Ibn 'AshurAl‑Ma'idah · 5:98–102

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:98–102

5:98–99Page 124

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٨

Know that Allāh is severe in penalty and that Allāh is Forgiving and Merciful.

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allāh knows whatever you reveal and whatever you conceal.

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ .

صفحة ٦١

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وتَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِن حَظْرِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ وإباحَةِ صَيْدِ البَحْرِ والِامْتِنانِ بِما جُعِلَ لِلْكَعْبَةِ مِنَ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ لِيَطْمَئِنُّوا لِما في تَشْرِيعِ تِلْكَ الأحْكامِ مِن تَضْيِيقٍ عَلى تَصَرُّفاتِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ في صَلاحِهِمْ، فَذَيَّلَ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ مِنهم بِالمِرْصادِ يُجازِي كُلَّ صانِعٍ بِما صَنَعَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ اعْلَمُوا لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدِ اسْتَوْفى قَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أقْسامَ مُعامَلَتِهِ تَعالى فَهو شَدِيدُ العِقابِ لِمَن خالَفَ أحْكامَهُ وغَفُورٌ لِمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِلَفْظِ اعْلَمُوا لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ ذَيَّلَ بِها التَّعْرِيضَ بِالوَعِيدِ والوَعْدِ. ومَضْمُونُها إعْذارُ النّاسِ لِأنَّ الرَّسُولَ قَدْ بَلَّغَ إلَيْهِمْ ما أرادَ اللَّهُ مِنهم فَلا عُذْرَ لَهم في التَّقْصِيرِ، والمِنَّةُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فِيما أرْشَدَهم إلَيْهِ مِن خَيْرٍ.

والقَصْرُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ لِأنَّ عَلى الرَّسُولِ أُمُورًا أُخَرَ غَيْرَ البَلاغِ مِثْلَ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعالى، والخُرُوجِ إلى الجِهادِ، والتَّكالِيفِ الَّتِي كَلَّفَهُ اللَّهُ بِها مِثْلَ قِيامِ اللَّيْلِ؛ فَتَعَيَّنَ أنَّ مَعْنى القَصْرِ: ما عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ، أيْ دُونَ إلْجائِكم إلى الإيمانِ، فالقَصْرُ إضافِيٌّ فَلا يُنافِي أنَّ عَلى الرَّسُولِ أشْياءَ كَثِيرَةً.

والإتْيانُ بِحَرْفِ (عَلى) دُونَ (اللّامِ) ونَحْوِها مُؤْذِنٌ بِأنَّ المَرْدُودَ شَيْءٌ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ لازِمٌ لِلرَّسُولِ مِن حَيْثُ أنَّهُ يَدَّعِي الرِّسالَةَ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . وهي تَتْمِيمٌ لِلتَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ والوَعْدِ تَذْكِيرًا بِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ ظاهِرِها وباطِنِها. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ هُنا لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ ولَيْسَ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ لِنُبُوِّ المَقامِ عَنْ ذَلِكَ.

صفحة ٦٢

وذِكْرُ (ما تُبْدُونَ) مَقْصُودٌ مِنهُ التَّعْمِيمُ والشُّمُولُ مَعَ (ما تَكْتُمُونَ) وإلّا فالغَرَضُ هو تَعْلِيمُهم أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَهُ أمّا ما يُبْدُونَهُ، فَلا يُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُهُ.

5:100Page 124

قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allāh, O you of understanding, that you may be successful.

﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

لَمّا آذَنَ قَوْلُهُ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩] بِأنَّ النّاسَ فَرِيقانِ: مُطِيعُونَ وعُصاةٌ، فَرِيقٌ عانَدُوا الرَّسُولَ ولَمْ يَمْتَثِلُوا، وهم مَن بَقِيَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ ومَن عاضَدَهم مِنَ المُنافِقِينَ، ورُبَّما كانُوا يُظْهِرُونَ لِلْقَبائِلِ أنَّهم جَمْعٌ كَثِيرٌ، وأنَّ مِثْلَهم لا يَكُونُ عَلى خَطَأٍ، فَأزالَ اللَّهُ الأوْهامَ الَّتِي خامَرَتْ نُفُوسَهم فَكانَتْ فِتْنَةً أوْ حُجَّةً ضالَّةً يُمَوِّهُ بِها بَعْضٌ مِنهم عَلى المُهْتَدِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ. فالآيَةُ تُؤْذِنُ بِأنْ قَدْ وُجِدَتْ كَثْرَةٌ مِن أشْياءَ فاسِدَةٍ خِيفَ أنْ تَسْتَهْوِيَ مَن كانُوا بِقِلَّةٍ مِنَ الأشْياءِ الصّالِحَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الكَثْرَةُ كَثْرَةَ عَدَدٍ في النّاسِ إذْ مَعْلُومٌ في مُتَعارَفِ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ وفي أوَّلِ الإسْلامِ الِاعْتِزازُ بِالكَثْرَةِ والإعْجابِ بِها. قالَ الأعْشى:

ولَسْتَ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْـكَـاثِـرِ

وقالَ السَّمَوْألُ أوْ عَبْدُ المَلِكِ الحارِثِيُّ:

تُعَيِّرُنا أنّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا

وقَدْ تَعَجَّبَ العَنْبَرِيُّ إذْ لامَ قَوْمَهُ فَقالَ:

لَكِنَّ قَوْمِيَ وإنْ كانُـوا ذَوِي عَـدَدٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ في شَيْءٍ وإنْ هانا

قالَ السُّدِّيُّ: كَثْرَةُ الخَبِيثِ هُمُ المُشْرِكُونَ، والطَّيِّبُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وهَذا المَعْنى

صفحة ٦٣

يُناسِبُ لَوْ يَكُونُ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ كانَ المُشْرِكُونَ أكْثَرَ عَدَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ لَكِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها نَزَلَتْ في عامِ حَجَّةِ الوَداعِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى كَثْرَةِ نَصارى العَرَبِ في الشّامِ والعِراقِ ومَشارِفِ الشّامِ لِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ تَطَلَّعُوا يَوْمَئِذٍ إلى تِلْكَ الأصْقاعِ، وقِيلَ: أُرِيدَ مِنها الحَرامُ والحَلالُ مِنَ المالِ، ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ.

ومَعْنى لا يَسْتَوِي نَفْيُ المُساواةِ، وهي المُماثَلَةُ والمُقارَبَةُ والمُشابَهَةُ. والمَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ المُفاضَلَةِ بَيْنَهُما بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، والمَقامُ هو الَّذِي يُعَيِّنُ الفاضِلَ مِنَ المَفْضُولِ، فَإنَّ جَعْلَ أحَدِهِما خَبِيثًا والآخَرِ طَيِّبًا يُعَيِّنُ أنَّ المُرادَ تَفْضِيلُ الطَّيِّبِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ [آل عمران: ١١٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الخَبِيثَ لا يُساوِي الطَّيِّبَ وأنَّ البَوْنَ بَيْنَهُما بَعِيدٌ، عَلِمَ السّامِعُ مِن هَذا أنَّ المَقْصُودَ اسْتِنْزالُ فَهْمِهِ إلى تَمْيِيزِ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ في كُلِّ ما يَلْتَبِسُ فِيهِ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وهَذا فَتْحٌ لِبَصائِرِ الغافِلِينَ كَيْلا يَقَعُوا في مَهْواةِ الِالتِباسِ لِيَعْلَمُوا أنَّ ثَمَّةَ خَبِيثًا قَدِ التَفَّ في لِباسِ الحَسَنِ فَتُمُوِّهَ عَلى النّاظِرِينَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ . فَكانَ الخَبِيثُ المَقْصُودُ في الآيَةِ شَيْئًا تَلَبَّسَ بِالكَثْرَةِ فَراقَ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِكَثْرَتِهِ، فَفَتَحَ أعْيُنَهم لِلتَّأمُّلِ فِيهِ لِيَعْلَمُوا خُبْثَهُ ولا تُعْجِبُهم كَثْرَتُهُ.

فَقَوْلُهُ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ أيْ قُلْ لَهم هَذا كُلَّهُ، فالكافُ في قَوْلِهِ: أعْجَبَكَ لِلْخِطابِ، والمُخاطَبُ بِها غَيْرُ مُعَيَّنٍ بَلْ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، مِثْلَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]، أيْ ولَوْ أعْجَبَ مُعْجَبًا كَثْرَةُ الخَبِيثِ. وقَدْ عَلِمْتَ وجْهَ الإعْجابِ بِالكَثْرَةِ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ.

ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ بِمُقْتَضٍ أنَّ كُلَّ خَبِيثٍ يَكُونُ كَثِيرًا ولا أنْ يَكُونَ أكْثَرَ مِنَ الطَّيِّبِ مِن جِنْسِهِ، فَإنَّ طَيِّبَ التَّمْرِ والبُرِّ والثِّمارِ أكْثَرُ مِن خَبِيثِها، وإنَّما المُرادُ أنْ لا تُعْجِبَكم مِنَ الخَبِيثِ كَثْرَتُهُ إذا كانَ كَثِيرًا فَتَصْرِفُكم عَنِ التَّأمُّلِ مِن خُبْثِهِ وتَحْدُوكم إلى مُتابَعَتِهِ لِكَثْرَتِهِ، أيْ ولَكِنِ انْظُرُوا إلى الأشْياءِ بِصِفاتِها ومَعانِيها لا بِأشْكالِها ومَبانِيها، أوْ كَثْرَةُ الخَبِيثِ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِوَفْرَةِ أهْلِ المِلَلِ الضّالَّةِ.

صفحة ٦٤

والإعْجابُ يَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] في سُورَةِ بَراءَةَ.

وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ قالَ: وكُنْتُ بَحَثْتُ مَعَ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ وقُلْتُ لَهُ: هَذِهِ تَدُلُّ عَلى التَّرْجِيحِ بِالكَثْرَةِ في الشَّهادَةِ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا إذا شَهِدَ عَدْلانِ بِأمْرٍ وشَهِدَ عَشَرَةُ عُدُولٍ بِضِدِّهِ، فالمَشْهُورُ أنْ لا فَرْقَ بَيْنَ العَشَرَةِ والعَدْلَيْنِ، وهُما مُتَكامِلانِ. وفي المَذْهَبِ قَوْلٌ آخَرُ بِالتَّرْجِيحِ بِالكَثْرَةِ. فَقَوْلُهُ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَثْرَةَ لَها اعْتِبارٌ بِحَيْثُ إنَّها ما أُسْقِطَتْ هُنا إلّا لِلْخُبْثِ، ولَمْ يُوافِقْنِي عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ بِوَجْهٍ. ثُمَّ وجَدْتُ ابْنَ المُنِيرِ ذَكَرَهُ بِعَيْنِهِ. اهـ.

والواوُ في قَوْلِهِ ولَوْ أعْجَبَكَ واوُ الحالِ، و(لَوْ) اتِّصالِيَّةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ عَلى ذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنّا إعْمالَ النَّظَرِ في تَمْيِيزِ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، والبَحْثَ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمَ الِاغْتِرارِ بِالمَظاهِرِ الخَلّابَةِ الكاذِبَةِ، فَإنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِالنَّظَرِ في تَمْيِيزِ الأفْعالِ حَتّى يُعْرَفَ ما هو تَقْوى دُونَ غَيْرِهِ.

ونَظِيرُ هَذا الِاسْتِدْلالِ اسْتِدْلالُ العُلَماءِ عَلى وُجُوبِ الِاجْتِهادِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، لِأنَّ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاسْتِطاعَةِ الِاجْتِهادَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَأهِّلِ إلَيْهِ الثّابِتِ لَهُ اكْتِسابُ أداتِهِ. ولِذَلِكَ قالَ هُنا يا أُولِي الألْبابِ فَخاطَبَ النّاسَ بِصِفَةٍ لِيُومِئَ إلى أنَّ خَلْقَ العُقُولِ فِيهِمْ يُمَكِّنُهم مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ لِاتِّباعِ الطَّيِّبِ ونَبْذِ الخَبِيثِ. ومِن أهَمِّ ما يَظْهَرُ فِيهِ امْتِثالُ هَذا الأمْرِ النَّظَرُ في دَلائِلَ صِدْقِ دَعْوى الرَّسُولِ وأنْ لا يَحْتاجَ في ذَلِكَ إلى تَطَلُّبِ الآياتِ والخَوارِقَ كَحالِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيَةَ، وأنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ حالِ الرَّسُولِ وحالِ السَّحَرَةِ والكُهّانِ وإنْ كانَ عَدَدُهم كَثِيرًا.

وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَقْرِيبٌ لِحُصُولِ الفَلاحِ بِهِمْ إذا اتَّقَوْا هَذِهِ التَّقْوى الَّتِي مِنها تَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ وعَدَمُ الِاغْتِرارِ بِكَثْرَةِ الخَبِيثِ وقِلَّةِ الطَّيِّبِ في هَذا.

5:101–102Page 124

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.

قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.1

صفحة ٦٥

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلنَّهْيِ عَنِ العَوْدَةِ إلى مَسائِلَ سَألَها بَعْضُ المُؤْمِنِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْسَتْ في شُئُونِ الدِّينِ ولَكِنَّها في شُئُونٍ ذاتِيَّةٍ خاصَّةٍ بِهِمْ، فَنُهُوا أنْ يَشْغَلُوا الرَّسُولَ بِمِثالِها بَعْدَ أنْ قَدَّمَ لَهم بَيانَ مُهِمَّةِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] الصّالِحُ لِأنْ يَكُونَ مُقَدِّمَةً لِمَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ ولِمَضْمُونِ الآيَةِ السّابِقَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] فالآيَتانِ كِلْتاهُما مُرْتَبِطَتانِ بِآيَةِ ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]، ولَيْسَتْ إحْدى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِمُرْتَبِطَةٍ بِالأُخْرى.

وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في بَيانِ نَوْعِ هَذِهِ الأشْياءِ المَسْئُولِ عَنْها والصَّحِيحُ مِن ذَلِكَ حَدِيثُ مُوسى بْنِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ في الصَّحِيحَيْنِ قالَ: «سَألَ النّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ، فَصَعِدَ المِنبَرَ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: لا تَسْألُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إلّا بَيَّنْتُ لَكم، فَأنْشَأ رَجُلٌ كانَ إذا لاحى يُدْعى لِغَيْرِ أبِيهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِي ؟ قالَ: أبُوكَ حُذافَةُ، أيْ فَدَعاهُ لِأبِيهِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ»، والسّائِلُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ، كَما ورَدَ في بَعْضِ رِواياتِ الحَدِيثِ. وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أبِي مُوسى: «فَقامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقالَ مَن أبِي، قالَ: أبُوكَ سالِمٌ مَوْلى شَيْبَةَ» . وفي بَعْضِ رِواياتِ هَذا الخَبَرِ في غَيْرِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا آخَرَ قامَ فَقالَ: أيْنَ أبِي. وفي رِوايَةٍ: أيْنَ أنا ؟ فَقالَ: في النّارِ» .

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ قَوْمٌ، أيْ مِنَ المُنافِقِينَ، يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ اسْتِهْزاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي، ويَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي، ويَقُولُ المُسافِرُ: ماذا ألْقى في سَفَرِي فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا

صفحة ٦٦

عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ»﴾ . قالَ الأيِمَّةُ: وقَدِ انْفَرَدَ بِهِ البُخارِيُّ. ومَحْمَلُهُ أنَّهُ رَأْيٌ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو لا يُناسِبُ افْتِتاحَ الآيَةِ بِخِطابِ الَّذِينَ آمَنُوا اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن نَحْوِ تِلْكَ المَسائِلِ عَنْ غَفْلَةٍ مِن مَقاصِدِ المُسْتَهْزِئِينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤]، أوْ أُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ، عَلى أنَّ لَهْجَةَ الخِطابِ في الآيَةِ خالِيَةٌ عَنِ الإيماءِ إلى قَصْدِ المُسْتَهْزِئِينَ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: لا تَقُولُوا راعِنا فَقَدْ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] .

ورَوى التِّرْمِذِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ في كُلِّ عامٍ، فَسَكَتَ، فَأعادُوا. فَقالَ: لا، ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ»﴾ قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورَوى الطَّبَرِيُّ قَرِيبًا مِنهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وتَأْوِيلُ هَذِهِ الأسانِيدِ أنَّ الآيَةَ تُلِيَتْ عِنْدَ وُقُوعِ هَذا السُّؤالِ وإنَّما كانَ نُزُولُها قَبْلَ حُدُوثِهِ فَظَنَّها الرّاوُونَ نَزَلَتْ حِينَئِذٍ. وتَأْوِيلُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ الأُمَّةَ تَكُونُ في سَعَةٍ إذا لَمْ يُشْرَعْ لَها حُكْمٌ، فَيَكُونُ النّاسُ في سَعَةِ الِاجْتِهادِ عِنْدَ نُزُولِ الحادِثَةِ بِهِمْ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ، فَإذا سَألُوا وأُجِيبُوا مِن قِبَلِ الرَّسُولِ ﷺ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ العَمَلُ بِما أُجِيبُوا بِهِ. وقَدْ تَخْتَلِفُ الأحْوالُ والأعْصارُ فَيَكُونُونَ في حَرَجٍ إنْ رامُوا تَغْيِيرَهُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّها تَسُوءُ بَعْضَهَمْ أوْ تَسُوءُهم في بَعْضِ الأحْوالِ إذا شَقَّتْ عَلَيْهِمْ. ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي وقالَ مِثْلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ.

وقَوْلُهُ (أشْياءَ) تَكْثِيرُ شَيْءٍ، والشَّيْءُ هو المَوْجُودُ، فَيَصْدُقُ بِالذّاتِ وبِحالِ الذّاتِ، وقَدْ سَألُوا عَنْ أحْوالِ بَعْضِ المَجْهُولاتِ أوِ الضَّوالِّ أوْ عَنْ أحْكامِ بَعْضِ الأشْياءِ.

و(أشْياءَ) كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى جَمْعِ شَيْءٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ صِيغَةُ جَمْعٍ لِأنَّ زِنَةَ شَيْءٍ (فَعْلٌ)، و(فَعْلٌ) إذا كانَ مُعْتَلَّ العَيْنِ قِياسُ جَمْعِهِ (أفْعالٌ) مِثْلَ بَيْتٍ وشَيْخٍ. فالجارِي عَلى مُتَعارَفِ

صفحة ٦٧

التَّصْرِيفِ أنْ يَكُونَ أشْياءُ جَمْعًا وأنَّ هَمْزَتَهُ الأُولى هَمْزَةٌ مَزِيدَةٌ لِلْجَمْعِ. إلّا أنَّ (أشْياءَ) ورَدَ في القُرْآنِ هُنا مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ، فَتَرَدَّدَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، وأمْثَلُ أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ قَوْلُ الكِسائِيِّ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الكَلامِ أشْبَهَ (فَعْلاءَ)، فَمَنَعُوهُ مِنَ الصَّرْفِ لِهَذا الشَّبَهِ، كَما مَنَعُوا سَراوِيلَ مِنَ الصَّرْفِ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّهُ شابَهَ صِيغَةَ الجَمْعِ مِثْلَ مَصابِيحَ.

وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: أشْياءُ اسْمُ جَمْعِ (شَيْءٍ) ولَيْسَ جَمْعًا، فَهو مِثْلُ طَرْفاءَ وحَلْفاءَ فَأصْلُهُ شَيْئاءُ، فالمَدَّةُ في آخِرِهِ مَدَّةُ تَأْنِيثٍ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ، وادَّعى أنَّهم صَيَّرُوهُ أشْياءَ بِقَلْبٍ مَكانِيٍّ. وحَقُّهُ أنْ يُقالَ: شَيْئاءُ بِوَزْنِ فَعْلاءَ فَصارَ بِوَزْنِ (لَفْعاءَ) .

وقَوْلُهُ (إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم) صِفَةُ (أشْياءَ)، أيْ إنْ تَظْهَرْ لَكم وقَدْ أُخْفِيَتْ عَنْكم يَكُنْ في إظْهارِها ما يَسُوءُكم، ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ المَسْئُولُ عَنْها مِنها ما إذا ظَهَرَ ساءَ مَن سَألَ عَنْهُ ومِنها ما لَيْسَ كَذَلِكَ، وكانَتْ قَبْلَ إظْهارِها غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ كانَ السُّؤالُ عَنْ مَجْمُوعِها مُعَرَّضًا لِلْجَوابِ بِما بَعْضُهُ يَسُوءُ، فَلَمّا كانَ هَذا البَعْضُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لِلسّائِلِينَ كانَ سُؤالُهم عَنْها سُؤالًا عَنْ ما إذا ظَهَرَ يَسُوءُهم، فَإنَّهم سَألُوا في مَوْطِنٍ واحِدٍ أسْئِلَةً مِنها: ما سَرُّهم جَوابُهُ، وهو سُؤالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ عَنْ أبِيهِ فَأُجِيبَ بِالَّذِي يُصَدِّقُ نَسَبَهُ، ومِنها ما ساءَهم جَوابُهُ، وهو سُؤالُ مَن سَألَ أيْنَ أبِي، أوْ أيْنَ أنا فَقِيلَ: لَهُ في النّارِ، فَهَذا يَسُوءُهُ لا مَحالَةَ. فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم رُوعِيَ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ المَجْمُوعِ لِكَراهِيَةِ بَعْضِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا اسْتِئْناسُهم لِلْإعْراضِ عَنْ نَحْوِ هَذِهِ المَسائِلِ، وإلّا فَإنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِحالِ ما يَسُوءُهم جَوابُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ . لِأنَّ العَفْوَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ذَنْبٍ وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مَفْهُومَ لِلصِّفَةِ هُنا لِتَعَذُّرِ تَمْيِيزِ ما يَسُوءُ عَمّا لا يَسُوءُ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ لا تَسْألُوا، وهي تُفِيدُ إباحَةَ السُّؤالِ عَنْها عَلى الجُمْلَةِ لِقَوْلِهِ وإنْ تَسْألُوا فَجَعَلَهم مُخَيَّرِينَ في السُّؤالِ عَنْ أمْثالِها، وأنَّ تَرْكَ السُّؤالِ هو الأوْلى لَهم، فالِانْتِقالُ إلى الإذْنِ رُخْصَةٌ وتَوْسِعَةٌ، وجاءَ بِـ (إنْ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأوْلى تَرْكُ السُّؤالِ عَنْها لِأنَّ الأصْلَ في (إنْ) أنْ تَدُلَّ عَلى أنَّ الشَّرْطَ نادِرُ الوُقُوعِ أوْ مَرْغُوبٌ عَنْ وُقُوعِهِ.

صفحة ٦٨

وقَوْلُهُ (﴿حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ﴾) ظَرْفٌ. يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الشَّرْطِ وهو (تَسْألُوا)، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الجَوابِ وهو (﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾)، وهو أظْهَرُ إذِ الظّاهِرُ أنَّ حِينَ نُزُولِ القُرْآنِ لَمْ يُجْعَلْ وقْتًا لِإلْقاءِ الأسْئِلَةِ بَلْ جُعِلَ وقْتًا لِلْجَوابِ عَنِ الأسْئِلَةِ. وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَنْتَظِرُونَ الجَوابَ عَمّا يَسْألُونَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى أنَّ النَّبِيءَ يَتَلَقّى الوَحْيَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ. فَمَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَنْتَظِرِ الجَوابَ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، ومَن سَألَ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ حَصَلَ جَوابُهُ عَقِبَ سُؤالِهِ. ووَقْتُ نُزُولِ القُرْآنِ يَعْرِفُهُ مَن يَحْضُرُ مِنهم مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ لَهُ حالَةً خاصَّةً تَعْتَرِي الرَّسُولَ ﷺ يَعْرِفُها النّاسُ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ في حُكْمِ العُمْرَةِ. ومِمّا يَدُلُّ لِهَذا ما وقَعَ في حَدِيثِ أنَسٍ مِن رِوايَةِ ابْنِ شِهابٍ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى لَهم صَلاةَ الظُّهْرِ فَلَمّا سَلَّمَ قامَ عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ السّاعَةَ وذَكَرَ أنَّ قَبْلَها أُمُورًا عِظامًا ثُمَّ قالَ: مَن أحَبَّ أنْ يَسْألَنِي عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْألْنِي عَنْهُ فَواللَّهِ لا تَسْألُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا. ثُمَّ قالَ: لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ والنّارُ آنِفًا في عُرْضِ هَذا الحائِطِ فَلَمْ أرَ كاليَوْمِ في الخَيْرِ والشَّرِّ» . الحَدِيثَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ ذَلِكَ الحِينُ في حالِ نُزُولِ وحْيٍ عَلَيْهِ. وقَدْ جاءَ في رِوايَةِ مُوسى بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِيهِ أنَسٍ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ. فَتِلْكَ لا مَحالَةَ ساعَةَ نُزُولِ القُرْآنِ واتِّصالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعالَمِ الوَحْيِ.

وقَوْلُهُ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، أيْ أنَّ اللَّهَ نَهاكم عَنِ المَسْألَةِ وعَفا عَنْكم أنْ تَسْألُوا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ. وهَذا أظْهَرُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ عَفْوِهِ عَمّا سَلَفَ مِن إكْثارِ المَسائِلِ وإحْفاءِ الرَّسُولِ ﷺ فِيها لِأنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ ما يَجِبُ مِن تَوْقِيرِهِ.

صفحة ٦٩

وقَوْلُهُ قَدْ ﴿سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابُ سُؤالٍ يُثِيرُهُ النَّهْيُ عَنِ السُّؤالِ ثُمَّ الإذْنُ فِيهِ في حِينِ يُنَزَّلُ القُرْآنُ، أنْ يَقُولَ سائِلٌ: إنْ كانَ السُّؤالُ في وقْتِ نُزُولِ القُرْآنِ وأنَّ بَعْضَ الأسْئِلَةِ يَسُوءُ جَوابُهُ قَوْمًا، فَهَلِ الأوْلى تَرْكُ السُّؤالِ أوْ إلْقاؤُهُ. فَأُجِيبَ بِتَفْصِيلِ أمْرِها بِأنَّ أمْثالَها قَدْ كانَتْ سَبَبًا في كُفْرِ قَوْمٍ قَبْلَ المُسْلِمِينَ.

وضَمِيرُ (سَألَها) جُوِّزَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الكَلامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ تَسْألُوا، أيْ سَألَ المَسْألَةَ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ. وجَرى جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ سَألَ أمْثالَها. والمُماثَلَةُ في ضَآلَةِ الجَدْوى. والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (سَألَها) عائِدًا إلى أشْياءَ، أيْ إلى لَفْظِهِ دُونَ مَدْلُولِهِ. فالتَّقْدِيرُ: قَدْ سَألَ أشْياءَ قَوْمٌ مَن قَبْلِكم، وعُدِّيَ فِعْلُ (سَألَ) إلى الضَّمِيرِ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، وعَلى هَذا المَعْنى يَكُونُ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةٍ قَرِيبَةٍ مِن طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدامِ بَلْ هي أحَقُّ مِنَ الِاسْتِخْدامِ، فَإنَّ أصْلَ الضَّمِيرِ أنْ يَعُودَ إلى لَفْظٍ بِاعْتِبارِ مَدْلُولِهِ وقَدْ يَعُودُ إلى لَفْظٍ دُونَ مَدْلُولِهِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: لَكَ دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ لا الدِّرْهَمُ الَّذِي أعْطَيْتُهُ إيّاهُ. والِاسْتِخْدامُ أشَدُّ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ عَوْدُ الضَّمِيرَ عَلى اللَّفْظِ مَعَ مَدْلُولٍ آخَرَ.

و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ كَشَأْنِها في عَطْفِ الجُمَلِ فَإنَّها لا تُفِيدُ فِيهِ تَراخِيَ الزَّمانِ وإنَّما تُفِيدُ تَراخِي مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ في تَصَوُّرِ المُتَكَلِّمِ عَنْ تَصَوُّرِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ لَمْ يَكُنْ يُتَرَقَّبُ حُصُولُ مَضْمُونِها حَتّى فاجَأ المُتَكَلِّمُ. وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِـ أصْبَحُوا، أيْ كانَتْ تِلْكَ المَسائِلُ سَبَبًا في كُفْرِهِمْ، أيْ بِاعْتِبارِ ما حَصَلَ مِن جَوابِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ فَتَتَعَلَّقُ بِـ كافِرِينَ، أيْ كَفَرُوا بِها، أيْ بِجَوابِها بِأنْ لَمْ يُصَدِّقُوا رُسُلَهم فِيما أجابُوا بِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ مُفِيدٌ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ ما كَفَرُوا إلّا بِسَبَبِها، أيْ كانُوا في مَنَعَةٍ مِنَ الكُفْرِ لَوْلا تِلْكَ المَسائِلُ، فَقَدْ كانُوا كالباحِثِ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، فَهو تَخْصِيصٌ ادِّعائِيٌّ، أوْ هو تَقْدِيمٌ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى التَّحْذِيرِ مِنها.

صفحة ٧٠

وفِعْلُ أصْبَحُوا مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى صارُوا، وهو في هَذا الِاسْتِعْمالِ مُشْعِرٌ بِمَصِيرٍ عاجِلٍ لا تَرَيُّثَ فِيهِ لِأنَّ الصَّباحَ أوَّلُ أوْقاتِ الِانْتِشارِ لِلْأعْمالِ.

والمُرادُ بِالقَوْمِ بَعْضُ الأُمَمِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ، سَألُوا مِثْلَ هَذِهِ المَسائِلِ، فَلَمّا أُعْطُوا ما سَألُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، مِثْلُ ثَمُودَ، سَألُوا صالِحًا آيَةً، فَلَمّا أخْرَجَ لَهم ناقَةً مِنَ الصَّخْرِ عَقَرُوها، وهَذا شَأْنُ أهْلِ الضَّلالَةِ مُتابَعَةُ الهَوى، فَكُلَّما يَأْتِيهِمْ مِمّا لا يُوافِقُ أهْواءَهم كَذَّبُوا بِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٨]، وكَما وقَعَ لِلْيَهُودِ في خَبَرِ إسْلامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. وقَرِيبٌ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ ما قَدَّمْناهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَإنَّ اليَهُودَ أبْغَضُوا جِبْرِيلَ لِأنَّهُ أخْبَرَ دانْيالَ بِاقْتِرابِ خَرابِ أُورْشَلِيمَ، وتَعْطِيلِ بَيْتِ القُدْسِ، حَسْبَما في الإصْحاحِ التّاسِعِ مِن كِتابِ دانْيالَ. وقَدْ سَألَ اليَهُودُ زَكَرِيّاءَ وابْنَهُ يَحْيى عَنْ عِيسى، وكانا مُقَدَّسَيْنِ عِنْدَ اليَهُودِ، فَلَمّا شَهِدا لِعِيسى بِالنُّبُوءَةِ أبْغَضَهُما اليَهُودُ وأغْرَوْا بِهِما زَوْجَةَ هِيرُودَسَ فَحَمَلَتْهُ عَلى قَتْلِهِما كَما في الإصْحاحِ الرّابِعِ مِن إنْجِيلِ مَتّى والإصْحاحِ الثّالِثِ مِن مُرْقُسَ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا ذَمُّ أمْثالِ هَذِهِ المَسائِلِ بِأنَّها لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ سَبَبًا في غَمِّ النَّفْسِ وحَشْرَجَةِ الصَّدْرِ وسَماعِ ما يُكْرَهُ مِمَّنْ يُحِبُّهُ. ولَوْلا أنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ وازِعٌ لَهم مِنَ الوُقُوعِ في أمْثالِ ما وقَعَ فِيهِ قَوْمٌ مِن قَبْلِهِمْ لَكانَتْ هَذِهِ المَسائِلُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ لِأنَّها تَكُونُ ذَرِيعَةً لِلْكُفْرِ.

فَهَذا اسْتِقْصاءُ تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ العَجِيبَةِ المَعانِي البَلِيغَةِ العِبَرِ الجَدِيرَةِ بِاسْتِجْلائِها، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ بِاسْتِضْوائِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском