Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:103–105
5:103Page 124
مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣
Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.
﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ .
صفحة ٧١
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جاءَ فارِقًا بَيْنَ ما أحْدَثَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن نَقائِضِ الحَنِيفِيَّةِ وبَيْنَ ما نَوَّهَ اللَّهُ بِهِ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن شَعائِرِ الحَجِّ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَ الكَعْبَةَ قِيامًا لِلنّاسِ وجَعَلَ الهَدْيَ والقَلائِدَ قِيامًا لَهم، بَيَّنَ هُنا أنَّ أُمُورًا ما جَعَلَها اللَّهُ ولَكِنْ جَعَلَها أهْلُ الضَّلالَةِ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَيَكُونُ كالبَيانِ لِآيَةِ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]، فَإنَّ البَحِيرَةَ وما عُطِفَ عَلَيْها هُنا تُشْبِهُ الهَدْيَ في أنَّها تُحَرَّرُ مَنافِعُها وذَواتُها حَيَّةً لِأصْنامِهِمْ كَما تُهْدى الهَدايا لِلْكَعْبَةِ مُذَكّاةً، فَكانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهم ذَلِكَ ويَخْلِطُونَ ذَلِكَ بِالهَدايا، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ [الأنعام: ١٥٠]، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ . فالتَّصَدِّي لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الهَدْيِ وبَيْنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِما، كالتَّصَدِّي لِبَيانِ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الطَّوافِ وبَيْنَ السَّعْيِ لِلصَّفا والمَرْوَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا ما رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِما فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ومِمّا يَزِيدُكَ ثِقَةً بِما ذَكَرْتُهُ أنَّ اللَّهَ افْتَتَحَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ لِتَكُونَ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ. ولَوْلا ما تَوَسَّطَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِنَ الآيِ الكَثِيرَةِ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الأُولى بِحَرْفِ العَطْفِ إلّا أنَّ الفَصْلَ هُنا كانَ أوْقَعَ لِيَكُونَ بِهِ اسْتِقْلالُ الكَلامِ فَيُفِيدُ مَزِيدَ اهْتِمامٍ بِما تَضَمَّنَهُ.
والجَعْلُ هُنا بِمَعْنى الأمْرِ والتَّشْرِيعِ، لِأنَّ أصْلَ (جَعَلَ) إذا تَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَلْقِ والتَّكْوِينِ، ثُمَّ يُسْتَعارُ إلى التَّقْدِيرِ والكَتْبِ كَما في قَوْلِهِمْ: فَرَضَ عَلَيْهِ جَعالَةً، وهو هُنا كَذَلِكَ فَيَئُولُ إلى مَعْنى التَّقْدِيرِ والأمْرِ، بِخِلافِ ما وقَعَ في قَوْلِهِ ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] . فالمَقْصُودُ هُنا نَفْيُ تَشْرِيعِ هَذِهِ الأجْناسِ مِنَ الحَقائِقِ فَإنَّها مَوْجُودَةٌ في الواقِعِ. فَنَفَيُ جَعْلِها مُتَعَيَّنٌ لِأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ نَفْيَ الأمْرِ والتَّشْرِيعِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الرِّضا بِهِ والغَضَبِ عَلى مَن جَعَلَهُ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن فَعَلَ شَيْئًا: ما أمَرْتُكَ بِهَذا. فَلَيْسَ المُرادُ إباحَتَهُ والتَّخْيِيرَ في فِعْلِهِ وتَرْكِهِ
صفحة ٧٢
كَما يُسْتَفادُ مِنَ المَقامِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ [الأنعام: ١٥٠] فَإنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغَضَبِ عَلى مَن حَرَّمُوهُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهم أنْ يَجْتَنِبُوهُ.
وأُدْخِلَتْ (مِن) الزّائِدَةُ بَعْدَ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ النَّفْيَ نَفْيُ الجِنْسِ لا نَفْيَ أفْرادٍ مُعَيَّنَةٍ، فَقَدْ ساوى أنْ يُقالَ: لا بَحِيرَةَ ولا سائِبَةَ مَعَ قَضاءِ حَقِّ المَقامِ مِن بَيانِ أنَّ هَذا لَيْسَ مِن جَعْلِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَرْضى بِهِ فَهو حَرامٌ.
والبَحِيرَةُ بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الحاءِ المُهْمَلَةِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، أيْ مَبْحُورَةٍ، والبَحْرُ الشَّقُّ يُقالُ: بَحَرَ شَقَّ. وفي حَدِيثِ حَفْرِ زَمْزَمَ: أنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَحَرَها بَحْرًا، أيْ شَقَّها ووَسَّعَها. فالبَحِيرَةُ هي النّاقَةُ، كانُوا يَشُقُّونَ أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ طُولًا عَلامَةً عَلى تَخْلِيَتِها، أيْ أنَّها لا تُرْكَبُ ولا تُنْحَرُ ولا تُمْنَعُ عَنْ ماءٍ ولا عَنْ مَرْعًى ولا يَجْزُرُونَها ويَكُونُ لَبَنُها لِطَواغِيتِهِمْ، أيْ أصْنامِهِمْ، ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَشْرَبُهُ إذا كانَتْ ضِيافَةً لِزِيارَةِ الصَّنَمِ أوْ إضافَةَ سادِنِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ تَكُونُ بَحائِرُهم لِصَنَمِهِمْ. وقَدْ كانَتْ لِلْقَبائِلِ أصْنامٌ تَدِينُ كُلُّ قَبِيلَةٍ لِصَنَمٍ أوْ أكْثَرَ.
وإنَّما يَجْعَلُونَها بَحِيرَةً إذا نُتِجَتْ عَشَرَةَ أبْطُنٍ عَلى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: إذا نُتِجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وكانَ الخامِسُ ذَكَرًا. وإذا ماتَتْ حَتْفَ أنْفِها حَلَّ أكْلُ لَحْمِها لِلرِّجالِ وحُرِّمَ عَلى النِّساءِ.
والسّائِبَةُ: البَعِيرُ أوِ النّاقَةُ يُجْعَلُ نَذْرًا عَنْ شِفاءٍ مِن مَرَضٍ أوْ قُدُومٍ مِن سَفَرٍ، فَيَقُولُ: أجْعَلُهُ لِلَّهِ سائِبَةً. فالتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ كَتاءِ نَسّابَةٍ، ولِذَلِكَ يُقالُ: عَبْدٌ سائِبَةٌ، وهو اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى الِانْطِلاقِ والإهْمالِ، وقِيلَ: فاعِلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مُسَيَّبٌ.
وحُكْمُ السّائِبَةِ كالبَحِيرَةِ في تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالعِتْقِ وكانُوا يَدْفَعُونَها
صفحة ٧٣
إلى السَّدَنَةِ لِيُطْعِمُوا مِن ألْبانِها أبْناءَ السَّبِيلِ. وكانَتْ عَلامَتُها أنْ تُقْطَعَ قِطْعَةٌ مِن جِلْدَةِ فَقارِ الظَّهْرِ، فَيُقالُ لَها: صَرِيمٌ وجَمْعُهُ صُرُمٌ، وإذا ولَدَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ كُلَّهُنَّ إناثٌ مُتَتابِعَةٌ سَيَّبُوها أيْضًا فَهي سائِبَةٌ، وما تَلِدُهُ السّائِبَةُ يَكُونُ بَحِيرَةً في قَوْلِ بَعْضِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَكُونُ مِثْلَها سائِبَةً.
والوَصِيلَةُ مِنَ الغَنَمِ هي الشّاةُ تَلِدُ أُنْثى بَعْدَ أُنْثى، فَتُسَمّى الأُمُّ وصِيلَةً لِأنَّها وصَلَتْ أُنْثى بِأُنْثى، كَذا فَسَّرَها مالِكٌ في رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ عَنْهُ، فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ تَكُونُ الوَصِيلَةُ هي المُتَقَرَّبَ بِها، ويَكُونُ تَسْلِيطُ نَفْيِ الجَعْلِ عَلَيْها ظاهِرًا. وقالَ الجُمْهُورُ: الوَصِيلَةُ أنْ تَلِدَ الشّاةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ أوْ سَبْعَةً (عَلى اخْتِلافِ مُصْطَلَحِ القَبائِلِ)، فالأخِيرُ إذا كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ لِبُيُوتِ الطَّواغِيتِ وإنْ كانَتْ أُنْثى اسْتَحْيَوْها، أيْ لِلطَّواغِيتِ، وإنْ أتْأمَتِ اسْتَحْيَوْهُما جَمِيعًا وقالُوا: وصَلَتِ الأُنْثى أخاها فَمَنَعَتْهُ مِنَ الذَّبْحِ، فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فالوَصِيلَةُ حالَةٌ مِن حالاتِ نَسْلِ الغَنَمِ، وهي الَّتِي أبْطَلَها اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لِبَقِيَّةِ أحْوالِ الشّاةِ. والأظْهَرُ أنَّ الوَصِيلَةَ اسْمٌ لِلشّاةِ الَّتِي وصَلَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ إناثًا، جَمْعًا بَيْنَ تَفْسِيرِ مالِكٍ وتَفْسِيرِ غَيْرِهِ، فالشّاةُ تُسَيَّبُ لِلطَّواغِيتِ، وما ذَكَرُوهُ مِن ذَبْحِ ولَدِها أوِ ابْنَتِها هو مِن فُرُوعِ اسْتِحْقاقِ تَسْيِيبِها لِتَكُونَ الآيَةُ شامِلَةً لِأحْوالِها كُلِّها. وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ: الوَصِيلَةُ الشّاةُ تُتْئِمُ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ عَشَرَةَ إناثٍ فَما ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهو لِلذُّكُورِ مِنهم دُونَ النِّساءِ إلّا أنْ يَمُوتَ شَيْءٌ مِنها فَيَشْتَرِكُ في أكْلِهِ الرِّجالُ والنِّساءُ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أنَّ الوَصِيلَةَ مِنَ الإبِلِ إذا بَكَّرَتِ النّاقَةُ في أوَّلِ إنْتاجِ الإبِلِ بِأُنْثى ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى في آخِرِ العامِ فَكانُوا يَجْعَلُونَها لِطَواغِيتِهِمْ. وهَذا قالَهُ سَعِيدٌ مِن نَفْسِهِ ولَمْ يَرْوِهِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . ووَقَعَ في سِياقِ البُخارِيِّ إيهامٌ اغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ الشّارِحِينَ ونَبَّهَ عَلَيْهِ في فَتْحِ البارِي. وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالوَصِيلَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ.
والحامِي هو فَحْلُ الإبِلِ إذا نُتِجَتْ مِن صُلْبِهِ عَشَرَةَ أبْطُنٍ فَيُمْنَعُ مِن أنْ يُرْكَبَ أوْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ولا يُمْنَعُ مِن مَرْعًى ولا ماءٍ. ويَقُولُونَ: إنَّهُ حَمى ظَهْرَهُ، أيْ كانَ
صفحة ٧٤
سَبَبًا في حِمايَتِهِ، فَهو حامٍ. قالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، كانُوا يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ رِيشَ الطَّواوِيسِ ويُسَيِّبُونَهُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ السّائِبَةِ لا يُؤْكَلُ حَتّى يَمُوتَ ويُنْتَفَعَ بِوَبَرِهِ لِلْأصْنامِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ الِاسْتِدْراكُ لِرَفْعِ ما يَتَوَهَّمُهُ المُشْرِكُونَ مِنِ اعْتِقادِ أنَّها مِن شَرْعِ اللَّهِ لِتَقادُمِ العَمَلِ بِها مُنْذُ قُرُونٍ. والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا جَمِيعُ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم يُكَذِّبُونَ في نِسْبَةِ هَذِهِ الأشْياءِ إلى شَعائِرِ اللَّهِ لِأنَّهم جَمِيعًا يُخْبِرُونَ بِما هو مُخالِفٌ لِما في الواقِعِ. والكَذِبُ هو الخَبَرُ المُخالِفُ لِلْواقِعِ.
والكُفّارُ فَرِيقانِ خاصَّةٌ وعامَّةٌ: فَأمّا الخاصَّةُ فَهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا هَذِهِ الضَّلالاتِ لِمَقاصِدَ مُخْتَلِفَةٍ ونَسَبُوها إلى اللَّهِ، وأشْهَرُ هَؤُلاءِ وأكْذَبُهم هو عَمْرُو بْنُ عامِرِ بْنِ لُحَيٍّ بِضَمِّ اللّامِ وفَتْحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وياءٍ مُشَدَّدَةٍ الخُزاعِيُّ، فَفي الصَّحِيحِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ - بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الصّادِ المُهْمَلَةِ - أيْ أمْعاءَهُ في النّارِ، وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ» . ومِنهم جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ. وعَنْ مالِكٍ أنَّ مِنهم رَجُلًا مِن بَنِي مُدْلِجٍ هو أوَّلُ مَن بَحَرَ البَحِيرَةَ وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «رَأيْتُهُ مَعَ عَمْرٍو في النّارِ» . رَواهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وفي رِوايَةٍ «أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ أوَّلُ مَن بَحَرَ البَحِيرَةَ وسَيَّبَ السّائِبَةَ» . وأصَحُّ الرِّواياتِ وأشْهَرُها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ: «أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ أوَّلُ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ ولَمْ يَذْكُرِ البَحِيرَةَ» .
وأمّا العامَّةُ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا هَؤُلاءِ المُضِلِّينَ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ، وهُمُ الَّذِينَ أُرِيدُوا بِقَوْلِهِ: وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ. فَلَمّا وُصِفَ الأكْثَرُ بِعَدَمِ الفَهْمِ تَعَيَّنَ أنَّ الأقَلَّ هُمُ الَّذِينَ دَبَّرُوا هَذِهِ الضَّلالاتِ وزَيَّنُوها لِلنّاسِ.
والِافْتِراءُ: الكَذِبُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٩٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٧٥
وفِي تَسْمِيَةِ ما فَعَلَهُ الكُفّارُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ افْتِراءً وكَذِبًا ونَفْيِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أمَرَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الأحْداثَ لا تَمُتُّ إلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبٍ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما أنَّها تَنْتَسِبُ إلى الآلِهَةِ والأصْنامِ، وذَلِكَ إشْراكٌ وكُفْرٌ عَظِيمٌ. الثّانِيَةُ أنَّ ما يُجْعَلُ مِنها لِلَّهِ تَعالى مِثْلُ السّائِبَةِ هو عَمَلٌ ضَرُّهُ أكْثَرُ مِن نَفْعِهِ؛ لِأنَّ في تَسْيِيبِ الحَيَوانِ إضْرارًا بِهِ إذْ رُبَّما لا يَجِدُ مَرْعًى ولا مَأْوًى، ورُبَّما عَدَتْ عَلَيْهِ السِّباعُ، وفِيهِ تَعْطِيلُ مَنفَعَتِهِ حَتّى يَمُوتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وما يَحْصُلُ مِن دَرِّ بَعْضِها لِلضَّيْفِ وابْنِ السَّبِيلِ إنَّما هو مَنفَعَةٌ ضَئِيلَةٌ في جانِبِ المَفاسِدِ الحافَّةِ بِهِ.
5:104Page 125
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَ لَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .
الواوُ لِلْحالِ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن قَوْلِهِ: الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ أنَّهم يَنْسِبُونَ إلى اللَّهِ ما لَمْ يَأْمُرْ بِهِ كَذِبًا، وإذا دُعُوا إلى اتِّباعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ حَقًّا أوِ التَّدَبُّرِ فِيهِ أعْرَضُوا وتَمَسَّكُوا بِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم. فَحالُهم عَجِيبَةٌ في أنَّهم يَقْبَلُونَ ادِّعاءَ آبائِهِمْ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِما اخْتَلَقُوا لَهم مِنَ الضَّلالاتِ، مِثْلِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وما ضاهاهُما، ويُعْرِضُونَ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ الصّادِقِ بِلا حُجَّةٍ لَهم في الأُولى، وبِالإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في حُجَّةِ الثّانِيَةِ أوِ المُكابَرَةِ فِيها بَعْدَ عِلْمِها.
والأمْرُ في قَوْلِهِ (تَعالَوْا) مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الإقْبالِ، وفي إصْغاءِ السَّمْعِ، ونَظَرِ الفِكْرِ، وحُضُورِ مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ وعَدَمِ الصَّدِّ عَنْهُ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ (تَعالَ) عِنْدَ الكَلامِ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ.
و﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: هو القُرْآنُ. وعَطَفَ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾ لِأنَّهُ يُرْشِدُهم إلى فَهْمِ القُرْآنِ. وأُعِيدَ حَرْفُ (إلى) لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيِ الإقْبالِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُتَعَلِّقَيْ تَعالَوْا فَإعادَةُ الحَرْفِ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ مَعْنَيَيْ تَعالَوْا الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ.
صفحة ٧٦
وقَوْلُهُ ﴿قالُوا حَسْبُنا﴾ أيْ كافِينا، إذا جُعِلَتْ (حَسْبُ) اسْمًا صَرِيحًا و(ما وجَدْنا) هو الخَبَرَ، أوْ كَفانا إذا جُعِلَتْ (حَسْبُ) اسْمَ فِعْلٍ و(ما وجَدْنا) هو الفاعِلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
و(عَلى) في قَوْلِهِ: ﴿ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مَجازٌ في تَمَكُّنِ التَّلَبُّسِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ) .
وقَوْلُهُ: ﴿أوَ لَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ، تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى نَظِيرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ [البقرة: ١٧٠] الآيَةَ.
ولَيْسَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلُّقٌ بِمَسْألَةِ الِاجْتِهادِ والتَّقْلِيدِ كَما تَوَهَّمَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَنازُعٍ بَيْنَ أهْلِ ما أنْزَلَ اللَّهُ وأهْلِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، فَأمّا الِاجْتِهادُ والتَّقْلِيدُ في فُرُوعِ الإسْلامِ فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنِ اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. فَتَحْمِيلُ الآيَةِ هَذِهِ المَسْألَةَ إكْراهٌ لِلْآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى.
5:105Page 125
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allāh is your return all together; then He will inform you of what you used to do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
تَذْيِيلٌ جَرى عَلى مُناسَبَةٍ في الِانْتِقالِ فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مُكابَرَةَ المُشْرِكِينَ وإعْراضَهم عَنْ دَعْوَةِ الخَيْرِ عَقَّبَهُ بِتَعْلِيمِ المُسْلِمِينَ حُدُودَ انْتِهاءِ المُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ إذا ظَهَرَتِ المُكابَرَةُ، وعَذَرَ المُسْلِمِينَ بِكِفايَةِ قِيامِهِمْ بِما افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ، فَأعْلَمَهم هُنا أنْ لَيْسَ تَحْصِيلُ أثَرِ الدُّعاءِ عَلى الخَيْرِ بِمَسْئُولِينَ عَنْهُ، بَلْ عَلى الدّاعِي بَذْلُ جَهْدِهِ وما عَلَيْهِ إذا لَمْ يُصْغِ المَدْعُوُّ إلى الدَّعْوَةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .
وعَلَيْكُمُ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى الزَمُوا، وذَلِكَ أنَّ أصْلَهُ أنْ يُقالَ: عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، فَتَكُونُ جُمْلَةً مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ، وتَكُونُ (عَلى) دالَّةً عَلى اسْتِعْلاءٍ
صفحة ٧٧
مَجازِيٍّ، كَأنَّهم جَعَلُوا فِعْلَ كَذا مُعْتَلِيًا عَلى المُخاطَبِ ومُتَمَكِّنًا مِنهُ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الوُجُوبِ فَلَمّا كَثُرَ في كَلامِهِمْ قالُوا: عَلَيْكَ كَذا، فَرَكَّبُوا الجُمْلَةَ مِن مَجْرُورٍ خَبَرٍ واسْمِ ذاتٍ مُبْتَدَأٍ بِتَقْدِيرِ: عَلَيْكَ فِعْلَ كَذا، لِأنَّ تِلْكَ الذّاتَ لا تُوصَفُ بِالعُلُوِّ عَلى المُخاطَبِ، أيِ التَّمَكُّنِ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرٍ. وذَلِكَ كَتَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ بِالذَّواتِ في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقَوْلِهِ ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١]، ومِن ذَلِكَ ما رُوِيَ عَلَيْكُمُ الدُّعاءُ وعَلَيَّ الإجابَةُ ومِنهُ قَوْلُهم: عَلَيَّ ألِيَّةٌ، وعَلَيَّ نَذْرٌ. ثُمَّ كَثُرَ الِاسْتِعْمالُ فَعامَلُوا (عَلى) مُعامَلَةَ فِعْلِ الأمْرِ فَجَعَلُوها بِمَعْنى أمْرِ المُخاطَبِ بِالمُلازَمَةِ ونَصَبُوا الِاسْمَ بَعْدَها عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وشاعَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ فَسَمّاها النُّحاةُ اسْمَ فِعْلٍ لِأنَّها جُعِلَتْ كالِاسْمِ لِمَعْنى أمْرٍ مَخْصُوصٍ، فَكَأنَّكَ عَمَدْتَ إلى فِعْلِ (الزَمْ) فَسَمَّيْتَهُ (عَلى) وأبْرَزْتَ ما مَعَهُ مِن ضَمِيرٍ فَألْصَقْتَهُ بِـ (عَلى) في صُورَةِ الضَّمِيرِ الَّذِي اعْتِيدَ أنْ يَتَّصِلَ بِها، وهو ضَمِيرُ الجَرِّ فَيُقالُ: عَلَيْكَ وعَلَيْكُما وعَلَيْكم. ولِذَلِكَ لا يُسْنَدُ إلى ضَمائِرِ الغَيْبَةِ لِأنَّ الغائِبَ لا يُؤْمَرُ بِصِيغَةِ الأمْرِ بَلْ يُؤْمَرُ بِواسِطَةِ لامِ الأمْرِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ هو بِنَصْبِ (أنْفُسَكم) أيِ الزَمُوا أنْفُسَكم، أيِ احْرِصُوا عَلى أنْفُسِكم. والمَقامُ يُبَيِّنُ المَحْرُوصَ عَلَيْهِ، وهو مُلازَمَةُ الِاهْتِداءِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وهو يُشْعِرُ بِالإعْراضِ عَنِ الغَيْرِ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾ .
فَجُمْلَةُ لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البَيانِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، لِأنَّ أمْرَهم بِمُلازَمَةِ أنْفُسِهِمْ مَقْصُودٌ مِنهُ دَفْعُ ما اعْتَراهم مِنَ الغَمِّ والأسَفِ عَلى عَدَمِ قَبُولِ الضّالِّينَ لِلِاهْتِداءِ، وخَشْيَةِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَقْصِيرٍ في دَعْوَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: عَلَيْكم أنْفُسَكم، أيِ اشْتَغِلُوا بِإكْمالِ اهْتِدائِكم، فَفِعْلُ (يَضُرُّكم) مَرْفُوعٌ.
وقَوْلُهُ ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ظَرْفٌ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الشَّرْطِ يَتَعَلَّقُ بِـ (يَضُرُّكم) . وقَدْ شَمِلَ الِاهْتِداءُ جَمِيعَ ما أمَرَهم بِهِ اللَّهُ تَعالى. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ دَعْوَةُ النّاسِ إلى الخَيْرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَلَوْ قَصَّرُوا في الدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ والِاحْتِجاجِ لَهُ وسَكَتُوا عَنِ المُنْكَرِ لَضَرَّهم مَن ضَلَّ لِأنَّ إثْمَ ضَلالِهِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِمْ.
صفحة ٧٨
فَلا يُتَوَهَّمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّها رُخْصَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ في تَرْكِ الدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ واجِبٌ بِأدِلَّةٍ طَفَحَتْ بِها الشَّرِيعَةُ. فَكانَ ذَلِكَ داخِلًا في شَرْطِ إذا اهْتَدَيْتُمْ.
ولِما في قَوْلِهِ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ مِنَ الإشْعارِ بِالإعْراضِ عَنْ فَرِيقٍ آخَرَ وهو المُبَيَّنُ بِـ مَن ضَلَّ، ولِما في قَوْلِهِ ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ مِن خَفاءِ تَفارِيعِ أنْواعِ الِاهْتِداءِ عَرَضَ لِبَعْضِ النّاسِ قَدِيمًا في هَذِهِ الآيَةِ، فَشَكُّوا في أنْ يَكُونَ مُفادُها التَّرْخِيصَ في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ الظَّنُّ في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبانِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ عَنْها أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ، فَقالَ لِي: سَألْتَ عَنْها خَبِيرًا، سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا ودُنْيا مُؤْثَرَةً وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخاصَّةِ نَفْسِكَ ودَعِ العَوامَّ» . وحَدَثَ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ: أخْرَجَ أصْحابُ السُّنَنِ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ النّاسِ تَأوَّلَ الآيَةَ بِسُقُوطِ وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَصَعَدَ المِنبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ أيُّها النّاسُ إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنَّكم تَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَوْضِعِها وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ النّاسَ إذا رَأوْا المُنْكَرَ ولا يُغَيِّرُونَهُ يُوشِكُ اللَّهُ أنْ يَعُمَّهم بِعِقابِهِ، وإنَّ النّاسَ إذا رَأوْا الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قُرِئَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الآيَةُ فَقالَ: إنَّ هَذا لَيْسَ بِزَمانِها إنَّها اليَوْمَ مَقْبُولَةٌ، أيِ النَّصِيحَةُ ولَكِنْ يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ زَمانٌ تَأْمُرُونَ فَلا يُقْبَلُ مِنكم فَحِينَئِذٍ عَلَيْكم أنْفُسَكم، يُرِيدُ أنْ لا يَجِبَ عَلَيْهِمْ قِتالٌ لِتُقْبَلَ نَصِيحَتُهم.
وعَنْهُ أيْضًا: إذا اخْتَلَفَتِ القُلُوبُ وأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا وذاقَ بَعْضُكم بَأْسَ بَعْضٍ فامْرُؤٌ ونَفْسُهُ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: إنَّها أيْ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ لِي ولا لِأصْحابِي لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ «ألا لِيُبَلِّغَ الشّاهِدُ الغائِبَ» فَكُنّا نَحْنُ الشُّهُودُ وأنْتُمُ الغَيْبُ، ولَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِأقْوامٍ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِنا إنْ قالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنهم.
صفحة ٧٩
فَماصَدَقُ هَذِهِ الآيَةِ هو ماصَدَقُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ» فَإنَّ مَعْنى الِاسْتِطاعَةِ التَّمَكُّنُ مِنَ التَّغْيِيرِ دُونَ ضُرٍّ يَلْحَقُهُ أوْ يَلْحَقُ عُمُومَ النّاسِ كالفِتْنَةِ. فالآيَةُ تُفِيدُ الإعْراضَ عَنْ ذَلِكَ إذا تَحَقَّقَ عَدَمُ الجَدْوى بَعْدَ الشُّرُوعِ في ذَلِكَ، ويَلْحَقُ بِذَلِكَ إذا ظَهَرَتِ الكابِرَةُ وعَدَمُ الِانْتِصاحِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، وكَذَلِكَ إذا خِيفَ حُصُولُ الضُّرِّ لِلدّاعِي بِدُونِ جَدْوى، كَما دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ المَذْكُورِ آنِفًا.
وقَوْلُهُ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ عُذْرٌ لِلْمُهْتَدِي ونِذارَةٌ لِلضّالِّ. وقَدَّمَ المَجْرُورَ لِلِاهْتِمامِ بِمُتَعَلِّقِ هَذا الرُّجُوعِ وإلْقاءِ المَهابَةِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ، وأكَّدَ ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ جَمِيعًا لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ وأنْ لَيْسَ الكَلامُ عَلى التَّغْلِيبِ. والمُرادُ بِالإنْباءِ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ الكِنايَةُ عَنْ إظْهارِ أثَرِ ذَلِكَ مِنَ الثَّوابِ لِلْمُهْتَدِي الدّاعِي إلى الخَيْرِ، والعَذابِ لِلضّالِّ المُعْرِضِ عَنِ الدَّعْوَةِ.
والمَرْجِعُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لا مَحالَةَ، بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِهِ بِـ إلى، وهو مِمّا جاءَ مِنَ المَصادِرِ المِيمِيَّةِ بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى القَلِيلِ، لِأنَّ المَشْهُورَ في المِيمِيِّ مِن (يَفْعِلُ) بِكَسْرِ العَيْنِ أنْ يَكُونَ مَفْتُوحَ العَيْنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences