Ibn 'AshurAl‑Hujurat · 49:7–9

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Hujurat 49:7–9

49:7–8Page 516

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧

And know that among you is the Messenger of Allāh. If he were to obey you in much of the matter, you would be in difficulty, but Allāh has endeared to you the faith and has made it pleasing in your hearts and has made hateful to you disbelief, defiance and disobedience. Those are the [rightly] guided.

فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨

[It is] as bounty from Allāh and favor. And Allāh is Knowing and Wise.

﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] عَطْفُ تَشْرِيعٍ عَلى تَشْرِيعٍ ولَيْسَ مَضْمُونُها تَكْمِلَةً لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦] إلَخْ بَلْ هي جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.

وابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِـ ”اعْلَمُوا“ لِلِاهْتِمامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] في الأنْفالِ.

وقَوْلِهِ ﴿أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ إنَّ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإيقاظِ والتَّحْذِيرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ. فَإنَّ كَوْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ أمْرٌ مَعْلُومٌ لا يُخْبَرُ عَنْهُ. فالمَقْصُودُ تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ بِاتِّباعِ ما شَرَعَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأحْكامِ ولَوْ كانَتْ غَيْرَ مُوافِقَةٍ لِرَغَباتِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.

فَضَمِيرا الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ”يُطِيعُكم“ وقَوْلِهِ: ”لَعَنِتُّمْ“ عائِدانِ إلى الَّذِينَ آمَنُوا عَلى تَوْزِيعِ الفِعْلِ عَلى الأفْرادِ فالمُطاعُ بَعْضُ الَّذِينَ آمَنُوا وهُمُ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ أنْ يَعْمَلَ

صفحة ٢٣٥

الرَّسُولُ ﷺ بِما يَطْلُبُونَ مِنهُ، والعانِتُ بَعْضٌ آخَرُ وهم جُمْهُورُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ قَضاءُ النَّبِيءِ ﷺ بِحَسَبِ رَغْبَةِ غَيْرِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ”لَوْ يُطِيعُكم“ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”فِيكم“ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ المُخاطَبِينَ، مِن جِهَةِ أنَّ مَضْمُونَ جَوابِ لَوْ عَنِتَ يَحْصُلُ لِلْمُخاطَبِينَ.

ومَآلُ الِاعْتِبارَيْنِ في مَوْقِعِ الجُمْلَةِ واحِدٌ وانْتِظامُ الكَلامِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ غَيْرُ مُنْثَلِمٍ.

والطّاعَةُ: عَمَلُ أحَدٍ يُؤْمَرُ بِهِ وما يُنْهى عَنْهُ وما يُشارُ بِهِ عَلَيْهِ، أيْ لَوْ أطاعَكم فِيما تَرْغَبُونَ.

و”الأمْرُ“ هُنا بِمَعْنى الحادِثِ والقَضِيَّةِ النّازِلَةِ.

والتَّعْرِيفُ في الأمْرِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأُمُورِ ولِذَلِكَ جِيءَ مَعَهُ بِلَفْظِ ”كَثِيرٍ مِن“ أيْ في أحْداثٍ كَثِيرَةٍ مِمّا لَكم رَغْبَةٌ في تَحْصِيلِ شَيْءٍ مِنها فِيهِ مُخالَفَةٌ لِما شَرَعَهُ.

وهَذا احْتِرازٌ عَنْ طاعَتِهِ إيّاهم في بَعْضِ الأمْرِ مِمّا هو مِن غَيْرِ شُئُونِ التَّشْرِيعِ كَما أطاعَهم في نُزُولِ الجَيْشِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى جِهَةٍ يَسْتَأْثِرُونَ فِيها بِماءِ بَدْرٍ.

والعَنَتُ: اخْتِلالُ الأمْرِ في الحاضِرِ أوْ في العاقِبَةِ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: لَوْ يُطِيعُكم مُسْتَعْمَلَةٌ في الماضِي لِأنَّ حَرْفَ (لَوْ) يُفِيدُ تَعْلِيقَ الشَّرْطِ في الماضِي، وإنَّما عَدَلَ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّ المُضارِعَ صالِحٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، أيْ لَوْ أطاعَكم في قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ ولَوْ أطاعَكم كُلَّما رَغِبْتُمْ مِنهُ أوْ أشَرْتُمْ عَلَيْهِ لَعَنِتُّمْ؛ لِأنَّ بَعْضَ ما يَطْلُبُونَهُ مُضِرٌّ بِالغَيْرِ أوْ بِالرّاغِبِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ قَدْ يُحِبُّ عاجِلَ النَّفْعِ العائِدِ عَلَيْهِ بِالضُّرِّ.

وتَقْدِيمُ خَبَرِ (إنَّ) عَلى اسْمِها في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الكَوْنِ فِيهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ واجِبَهُمُ الِاغْتِباطُ بِهِ والإخْلاصُ لَهُ لِأنَّ كَوْنَهُ فِيهِمْ شَرَفٌ عَظِيمٌ لِجَماعَتِهِمْ وصَلاحٌ لَهم.

صفحة ٢٣٦

والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، أيْ لَأصابَ السّاعِينَ في أنْ يَعْمَلَ النَّبِيءُ ﷺ بِما يَرْغَبُونَ العَنَتَ. وهو الإثْمُ إذِ اسْتَغْفَلُوا النَّبِيءَ ﷺ ولَأصابَ غَيْرَهُمُ العَنَتُ بِمَعْنى المَشَقَّةِ وهي ما يَلْحَقُهم مِن جَرَيانِ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلائِمُ الواقِعَ فَيَضُرُّ بِبَقِيَّةِ النّاسِ، وقَدْ يَعُودُ بِالضُّرِّ عَلى الكاذِبِ المُتَشَفِّي بِرَغْبَتِهِ تارَةً، فَيَلْحَقُ عَنَتُ مَن كَذَّبَ غَيْرَهُ تارَةً أُخْرى.

* * *

﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

الِاسْتِدْراكُ المُسْتَفادُ مِن (لَكِنَّ) ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ لِأنَّهُ اقْتَضى أنَّ لِبَعْضِكم رَغْبَةً في أنْ يُطِيعَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ فِيما يَرْغَبُونَ أنْ يَفْعَلَهُ مِمّا يَبْتَغُونَ مِمّا يَخالُونَهُ صالِحًا بِهِمْ في أشْياءَ كَثِيرَةٍ تُعْرَضُ لَهم.

والمَعْنى: ولَكِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ رَسُولَهَ إلّا بِما فِيهِ صَلاحُ العاقِبَةِ وإنْ لَمْ يُصادِفْ رَغَباتِكُمُ العاجِلَةَ وذَلِكَ فِيما شَرَعَهُ اللَّهُ مِنَ الأحْكامِ، فالإيمانُ هَنا مُرادٌ مِنهُ أحْكامُ الإسْلامِ ولَيْسَ مُرادًا مِنهُ الِاعْتِقادُ، فَإنَّ اسْمَ الإيمانِ واسْمَ الإسْلامِ يَتَوارَدانِ، أيْ حُبِّبَ إلَيْكُمُ الإيمانُ الَّذِي هو الدِّينُ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى التَّسْلِيمِ لِما يَأْمُرُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ولِذا فَكَوْنُهُ حَبَّبَ إلَيْهِمُ الإيمانَ إدْماجٌ وإيجازٌ. والتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَكُمُ الإسْلامَ وحَبَّبَهُ إلَيْكم أيْ دَعاكم إلى حُبِّهِ والرِّضى بِهِ فامْتَثَلْتُمْ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ﷺ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنَ الكُفْرِ والفُسُوقِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: هُمُ الظّالِمُونَ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا أنْ يَتْرُكُوا ما لَيْسَ مِن أحْكامِ الإيمانِ فَهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ

صفحة ٢٣٧

﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١] تَحْذِيرًا لَهم مِنَ الحِيادِ عَنْ مَهِيعِ الإيمانِ وتَجْنِيبًا لَهم ما هو مِن شَأْنِ أهْلِ الكُفْرِ.

فالخَبَرُ في قَوْلِهِ: حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ إلى قَوْلِهِ: والعِصْيانَ مُسْتَعْمَلٌ في الإلْهابِ وتَحْرِيكِ الهِمَمِ لِمُراعاةِ الإيمانِ وكَراهَةِ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ أحْبَبْتُمُ الإيمانَ وكَرِهْتُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ فَلا تَرْغَبُوا في حُصُولِ ما تَرْغَبُونَهُ إذا كانَ الدِّينُ يَصُدُّ عَنْهُ وكانَ الفُسُوقُ والعِصْيانُ يَدْعُو إلَيْهِ. وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الِانْدِفاعَ إلى تَحْصِيلِ المَرْغُوبِ مِنَ الهَوى دُونَ تَمْيِيزٍ بَيْنَ ما يُرْضِي اللَّهَ وما لا يُرْضِيهِ أثَرٌ مِن آثارِ الجاهِلِيَّةِ مِن آثارِ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ.

وذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ في صَدْرِ جُمْلَةِ الِاسْتِدْراكِ دُونَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِما يُشْعِرُ بِهِ اسْمُ الجَلالَةِ مِنَ المَهابَةِ والرَّوْعَةِ.

وما يَقْتَضِيهِ مِن واجِبِ اقْتِبالِ ما حَبَّبَ إلَيْهِ ونَبْذِ ما كَرَّهَ إلَيْهِ.

وعُدِيَّ فِعْلا ”حَبَّبَ“ و”كَرَّهَ“ بِحَرْفِ (إلى) لِتَضْمِينِها مَعْنى بَلَّغَ، أيْ بَلَّغَ إلَيْكم حُبَّ الإيمانِ وكُرْهَ الكُفْرِ.

ولَمْ يُعَدَّ فِعْلُ ”وزَيَّنَهُ“ بِحَرْفِ (إلى) مِثْلَ فِعْلَيْ ”حَبَّبَ“ و”كَرَّهَ“، لِلْإيماءِ إلى أنَّهُ لَمّا رَغَّبَهم في الإيمانِ وكَرَّهَهُمُ الكُفْرَ امْتَثَلُوا فَأحَبُّوا الإيمانَ وزانَ في قُلُوبِهِمْ.

والتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا، أيْ حَسَنًا قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

أجْمَعَتْ خُلَّتَيْ مَعَ الفَجْرِ بَيْنا جَلَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الوَجْهَ زَيْنا

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِلْمَدْحِ. والإشارَةُ بِـ ”أُولَئِكَ“ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ”إلَيْكم“ مَرَّتَيْنِ وفي قَوْلِهِ: ”قُلُوبِكم“ أيِ الَّذِينَ أحَبُّوا الإيمانَ وتَزَيَّنَتْ بِهِ قُلُوبُهم، وكَرِهُوا الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ هُمُ الرّاشِدُونَ، أيْ هُمُ المُسْتَقِيمُونَ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ.

وأفادَ ضَمِيرُ الفَصْلِ القَصْرَ وهو قَصْرُ إفْرادٍ إشارَةً إلى أنَّ بَيْنَهم فَرِيقًا لَيْسُوا بِراشِدِينَ وهُمُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالفِسْقِ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِهِ فَإنْ أقْلَعُوا عَنْهُ التَحَقُوا بِالرّاشِدِينَ.

صفحة ٢٣٨

وانْتَصَبَ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ مِن أفْعالِ ”حَبَّبَ وزَيَّنَ وكَرَّهَ“ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحْبِيبَ والتَّزْيِينَ والتَّكْرِيهَ مِن نَوْعِ الفَضْلِ والنِّعْمَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها إشارَةٌ إلى أنَّ ما ذُكِرَ فِيها مِن آثارِ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

49:9Page 516

وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩

And if two factions among the believers should fight, then make settlement between the two. But if one of them oppresses the other, then fight against the one that oppresses until it returns to the ordinance of Allāh. And if it returns, then make settlement between them in justice and act justly. Indeed, Allāh loves those who act justly.

﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ لِما جَرى قَوْلُهُ: أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ الآيَةَ كانَ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ إصابَةُ قَوْمٍ أنْ تَقَعَ الإصابَةُ بَيْنَ طائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ مِنَ الأخْبارِ الكاذِبَةِ أخْبارَ النَّمِيمَةِ بَيْنَ القَبائِلِ، وخَطَرُها أكْبَرُ مِمّا يَجْرِي بَيْنَ الأفْرادِ، والتَّبْيِينُ فِيها أعْسَرُ، وقَدْ لا يَحْصُلُ التَّبْيِينُ إلّا بَعْدَ أنْ تَسْتَعِرَ نارُ الفِتْنَةِ ولا تُجْدِيَ النَّدامَةُ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ مُرُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى مَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى حِمارٍ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبالَ الحِمارُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: خَلِّ سَبِيلَ حِمارِكَ فَقَدْ آذانا نَتَنُهُ. فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: واللَّهِ إنَّ بَوْلَ حِمارِهِ لَأطْيَبُ مِن مِسْكِكَ فاسْتَبّا وتَجالَدا وجاءَ قَوْماهُما الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَتَجالَدُوا بِالنِّعالِ والسَّعَفِ فَرَجَعَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ فَأصْلَحَ بَيْنَهم. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: ولَيْسَ فِيهِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تِلْكَ الحادِثَةِ.

ويُناكِدُ هَذا أنَّ تِلْكَ الوَقْعَةَ كانَتْ في أوَّلِ أيّامِ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ. وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ وأنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ لَمْ يَجْزِمْ بِنُزُولِها في ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: فَبَلَغَنا أنْ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ . اللَّهُمَّ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ أُلْحِقَتْ بِهَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ.

صفحة ٢٣٩

١٠٣ وعَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في فِتْنَةٍ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأتِهِ أحَدُهُما مِنَ الأوْسِ والآخَرُ مِنَ الخَزْرَجِ انْتَصَرَ لِكُلٍّ مِنهُما قَوْمُهُ حَتّى تَدافَعُوا وتَناوَلَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالأيْدِي والنِّعالِ والعِصِيِّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فَجاءَ النَّبِيءُ ﷺ فَأصْلَحَ بَيْنَهُما وهَذا أظْهَرُ مِنَ الرِّوايَةِ الأُولى فَكانَتْ حُكْمًا عامًّا نَزَلَ في سَبَبٍ خاصٍّ.

و(إنْ) حَرْفُ شَرْطٍ يُخَلِّصُ الماضِيَ لِلِاسْتِقْبالِ فَيَكُونُ في قُوَّةِ المُضارِعِ. وارْتَفَعَ ”طائِفَتانِ“ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ”اقْتَتَلُوا“ لِلِاهْتِمامِ بِالفاعِلِ. وإنَّما عَدَلَ عَنِ المُضارِعِ بَعْدَ كَوْنِهِ الألْيَقَ بِالشَّرْطِ لِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ تَقْدِيمُ الفاعِلِ عَلى فِعْلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ جُعِلَ الفِعْلُ ماضِيًا عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ الفَصِيحِ في مِثْلِهِ مِمّا أُولِيَتْ فِيهِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةُ الِاسْمَ نَحْوَ ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨] . قالَ الرَّضِيُّ: وحَقُّ الفِعْلِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الِاسْمِ الَّذِي يَلِي (إنْ) أنْ يَكُونَ ماضِيًا وقَدْ يَكُونُ مُضارِعًا عَلى الشُّذُوذِ وإنَّما ضَعُفَ مَجِيءُ المُضارِعِ لِحُصُولِ الفَصْلِ بَيْنَ الجازِمِ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ.

ويَعُودُ ضَمِيرُ ”اقْتَتَلُوا“ عَلى ”طائِفَتانِ“ بِاعْتِبارِ المَعْنى لِأنَّ طائِفَةَ ذاتُ جَمْعٍ، والطّائِفَةُ الجَماعَةُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ في سُورَةِ النِّساءِ.

والوَجْهُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ ”اقْتَتَلُوا“ مُسْتَعْمَلًا في إرادَةِ الوُقُوعِ مِثْلَ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ومِثْلَ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أيْ يُرِيدُونَ العَوْدَ لِأنَّ الأمْرَ بِالإصْلاحِ بَيْنَهُما واجِبٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ في الِاقْتِتالِ وذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ بَوادِرِهِ وهو أوْلى مِنِ انْتِظارِ وُقُوعِ الِاقْتِتالِ لِيُمْكِنَ تَدارَكُ الخُطَبِ قَبْلَ وُقُوعِهِ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] .

وبِذَلِكَ يَظْهَرُ وجْهُ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ عَلى جُمْلَةِ ”اقْتَتَلُوا“، أيْ فَإنِ ابْتَدَأتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ قِتالَ الأُخْرى ولَمْ تَنْصَعْ إلى الإصْلاحِ فَقاتِلُوا الباغِيَةَ.

صفحة ٢٤٠

والبَغْيُ: الظُّلْمُ والِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو غَيْرُ مَعْناهِ الفِقْهِيِّ فَـ ”الَّتِي“ تَبْغِي هي الطّائِفَةُ الظّالِمَةُ الخارِجَةُ عَنِ الحَقِّ وإنْ لَمْ تُقاتِلْ لِأنَّ بَغْيَها يَحْمِلُ الطّائِفَةَ المَبْغِيَّ عَلَيْها أنْ تُدافِعَ عَنْ حَقِّها.

وإنَّما جُعِلَ حُكْمُ قِتالِ الباغِيَةِ أنْ تَكُونَ طائِفَةً لِأنَّ الجَماعَةَ يَعْسُرُ الأخْذُ عَلى أيْدِي ظُلْمِهِمْ بِأفْرادٍ مِنَ النّاسِ وأعْوانِ الشُّرْطَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ كَفُّهم عَنِ البَغْيِ بِالجَيْشِ والسِّلاحِ.

وهَذا في التَّقاتُلِ بَيْنَ الجَماعاتِ والقَبائِلِ، فَأمّا خُرُوجُ فِئَةٍ عَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ ولَيْسَ هو مَوْرِدَ هَذِهِ الآيَةِ ولَكِنَّها أصْلٌ لَهُ في التَّشْرِيعِ.

وقَدْ بَغى أهْلُ الرِّدَّةِ عَلى جَماعَةِ المُسْلِمِينَ بَغْيًا بِغَيْرِ قِتالٍ فَقاتَلَهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وبَغى بُغاةُ أهْلِ مِصْرَ عَلى عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكانُوا بُغاةً عَلى جَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، فَأبى عُثْمانُ قِتالَهم وكَرِهَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا في إراقَةِ دِماءِ المُسْلِمِينَ اجْتِهادًا مِنهُ فَوَجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ طاعَتُهُ لِأنَّهُ ولِيُّ الأمْرِ ولَمْ يَنْفُوا عَنِ الثُّوّارِ حُكْمَ البَغْيِ.

ويَتَحَقَّقُ وصْفُ البَغْيِ بِإخْبارِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الفِئَةَ بَغَتْ عَلى الأُخْرى أوْ بِحُكْمِ الخَلِيفَةِ العالِمِ العَدْلِ، وبِالخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ الخَلِيفَةِ وعَنِ الجَماعَةِ بِالسَّيْفِ إذا أمَرَ بِغَيْرِ ظُلْمٍ ولا جَوْرٍ ولَمْ تُخْشَ مِن عِصْيانِهِ فِتْنَةٌ لِأنَّ ضُرَّ الفِتْنَةِ أشَدُّ مِن شَدِّ الجَوْرِ في غَيْرِ إضاعَةِ المَصالِحِ العامَّةِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ الخُرُوجَ عَنْ طاعَةِ الخَلِيفَةِ بَغْيٌ عَلى الجَماعَةِ الَّذِينَ مَعَ الخَلِيفَةِ.

وقَدْ كانَ تَحْقِيقُ مَعْنى البَغْيِ وصُوَرُهُ غَيْرَ مَضْبُوطٍ في صَدْرِ الإسْلامِ وإنَّما ضَبَطَهُ العُلَماءُ بَعْدَ وقْعَةِ الجَمَلِ ولَمْ تَطُلْ ثَمَّ بَعْدَ وقْعَةِ صِفِّينَ، وقَدْ كانَ القِتالُ فِيها بَيْنَ فِئَتَيْنِ ولَمْ يَكُنِ الخارِجُونَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الَّذِينَ بايَعُوهُ بِالخِلافَةِ، بَلْ كانُوا شَرَطُوا لِمُبايَعَتِهِمْ إيّاهُ أخْذَ القَوَدِ مِن قَتَلَةِ عُثْمانَ مِنهم، فَكانَ اقْتِناعُ أصْحابِ مُعاوِيَةَ مَجالًا لِلِاجْتِهادِ بَيْنَهم وقَدْ دارَتْ بَيْنَهم كُتُبٌ فِيها حُجَجُ الفَرِيقَيْنِ ولا يُعْلَمُ الثّابِتُ مِنها والمَكْذُوبُ إذْ كانَ المُؤَرِّخُونَ أصْحابَ أهْواءٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: كانَ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ يَرَيانِ البَداءَةَ بِقَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمانَ أوْلى، إلّا أنَّ العُلَماءَ حَقَّقُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ البَغْيَ في جانِبِ أصْحابِ مُعاوِيَةَ لِأنَّ البَيْعَةَ بِالخِلافَةِ لا تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ بِشَرْطٍ.

صفحة ٢٤١

وقَدِ اعْتَرَفَ الجَمِيعُ بِأنَّ مُعاوِيَةَ وأصْحابَهُ كانُوا مُدافِعِينَ عَنْ نَظَرٍ اجْتِهادِيٍّ مُخْطِئٍ، وكانَ الواجِبُ يَقْضِي عَلى جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ الدُّعاءَ إلى الصُّلْحِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ حَسَبَ أمْرِ القُرْآنِ وُجُوبَ الكِفايَةِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ وقَعَ التَّداعِي إلَيْهِ ولَمْ يَتِمَّ لِانْتِقاضِ الحَرُورِيَّةِ عَلى أمْرِ التَّحْكِيمِ فَقالُوا: لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ ولا نَحْكُمُ الرِّجالَ.

وقِيلَ: كِيدَتْ مَكِيدَةٌ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ، والأخْبارُ في ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ عَلى اخْتِلافِ المُتَصَدِّينَ لِحِكايَةِ القَضِيَّةِ مِنَ المُؤَرِّخِينَ أصْحابِ الأهْواءِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالضَّمائِرِ.

وسُئِلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَنِ القِتالِ بَيْنَ الصَّحابَةِ فَقالَ: شَهِدَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ وغِبْنا وعَلِمُوا وجَهِلْنا. وقالَ المُحاسِبِيُّ: تَعْلَمُ أنَّ القَوْمَ كانُوا أعْلَمَ بِما دَخَلُوا فِيهِ مِنّا.

والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ لِلْوُجُوبِ، لِأنَّ هَذا حُكْمٌ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ والقَضاءُ بِالحَقِّ واجِبٌ لِأنَّهُ لِحِفْظِ حَقِّ المُحِقِّ، ولِأنَّ تَرْكَ قِتالِ الباغِيَةِ يَجُرُّ إلى اسْتِرْسالِها في البَغْيِ وإضاعَةِ حُقُوقِ المَبْغِيِّ عَلَيْها في الأنْفُسِ والأحْوالِ والأغْراضِ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ، ولِأنَّ ذَلِكَ يُجَرِّئُ غَيْرَها عَلى أنْ تَأْتِيَ مِثْلَ صَنِيعِها فَمُقاتَلَتُها زَجَرٌ لِغَيْرِها. وهو وُجُوبُ كِفايَةٍ ويَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الإمامِ جَيْشًا يُوَجِّهُهُ لِقِتالِها إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَلِيَ قِتالَ البُغاةِ إلّا الأئِمَّةُ والخُلَفاءُ. فَإذا اخْتَلَّ أمْرُ الإمامَةِ فَلْيَتَوَلَّ قِتالَ البُغاةِ السَّوادُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ وعُلَماؤُها. فَهَذا الوُجُوبُ مُطْلَقٌ في الأحْوالِ تُقَيِّدُهُ الأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى عَدَمِ المَصِيرِ إلَيْهِ إذا عُلِمَ أنَّ قِتالَها يَجُرُّ إلى فِتْنَةٍ أشَدِّ مِن بَغْيِها.

وقَدْ تَلْتَبِسُ الباغِيَةُ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ المُتَقاتِلَتَيْنِ فَإنَّ أسْبابَ التَّقاتُلِ قَدْ تَتَوَلَّدُ مِن أُمُورٍ لا يُؤْبَهُ بِها في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَثُورُ الثّائِرَةُ ويَتَجالَدُ الفَرِيقانِ فَلا يُضْبَطُ أمْرُ الباغِي مِنهُما، فالإصْلاحُ بَيْنَهُما يُزِيلُ اللَّبْسَ فَإنِ امْتَنَعَتْ إحْداهُما تَعَيَّنَ البَغْيُ في جانِبِها لِأنَّ لِلْإمامِ والقاضِي أنْ يُجْبِرَ عَلى الصُّلْحِ إذا خَشِيَ الفِتْنَةَ ورَأى بَوارِقَها، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لِكِلْتا الطّائِفَتَيْنِ شُبْهَتُها إنْ كانَتْ لَها شُبْهَةٌ وتُزالُ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ ومَن يَأْبَ مِنهُما فَهو أعَقُّ وأظْلَمُ.

صفحة ٢٤٢

وجَعَلَ الفَيْءَ إلى أمْرِ اللَّهِ غايَةً لِلْمُقاتِلَةِ، أيْ يَسْتَمِرُّ قِتالُ الطّائِفَةِ الباغِيَةِ إلى غايَةِ رُجُوعِها إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمْرُ اللَّهِ هو ما في الشَّرِيعَةِ مِنَ العَدْلِ والكَفِّ عَنِ الظُّلْمِ، أيْ حَتّى تُقْلِعَ عَنْ بَغْيِها. وأُتْبِعَ مَفْهُومُ الغايَةِ بِبَيانِ ما تُعامَلُ بِهِ الطّائِفَتانِ بَعْدَ أنْ تَفِيءَ الباغِيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمَجْرُورُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”أصْلِحُوا“ .

والعَدْلُ: هو ما يَقَعُ التَّصالُحُ عَلَيْهِ بِالتَّراضِي والإنْصافِ وأنْ لا يَضُرَّ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ فَإنَّ المَتالِفَ الَّتِي تَلْحَقُ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ قَدْ تَتَفاوَتُ تَفاوُتًا شَدِيدًا فَتَجِبُ مُراعاةُ التَّعْدِيلِ.

وقَيَّدَ الإصْلاحَ المَأْمُورَ بِهِ ثانِيًا بِقَيْدِ أنْ تَفِيءَ الباغِيَةُ بِقَيْدِ ”بِالعَدْلِ“ ولَمْ يُقَيِّدِ الإصْلاحَ المَأْمُورَ بِهِ، وهَذا القَيْدُ يُقَيَّدُ بِهِ أيْضًا الإصْلاحُ المَأْمُورُ بِهِ أوَّلًا لِأنَّ القَيْدَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ لِاتِّحادِ سَبَبِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، أيْ يَجِبُ العَدْلُ في صُورَةِ الإصْلاحِ فَلا يُضَيِّعُوا بِصُورَةِ الصُّلْحِ مَنافِعَ عَنْ كِلا الفَرِيقَيْنِ إلّا بِقَدْرِ ما تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ الصُّلْحِ مِن نُزُولٍ عَنْ بَعْضِ الحَقِّ بِالمَعْرُوفِ.

ثُمَّ أمَرَ المُسْلِمِينَ بِالعَدْلِ بِقَوْلِهِ: ”وأقْسِطُوا“ أمْرًا عامًّا تَذْيِيلًا لِلْأمْرِ بِالعَدْلِ الخاصِّ في الصُّلْحِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، فَشَمِلَ ذَلِكَ هَذا الأمْرَ العامَّ أنْ يَعْدِلُوا في صُورَةِ ما إذا قاتَلُوا الَّتِي تَبْغِي، ثُمَّ قالَ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما. وهَذا إصْلاحٌ ثانٍ بَعْدِ الإصْلاحِ المَأْمُورِ بِهِ ابْتِداءً. ومَعْناهُ: أنَّ الفِئَةَ الَّتِي خَضَعَتْ لِلْقُوَّةِ وألْقَتِ السِّلاحَ تَكُونُ مَكْسُورَةَ الخاطِرِ شاعِرَةً بِانْتِصارِ الفِئَةِ الأُخْرى عَلَيْها فَأوْجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يُصْلِحُوا بَيْنَهُما بِتَرْغِيبِهِما في إزالَةِ الإحَنِ والرُّجُوعِ إلى أُخُوَّةِ الإسْلامِ لِئَلّا يَعُودَ التَّنَكُّرُ بَيْنَهُما.

قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: ومِنَ العَدْلِ في صُلْحِهِمْ أنْ لا يُطالَبُوا بِما جَرى بَيْنَهم مُدَّةَ القِتالِ مِن دَمٍ ولا مالٍ فَإنَّهُ تَلَفٌ عَلى تَأْوِيلٍ، وفي طَلَبِهِمْ بِهِ تَنْفِيرٌ لَهم عَنِ الصُّلْحِ واسْتِشْراءٌ في البَغْيِ وهَذا أصْلٌ في المَصْلَحَةِ اهـ.

ثُمَّ قالَ: لا ضَمانَ عَلَيْهِمْ في نَفْسٍ ولا مالَ عِنْدَنا (المالِكِيَّةُ) . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ يَضْمَنُونَ. ولِلشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ: فَأمّا ما كانَ قائِمًا رُدَّ بِعَيْنِهِ. وانْظُرْ هَلْ يَنْطَبِقُ

صفحة ٢٤٣

كَلامُ ابْنُ العَرَبِيِّ عَلى نَوْعَيِ الباغِيَةِ أوْ هو خاصٌّ بِالباغِيَةِ عَلى الخَلِيفَةِ وهو الأظْهَرُ.

فَأمّا حُكْمُ تَصَرُّفِ الجَيْشِ المُقاتِلِ لِلْبُغاةِ فَكَأحْوالِ الجِهادِ إلّا أنَّهُ لا يُقْتَلُ أسِيرُهم ولا يُتَّبَعُ مُدَبَّرَهم ولا يُذَفَّفُ عَلى جَرِيحِهِمْ ولا تُسْبى ذَرارِيَّهم ولا تُغْنَمُ أمْوالُهم ولا تُسْتَرَقُّ أسْراهم.

‌‌‌‌ولِلْفُقَهاءِ تَفاصِيلُ في أحْوالِ جَبْرِ الأضْرارِ اللّاحِقَةِ بِالفِئَةِ المُعْتَدى عَلَيْها والأضْرارِ اللّاحِقَةِ بِالجَماعَةِ الَّتِي تَتَوَلّى قِتالَ البُغاةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ مِن مَجْمُوعِ أقْوالِهِمْ ما يَرى أُولُو الأمْرِ المَصْلَحَةَ في الحَمْلِ عَلَيْها جَرْيًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском