Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الفتح
Al-Fath
The Victory · Medinan · 29 ayahs
48:1–3Page 511
إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا ١
Indeed, We have given you, [O Muḥammad], a clear conquest1
لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢
That Allāh may forgive for you what preceded of your sin [i.e., errors] and what will follow and complete His favor upon you and guide you to a straight path
وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا ٣
And [that] Allāh may aid you with a mighty victory.
﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾
افْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) ناشِئٌ عَلى ما أُحِلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الكَآبَةِ عَلى أنْ أُجِيبَ المُشْرِكُونَ إلى سُؤالِهِمُ الهُدْنَةَ كَما سَيَأْتِي مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فالتَّأْكِيدُ مَصْرُوفٌ لِلسّامِعِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وأمّا النَّبِيءُ ﷺ فَقَدْ كانَ واثِقًا بِذَلِكَ، وسَيَأْتِي تَبْيِينُ هَذا التَّأْكِيدِ قَرِيبًا.
والفَتْحُ: إزالَةُ غَلْقِ البابِ أوِ الخِزانَةِ قالَ - تَعالى - ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ويُطْلَقُ عَلى النَّصْرِ وعَلى دُخُولِ الغازِي بِلادَ عَدُوِّهِ لِأنَّ أرْضَ كُلِّ قَوْمٍ وبِلادَهم مُواقَعٌ عَنْها فاقْتِحامُ الغازِي إيّاها بَعْدَ الحَرْبِ يُشْبِهُ إزالَةَ الغَلْقِ عَنِ البَيْتِ أوِ الخِزانَةِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ إطْلاقُ الفَتْحِ عَلى النَّصْرِ المُقْتَرِنِ بِدُخُولِ أرْضِ المَغْلُوبِ أوْ بَلَدِهِ ولَمْ يُطْلَقْ عَلى انْتِصارٍ كانَتْ نِهايَتَهُ غَنِيمَةٌ وأسْرٌ دُونَ اقْتِحامِ أرْضٍ فَيُقالُ: فَتْحُ خَيْبَرَ وفَتْحُ مَكَّةَ ولا يُقالُ: فَتْحُ بَدْرٍ. وفَتْحُ أُحُدٍ. فَمَن أطْلَقَ الفَتْحَ عَلى مُطْلَقِ النَّصْرِ فَقَدْ تَسامَحَ، وكَيْفَ وقَدْ عُطِفَ النَّصْرُ عَلى الفَتْحِ في قَوْلِهِ ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] في سُورَةِ الصَّفِّ.
ولَعَلَّ الَّذِي حَداهم عَلى عَدِّ النَّصْرِ مِن مَعانِي مادَّةِ الفَتْحِ أنَّ فَتْحَ البِلادِ هو أعْظَمُ النَّصْرِ لِأنَّ النَّصْرَ يَتَحَقَّقُ بِالغَلَبَةِ وبِالغَنِيمَةِ فَإذا كانَ مَعَ اقْتِحامِ أرْضِ العَدُوِّ
صفحة ١٤٤
فَذَلِكَ نَصْرٌ عَظِيمٌ لِأنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ انْهِزامِ العَدُوِّ أشْنَعَ هَزِيمَةٍ وعَجْزِهِ عَنِ الدِّفاعِ عَنْ أرْضِهِ. وأُطْلِقَ الفَتْحُ عَلى الحُكْمِ قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] الآيَةَ سُورَةِ الم السَّجْدَةِ.
ولِمُراعاةِ هَذا المَعْنى قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالفَتْحِ هَنا فَتْحُ مَكَّةَ وأنَّ مَحْمَلَهُ عَلى الوَعْدِ بِالفَتْحِ. والمَعْنى: سَنَفْتَحُ. وإنَّما جِيءَ في الأخْبارِ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِهِ وتَيَقُّنِهِ، شُبِّهَ الزَّمَنُ المُسْتَقْبَلُ بِالزَّمَنِ الماضِي فاسْتُعْمِلَتْ لَهُ الصِّيغَةُ المَوْضُوعَةُ لِلْمُضِيِّ.
أوْ نَقُولُ اسْتُعْمِلَ ”فَتَحْنا“ بِمَعْنى: قَدَّرْنا لَكَ الفَتْحَ، ويَكُونُ هَذا الِاسْتِعْمالُ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ لِأنَّهُ كَلامُ مِن لَهُ التَّصَرُّفُ في الأشْياءِ لا يَحْجِزُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها مانِعٌ. وقَدْ جَرى عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّهُ لا خِلافَ في إخْبارِهِ، وذَلِكَ أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ عُلُوِّ شَأْنِ المُخْبِرِ مَثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] .
وما يَنْدَرِجُ في هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَتْحِ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ لِأنَّهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ فَعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ما كُنّا نَعُدُّ فَتْحَ مَكَّةَ إلّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يُرِيدُ أنَّهم أيْقَنُوا بِوُقُوعِ فَتْحِ مَكَّةَ بِهَذا الوَعْدِ، وعَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ تَعُدُّونَ أنْتُمُ الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ وقَدْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يُرِيدُ أنَّكم تَحْمِلُونَ الفَتْحَ في قَوْلِهِ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ عَلى فَتْحِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وإنْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ هو الغالِبُ عَلَيْهِ اسْمُ الفَتْحِ.
ويُؤَيِّدُ هَذا المَحْمَلَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الفَتْحِ»، وفي رِوايَةٍ دَخَلَ مَكَّةَ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ عَلى راحِلَتِهِ.
عَلى أنَّ قَرائِنَ كَثِيرَةً تُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَتْحِ المَذْكُورِ في سُورَةِ الفَتْحِ: أُولاها أنَّهُ جَعَلَهُ مُبِينًا.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ جَعَلَ عِلَّتَهُ النَّصْرَ العَزِيزَ ”الثّانِيَةَ“، ولا يَكُونُ الشَّيْءُ عِلَّةً لِنَفْسِهِ.
صفحة ١٤٥
الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿وأثابَهم فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١٨] .
الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ [الفتح: ١٩] .
الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] .
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ في سُورَةِ الفَتْحِ هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وجَعَلُوا إطْلاقَ اسْمِ الفَتْحِ عَلَيْهِ مَجازًا مُرْسَلًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ آلَ إلى فَتْحِ خَيْبَرَ وفَتْحِ مَكَّةَ، أوْ كانَ سَبَبًا فِيهِما «فَعَنِ الزُّهْرِيِّ لَقَدْ كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ أعْظَمَ الفُتُوحِ ذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَ إلَيْها في ألْفٍ وأرْبَعِمِائَةٍ فَلَمّا وقَعَ صُلْحٌ مَشى النّاسُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، أيْ تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَدَخَلَ بَعْضُهم أرْضَ بَعْضٍ مِن أجْلِ الأمْنِ بَيْنَهم، وعَلِمُوا وسَمِعُوا عَنِ اللَّهِ فَما أرادَ أحَدٌ الإسْلامَ إلّا تَمَكَّنَ مِنهُ، فَما مَضَتْ تِلْكَ السَّنَتانِ إلّا والمُسْلِمُونَ قَدْ جاءُوا إلى مَكَّةَ في عَشَرَةِ آلافٍ» اهـ، وفي رِوايَةٍ فَلَمّا كانَتِ الهُدْنَةُ أمِنَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا فالتَقَوْا وتَفاوَضُوا الحَدِيثَ والمُناظَرَةَ فَلَمْ يُكَلَّمْ أحَدٌ يَعْقِلُ بِالإسْلامِ إلّا دَخَلَ فِيهِ. وعَلى هَذا فالمَجازُ في إطْلاقِ مادَّةِ الفَتْحِ عَلى سَبَبِهِ ومَآلِهِ لا في صُورَةِ الفِعْلِ، أيِ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ المَجازِيِّ قَدْ وقَعَ فِيما مَضى فَيَكُونُ اسْمُ الفَتْحِ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، وصِيغَةُ الماضِي اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنَيَيْها فَيَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في إيثارِ هَذا التَّرْكِيبِ.
وقِيلَ: هو فَتْحُ خَيْبَرَ الواقِعِ عِنْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما يَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ [الفتح: ١٥] .
وعَلى هَذِهِ المَحامِلِ فَتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ لِما في حُصُولِ ذَلِكَ مِن تَرَدُّدِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ أوْ تَساؤُلِهِمْ، فَـ «عَنْ عُمَرَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قالَ: أوَفَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَفَتْحٌ» . ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ راجِعًا فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: واللَّهُ ما هَذا بِفَتْحٍ صُدِدْنا عَنِ البَيْتِ وصُدَّ هَدْيُنا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: بِئْسَ الكَلامُ هَذا بَلْ هو أعْظَمُ الفَتْحِ لَقَدْ رَضِيَ المُشْرِكُونَ أنْ يَدْفَعُوكم بِالرّاحِ عَنْ بِلادِهِمْ ويَسْألُوكُمُ القَضِيَّةَ ويُرَغِّبُونَ إلَيْكُمُ الأمانَ وقَدْ كَرِهُوا مِنكم ما كَرِهُوا ولَقَدْ أظْفَرَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّكم سالِمِينَ غانِمِينَ
صفحة ١٤٦
مَأْجُورِينَ، فَهَذا أعْظَمُ الفَتْحِ أنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ وأنا أدْعُوكم في أُخْراكم، أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزابِ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] . فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وهو أعْظَمُ الفُتُوحِ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما فَكَّرْنا فِيما ذَكَرْتَ، ولَأنْتَ أعْلَمُ بِاللَّهِ وبِالأُمُورِ مِنّا» .
وحُذِفَ مَفْعُولُ فَتَحْنا لِأنَّ المَقْصُودَ الإعْلامُ بِجِنْسِ الفَتْحِ لا بِالمَفْتُوحِ الخاصِّ.
واللّامُ في قَوْلِهِ فَتَحْنا لَكَ لامُ العِلَّةِ، أيْ فَتَحْنا لِأجْلِكَ فَتْحًا عَظِيمًا مِثْلَ الَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ قَبْلَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ خِلافًا لِلْأصْلِ في تَرْتِيبِ مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ والِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ لَكَ. والتَّقْدِيرُ: إنّا فَتَحْنا فَتْحًا مُبِينًا لِأجْلِكَ لِغُفْرانِ اللَّهِ لَكَ وإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، وهِدايَتِكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ونَصْرِكَ نَصْرًا عَزِيزًا. وجُعِلَتْ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ عِلَّةً لِلْفَتْحِ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ ما أرادَ اللَّهُ حُصُولَهُ بِسَبَبِ الفَتْحِ، ولَيْسَتْ لامُ التَّعْلِيلِ مُقْتَضِيَةً حَصْرَ الغَرَضِ مِنَ الفِعْلِ المُعَلَّلِ في تِلْكَ العِلَّةِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الأشْياءِ تَكُونُ لَها أسْبابٌ كَثِيرَةٌ فَيُذْكَرُ بَعْضُها مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ وإذْ قَدْ كانَ الفَتْحُ لِكَرامَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى رَبِّهِ - تَعالى - كانَ مِن عِلَّتِهِ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ مَغْفِرَةً عامَّةً إتْمامًا لِلْكَرامَةِ فَهَذِهِ مَغْفِرَةٌ خاصَّةٌ بِالنَّبِيءِ ﷺ هي غَيْرُ المَغْفِرَةِ الحاصِلَةِ لِلْمُجاهِدِينَ بِسَبَبِ الجِهادِ والفَتْحِ.
فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عِنْدَ حُصُولِ هَذا الفَتْحِ غُفْرانَ جَمِيعِ ما قَدْ يُؤاخِذُ اللَّهُ عَلى مَثْلِهِ رُسُلَهُ حَتّى لا يَبْقى لِرَسُولِهِ ﷺ ما يَقْصُرُ بِهِ عَنْ بُلُوغِ نِهايَةِ الفَضْلِ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ. فَجَعَلَ هَذِهِ المَغْفِرَةَ جَزاءً لَهُ عَلى إتْمامِ أعْمالِهِ الَّتِي أُرْسِلَ لِأجْلِها مِنَ التَّبْلِيغِ والجِهادِ والنَصَبِ والرَّغْبَةِ إلى اللَّهِ.
فَلَمّا كانَ الفَتْحُ حاصِلًا بِسَعْيِهِ وتَسَبُّبِهِ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ لَهُ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهُ غُفْرانَ ذُنُوبِهِ بِعِظَمِ أثَرِ ذَلِكَ الفَتْحِ بِإزاحَةِ الشِّرْكِ وعُلُوِّ كَلِمَةِ اللَّهِ - تَعالى - وتَكْمِيلِ
صفحة ١٤٧
النُّفُوسِ وتَزْكِيَتِها بِالإيمانِ وصالِحِ الأعْمالِ حَتّى يَنْتَشِرَ الخَيْرُ بِانْتِشارِ الدِّينِ ويَصِيرُ الصَّلاحُ خُلُقًا لِلنّاسِ يَقْتَدِي فِيهِ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وكُلُّ هَذا إنَّما يُناسِبُ فَتْحَ مَكَّةَ. وهَذا هو ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] مِن قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١] أيْ إنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ غُفِرَ لَكَ أعْظَمَ مَغْفِرَةٍ وهي المَغْفِرَةُ الَّتِي تَلِيقُ بِأعْظَمِ مَن تابَ عَلى تائِبٍ، ولَيْسَتْ إلّا مَغْفِرَةَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ سابِقِها وما عَسى أنْ يَأْتِيَ مِنها مِمّا يَعُدُّهُ النَّبِيءُ ﷺ ذَنْبًا لِشِدَّةِ الخَشْيَةِ مِن أقَلِّ التَّقْصِيرِ كَما يُقالُ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وإنْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ مَعْصُومًا مِن أنْ يَأْتِيَ بَعْدَها بِما يُؤاخَذُ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما المَعْنى التَّشْرِيفُ بِهَذا الحُكْمِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ذُنُوبٌ، ولِهَذا المَعْنى اللَّطِيفِ الجَلِيلِ كانَتْ سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] مُؤْذِنَةً بِاقْتِرابِ أجَلِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما فَهِمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .
والتَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مِنَ الأحْوالِ النِّسْبِيَّةِ لِلْمَوْجُوداتِ الحَقِيقِيَّةِ أوِ الِاعْتِبارِيَّةِ يُقالُ: تَقَدَّمَ السّائِرُ في سَيْرِهِ عَلى الرَّكْبِ، ويُقالُ: نُزُولُ سُورَةِ كَذا عَلى سُورَةِ كَذا ولِذَلِكَ يَكْثُرُ الِاحْتِياجُ إلى بَيانِ ما كانَ بَيْنَهُما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ بِذَكَرِ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلٍ تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ. وقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ، وقَدْ يُقْطَعُ النَّظَرُ عَلى اعْتِبارِ مُتَعَلِّقٍ فَيَنْزِلُ الفِعْلُ مَنزِلَةَ الأفْعالِ غَيْرِ النِّسْبِيَّةِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في المُتَعَلِّقاتِ وأكْثَرُ ذَلِكَ إذا جُمِعَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ كَقَوْلِهِ هُنا ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ .
والمُرادُ بِـ ”ما تَقَدَّمَ“: تَعْمِيمُ المَغْفِرَةِ لِلذَّنْبِ كَقَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فَلا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ أوْ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ ذَنْبٌ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهُ - تَعالى - رَفَعَ قَدْرَهُ رَفْعَةَ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبٍ لَوْ قُدِّرَ صُدُورُهُ مِنهُ وقَدْ مَضى شَيْءٌ مِن بَيانِ مَعْنى الذَّنْبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] في سُورَةِ القِتالِ.
وإنَّما أُسْنِدَ فِعْلُ ”لِيَغْفِرَ“ إلى اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُسْنَدَ إلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ قَصْدًا لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ المَغْفِرَةِ لِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ أنْفُذُ في السَّمْعِ وأجْلَبُ لِلتَّنْبِيهِ وذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ وبِمُتَعَلِّقِهِ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ أُنُفٌ لَمْ يَكُنْ
صفحة ١٤٨
لِلرَّسُولِ ﷺ عِلْمٌ بِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يَبْرُزِ الفاعِلُ في ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ﴾ لِأنَّ إنْعامَ اللَّهِ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ وهِدايَتَهُ مَعْلُومَةٌ وإنَّما أخْبَرَ بِازْدِيادِهِما.
وإتْمامُ النِّعْمَةِ: إعْطاءُ ما لَمْ يَكُنْ أعْطاهُ إيّاهُ مِن أنْواعِ النِّعْمَةِ مِثْلَ إسْلامِ قُرَيْشٍ وخَلاصِ بِلادِ الحِجازِ كُلِّها لِلدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ، وخُضُوعِ مَن عانَدَهُ وحارَبَهُ، وهَذا يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فَذَلِكَ ما وعَدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ وحَصَلَ بَعْدَ سِنِينَ.
ومَعْنى ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾: يَزِيدَكَ هَدْيًا لَمْ يُسْبَقْ وذَلِكَ بِالتَّوْسِيعِ في بَيانِ الشَّرِيعَةِ والتَّعْرِيفِ بِما لَمْ يَسْبِقْ تَعْرِيفُهُ بِهِ مِنها، فالهِدايَةُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ثابِتَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن وقْتِ بِعْثَتِهِ ولَكِنَّها تَزْدادُ بِزِيادَةِ بَيانِ الشَّرِيعَةِ وبِسِعَةِ بِلادِ الإسْلامِ وكَثْرَةِ المُسْلِمِينَ مِمّا يَدْعُو إلى سُلُوكِ طَرائِقَ كَثِيرَةٍ في إرْشادِهِمْ وسِياسَتِهِمْ وحِمايَةِ أوْطانِهِمْ ودَفْعِ أعْدائِهِمْ، فَهَذِهِ الهِدايَةُ مُتَجَمِّعَةٌ مِنَ الثَّباتِ عَلى ما سَبَقَ هَدْيَهُ إلَيْهِ، ومِنَ الهِدايَةِ إلى ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الهِدايَةِ.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: مُسْتَعارٌ لِلدِّينِ الحَقِّ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
وتَنْوِينُ صِراطٍ لِلتَّعْظِيمِ. وانْتَصَبَ ”صِراطًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”يَهْدِي“ بِتَضْمِينِ مَعْنى الإعْطاءِ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ كَما تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ.
والنَّصْرُ العَزِيزُ: غَيْرُ نَصْرِ الفَتْحِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ جَعَلَ عِلَّةَ الفَتْحِ فَهو ما كانَ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وما عَقِبَهُ مِن دُخُولِ قَبائِلِ العَرَبِ في الإسْلامِ بِدُونِ قِتالٍ، وبَعْثِهِمُ الوُفُودَ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِيَتَلَقَّوْا أحْكامَ الإسْلامِ ويَعْلَمُوا أقْوامَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ.
ووُصْفُ النَّصْرِ بِالعَزِيزِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ وإنَّما العَزِيزُ هو النَّبِيءُ ﷺ المَنصُورُ، أوْ أُرِيدَ بِالعَزِيزِ المُعِزِّ كالسَّمِيعِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ:
أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ
أيِ المُسْمِعِ، وكالحَكِيمِ عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ.
والعِزَّةُ: المَنَعَةُ.
وإنَّما أُظْهِرَ اسْمُ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِالضَّمِيرِ اهْتِمامًا
صفحة ١٤٩
بِهَذا النَّصْرِ وتَشْرِيعًا لَهُ بِإسْنادِهِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِصَراحَةِ الظّاهِرِ، والصَّراحَةُ أدْعى إلى السَّمْعِ، والكَلامُ مَعَ الإظْهارِ أعْلَقُ بِالذِّهْنِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ .
48:4Page 511
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٤
It is He who sent down tranquility into the hearts of the believers that they would increase in faith along with their [present] faith. And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth, and ever is Allāh Knowing and Wise.
﴿هو الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] . وحَصَلَ مِنها الِانْتِقالُ إلى ذِكْرِ حَظِّ المُسْلِمِينَ مِن هَذا الفَتْحِ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ هم جُنُودُ اللَّهِ الَّذِينَ قَدْ نُصِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِهِمْ كَما قالَ - تَعالى - ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] فَكانَ في ذِكْرِ عِنايَةِ اللَّهِ بِإصْلاحِ نُفُوسِهِمْ وإذْهابِ خَواطِرِ الشَّيْطانِ عَنْهم وإلْهامِهِمْ إلى الحَقِّ في ثَباتِ عَزْمِهِمْ، وقُرارَةِ إيمانِهِمْ تَكْوِينٌ لِأسْبابِ نَصْرِ النَّبِيءِ ﷺ والفَتْحِ المَوْعُودِ بِهِ لِيَنْدَفِعُوا حِينَ يَسْتَنْفِرَهم إلى العَدُوِّ بِقُلُوبٍ ثابِتَةٍ، ألا تَرى أنَّ المُؤْمِنِينَ تَبَلْبَلَتْ نُفُوسُهم مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ إذِ انْصَرَفُوا عَقِبَهُ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ بَعْدَ أنْ جاءُوا لِلْعُمْرَةِ بِعَدَدٍ عَدِيدٍ حَسِبُوهُ لا يُغْلَبُ، وأنَّهم إنْ أرادَهُمُ العَدُوُّ بِسُوءٍ أوْ صَدَّهم عَنْ قَصْدِهِمْ قابَلُوهُ فانْتَصَرُوا عَلَيْهِ وأنَّهم يَدْخُلُونَ مَكَّةَ قَسْرًا. وقَدْ تَكَلَّمُوا في تَسْمِيَةِ ما حَلَّ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ فَتْحًا كَما عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ فَلَمّا بَيَّنَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ اطْمَأنَّتْ نُفُوسُهم بَعْدَ الِاضْطِرابِ ورَسَخَ يَقِينُهم بَعْدَ خَواطِرِ الشَّكِّ فَلَوْلا ذَلِكَ الِاطْمِئْنانُ والرُّسُوخُ لَبَقَوْا كاسِفِي البالِ شَدِيدِي البِلْبالِ، فَذَلِكَ الِاطْمِئْنانُ هو الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ بِالسَّكِينَةِ، وسُمِّيَ إحْداثُهُ في نُفُوسِهِمْ إنْزالًا لِلسَّكِينَةِ في قُلُوبِهِمْ فَكانَ النَّصْرُ مُشْتَمِلًا عَلى أشْياءَ مِن أهَمِّها إنْزالُ السَّكِينَةِ، وكانَ إنْزالُ السَّكِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا النَّصْرِ نَظِيرَ التَّأْلِيفِ بَيْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مَعَ اخْتِلافِ قَبائِلِهِمْ وما كانَ بَيْنَهُما مِنَ الأمْنِ في الجاهِلِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّصْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٢] .
وإنْزالُها: إيقاعُها في العَقْلِ والنَّفْسِ وخَلْقُ أسْبابِها الجَوْهَرِيَّةِ والعارِضَةِ، وأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ الإيقاعِ فِعْلُ الإنْزالِ تَشْرِيفًا لِذَلِكَ الوِجْدانِ بِأنَّهُ كالشَّيْءِ الَّذِي هو مَكانٌ مُرْتَفِعٌ فَوْقَ النّاسِ فَأُلْقِيَ إلى قُلُوبِ النّاسِ، وتِلْكَ رِفْعَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ مُرادٌ بِها شَرَفُ ما
صفحة ١٥٠
أُثْبِتَتْ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ. ولَمّا كانَ مِن عَواقِبِ تِلْكَ السَّكِينَةِ أنَّها كانَتْ سَبَبًا لِزَوالِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ في نُفُوسِهِمْ مِنَ التَّأْوِيلِ لِوَعْدِ اللَّهِ إيّاهم بِالنَّصْرِ عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ، وحَمْلِهِ عَلى النَّصْرِ المَعْنَوِيِّ لِاسْتِبْعادِهِمْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَتْحًا، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ اطْمَأنَّتْ نُفُوسُهم، فَزالَ ما خامَرَها وأيْقَنُوا أنَّهُ وعْدُ اللَّهِ وأنَّهُ واقِعٌ فانْقَشَعَ عَنْهم ما يُوشِكُ أنْ يُشَكِّكَ بَعْضَهم فَيَلْتَحِقَ بِالمُنافِقِينَ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، فَإنَّ زِيادَةَ الأدِلَّةِ تُؤَثِّرُ رُسُوخَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ في العَقْلِ وقُوَّةَ التَّصْدِيقِ.
وهَذا اصْطِلاحٌ شائِعٌ في القُرْآنِ وجُعِلَ ذَلِكَ الِازْدِيادُ كالعِلَّةِ لِإنْزالِ السَّكِينَةِ في قُلُوبِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ السَّكِينَةَ إذا حَصَلَتْ في قُلُوبِهِمْ رَسَخَ إيمانُهم، فَعُومِلَ المَعْلُومُ حُصُولُهُ مِنَ الفِعْلِ مُعامَلَةَ العِلَّةِ وأُدْخِلَ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّعْلِيلِ وهو لامُ كَيْ وجُعِلَتْ قُوَّةُ الإيمانِ بِمَنزِلَةِ إيمانٍ آخَرَ دَخَلَ عَلى الإيمانِ الأسْبَقِ لِأنَّ الواحِدَ مِن أفْرادِ الجِنْسِ إذا انْضَمَّ إلى أفْرادٍ أُخَرَ زادَها قُوَّةً فَلِذَلِكَ عَلِقَ بِالإيمانِ ظَرْفُ (مَعَ) في قَوْلِهِ ﴿مَعَ إيمانِهِمْ﴾ فَكانَ في ذَلِكَ الحادِثِ خَيْرٌ عَظِيمٌ لَهم كَما كانَ فِيهِ خَيْرٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ كانَ سَبَبًا لِتَشْرِيفِهِ بِالمَغْفِرَةِ العامَّةِ ولِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ ولِهِدايَتِهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ولِنَصْرِهِ نَصْرًا عَزِيزًا، فَأعْظِمْ بِهِ حَدَثًا أعْقَبَ هَذا الخَيْرَ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِأصْحابِهِ.
* * *
﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ لِأنَّهُ أفادَ أنْ لا عَجَبَ في أنْ يَفْتَحَ اللَّهُ لَكَ فَتْحًا عَظِيمًا ويَنْصُرَكَ عَلى أقْوامٍ كَثِيرِينَ أشِدّاءَ نَصْرًا صَحِبَهُ إنْزالُ السَّكِينَةِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ خامَرَهُمُ الفَشَلُ وانْكِسارُ الخَواطِرِ، فاللَّهُ مَن يَمْلِكُ جَمِيعَ وسائِلِ النَّصْرِ ولَهُ القُوَّةُ القاهِرَةُ في السَّماواتِ والأرْضِ وما هَذا نَصْرُ إلّا بَعْضِ مِمّا لِلَّهِ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ.
والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ وجُمْلَةُ التَّذْيِيلِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِها وهو ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ.
وأُطْلِقَ عَلى أسْبابِ النَّصْرِ الجُنُودُ تَشْبِيهًا لِأسْبابِ النَّصْرِ بِالجُنُودِ الَّتِي تُقاتِلُ وتَنْتَصِرُ.
صفحة ١٥١
وفِي تَعْقِيبِ جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِجُمْلَةِ التَّذْيِيلِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن جُنُودِ اللَّهِ وأنَّ إنْزالَ السَّكِينَةِ في قُلُوبِهِمْ تَشْدِيدٌ لِعَزائِمِهِمْ، فَتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ قَبْلَ هَذا العُمُومِ وبَعْدَهُ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِمْ، ويُومِئُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ.
فَمِن جُنُودِ السَّماواتِ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُنْزِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، والرِّيحُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلى العَدُوِّ يَوْمَ الأحْزابِ، والمَطَرُ الَّذِي أُنْزِلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَثَبَّتَ اللَّهُ بِهِ أقْدامَ المُسْلِمِينَ.
ومِن جُنُودِ الأرْضِ جُيُوشُ المُؤْمِنِينَ وعَدِيدُ القَبائِلِ الَّذِينَ جاءُوا مُؤْمِنِينَ مُقاتِلِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مَثْلُ بَنِي سُلَيْمٍ، ووُفُودُ القَبائِلِ الَّذِينَ جاءُوا مُؤْمِنِينَ طائِعِينَ دُونَ قِتالٍ في سَنَةِ الوُفُودِ.
والجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ، والجُنْدُ اسْمٌ لِجَماعَةِ المُقاتِلِينَ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الجَماعاتِ لِأنَّ الجَيْشَ يَتَألَّفُ مِن جُنُودٍ: مُقَدِّمَةٍ، ومَيْمَنَةٍ، ومَيْسَرَةٍ، وقَلْبٍ، وساقَةٍ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ في ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِإفادَةِ الحَصْرِ، وهو حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ إذْ لا اعْتِدادَ بِما يَجْمَعُهُ المُلُوكُ والفاتِحُونَ مِنَ الجُنُودِ لِغَلَبَةِ العَدُوِّ بِالنِّسْبَةِ لِما لِلَّهِ مِنَ الغَلَبَةِ لِأعْدائِهِ والنَّصْرِ لِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الفَتْحِ والنَّصْرِ وإنْزالِ السَّكِينَةِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ.
والمَعْنى: أنَّهُ عَلِيمٌ بِأسْبابِ الفَتْحِ والنَّصْرِ وعَلِيمٌ بِما تَطْمَئِنُّ بِهِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ البَلْبَلَةِ وأنَّهُ حَكِيمٌ يَضَعُ مُقْتَضَياتِ عِلْمِهِ في مَواضِعِها المُناسِبَةِ وأوْقاتِها المُلائِمَةِ.
48:5Page 511
لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥
[And] that He may admit the believing men and the believing women to gardens beneath which rivers flow to abide therein eternally and remove from them their misdeeds - and ever is that, in the sight of Allāh, a great attainment –
﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] فَما بَعْدَ اللّامِ عِلَّةٌ لِعِلَّةِ إنْزالِ السَّكِينَةِ فَتَكُونُ عِلَّةً لِإنْزالِ السَّكِينَةِ أيْضًا بِواسِطَةِ أنَّهُ عِلَّةُ العِلَّةِ.
صفحة ١٥٢
وذِكْرُ المُؤْمِناتِ مَعَ المُؤْمِنِينَ هُنا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ بِهَذا الإدْخالِ مُخْتَصًّا بِالرِّجالِ.
وإذْ كانَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ صِيغَةَ المُذَكَّرِ مَعَ ما قَدْ يُؤَكِّدُ هَذا التَّوَهُّمَ مِن وُقُوعِهِ عِلَّةً أوْ عِلَّةَ عِلَّةٍ لِلْفَتْحِ ولِلنَّصْرِ ولِلْجُنُودِ وكُلِّها مِن مُلابَساتِ الذُّكُورِ، وإنَّما كانَ لِلْمُؤْمِناتِ حَظٌّ في ذَلِكَ لِأنَّهُنَّ لا يَخْلُونَ مِن مُشارَكَةٍ في تِلْكَ الشَّدائِدِ مِمَّنْ يُقِمْنَ مِنهُنَّ عَلى المَرْضى والجَرْحى وسَقْيِ الجَيْشِ وقْتَ القِتالِ ومِن صَبْرِ بِعْضِهِنَّ عَلى الثُّكْلِ أوِ التَّأيُّمِ، ومِن صَبْرِهِنَّ عَلى غَيْبَةِ الأزْواجِ والأبْناءِ وذَوِي القَرابَةِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ إلى المَذْكُورِ مِن إدْخالِ اللَّهِ إيّاهُمُ الجَنَّةَ.
والمُرادُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ إدْخالٌ خاصٌّ وهو إدْخالُهم مَنازِلَ المُجاهِدِينَ ولَيْسَ هو الإدْخالُ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِالإيمانِ وصالِحِ الأعْمالِ الأُخْرى.
ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ .
والفَوْزُ: مَصْدَرٌ، وهو الظَّفْرُ بِالخَيْرِ والنَّجاحِ. و﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”فَوْزًا“، أيْ فازُوا عِنْدَ اللَّهِ بِمَعْنى: لَقُوا النَّجاحَ والظَّفْرَ في مُعامَلَةِ اللَّهِ لَهم بِالكَرامَةِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ المُعامَلَةِ ذاتِ الكَرامَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences