Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:51–54
5:51–53Page 117
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١
O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.
فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢
So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣
And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ .
تَهَيَّأتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ لِقَبُولِ النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَما سَمِعُوا مِنِ اضْطِرابِ اليَهُودِ في دِينِهِمْ ومُحاوَلَتِهِمْ تَضْلِيلَ المُسْلِمِينَ وتَقْلِيبَ الأُمُورِ لِلرَّسُولِ ﷺ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى﴾ الآيَةَ، لِأنَّ الوَلايَةَ تَنْبَنِي عَلى الوِفاقِ والوِئامِ والصِّلَةِ
صفحة ٢٢٩
ولَيْسَ أُولَئِكَ بِأهْلٍ لِوَلايَةِ المُسْلِمِينَ لِبُعْدِ ما بَيْنَ الأخْلاقِ الدِّينِيَّةِ، ولِإضْمارِهِمُ الكَيْدَ لِلْمُسْلِمِينَ. وجُرِّدَ النَّهْيُ هُنا عَنِ التَّعْلِيلِ والتَّوْجِيهِ اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وسَبَبُ النَّهْيِ هو ما وقَعَ مِنَ اليَهُودِ، ولَكِنْ لَمّا أُرِيدَ النَّهْيُ لَمْ يُقْتَصَرْ عَلَيْهِمْ لِكَيْلا يَحْسَبَ المُسْلِمُونَ أنَّهم مَأْذُونُونَ في مُوالاةِ النَّصارى، فَلِدَفْعِ ذَلِكَ عُطِفَ النَّصارى عَلى اليَهُودِ هُنا، لِأنَّ السَّبَبَ الدّاعِيَ لِعَدَمِ المُوالاةِ واحِدٌ في الفَرِيقَيْنِ، وهو اخْتِلافُ الدِّينِ والنُّفْرَةُ النّاشِئَةُ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . فالنَّصارى وإنْ لَمْ تَجِيءْ مِنهم يَوْمَئِذٍ أذاةٌ مِثْلَ اليَهُودِ فَيُوشِكُ أنْ تَجِيءَ مِنهم إذا وُجِدَ داعِيها.
وفِي هَذا ما يُنَبِّهُ عَلى وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ هُنا عَنْ مُوالاةِ النَّصارى وبَيْنَ قَوْلِهِ فِيما سَيَأْتِي ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] . ولا شَكَّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ أوْ قُرْبَها، وقَدْ أصْبَحَ المُسْلِمُونَ مُجاوِرِينَ تُخُومَ بِلادِ نَصارى العَرَبِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ عَزَمَ أنْ يُوالِيَ يَهُودِيًّا، وأنَّ آخَرَ عَزَمَ أنْ يُوالِيَ نَصْرانِيًّا كَما سَيَأْتِي، فَيَكُونُ ذِكْرُ النَّصارى غَيْرَ إدْماجٍ.
وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ أنَّهم أجْدَرُ بِوَلايَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أيْ بِوَلايَةِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم بَعْضَ أهْلِ فَرِيقِهِ، لِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم تَتَقارَبُ أفْرادُهُ في الأخْلاقِ والأعْمالِ فَيَسْهُلُ الوِفاقُ بَيْنَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ اليَهُودَ أوْلِياءُ النَّصارى. وتَنْوِينُ ”بَعْضٍ“ تَنْوِينُ عِوَضٍ، أيْ أوْلِياءُ بَعْضِهِمْ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ مُوالاتِهِمُ المُؤْمِنِينَ وعَنْ نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ فَرِيقٍ مِنهُما.
والوَلايَةُ هُنا ولايَةُ المَوَدَّةِ والنُّصْرَةِ ولا عَلاقَةَ لَها بِالمِيراثِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ مالِكٌ بِتَوْرِيثِ اليَهُودِيِّ مِنَ النَّصْرانِيِّ والعَكْسِ أخْذًا بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ» . وقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ بِتَوْرِيثِ بَعْضِ أهْلِ المِلَلِ مِن بَعْضٍ ورَأيا الكُفْرَ مِلَّةً واحِدَةً أخْذًا بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو مَذْهَبُ داوُدَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾، (مَن) شَرْطِيَّةٌ تَقْتَضِي أنَّ كُلَّ
صفحة ٢٣٠
مَن يَتَوَلّاهم يَصِيرُ واحِدًا مِنهم. جَعَلَ ولايَتَهم مُوجِبَةَ كَوْنِ المُتَوَلِّي مِنهم، وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي أنَّ ولايَتَهم دُخُولٌ في مِلَّتِهِمْ، لِأنَّ مَعْنى البَعْضِيَّةِ هُنا لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِالكَوْنِ في دِينِهِمْ. ولَمّا كانَ المُؤْمِنُ إذا اعْتَقَدَ عَقِيدَةَ الإيمانِ واتَّبَعَ الرَّسُولَ ولَمْ يُنافِقْ كانَ مُسْلِمًا لا مَحالَةَ كانَتِ الآيَةُ بِحاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ، وقَدْ تَأوَّلَها المُفَسِّرُونَ بِأحَدِ تَأْوِيلَيْنِ: إمّا بِحَمْلِ الوَلايَةِ في قَوْلِهِ: ومَن يَتَوَلَّهم عَلى الوَلايَةِ الكامِلَةِ الَّتِي هي الرِّضا بِدِينِهِمْ والطَّعْنُ في دِينِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن تَوَلّاهم بِمُعْتَقَدِهِ ودِينِهِ فَهو مِنهم في الكُفْرِ والخُلُودِ في النّارِ.
وإمّا بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: فَإنَّهُ مِنهم عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ فَهو كَواحِدٍ مِنهم في اسْتِحْقاقِ العَذابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَن تَوَلّاهم بِأفْعالِهِ مِنَ العَضْدِ ونَحْوِهِ دُونَ مُعْتَقَدِهِمْ ولا إخْلالٍ بِالإيمانِ فَهو مِنهم في المَقْتِ والمَذَمَّةِ الواقِعَةِ عَلَيْهِمْ. اهـ. وهَذا الإجْمالُ في قَوْلِهِ: فَإنَّهُ مِنهم مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ مِن مُوالاتِهِمْ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، فاللَّهُ لَمْ يَرْضَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ بِأنْ يَتَوَلَّوُا اليَهُودَ والنَّصارى، لِأنَّ ذَلِكَ يُلْبِسُهم بِالمُنافِقِينَ، وقَدْ كانَ أمْرُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ في حَيْرَةٍ إذْ كانَ حَوْلَهُمُ المُنافِقُونَ وضُعَفاءُ المُسْلِمِينَ واليَهُودُ والمُشْرِكُونَ فَكانَ مِنَ المُتَعَيَّنِ لِحِفْظِ الجامِعَةِ التَّجَرُّدُ عَنْ كُلِّ ما تَتَطَرَّقُ مِنهُ الرِّيبَةُ إلَيْهِمْ.
وقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ السُّنَّةِ عَلى أنَّ ما دُونُ الرِّضا بِالكُفْرِ ومُمالَأتِهِمْ عَلَيْهِ مِنَ الوَلايَةِ لا يُوجِبُ الخُرُوجَ مِنَ الرِّبْقَةِ الإسْلامِيَّةِ ولَكِنَّهُ ضَلالٌ عَظِيمٌ، وهو مَراتِبُ في القُوَّةِ بِحَسَبِ قُوَّةِ المُوالاةِ وبِاخْتِلافِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ.
وأعْظَمُ هَذِهِ المَراتِبِ القَضِيَّةُ الَّتِي حَدَثَتْ في بَعْضِ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ غَرْناطَةَ الَّتِي سُئِلَ عَنْها فُقَهاءُ غَرْناطَةَ: مُحَمَّدٌ المَوّاقُ، ومُحَمَّدُ بْنُ الأزْرَقِ، وعَلِيُّ بْنُ داوُدَ، ومُحَمَّدٌ الجَعْدالَةُ، ومُحَمَّدٌ الفَخّارُ، وعَلِيٌّ القَلْصادِيُّ، وأبُو حامِدِ بْنُ الحَسَنِ، ومُحَمَّدُ بْنُ سَرْحُونَةَ، ومُحَمَّدٌ المُشَذّالِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ الزَّلِيجِيُّ، ومُحَمَّدٌ الحَذّامُ، وأحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الجَلِيلِ، ومُحَمَّدُ بْنُ فَتْحٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ البَرِّ، وأحْمَدُ البَقَنِيُّ، عَنْ عِصابَةٍ
صفحة ٢٣١
مِن قُوّادِ الأنْدَلُسِ وفُرْسانِهِمْ لَجَئُوا إلى صاحِبِ قَشْتالَةَ (بِلادِ النَّصارى) بَعْدَ كائِنَةِ (اللِّسانَةِ) - كَذا - واسْتَنْصَرُوا بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ واعْتَصَمُوا بِحَبْلِ جِوارِهِ وسَكَنُوا أرْضَ النَّصارى فَهَلْ يَحِلُّ لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مُساعَدَتُهم ولِأهْلِ مَدِينَةٍ أوْ حِصْنٍ أنْ يُؤْوُوهم. فَأجابُوا بِأنَّ رُكُونَهم إلى الكُفّارِ واسْتِنْصارَهم بِهِمْ قَدْ دَخَلُوا بِهِ في وعِيدِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ . فَمَن أعانَهم فَهو مُعِينٌ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، هَذا ما دامُوا مُصِرِّينَ عَلى فِعْلِهِمْ فَإنْ تابُوا ورَجَعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّقاقِ والخِلافِ فالواجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ قَبُولُهم.
فاسْتِدْلالُهم في جَوابِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَأوَّلُوها عَلى مَعْنى أنَّهُ مِنهم في اسْتِحْقاقِ المَقْتِ والمَذَمَّةِ، وهَذا الَّذِي فَعَلُوهُ وأجابَ عَنْهُ الفُقَهاءُ هو أعْظَمُ أنْواعِ المُوالاةِ بَعْدَ مُوالاةِ الكُفْرِ. وأدْنى دَرَجاتِ المُوالاةِ المُخالَطَةُ والمُلابَسَةُ في التِّجارَةِ ونَحْوِها. ودُونَ ذَلِكَ ما لَيْسَ بِمُوالاةٍ أصْلًا، وهو المُعامَلَةُ. وقَدْ عامَلَ النَّبِيءُ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ مُساقاةً عَلى نَخْلِ خَيْبَرَ، وقَدْ بَيَّنّا شَيْئًا مِن تَفْصِيلِ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلنَّهْيِ، وعُمُومُ القَوْمِ الظّالِمِينَ شَمِلَ اليَهُودَ والنَّصارى، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ التَّذْيِيلِيَّةِ يَقْتَضِي أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ. والمُرادُ بِالظّالِمِينَ الكافِرُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ تَفْرِيعٌ لِحالَةٍ مِن مُوالاتِهِمْ أُرِيدَ وصْفُها لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّها وقَعَتْ في حَضْرَتِهِ.
والمَرَضُ هُنا أُطْلِقَ عَلى النِّفاقِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ. أُطْلِقَ عَلَيْهِ مَرَضٌ لِأنَّهُ كُفْرٌ مُفْسِدٌ لِلْإيمانِ.
صفحة ٢٣٢
والمُسارَعَةُ تَقَدَّمَ شَرْحُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] . وفي المَجْرُورِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ، لِأنَّ المُسارَعَةَ لا تَكُونُ في الذَّواتِ، فالمَعْنى: يُسارِعُونَ في شَأْنِهِمْ مِن مُوالاتِهِمْ أوْ في نُصْرَتِهِمْ.
والقَوْلُ الواقِعُ في يَقُولُونَ نَخْشى قَوْلُ لِسانٍ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ قالَ ذَلِكَ، حَسَبَما رُوِيَ عَنْ عَطِيَّةَ الحُوفِيِّ والزُّهْرِيِّ وعاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ أوْ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ وأنَّها نَزَلَتْ حِينَ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى قِتالِ بَنِي قَيْنُقاعٍ. وكانَ بَنُو قَيْنُقاعٍ أحْلافًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ولِعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، «فَلَمّا رَأى عُبادَةُ مَنزَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جاءَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ مِن حِلْفِ يَهُودَ ووَلائِهِمْ ولا أُوالِي إلّا اللَّهَ ورَسُولَهُ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حاضِرًا، فَقالَ: أمّا أنا فَلا أبْرَأُ مِن حِلْفِهِمْ فَإنِّي لا بُدَّ لِي مِنهم إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ» .
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾، قَوْلًا نَفْسِيًّا، أيْ يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ. فالدّائِرَةُ المَخْشِيَّةُ هي خَشْيَةُ انْتِقاضِ المُسْلِمِينَ عَلى المُنافِقِينَ، فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ مِنَ المَرَضِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ، وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُ لَمّا وقَعَ انْهِزامُ يَوْمِ أُحُدٍ فَزِعَ المُسْلِمُونَ وقالَ بَعْضُهم: نَأْخُذُ مِنَ اليَهُودِ حِلْفًا لِيُعاضِدُونا إنْ ألَمَّتْ بِنا قاصِمَةٌ مِن قُرَيْشٍ. وقالَ رَجُلٌ: إنِّي ذاهِبٌ إلى اليَهُودِيِّ فُلانٍ فَآوِي إلَيْهِ وأتَهَوَّدُ مَعَهُ. وقالَ آخَرُ: إنِّي ذاهِبٌ إلى فُلانٍ النَّصْرانِيِّ بِالشّامِ فَآوِي إلَيْهِ وأتَنَصَّرُ مَعَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. فَيَكُونُ المَرَضُ هُنا ضَعْفَ الإيمانِ وقِلَّةَ الثِّقَةِ بِنَصْرِ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَهَذِهِ الآيَةُ تَقَدَّمَ نُزُولُها قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَإمّا أُعِيدَ نُزُولُها، وإمّا أُمِرَ بِوَضْعِها في هَذا المَوْضِعِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ يُؤَيِّدُ الرِّوايَةَ الأُولى، ويُؤَيِّدُ مَحْمَلَنا فِيها: أنَّ القَوْلَ قَوْلٌ نَفْسِيٌّ.
صفحة ٢٣٣
والدّائِرَةُ اسْمُ فاعِلٍ مِن دارَ إذا عَكَسَ سَيْرَهُ، فالدّائِرَةُ تَغَيُّرُ الحالِ، وغَلَبَ إطْلاقُها عَلى تَغَيُّرِ الحالِ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ، ودَوائِرُ الدَّهْرِ: نُوَبُهُ ودُوَلُهُ، قالَ تَعالى ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] أيْ تَبَدُّلَ حالِكم مِن نَصْرٍ إلى هَزِيمَةٍ. وقَدْ قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] إنَّ إضافَةَ ”دائِرَةُ“ إلى ”السَّوْءِ“ إضافَةُ بَيانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَوْ لَمْ تُضَفِ الدّائِرَةُ إلى ”السَّوْءِ“ عُرِفَ مِنها مَعْناهُ. وأصْلُ تَأْنِيثِها لِلْمَرَّةِ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلى التَّغَيُّرِ مُلازِمَةً لِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ.
وقَوْلُهُ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا قَرَأهُ الجُمْهُورُ ”يَقُولُ“ بِدُونِ واوٍ في أوَّلِهِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ لِسُؤالِ مَن يَسْألُ: ماذا يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا حِينَئِذٍ.
أيْ إذا جاءَ الفَتْحُ أوْ أمْرٌ مِن قُوَّةِ المُسْلِمِينَ ووَهَنِ اليَهُودِ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ ”ويَقُولُ“ بِالواوِ وبِرَفْعِ ”يَقُولُ“ عَطْفًا عَلى ”فَعَسى اللَّهُ“، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالواوِ أيْضًا وبِنَصْبِ ”يَقُولَ“ عَطْفًا عَلى ”أنْ يَأْتِيَ“ . والِاسْتِفْهامُ في ”أهَؤُلاءِ“ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ مِن نِفاقِهِمْ.
و”هَؤُلاءِ“ إشارَةٌ إلى طائِفَةٍ مُقَدَّرَةِ الحُصُولِ يَوْمَ حُصُولِ الفَتْحِ، وهي طائِفَةُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. والظّاهِرُ أنَّ ”الَّذِينَ“ هو الخَبَرُ عَنْ ”هَؤُلاءِ“ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّعَجُّبِ، ومَحَلُّ العَجَبِ هو قَسَمُهم أنَّهم مَعَهم، وقَدْ دَلَّ هَذا التَّعَجُّبُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَظْهَرُ لَهم مِن حالِ المُنافِقِينَ يَوْمَ إتْيانِ الفَتْحِ ما يَفْتَضِحُ بِهِ أمْرُهم فَيَعْجَبُونَ مِن حَلِفِهِمْ عَلى الإخْلاصِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وجَهْدُ الأيْمانِ بِفَتْحِ الجِيمِ أقْواها وأغْلَظُها، وحَقِيقَةُ الجَهْدِ التَّعَبُ والمَشَقَّةُ ومُنْتَهى الطّاقَةِ، وفِعْلُهُ كَمَنَعَ. ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى أشَدِّ الفِعْلِ ونِهايَةِ قُوَّتِهِ لِما بَيْنَ الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ مِنَ المُلازَمَةِ، وشاعَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الآيَةِ في مَعْنى أوْكَدِ الأيْمانِ وأغْلَظِها، أيْ أقْسَمُوا أقْوى قَسَمٍ، وذَلِكَ بِالتَّوْكِيدِ والتَّكْرِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُغَلَّظُ بِهِ اليَمِينُ عُرْفًا. ولَمْ أرَ إطْلاقَ الجَهْدِ عَلى هَذا المَعْنى فِيما قَبْلَ القُرْآنِ. وانْتَصَبَ ”جَهْدَ“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِأنَّهُ
صفحة ٢٣٤
بِإضافَتِهِ إلى (الأيْمانِ) صارَ مِن نَوْعِ اليَمِينِ فَكانَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُبَيِّنًا لِلنَّوْعِ. وفي الكَشّافِ في سُورَةِ النُّورِ جَعَلَهُ مَصْدَرًا بَدَلًا مِن فِعْلِهِ وجَعَلَ التَّقْدِيرَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ يُجْهِدُونَ أيْمانَهم جَهْدًا، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ وجُعِلَ المَفْعُولُ المُطْلَقُ عِوَضًا عَنْهُ قُدِّمَ المَفْعُولُ المُطْلَقُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ وأُضِيفَ إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ حَبِطَتْ أعْمالُهُمُ اسْتِئْنافٌ، سَواءٌ كانَتْ مِن كَلامِ الَّذِينَ آمَنُوا فَتَكُونُ مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ، أمْ كانَتْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَلا تَكُونُهُ. و”حَبِطَتْ“ مَعْناهُ تَلِفَتْ وفَسَدَتْ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
5:54Page 117
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤
O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allāh will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, strong against the disbelievers; they strive in the cause of Allāh and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allāh; He bestows it upon whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
تَقَضّى تَحْذِيرُهم مِن أعْدائِهِمْ في الدِّينِ، وتَجْنِيبِهِمْ أسْبابَ الضَّعْفِ فِيهِ، فَأقْبَلَ عَلى تَنْبِيهِهِمْ إلى أنَّ ذَلِكَ حِرْصٌ عَلى صَلاحِهِمْ في مُلازَمَةِ الدِّينِ والذَّبِّ عَنْهُ، وأنَّ اللَّهَ لا يَنالُهُ نَفْعٌ مِن ذَلِكَ، وأنَّهم لَوِ ارْتَدَّ مِنهم فَرِيقٌ أوْ نَفَرٌ لَمْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، وسَيَكُونُ لِهَذا الدِّينِ أتْباعٌ وأنْصارٌ وإنْ صَدَّ عَنْهُ مَن صَدَّ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقَوْلِهِ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] .
فَجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٥٥]، دَعَتْ لِاعْتِراضِها مُناسَبَةُ الإنْذارِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] . فَتَعْقِيبُها بِهَذا الِاعْتِراضِ إشارَةٌ إلى أنَّ اتِّخاذَ اليَهُودِ
صفحة ٢٣٥
والنَّصارى أوْلِياءَ ذَرِيعَةٌ لِلِارْتِدادِ، لِأنَّ اسْتِمْرارَ فَرِيقٍ عَلى مُوالاةِ اليَهُودِ والنَّصارى مِنَ المُنافِقِينَ وضُعَفاءِ الإيمانِ يُخْشى مِنهُ أنْ يَنْسَلَّ عَنِ الإيمانِ فَرِيقٌ. وأنْبَأ المُتَرَدِّدِينَ ضُعَفاءَ الإيمانِ بِأنَّ الإسْلامَ غَنِيٌّ عَنْهم إنْ عَزَمُوا عَلى الِارْتِدادِ إلى الكُفْرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ”مَن يَرْتَدِدْ“ بِدالَيْنِ عَلى فَكِّ الإدْغامِ، وهو أحَدُ وجْهَيْنِ في مِثْلِهِ، وهو لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ. وقَرَأ الباقُونَ بِدالٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ بِالإدْغامِ، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ. وبِفَتْحٍ عَلى الدّالِ فَتْحَةَ تَخَلُّصٍ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِخِفَّةِ الفَتْحِ، وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ مَكَّةَ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ ومُصْحَفِ البَصْرَةِ.والِارْتِدادُ مُطاوِعُ الرَّدِّ، والرَّدُّ هو الإرْجاعُ إلى مَكانٍ أوْ حالَةٍ، قالَ تَعالى رُدُّوها عَلَيَّ. وقَدْ يُطْلَقُ الرَّدُّ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] . وقَدْ لُوحِظَ في إطْلاقِ اسْمِ الِارْتِدادِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الإسْلامِ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ، ثُمَّ غَلَبَ اسْمُ الِارْتِدادِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الإسْلامِ ولَوْ لَمْ يَسْبِقْ لِلْمُرْتَدِّ عَنْهُ اتِّخاذُ دِينٍ قَبْلَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ إلَخْ جَوابُ الشَّرْطِ، وقَدْ حُذِفَ مِنها العائِدُ عَلى الشَّرْطِ الِاسْمِيِّ، وهو وعْدٌ بِأنَّ هَذا الدِّينَ لا يَعْدَمُ أتْباعًا بَرَرَةً مُخْلِصِينَ. ومَعْنى هَذا الوَعْدِ إظْهارُ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وعَنِ المُنافِقِينَ، وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ بِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] وتَطْمِينُ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ الحَقِّ بِأنَّ اللَّهَ يُعَوِّضُهم بِالمُرْتَدِّينَ خَيْرًا مِنهم. فَذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن جَوابِ الشَّرْطِ فاسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِذِكْرِ ما يَتَضَمَّنُهُ حَتّى كانَ لِلشَّرْطِ جَوابانِ.
وفِي نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ إيماءٌ إلى ما سَيَكُونُ مِنِ ارْتِدادِ كَثِيرٍ مِنَ العَرَبِ عَنِ الإسْلامِ مِثْلَ أصْحابِ الأسْوَدِ العَنْسِيِّ بِاليَمَنِ، وأصْحابِ طَلْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ في بَنِي أسَدٍ، وأصْحابِ مُسَيْلِمَةَ بْنِ حَبِيبٍ الحَنَفِيِّ بِاليَمامَةِ. ثُمَّ إلى ما كانَ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنِ ارْتِدادِ قَبائِلَ كَثِيرَةٍ مِثْلَ فَزارَةَ وغَطَفانَ وبَنِي تَمِيمٍ وكِنْدَةَ ونَحْوِهِمْ.
صفحة ٢٣٦
قِيلَ: لَمْ يَبْقَ إلّا أهْلُ ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مَسْجِدِ المَدِينَةِ ومَسْجِدِ مَكَّةَ ومَسْجِدِ جُؤاثى في البَحْرَيْنِ (أيْ مِن أهْلِ المُدُنِ الإسْلامِيَّةِ يَوْمَئِذٍ) . وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ ونَصَرَ الإسْلامَ فَأخْلَفَهُ أجْيالًا مُتَأصِّلَةً فِيهِ قائِمَةً بِنُصْرَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾، الإتْيانُ هُنا الإيجادُ، أيْ يُوجِدُ أقْوامًا لِاتِّباعِ هَذا الدِّينِ بِقُلُوبٍ تُحِبُّهُ وتَجْلِبُ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ الخَيْرَ وتَذُودُ عَنْهم أعْداءَهم، وهَؤُلاءِ القَوْمُ قَدْ يَكُونُونَ مِن نَفْسِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا، إذا رَجَعُوا إلى الإسْلامِ خالِصَةً قُلُوبُهم مِمّا كانَ يُخامِرُها مِنَ الإعْراضِ مِثْلَ مُعْظَمِ قَبائِلِ العَرَبِ وسادَتِهِمُ الَّذِينَ رَجَعُوا إلى الإسْلامِ بَعْدَ الرِّدَّةِ زَمَنَ أبِي بَكْرٍ، فَإنَّ مَجْمُوعَهم غَيْرُ مَجْمُوعِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا، فَصَحَّ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ شَمِلَهُ لَفْظُ ”بِقَوْمٍ“ وتَحَقَّقَ فِيهِمُ الوَصْفُ وهو مَحَبَّةُ اللَّهِ إيّاهم ومَحَبَّتُهم رَبَّهم ودِينَهُ، فَإنَّ المَحَبَّتَيْنِ تَتْبَعانِ تَغَيُّرَ أحْوالِ القُلُوبِ لا تَغَيُّرَ الأشْخاصِ فَإنَّ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الَّذِي كانَ مِن أكْبَرِ عُصاةِ الرِّدَّةِ أصْبَحَ مِن أكْبَرِ أنْصارِ الإسْلامِ في يَوْمِ القادِسِيَّةِ، وهَكَذا.
ودَخَلَ في قَوْلِهِ: ”بِقَوْمٍ“ الأقْوامُ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلُ عَرَبِ الشّامِ مِنَ الغَساسِنَةِ، وعَرَبِ العِراقِ ونَبَطِهِمْ، وأهْلِ فارِسَ، والقِبْطِ، والبَرْبَرِ، وفِرِنْجَةِ إسْبانِيَّةَ، وصِقِلِّيَةَ، وسِرْدانِيَّةَ، وتُخُومِ فِرانْسا، ومِثْلُ التُّرْكِ والمَغُولِ، والتَّتارِ، والهِنْدِ، والصِّينِ، والإغْرِيقِ، والرُّومِ، مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كانَ لَها شَأْنٌ عَظِيمٌ في خِدْمَةِ الإسْلامِ وتَوْسِيعِ مَمْلَكَتِهِ بِالفُتُوحِ وتَأْيِيدِهِ بِالعُلُومِ ونَشْرِ حَضارَتِهِ بَيْنَ الأُمَمِ العَظِيمَةِ، فَكُلُّ أُمَّةٍ أوْ فَرِيقٍ أوْ قَوْمٍ تَحَقَّقَ فِيهِمْ وصْفُ ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ فَهم مِنَ القَوْمِ المُنَوَّهِ بِهِمْ، أمّا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلُ وثَبَتُوا فَأُولَئِكَ أعْظَمُ شَأْنًا وأقْوى إيمانًا فَأتاهُمُ المُؤَيِّدُونَ زُرافاتٍ ووُحْدانًا.
ومَحَبَّةُ اللَّهِ عَبْدَهُ رِضاهُ عَنْهُ وتَيْسِيرُ الخَيْرِ لَهُ، ومَحَبَّةُ العَبْدِ رَبَّهُ انْفِعالُ النَّفْسِ نَحْوَ تَعْظِيمِهِ والأُنْسِ بِذِكْرِهِ وامْتِثالُ أمْرِهِ والدِّفاعُ عَنْ دِينِهِ. فَهي صِفَةٌ تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ مِن كَثْرَةِ تَصَوُّرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى ونِعَمِهِ حَتّى تَتَمَكَّنَ مِن قَلْبِهِ، فَمَنشَؤُها السَّمْعُ
صفحة ٢٣٧
والتَّصَوُّرُ. ولَيْسَتْ هي كَمَحَبَّةِ اسْتِحْسانِ الذّاتِ، ألا تَرى أنّا نُحِبُّ النَّبِيءَ ﷺ مِن كَثْرَةِ ما نَسْمَعُ مِن فَضائِلِهِ وحِرْصِهِ عَلى خَيْرِنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَقْوى هَذِهِ المَحَبَّةُ بِمِقْدارِ كَثْرَةِ مُمارَسَةِ أقْوالِهِ وذِكْرِ شَمائِلِهِ وتَصَرُّفاتِهِ وهَدْيِهِ، وكَذَلِكَ نُحِبُّ الخُلَفاءَ الأرْبَعَةَ لِكَثْرَةِ ما نَسْمَعُ مِن حُبِّهِمُ الرَّسُولَ ومِن بَذْلِهِمْ غايَةَ النُّصْحِ في خَيْرِ المُسْلِمِينَ، وكَذَلِكَ نُحِبُّ حاتِمًا لِما نَسْمَعُ مِن كَرَمِهِ. وقَدْ قالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأةُ أبِي سُفْيانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما كانَ أهْلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ يَذِلُّوا مِن أهْلِ خِبائِكَ، وقَدْ أصْبَحْتُ وما أهْلُ خِباءٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَعُزُّوا مِن أهْلِ خِبائِكَ» .
والأذِلَّةُ والأعِزَّةُ وصْفانِ مُتَقابِلانِ وُصِفَ بِهِما القَوْمُ بِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ بِهِما، فالأذِلَّةُ جَمْعُ الذَّلِيلِ وهو المَوْصُوفُ بِالذُّلِّ. والذُّلُّ بِضَمِّ الذّالِ وبِكَسْرِها الهَوانُ والطّاعَةُ، فَهو ضِدُّ العِزِّ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] . وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ: الذُّلُّ بِضَمِّ الذّالِ ضِدُّ العِزِّ وبِكَسْرِ الذّالِ ضِدُّ الصُّعُوبَةِ، ولا يُعْرَفُ لِهَذِهِ التَّفْرِقَةِ سَنَدٌ في اللُّغَةِ. والذَّلِيلُ جَمْعُهُ الأذِلَّةُ، والصِّفَةُ الذُّلُّ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] . ويُطْلَقُ الذُّلُّ عَلى لِينِ الجانِبِ والتَّواضُعِ، وهو مَجازٌ، ومِنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ.
فالمُرادُ هُنا الذُّلُّ بِمَعْنى لِينِ الجانِبِ وتَوْطِئَةِ الكَنَفِ، وهو شِدَّةُ الرَّحْمَةِ والسَّعْيُ لِلنَّفْعِ، ولِذَلِكَ عُلِّقَ بِهِ قَوْلُهُ: عَلى المُؤْمِنِينَ. ولِتَضْمِينِ ”أذِلَّةٍ“ مَعْنى مُشْفِقِينَ حانِينَ عُدِّيَ بِـ ”عَلى“ دُونَ اللّامِ، أوْ لِمُشاكَلَةِ (عَلى) الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ: عَلى الكافِرِينَ.
والأعِزَّةُ جَمْعُ العَزِيزِ فَهو المُتَّصِفُ بِالعِزِّ وهو القُوَّةُ والِاسْتِقْلالُ، ولِأجْلِ ما في طِباعِ العَرَبِ مِنَ القُوَّةِ صارَ العِزُّ في كَلامِهِمْ يَدُلُّ عَلى مَعْنى الِاعْتِداءِ، فَفي المَثَلِ (مَن عَزَّ بَزَّ) . وقَدْ أصْبَحَ الوَصْفانِ مُتَقابِلَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ السَّمَوْألُ أوِ الحارِثِيُّ:
وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ
وإثْباتُ الوَصْفَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ لِلْقَوْمِ صِناعَةٌ عَرَبِيَّةٌ بَدِيعِيَّةٌ، وهي المُسَمّاةُ الطِّباقَ، وبُلَغاءُ العَرَبِ يُغَرِّبُونَ بِها، وهي عَزِيزَةٌ في كَلامِهِمْ، وقَدْ جاءَ كَثِيرٌ مِنها في
صفحة ٢٣٨
القُرْآنِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ صِفاتِهِمْ تُسَيِّرُها آراؤُهُمُ الحَصِيفَةُ فَلَيْسُوا مُنْدَفِعِينَ إلى فِعْلٍ ما إلّا عَنْ بَصِيرَةٍ، ولَيْسُوا مِمَّنْ تَنْبَعِثُ أخْلاقُهُ عَنْ سَجِيَّةٍ واحِدَةٍ بِأنْ يَكُونَ لَيِّنًا في كُلِّ حالٍ، وهَذا هو مَعْنى الخُلُقِ الأقْوَمِ، وهو الَّذِي يَكُونُ في كُلِّ حالٍ بِما يُلائِمُ ذَلِكَ الحالَ، قالَ:
حَلِيمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْـلَـهُ ∗∗∗ مَعَ الحِلْمِ في عَيْنِ العَدُوِّ مَهِيبُ
وقالَ تَعالى ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، وهي مِن أكْبَرِ العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ الإيمانِ. والجِهادُ: إظْهارُ الجُهْدِ، أيِ الطّاقَةِ في دِفاعِ العَدُوِّ، ونِهايَةُ الجُهْدِ التَّعَرُّضُ لِلْقَتْلِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ مَصْدَرِ ”فاعَلَ“ لِأنَّهُ يُظْهِرُ جُهْدَهُ لِمَن يُظْهِرُ لَهُ مِثْلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ، وهي عَدَمُ الخَوْفِ مِنَ المَلامَةِ، أيْ في أمْرِ الدِّينِ، كَما هو السِّياقُ.
واللَّوْمَةُ: الواحِدَةُ مِنَ اللَّوْمِ. وأُرِيدَ بِها هُنا مُطْلَقُ المَصْدَرِ، كاللَّوْمِ لِأنَّها لَمّا وقَعَتْ في سِياقِ النَّفْيِ فَعَمَّتْ زالَ مِنها مَعْنى الوَحْدَةِ كَما يَزُولُ مَعْنى الجَمْعِ في الجَمْعِ المُعَمَّمِ بِدُخُولِ (ال) الجِنْسِيَّةِ لِأنَّ (لا) في عُمُومِ النَّفْيِ مِثْلُ (ال) في عُمُومِ الإثْباتِ، أيْ لا يَخافُونَ جَمِيعَ أنْواعِ اللَّوْمِ مِن جَمِيعِ اللّائِمِينَ إذِ اللَّوْمُ مِنهُ شَدِيدٌ، كالتَّقْرِيعِ، وخَفِيفٌ؛ واللّائِمُونَ: مِنهُمُ اللّائِمُ المُخِيفُ والحَبِيبُ: فَنَفى عَنْهم خَوْفَ جَمِيعِ أنْواعِ اللَّوْمِ. فَفي الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ عُمُوماتٍ: عُمُومُ الفِعْلِ في سِياقِ النَّفْيِ، وعُمُومُ المَفْعُولِ، وعُمُومُ المُضافِ إلَيْهِ. وهَذا الوَصْفُ عَلامَةٌ عَلى صِدْقِ إيمانِهِمْ حَتّى خالَطَ قُلُوبَهم بِحَيْثُ لا يَصْرِفُهم عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الإغْراءِ واللَّوْمِ لِأنَّ الِانْصِياعَ لِلْمَلامِ آيَةُ ضَعْفِ اليَقِينِ والعَزِيمَةِ.
ولَمْ يَزَلِ الإعْراضُ عَنْ مَلامِ اللّائِمِينَ عَلامَةً عَلى الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ وأصالَةِ الرَّأْيِ. وقَدْ عَدَّ فُقَهاؤُنا في وصْفِ القاضِي أنْ يَكُونَ مُسْتَخِفًّا بِاللّائِمَةِ عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ في عِبارَةِ المُتَقَدِّمِينَ، واحْتِمالُ التَّأْوِيلَيْنِ دَلِيلٌ عَلى اعْتِبارِ كِلَيْهِما شَرْعًا.
صفحة ٢٣٩
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ تَذْيِيلٌ. واسْمُ الإشارَةِ إشارَةٌ إلى مَجْمُوعِ صِفاتِ الكَمالِ المَذْكُورَةِ.
و ”واسِعٌ“ وصْفٌ بِالسَّعَةِ، أيْ عَدَمِ نِهايَةِ التَّعَلُّقِ بِصِفاتِهِ ذاتِ التَّعَلُّقِ، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences