Ibn 'AshurAl‑Hujurat · 49:4–6

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Hujurat 49:4–6

49:4–5Page 515

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤

Indeed, those who call you, [O Muḥammad], from behind the chambers - most of them do not use reason.

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

And if they had been patient until you [could] come out to them, it would have been better for them. But Allāh is Forgiving and Merciful.

صفحة ٢٢٤

﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] بَيانًا بِالمِثالِ وهو سَبَبُ النُّزُولِ.

فَهَذا شُرُوعٌ في الغَرَضِ والَّذِي نَشَأ عَنْهُ ما أوْجَبَ نُزُولَ صَدْرِ السُّورَةِ فافْتُتِحَ بِهِ؛ لِأنَّ التَّحْذِيرَ والوَعْدَ اللَّذَيْنِ جُعِلا لِأجْلِهِ صالِحانِ لِأنْ يَكُونا مُقَدِّمَةً لِلْمَقْصُودِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ نَسْجٌ بَدِيعٌ وإيجازٌ جَلِيلٌ وإنْ خالَفَ تَرْتِيبُ ذِكْرِهِ تَرْتِيبَ حُصُولِهِ في الخارِجِ، وقَدْ صادَفَ هَذا التَّرْتِيبُ المَحَزَّ أيْضًا إذْ كانَ نِداؤُهم مِن وراءِ الحُجُراتِ مِن قَبِيلِ الجَهْرِ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَكانَ النَّهْيُ عَنِ الجَهْرِ لَهُ بِالقَوْلِ تَخَلُّصًا لِذِكْرِ نِدائِهِ مِن وراءِ الحُجُراتِ.

والمُرادُ بِالَّذِينَ يُنادُونَ النَّبِيءَ ﷺ مِن وراءِ الحُجُراتِ جَماعَةٌ مِن وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ جاءُوا المَدِينَةَ في سَنَةِ تِسْعٍ وهي سَنَةُ الوُفُودِ وكانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أوْ أكْثَرَ.

وكانَ سَبَبُ وُفُودِ هَذا الوَفْدِ إلى النَّبِيءِ ﷺ أنَّ بَنِي العَنْبَرِ مِنهم كانُوا قَدْ شَهَرُوا السِّلاحَ عَلى خُزاعَةَ، وقِيلَ كانُوا مَنَعُوا إخْوانَهم بَنِي كَعْبِ بْنِ العَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ مِن إعْطاءِ الزَّكاةِ، وكانَ بَنُو كَعْبٍ قَدْ أسْلَمُوا مِن قَبْلُ، ولَمْ أقِفْ عَلى وقْتِ إسْلامِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّهم أسْلَمُوا في سَنَةِ الوُفُودِ «فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشْرَ بْنَ سُفْيانَ ساعِيًا لِقَبْضِ صَدَقاتِ بَنِي كَعْبٍ، فَمَنَعَهم بَنُو العَنْبَرِ فَبَعَثَ النَّبِيءُ ﷺ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ في خَمْسِينَ مِنَ العَرَبِ لَيْسَ فِيهِمْ أنْصارِيٌّ ولا مُهاجِرِيٌّ فَأُسِرَ مِنهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وإحْدى عَشْرَةَ امْرَأةً وثَلاثِينَ صَبِيًّا. فَجاءَ في أثَرِهِمْ جَماعَةٌ مِن رُؤَسائِهِمْ لِفِدائِهِمْ فَجاءُوا المَدِينَةَ» .

وكانَ خَطِيبُهم عُطارِدَ بْنَ حاجِبِ بْنِ زُرارَةَ، وفِيهِمْ سادَتُهُمُ الزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ، وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، ومَعَهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ الغَطَفانِيُّ وكانَ هَذانِ الأخِيرانِ أسْلَما مِن قَبْلُ وشَهِدا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ غَزْوَةَ الفَتْحِ، ثُمَّ جاءَ مَعَهُمُ الوَفْدُ فَلَمّا دَخَلَ الوَفْدُ المَسْجِدَ وكانَ وقْتَ القائِلَةِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ نائِمٌ في

صفحة ٢٢٥

حُجْرَتِهِ، نادَوْا جَمِيعًا وراءَ الحُجُراتِ: (يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا ثَلاثًا، فَإنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ، وإنَّ ذَمَّنا شَيْنٌ، نَحْنُ أكْرَمُ العَرَبِ) سَلَكُوا في عَمَلِهِمْ هَذا مَسْلَكَ وُفُودِ العَرَبِ عَلى المُلُوكِ والسّادَةِ، كانُوا يَأْتُونَ بَيْتَ المَلِكِ أوِ السَّيِّدِ فَيَطِيفُونَ بِهِ يُنادُونَ لِيُؤْذَنَ لَهم كَما ورَدَ في قِصَّةِ وُرُودِ النّابِغَةِ عَلى النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ.

وقَوْلُهم: إنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ، طَرِيقَةٌ كانُوا يَسْتَدِرُّونَ بِها العُظَماءَ لِلْعَطاءِ فَإضافَةُ: مَدْحِنا وذَمِّنا إلى الضَّمِيرِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ. فَلَمّا خَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قالُوا: جِئْناكَ نُفاخِرُكَ فائْذَنْ لِشاعِرِنا وخَطِيبِنا إلى آخَرِ القِصَّةِ.

وقَوْلُهم: نُفاخِرُكَ، جَرَوْا فِيهِ عَلى عادَةِ الوُفُودِ مِنَ العَرَبِ أنْ يَذْكُرُوا مَفاخِرَهم وأيّامَهم، ويَذْكُرَ المَوْفُودُ عَلَيْهِمْ مَفاخِرَهم، وذَلِكَ مَعْنى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ في قَوْلِهِمْ: نُفاخِرُكَ، وكانَ جُمْهُورُهم لَمْ يَزالُوا كُفّارًا حِينَئِذٍ وإنَّما أسْلَمُوا بَعْدَ أنْ تَفاخَرُوا وتَناشَدُوا الأشْعارَ.

فالمُرادُ بِـ الَّذِينَ يُنادُونَكَ رِجالُ هَذا الوَفْدِ. وإسْنادُ فِعْلِ النِّداءِ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ لِأنَّ جَمِيعَهم نادَوْهُ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ووَقَعَ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ الَّذِي نادى النِّداءَ هو الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعَلَيْهِ فَإسْنادُ فِعْلِ ”يُنادُونَكَ“ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ عَنْ نِسْبَةِ فِعْلِ المَتْبُوعِ إلى أتْباعِهِ إذْ كانَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ مُقَدَّمَ الوَفْدِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] .

ونَفِيُ العَقْلِ عَنْهم مُرادٌ بِهِ عَقْلُ التَّأدُّبِ الواجِبِ في مُعامَلَةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ عَقَلُ التَّأدُّبِ المَفْعُولِ عَنْهُ في عادَتِهِمُ الَّتِي اعْتادُوها في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الجَفاءِ والغِلْظَةِ والعُنْجُهِيَّةِ، ولَيْسَ فِيها تَحْرِيمٌ ولا تَرَتُّبُ ذَنْبٍ.

وإنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يُنادِ النَّبِيءَ ﷺ مِثْلَ نِدائِهِمْ، ولَعَلَّ المَقْصُودَ اسْتِثْناءُ اللَّذَيْنِ كانا أسْلَما مِن قَبْلُ.

فَهَذِهِ الآيَةُ تَأْدِيبٌ لَهم وإخْراجٌ لَهم مِن مَذامِّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ.

والوَراءُ: الخَلْفُ، وهو جِهَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ بِحَسَبِ مَوْقِعِ ما يُضافُ إلَيْهِ.

صفحة ٢٢٦

والمَعْنى: أنَّ الحُجُراتِ حاجِزَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ فَهم لا يَرَوْنَهُ فَعَبَّرَ عَنْ جِهَةِ مَن لا يَرى بِأنَّها وراءُ.

و(مِن) لِلِابْتِداءِ، أيْ يُنادُونَكَ نِداءً صادِرًا مِن وراءِ الحُجُراتِ فالمُنادُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ كانُوا وراءَ حُجُراتِهِ فالَّذِي يَقُولُ: نادانِي فُلانٌ وراءَ الدّارِ، لا يُرِيدُ وراءَ مَفْتَحِ الدّارِ ولا وراءَ ظَهْرِها ولَكِنْ أيَّ جِهَةٍ مِنها وكانَ القَوْمُ المُنادُونَ في المَسْجِدِ فَهم تُجاهَ الحُجُراتِ النَّبَوِيَّةِ، ولَوْ قالَ: نادانِي فُلانٌ وراءَ الدّارِ، دُونَ حَرْفِ (مِن)، لَكانَ مُحْتَمِلًا لِأنْ يَكُونَ المُنادِي والمُنادى كِلاهُما في جِهَةٍ وراءَ الدّارِ، وأنَّ المَجْرُورَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ولِهَذا أُوثِرَ جَلْبُ (مِن) لِيَدُلَّ بِالصَّراحَةِ عَلى أنَّ المُنادى كانَ داخِلَ الحُجُراتِ لِأنَّ دَلالَةَ (مِن) عَلى الِابْتِداءِ تَسْتَلْزِمُ اخْتِلافًا بَيْنَ المَبْدَأِ والمُنْتَهى كَذا أشارَ في الكَشّافِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَعْنِي أنَّ اجْتِلابَ حَرْفِ (مِن) لِدَفْعِ اللَّبْسِ فَلا يُنافِي أنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ هَذا الفَرْقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] في سُورَةِ الرُّومِ. وفِيما ذَكَرْنا ما يَدْفَعُ الِاعْتِراضاتِ عَلى صاحِبِ الكَشّافِ.

فَلَفْظُ وراءَ هُنا مَجازٌ في الجِهَةِ المَحْجُوبَةِ عَنِ الرُّؤْيَةِ.

والحُجُراتُ، بِضَمَّتَيْنِ ويَجُوزُ فَتْحُ الجِيمِ: جَمَعُ حُجْرَةٍ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وهي البُقْعَةُ المَحْجُورَةُ، أيِ الَّتِي مُنِعَتْ مِن أنْ يَسْتَعْمِلَها غَيْرُ حاجِرِها فَهي فُعْلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ كَغُرْفَةٍ، وقُبْضَةٍ. وفي الحَدِيثِ: ”«أيْقِظُوا صَواحِبَ الحُجَرِ» “ يَعْنِي أزْواجَهُ، وكانَتِ الحُجُراتُ تُفْتَحُ إلى المَسْجِدِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”الحُجُراتِ“ بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ الجِيمِ.

وكانَتِ الحُجُراتُ تِسْعًا وهي مِن جَرِيدِ النَّخْلِ، أيِ الحَواجِزِ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ والأُخْرى، وعَلى أبْوابِها مُسُوحٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ وعَرْضُ البَيْتِ مِن بابِ الحُجْرَةِ إلى بابِ البَيْتِ نَحْوَ سَبْعَةِ أذْرُعٍ، ومِساحَةُ البَيْتِ الدّاخِلِ، أيِ الَّذِي في داخِلِ الحُجْرَةِ عَشَرَةُ أذْرُعٍ، أيْ فَتَصِيرُ مِساحَةُ الحُجْرَةِ مَعَ البَيْتِ سَبْعَةَ عَشَرَ

صفحة ٢٢٧

ذِراعًا. قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: كُنْتُ أدْخُلُ بُيُوتَ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ في خِلافَةِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ فَأتَناوَلُ سُقُفَها بِيَدِي.

وإنَّما ذَكَرَ الحُجُراتِ دُونَ البُيُوتِ لِأنَّ البَيْتَ كانَ بَيْتًا واحِدًا مُقَسَّمًا إلى حُجُراتٍ تِسْعٍ.

وتَعْرِيفُ الحُجُراتِ بِاللّامِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ يُنادُونَكَ مُؤَذِنٌ بِأنَّ الحُجُراتِ حُجُراتُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعَرَّفْ بِالإضافَةِ.

وهَذا النِّداءُ وقَعَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يُنادُونَكَ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ نِدائِهِمْ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم أنَّهُ يُكْسِبُهم وقارًا بَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ ويَسْتَدْعِي لَهُمُ الإقْبالَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ إذْ يَخْرُجُ إلَيْهِمْ غَيْرَ كارِهٍ لِنِدائِهِمْ إيّاهُ، ورَفْعِ أصْواتِهِمْ في مَسْجِدِهِ فَكانَ فِيما فَعَلُوهُ جَلافَةً.

فَقَوْلُهُ ”خَيْرًا“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ تَفْضِيلٍ، ويَكُونُ في المَعْنى: لَكانَ صَبْرُهم أفْضَلَ مِنَ العَجَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا ضِدَّ الشَّرِّ، أيْ لَكانَ صَبْرُهم خَيْرًا لِما فِيهِ مِن مَحاسِنِ الخُلُقِ بِخِلافِ ما فَعَلُوهُ فَلَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فالآيَةُ تَأْدِيبٌ لَهم وتَعْلِيمُهم مَحاسِنَ الأخْلاقِ وإزالَةُ العَوائِدِ الجاهِلِيَّةِ الذَّمِيمَةِ.

وإيثارُ (حَتّى) في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ﴾ دُونَ (إلى) لِأجْلِ الإيجازِ بِحَذْفِ حَرْفِ (أنْ) فَإنَّهُ مُلْتَزَمٌ حَذْفُهُ بَعْدَ (حَتّى) بِخِلافِهِ بَعْدَ (إلى) فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ.

وفِي تَعْقِيبِ هَذا اللَّوْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُحْصِ عَلَيْهِمْ ذَنْبًا فِيما فَعَلُوا ولا عَرَّضَ لَهم بِتَوْبَةٍ.

والمَعْنى: واللَّهُ شَأْنُهُ التَّجاوُزُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ رَحْمَةً بِالنّاسِ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا جاهِلِينَ.

49:6Page 516

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦

O you who have believed, if there comes to you a disobedient one with information, investigate, lest you harm a people out of ignorance and become, over what you have done, regretful.

صفحة ٢٢٨

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾

هَذا نِداءٌ ثالِثٌ ابْتُدِئَ بِهِ غَرَضٌ آخَرُ وهو آدابُ جَماعاتِ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وقَدْ تَضافَرَتِ الرِّواياتُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ والحارِثِ بْنِ ضِرارَةَ الخُزاعِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَنْ سَبَبِ قَضِيَّةٍ حَدَثَتْ. ذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ مِن خُزاعَةَ لِيَأْتِيَ بِصَدَقاتِهِمْ فَلَمّا بَلَغَهم مَجِيئُهُ، أوْ لَمّا اسْتَبْطَئُوا مَجِيئَهُ، فَإنَّهم خَرَجُوا لِتَلَقِّيهِ أوْ خَرَجُوا لِيُبَلِّغُوا صَدَقاتِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ وعَلَيْهِمُ السِّلاحُ، وأنَّ الوَلِيدَ بَلَغَهُ أنَّهم خَرَجُوا إلَيْهِ بِتِلْكَ الحالَةِ وهي حالَةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ في تَلَقِّي المُصَّدِّقِينَ وحَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ أنَّهم يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، أوْ لَمّا رَآهم مُقْبِلِينَ كَذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ خافَ أنْ يَكُونُوا أرادُوا قَتْلَهُ إذْ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم شَحْناءُ مِن زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ فَوَلّى راجِعًا إلى المَدِينَةِ.

( هَذا ما جاءَ في رِواياتٍ أرْبَعٍ مُتَّفِقَةٍ في صِفَةِ خُرُوجِهِمْ إلَيْهِ مَعَ اخْتِلافِها في بَيانِ الباعِثِ لَهم عَلى ذَلِكَ الخُرُوجِ وفي أنَّ الوَلِيدَ أُعْلِمَ بِخُرُوجِهِمْ إلَيْهِ أوْ رَآهم أوِ اسْتَشْعَرَتْ نَفْسُهُ خَوْفًا وأنَّ الوَلِيدَ جاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: إنَّ بَنِي المُصْطَلِقِ أرادُوا قَتْلِي وإنَّهم مَنَعُوا الزَّكاةِ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهَمَّ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ لِيَنْظُرَ في أمْرِهِمْ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ بَعَثَ خالِدًا وأمَرَهُ بِأنْ لا يَغْزُوَهم حَتّى يَسْتَثْبِتَ أمْرَهم وأنْ خالِدًا لَمّا بَلَغَ دِيارَ القَوْمِ بَعَثَ عَيْنًا لَهُ يَنْظُرُ حالَهم فَأخْبَرَهُ أنَّهم يُقِيمُونَ الأذانَ والصَّلاةَ فَأخْبَرَهم بِما بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهم وقَبَضَ زَكاتَهم وقَفَلَ راجِعًا.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم ظَنُّوا مِن رُجُوعِ الوَلِيدِ أنْ يَظُنَّ بِهِمْ مَنعَ الصَّدَقاتِ فَجاءُوا النَّبِيءَ ﷺ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ خالِدٌ إلَيْهِمْ مُتَبَرِّئِينَ مِن مَنعِ الزَّكاةِ ونِيَّةِ الفَتْكِ بِالوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ. وفي رِوايَةٍ أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى المَدِينَةِ وجَدُوا الجَيْشَ خارِجًا إلى غَزْوِهِمْ.

فَهَذا تَلْخِيصُ هَذِهِ الرِّواياتِ وهي بِأسانِيدَ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ في الصَّحِيحِ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَضِيَّتانِ أُخْرَيانِ، وهَذا أشْهَرُ.

ولِنَشْتَغِلِ الآنَ بِبَيانِ وجْهِ المُناسَبَةِ لِمَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها فَإنَّ

صفحة ٢٢٩

الِانْتِقالَ مِنها إلى هَذِهِ يَقْتَضِي مُناسِبَةً بَيْنَهُما، فالقِصَّتانِ مُتَشابِهَتانِ إذْ كانَ وفْدُ بَنِي تَمِيمٍ النّازِلَةُ فِيهِمُ الآيَةُ السّابِقَةُ جاءُوا مُعْتَذِرِينَ عَنْ رَدِّهِمْ ساعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَبْضِ صَدَقاتِ بَنِي كَعْبِ بْنِ العَنْبَرِ مِن تَمِيمٍ كَما تَقَدَّمَ، وبَنُو المُصْطَلِقِ تَبَرَّءُوا مِن أنَّهم يَمْنَعُونَ الزَّكاةَ إلّا أنَّ هَذا يُناكِدُهُ بُعْدُ ما بَيْنَ الوَقْتَيْنِ إلّا أنْ يَكُونَ في تَعْيِينِ سَنَةِ وفْدِبَنِي تَمِيمٍ وهْمٌ.

وإعادَةُ الخِطابِ بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفَصْلُهُ بِدُونِ عاطِفٍ لِتَخْصِيصِ هَذا الغَرَضِ بِالِاهْتِمامِ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] .

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلْمُناسَبَةِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها.

ولا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِتَشْرِيعٍ في قَضِيَّةِ بَنِي المُصْطَلِقِ مَعَ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ لِأنَّها قَضِيَّةٌ انْقَضَتْ وسُوِّيَتْ.

والفاسِقُ: المُتَّصِفُ بِالفُسُوقِ، وهو فِعْلُ ما يُحَرِّمُهُ الشَّرْعُ مِنَ الكَبائِرِ.

وفُسِّرَ هُنا بِالكاذِبِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ وسَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

وأُوثِرَ في الشَّرْطِ حَرْفُ (إنْ) الَّذِي الأصْلُ فِيهِ أنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ المَشْكُوكِ في وُقُوعِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ شَأْنَ فِعْلِ الشَّرْطِ أنْ يَكُونَ نادِرَ الوُقُوعِ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ.

واعْلَمْ أنْ لَيْسَ الآيَةُ ما يَقْتَضِي وصْفَ الوَلِيدِ بِالفاسِقِ تَصْرِيحًا ولا تَلْوِيحًا.

وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الوَلِيدَ ظَنَّ ذَلِكَ كَما في الإصابَةِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ ولَيْسَ في الرِّواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ تَعَمَّدَ الكَذِبَ. قالَ الفَخْرُ: إنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الفاسِقِ عَلى الوَلِيدِ شَيْءٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ تَوَهَّمَ وظَنَّ فَأخْطَأ، والمُخْطِئُ لا يُسَمّى فاسِقًا.

قُلْتُ: ولَوْ كانَ الوَلِيدُ فاسِقًا لَما تَرَكَ النَّبِيءَ ﷺ تَعْنِيفَهُ واسْتِتابَتَهُ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلى قَوْلِهِ لَهُ: ”«التَّبْيِينُ مِنَ اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ» “، إذْ كانَ تَعْجِيلُ الوَلِيدِ الرُّجُوعَ عَجَلَةً. وقَدْ كانَ خُرُوجُ القَوْمِ لِلتَّعَرُّضِ إلى الوَلِيدِ بِتِلْكَ الهَيْئَةِ مَثارَ ظَنِّهِ

صفحة ٢٣٠

حَقًّا إذْ لَمْ يَكُنِ المَعْرُوفُ خُرُوجَ القَبائِلِ لِتَلَقِّي السُّعاةِ. وأنا أحْسَبُ أنَّ عَمَلَهم كانَ حِيلَةً مِن كُبَرائِهِمْ عَلى انْصِرافِ الوَلِيدِ عَنِ الدُّخُولِ في حَيِّهِمْ تَعَيُّرًا مِنهم في نَظَرِ عامَّتِهِمْ مِن أنْ يَدْخُلَ عَدُوٌّ لَهم إلى دِيارِهِمْ ويَتَوَلّى قَبْضَ صَدَقاتِهِمْ فَتُعَيِّرُهم أعْداؤُهم بِذَلِكَ يَمْتَعِضُ مِنهم دَهْماؤُهم ولِذَلِكَ ذَهَبُوا بِصَدَقاتِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ في رِوايَةٍ أوْ جاءُوا مُعْتَذِرِينَ قَبْلَ مَجِيءِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إلَيْهِمْ في رِوايَةٍ أُخْرى.

ويُؤَيِّدُ هَذا ما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ هَذا الخَبَرِ أنَّ الوَلِيدَ أُعْلِمَ بِخُرُوجِ القَوْمِ إلَيْهِ، وسَمِعَ بِذَلِكَ فَلَعَلَّ ذَلِكَ الإعْلامَ مُوعَزٌ بِهِ إلَيْهِ لِيَخافَ فَيَرْجِعَ. وقَدِ اتَّفَقَ مَن تَرْجَمُوا لِلْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ عَلى أنَّهُ كانَ شُجاعًا جَوادًا وكانَ ذا خُلُقٍ ومُرُوءَةٍ.

واعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ أهْلِ السُّنَّةِ عَلى اعْتِبارِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ عُدُولًا وأنَّ كُلَّ مَن رَأى النَّبِيءَ ﷺ وآمَنَ بِهِ فَهو مِن أصْحابِهِ. وزادَ بَعْضُهم شَرْطَ أنْ يَرْوِيَ عَنْهُ أوْ يُلازِمَهُ ومالَ إلَيْهِ المازِرِيُّ. قالَ في أمالِيهِ في أُصُولِ الفِقْهِ: ”ولَسْنا نَعْنِي بِأصْحابِ النَّبِيءِ كُلَّ مَن رَآهُ أوْ زارَهُ لِمامًا إنَّما نُرِيدُ أصْحابَهُ الَّذِينَ لازَمُوهُ وعَزَّزُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ شَهِدَ اللَّهُ لَهم بِالفَلاحِ اهـ.

وإنَّما تَلَقَّفَ هَذِهِ الأخْبارَ النّاقِمُونَ عَلى عُثْمانَ إذْ كانَ مِن عِدادِ مَناقِمِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهُ أوْلى الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إمارَةَ الكُوفَةِ فَحَمَلُوا الآيَةَ عَلى غَيْرِ وجْهِها وألْصَقُوا بِالوَلِيدِ وصْفَ الفاسِقِ، وحاشاهُ مِنهُ لِتَكُونَ وِلايَتُهُ الإمارَةَ باطِلًا. وعَلى تَسْلِيمِ أنْ تَكُونَ الآيَةُ إشارَةً إلى فاسِقٍ مُعَيَّنٍ فَلِماذا لا يُحْمَلُ عَلى إرادَةِ الَّذِي أعْلَمَ الوَلِيدَ بِأنَّ القَوْمَ خَرَجُوا لَهُ لِيَصُدُّوهُ عَنِ الوُصُولِ إلى دِيارِهِمْ قَصْدًا لِإرْجاعِهِ.

وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ خالِدًا وصَلَ إلى دِيارِ بَنِي المُصْطَلِقِ. وفي بَعْضِها أنَّ بَنِي المُصْطَلِقِ ورَدُوا المَدِينَةَ مُعْتَذِرِينَ، واتَّفَقَتِ الرِّواياتُ عَلى أنَّ بَيْنَ بَنِي المُصْطَلِقِ وبَيْنَ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ شَحْناءَ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ.

وفِي الرِّوايَةِ أنَّهُمُ اعْتَذَرُوا لِلتَّسَلُّحِ بِقَصْدِ إكْرامِ ضَيْفِهِمْ. وفي السِّيرَةِ الحَلَبِيَّةِ، أنَّهم قالُوا: خَشِينا أنْ يُبادِئَنا بِالَّذِي كانَ بَيْنَنا مِن شَحْناءَ. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في الشَّهادَةِ والرِّوايَةِ مِن وُجُوبِ البَحْثِ عَنْ دَخِيلَةِ مَن جُهِلَ حالُ تَقْواهُ. وقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لا يُؤْسَرُ أحَدُ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ، وهي أيْضًا أصْلٌ عَظِيمٌ في

صفحة ٢٣١

تَصَرُّفاتِ وُلاةِ الأُمُورِ وفي تَعامُلِ النّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ مِن عَدَمِ الإصْغاءِ إلى كُلِّ ما يُرْوى ويُخْبَرُ بِهِ.

والخِطابُ بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُرادٌ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ومَن مَعَهُ ويَشْمَلُ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إذْ صَدَّقَ مَن أخْبَرَهُ بِأنَّ بَنِي المُصْطَلِقِ يُرِيدُ لَهُ سُوءًا ومَن يَأْتِي مِن حُكّامِ المُؤْمِنِينَ وأُمَرائِهِمْ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَشْرِيعُ تَعْدِيلِ مَن لا يُعَرَفُ بِالصِّدْقِ والعَدالَةِ.

ومَجِيءُ حَرْفِ (إنْ) في هَذا الشَّرْطِ يُومِئُ إلى أنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يَقَعَ إلّا نادِرًا.

والتَّبْيِينُ: قُوَّةُ الإبانَةِ وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِمَعْنى أبانَ، أيْ تَأمَّلُوا وأبِينُوا. والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بِنَبَأٍ أيْ تَبَيَّنُوا ما جاءَ بِهِ وإبانَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِها.

والأمْرُ بِالتَّبْيِينِ أصْلٌ عَظِيمٌ في وُجُوبِ التَّثَبُّتِ في القَضاءِ وأنْ لا يَتَتَبَّعَ الحاكِمُ القِيلَ والقالَ ولا يَنْصاعَ إلى الجَوَلانِ في الخَواطِرِ مِنَ الظُّنُونِ والأوْهامِ.

ومَعْنى فَتَبَيَّنُوا تَبَيِّنُوا الحَقَّ، أيْ مِن غَيْرِ جِهَةِ ذَلِكَ الفاسِقِ. فَخَبَرُ الفاسِقِ يَكُونُ داعِيًا إلى التَّتَبُّعِ والتَّثَبُّتِ يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ مُسْتَنَدًا لِلْحُكْمِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ وقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ:“ لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ.

وإنَّما كانَ الفاسِقُ مُعَرَّضًا خَبَرُهُ لِلرِّيبَةِ والِاخْتِلاقِ لِأنَّ الفاسِقَ ضَعِيفُ الوازِعِ الدِّينِيِّ في نَفْسِهِ، وضَعْفُ الوازِعِ يُجَرِّئُهُ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِالمَحْظُورِ وبِما يُخْبِرُ بِهِ في شَهادَةٍ أوْ خَبَرٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما إضْرارٌ بِالغَيْرِ أوْ بِالصّالِحِ العامِّ ويُقَوِّي جُرْأتَهُ عَلى ذَلِكَ دَوْمًا إذا لَمْ يَتُبْ ويَنْدَمْ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ ويُقْلِعْ عَنْ مِثْلِهِ.

والإشْراكُ أشَدُّ في ذَلِكَ الِاجْتِراءِ لِقِلَّةِ مُراعاةِ الوازِعِ في أُصُولِ الإشْراكِ.

وتَنْكِيرُ ”فاسِقٌ“، و(نَبَإٍ)، في سِياقِ الشَّرْطِ يُفِيدُ العُمُومَ في الفُسّاقِ بِأيِّ فِسْقٍ اتَّصَفُوا، وفي الأنْباءِ كَيْفَ كانَتْ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ فاسِقٍ جاءَكم بِأيِّ نَبَأٍ فَتَوَقَّفُوا فِيهِ وتَطَلَّبُوا بَيانَ الأمْرِ وانْكِشافَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”فَتَبَيَّنُوا“ بِفَوْقِيَّةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ فَنُونٍ مِنَ التَّبْيِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ فَتَثَبَّتُوا بِفَوْقِيَّةٍ فَمُثَلَّثَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ مِنَ التَّثَبُّتِ. والتَّبْيِينُ: تَطَلُّبُ البَيانِ وهو ظُهُورُ الأمْرِ، والتَّثَبُّتُ التَّحَرِّي وتَطَلُّبُ الثَّباتِ وهو الصِّدْقُ.

صفحة ٢٣٢

ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ مَعْناهُما. وعَنِ النَّبِيءِ ﷺ «”التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ» .

ومَوْقِعُ ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا﴾ إلَخْ نَصْبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةً. ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ.

والمُعَلَّلُ بِاللّامِ المَحْذُوفَةِ أوِ المُقَدَّرَةِ هو التَّثَبُّتُ، فَمَعْنى تَعْلِيلِهِ بِإصابَةٍ يَقَعُ إثْرَها النَّدَمُ هو التَّثَبُّتُ.

فَمَعْنى تَعْلِيلِهِ بِإصابَةٍ يَقَعُ آخِرَها النَّدَمُ أنَّ الإصابَةَ عِلَّةٌ تُحْمَلُ عَلى التَّثَبُّتِ لِلتَّفادِي مِنها فَلِذَلِكَ كانَ مَعْنى الكَلامِ عَلى انْتِفاءِ حُصُولِ هَذِهِ الإضافَةِ لِأنَّ العِلَّةَ إذا صَلَحَتْ لِإثْباتِ الكَفِّ عَنْ فِعْلٍ تَصْلُحُ لِلْإتْيانِ بِضِدِّهِ لِتَلازُمِ الضِّدِّ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وهَذا التَّحْذِيرُ مِن جَرّاءِ قَبُولِ خَبَرِ الكاذِبِ يَدُلُّ عَلى تَحْذِيرِ مَن يَخْطُرُ لَهُ اخْتِلاقُ خَبَرٍ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى خَبَرِهِ الكاذِبِ مِن إصابَةِ النّاسِ. وهَذا بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ.

والجَهالَةُ: تُطْلَقُ بِمَعْنى: ضِدِّ العِلْمِ، وتُطْلَقُ بِمَعْنى: ضِدِّ الحِلْمِ مِثْلِ قَوْلِهِمْ: جَهِلَ كَجَهْلِ السَّيْفِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُتَلَبِّسِينَ أنْتُمْ بِعَدَمِ العِلْمِ بِالواقِعِ لِتَصْدِيقِكُمُ الكاذِبَ، ومُتَعَلِّقُ“ تُصِيبُوا ”عَلى هَذا الوَجْهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ سابِقًا ولاحِقًا، أيْ أنْ تُصِيبُوهم بِضُرٍّ، وأكْثَرُ إطْلاقِ الإصابَةِ عَلى إيصالِ الضُّرِّ، وعَلى الإطْلاقِ الثّانِي الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِفِعْلٍ مِن أثَرِ الجَهالَةِ، أيْ بِفِعْلٍ مِنَ الشِّدَّةِ والإضْرارِ.

ومَعْنى فَتُصْبِحُوا فَتَصِيرُوا لِأنَّ بَعْضَ أخَواتِ كانَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. والنَّدَمُ: الأسَفُ عَلى فِعْلٍ صَدَرَ. والمُرادُ بِهِ هُنا النَّدَمُ الدِّينِيُّ، أيِ النَّدَمُ عَلى التَّوَرُّطِ في الذَّنْبِ لِلتَّساهُلِ وتَرَكِ تَطَلُّبِ وُجُوهِ الحَقِّ.

وهَذا الخِطابُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾

صفحة ٢٣٣

مُوَجَّهٌ ابْتِداءً لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْبَرِينَ بِفَتْحِ الباءِ كُلٌّ بِحَسَبِ أثَرِهِ بِما يَبْلُغُ إلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ عَلى اخْتِلافِ أغْراضِ المُخْبِرِينَ بِكَسْرِ الباءِ.

ولَكِنَّ هَذا الخِطابَ لا يَتْرُكُ المُخْبِرِينَ بِكَسْرِ الباءِ بِمَعْزِلٍ عَنِ المُطالَبَةِ بِهَذا التَّبَيُّنِ فِيما يَتَحَمَّلُونَهُ مِنَ الأخْبارِ وبِتَوَخِّي سُوءِ العاقِبَةِ فِيما يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ المُخْتَلَقاتِ، ولَكِنَّ هَذا تَبَيَّنٌ يُخالِفُ تَبَيُّنَ الآخَرِ وتَثَبُّتَهُ، فَهَذا تَثَبُّتٌ مِنَ المُتَلَقِّي بِالتَّمْحِيصِ لِما يَتَلَقّاهُ مِن حِكايَةٍ أوْ يَطْرُقُ سَمْعَهُ مِنَ الكَلامِ والآخَرُ تَمْحِيصٌ وتَمْيِيزٌ لِحالِ المُخْبِرِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَخَرَّجُ مِنها أرْبَعُ مَسائِلَ مِنَ الفِقْهِ وأُصُولِهِ: المَسْألَةُ الأُولى: وُجُوبُ البَحْثِ عَنْ عَدالَةِ مَن كانَ مَجْهُولَ الحالِ في قَبُولِ الشَّهادَةِ أوِ الرِّوايَةِ عِنْدَ القاضِي وعِنْدَ الرُّواةِ. وهَذا صَرِيحُ الآيَةِ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّها دالَّةٌ عَلى قَبُولِ الواحِدِ الَّذِي انْتَفَتْ عَنْهُ تُهْمَةُ الكَذِبِ في شَهادَتِهِ أوْ رِوايَتِهِ وهو المَوْسُومُ بِالعَدالَةِ، وهَذا مِن مَدْلُولِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وهي مَسْألَةٌ أُصُولِيَّةٌ في العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَجْهُولِ عَدَمُ العَدالَةِ، أيْ عَدَمُ ظَنِّ عَدالَتِهِ فَيَجِبُ الكَشْفُ عَنْ مَجْهُولِ الحالِ فَلا يُعْمَلُ بِشَهادَتِهِ ولا بِرِوايَتِهِ حَتّى يُبْحَثَ عَنْهُ وتَثْبُتَ عَدالَتُهُ.

وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ وهو قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ بَعْضُهم: الأصْلُ في النّاسِ العَدالَةُ ويُنْسَبُ إلى أبِي حَنِيفَةَ فَيُقْبَلُ عِنْدَهُ مَجْهُولُ الباطِنِ ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَسْتُورِ الحالِ. أمّا المَجْهُولُ باطِنُهُ وظاهِرُهُ مَعًا فَحُكِيَ الِاتِّفاقُ عَلى عَدَمِ قَبُولِ خَبَرِهِ، وكَأنَّهم نَظَرُوا إلى مَعْنى كَلِمَةِ الأصْلِ العَقْلِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ قالَ:“ المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ”وأنَّهُ لَمّا بَلَغَهُ ظُهُورُ شَهادَةِ الزُّورِ رَجَعَ فَقالَ:“ لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ " .

ويُسْتَثْنى مِن هَذا أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ الأصْلَ أنَّهم عُدُولٌ حَتّى يَثْبُتَ خِلافُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ لا خِلافَ فِيهِ في الدِّينِ ولا يَخْتَلِفُ فِيهِ اجْتِهادُ المُجْتَهِدِينَ. وإنَّما تُفِيدُ الآيَةُ هَذا الأصْلَ إذا حُمِلَ مَعْنى الفاسِقِ عَلى ما يَشْمَلُ المُتَّهَمَ بِالفِسْقِ.

صفحة ٢٣٤

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ أنَّهُ تَحْذِيرٌ مِنَ الوُقُوعِ فِيما يُوجِبُ النَّدَمَ شَرْعًا، أيْ ما يُوجِبُ التَّوْبَةَ مِن تِلْكَ الإصابَةِ، فَكانَ هَذا كِنايَةً عَنِ الإثْمِ في تِلْكَ الإصابَةِ فَحَذَّرَ وُلاةَ الأُمُورِ مِن أنْ يُصِيبُوا أحَدًا بِضُرٍّ أوْ عِقابٍ أوْ حَدٍّ أوْ غُرْمٍ دُونَ تَبَيُّنِ وتَحَقُّقِ تَوَجُّهِ ما يُوجِبُ تَسْلِيطَ تِلْكَ الإصابَةِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ يُوجِبُ اليَقِينَ أوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ وما دُونَ ذَلِكَ فَهو تَقْصِيرٌ يُؤاخَذُ عَلَيْهِ، ولَهُ مَراتِبُ بَيَّنَها العُلَماءُ في حِكَمٍ خَطَّها القاضِي وصِفَةِ المُخْطِئِ وما يُنْقَضُ مِن أحْكامِهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الفِعْلِ، وهو الإصابَةُ بِدُونِ تَثَبُّتٍ والتَّنْبِيهُ عَلى خَطَرِ أمْرِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском