْ في وقْتِ حاجَتِهِمْ إلى ذَلِكَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ ووَقْعَةِ أُحُدٍ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ الأوَّلُونَ عَلى أنَّ هَذا الكَفَّ وقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ. وهَذا يُشِيرُ إلى ما رُوِيَ مِن طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وبَعْضُها في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وقالَ: هو حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وفي بَعْضِها زِيادَةٌ عَلى بَعْضٍ «أنَّ جَمْعًا مِنَ المُشْرِكِينَ يُقَدَّرُ بِسِتَّةٍ أوْ بِاثْنَيْ عَشَرَ أوْ بِثَلاثِينَ أوْ سَبْعِينَ أوْ ثَمانِينَ مُسَلَّحِينَ نَزَلُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُونَ أنْ يَأْخُذُوا المُسْلِمِينَ عَلى غِرَّةٍ فَفَطِنَ لَهُمُ المُسْلِمُونَ فَأخَذُوهم دُونَ حَرْبٍ فَأمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بِإطْلاقِهِمْ» وكانَ ذَلِكَ أيّامَ كانَ السُّفَراءُ يَمْشُونَ بَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ ولَعَلَّ النَّبِيءَ ﷺ أطْلَقَهم تَجَنُّبًا لِما يُعَكِّرُ صَفْوَ الصُّلْحِ.
وضَمائِرُ الغَيْبَةِ راجِعَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِ ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ووَجْهُ عَوْدِهِ إلَيْهِ مَعَ أنَّ الَّذِينَ كَفَّ اللَّهُ أيْدِيَهم فَرِيقٌ غَيْرَ الفَرِيقِ الَّذِي في قَوْلِهِ ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا هو أنَّ عُرْفَ كَلامِ العَرَبِ جارٍ عَلى أنَّ ما يَصْدُرُ مِن بَعْضِ القَوْمِ يُنْسَبُ إلى القَوْمِ بِدُونِ تَمْيِيزٍ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم.
وقَوْلُهُ (﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾) ظاهِرُ كَلامِ الأساسِ: أنَّ حَقِيقَةَ البَطْنِ جَوْفُ الإنْسانِ والحَيَوانِ وأنَّ اسْتِعْمالَهُ في مَعانِي المُنْخَفَضِ مِنَ الشَّيْءِ أوِ المُتَوَسِّطِ مَجازٌ، قالَ
صفحة ١٨٥
الرّاغِبُ: ويُقالُ لِلْجِهَةِ السُّفْلى بَطْنٌ، ولِلْعُلْيا ظَهْرٌ. ويُقالُ: بَطْنُ الوادِي لِوَسَطِهِ. والمَعْرُوفُ مِن إطْلاقِ لَفْظِ البَطْنِ إذا أُضِيفَ إلى المَكانِ أنْ يُرادَ بِهِ وسَطُ المَكانِ كَما في قَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
فِي فِتْيَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهم بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمُوا زُولُوا
أيْ في وسَطِ البَلَدِ الحَرامِ فَإنَّ قائِلَ: زُولُوا، هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أوْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، غَيْرَ أنَّ مَحْمَلَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ وُقُوعُ اخْتِلاطٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ في وسَطِ مَكَّةَ يُفْضِي إلى القِتالِ حَتّى يُمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِكَفِّ أيْدِي بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وكُلُّ ما وقَعَ مِمّا يُفْضِي إلى القِتالِ فَإنَّما وقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ.
فَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا بَطْنَ مَكَّةَ في الآيَةِ عَلى الحُدَيْبِيَةِ مِن إطْلاقِ البَطْنِ عَلى أسْفَلِ المَكانِ، والحُدَيْبِيَةُ قَرِيبَةٌ مَن مَكَّةَ وهي مِن الحِلِّ وبَعْضُ أرْضِها مِنَ الحَرَمِ وهي عَلى الطَّرِيقِ بَيْنَ مَكَّةَ وجُدَّةَ وهي إلى مَكَّةَ أقْرَبُ وتُعْرَفُ اليَوْمَ باسِمِ الشَّمِيسِي، وجَعَلُوا الآيَةَ تُشِيرُ إلى القِصَّةِ المَذْكُورَةِ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ بِرِواياتٍ مُخْتَلِفَةٍ وهي ما قَدَّمْناهُ آنِفًا. ومِنهم مَن زادَ في تِلْكَ القِصَّةِ: أنَّ جَيْشَ المُسْلِمِينَ اتَّبَعُوا العَدُوَّ إلى أنْ دَخَلُوا بُيُوتَ مَكَّةَ وقَتَلُوا مِنهم وأسَرُوا، فَيَكُونُ بَطْنُ مَكَّةَ مَحْمُولًا عَلى مَشْهُورِ اسْتِعْمالِهِ، وهَذا خَبَرٌ مُضْطَرِبٌ ومُنافٍ لِظاهِرِ قَوْلِهِ كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم. ومِنهم مَن أبْعَدَ المَحْمَلَ فَجَعَلَ الآيَةَ نازِلَةً في فَتْحِ مَكَّةَ وهَذا لا يُناسِبُ سِياقَ السُّورَةِ ويُخالِفُ كَلامَ السَّلَفِ مِنَ المُفَسِّرِينَ وهم أعْلَمُ بِالمَقْصُودِ، هَذا كُلُّهُ بِناءً عَلى أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ (﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (كَفَّ)، أيْ كانَ الكَفُّ في بَطْنِ مَكَّةَ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ بِبَطْنِ مَكَّةَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا هو حالٌ مِن ضَمِيرَيْ (عَنْكم) و(عَنْهم) وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ لَوْ كُنْتُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ، أيْ لَوْ لَمْ يَقَعِ الصُّلْحُ فَدَخَلْتُمْ مُحارِبِينَ كَما رَغِبَ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَرِهُوا الصُّلْحَ كَما تَقَدَّمَ فَيَكُونُ إطْلاقُ بَطْنِ مَكَّةَ جارِيًا عَلى الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ، أيْ في وسَطِ مَدِينَةِ مَكَّةَ.
صفحة ١٨٦
ولِهَذا أُوثِرَتْ مادَّةُ الظَّفَرِ في قَوْلِهِ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ دُونَ أنْ يُقالَ: مِن بَعْدِ أنْ نَصَرَكم عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الظَّفَرَ هو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ فَلا يَقْتَضِي وُجُودَ قِتالٍ فالظَّفَرُ أعَمُّ مِنَ النَّصْرِ، أيْ مِن بَعْدِ أنْ أنالَكم ما فِيهِ نَفْعُكم وهو هُدْنَةُ الصُّلْحِ وأنْ تَعُودُوا إلى العُمْرَةِ في العامِ القابِلِ.
ومُناسِبَةُ تَعْرِيفِ ذَلِكَ المَكانِ بِهَذِهِ الإضافَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ جَمْعَ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا مِن أرْضِ الحَرَمِ المَكِّيِّ إذْ نَزَلُوا مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ وهو مِنَ الحَرَمِ وكانُوا أنْصارًا لِأهْلِ مَكَّةَ.
ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ بِفِعْلِ كَفَّ بِاعْتِبارِ تَعْدِيَتِهِ إلى المَعْطُوفِ عَلى مَفْعُولِهِ، أعْنِي: وأيْدِيَكم عَنْهم لِأنَّهُ هو الكَفُّ الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ظَفَرِ المُسْلِمِينَ بِفِئَةِ المُشْرِكِينَ عَلى حَسَبِ تِلْكَ الرِّوايَةِ والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ مِن قَوْلِهِ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ. وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ كَفَّ أيْدِيَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ كانَ لِلْمُسْلِمِينَ إذْ مَنُّوا عَلى العَدْوِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنهُ.
فَعُدِّيَ ”أظْفَرَكم“ بِـ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى أيَّدَكم، وإلّا، فَحَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِالباءِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلَّتِي قَبْلَها، والبَصِيرُ بِمَعْنى العَلِيمِ بِالمَرْئِيّاتِ، أيْ عَلِيمًا بِعَمَلِكم حِينَ أحَطْتُمْ بِهِمْ وسُقْتُمُوهم إلى النَّبِيءِ ﷺ تَظُنُّونَ أنَّكم قاتِلُوهم أوْ آسِرُوهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَعْمَلُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ عَلِيمًا بِما يَعْمَلُونَ مِنَ انْحِدارِهِمْ عَلى غِرَّةٍ مِنكم طامِعِينَ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِن أنْ يَغْلِبُوكم وفي كِلْتا القِراءَتَيْنِ اكْتِفاءٌ، أيْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ويَعْمَلُونَ بَصِيرًا، أوْ بِما يَعْمَلُونَ وتَعْمَلُونَ بَصِيرًا، لِأنَّ قَوْلَهُ كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم يُفِيدُ عَمَلًا لِكُلِّ فَرِيقٍ، أيْ عَلِمَ نَواياكم فَكَفَّها لِحِكْمَةِ اسْتِبْقاءِ قُوَّتِكم وحُسْنِ سُمْعَتِكم بَيْنَ قَبائِلِ العَرَبِ وأنْ لا يَجِدَ المُشْرِكُونَ ذَرِيعَةً إلى التَّظَلُّمِ مِنكم بِالباطِلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences