Ibn 'AshurAl‑Ma'idah · 5:55–63

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:55–63

5:55–56Page 117

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥

Your ally is none but Allāh and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakāh, and they bow [in worship].

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦

And whoever is an ally of Allāh and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allāh - they will be the predominant.

﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاَةَ وهم راكِعُونَ﴾ ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ إلى آخِرِها مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] وما تَفَرَّعَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣] . وقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤] بَيْنَ الآياتِ مُعْتَرِضَةً، ثُمَّ اتَّصَلَ الكَلامُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ . فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، لِأنَّ ولايَتَهم لِلَّهِ ورَسُولِهِ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَهم فَمَن كانَ اللَّهُ ولَيَّهُ لا تَكُونُ أعْداءُ اللَّهِ أوْلِياءَهُ. وتُفِيدُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ عَنْ ولايَةِ اليَهُودِ والنَّصارى. وفِيهِ تَنْوِيهٌ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ أوِ النَّهْيِ بِالأمْرِ بِضِدِّهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ يَتَضَمَّنُ أمْرًا بِتَقْرِيرِ هَذِهِ الوَلايَةِ ودَوامِها، فَهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الأمْرِ، والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ قَصْرًا حَقِيقِيًّا.

ومَعْنى كَوْنِ الَّذِينَ آمَنُوا أوْلِياءَ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنَّ المُؤْمِنِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] . وإجْراءُ صِفَتَيْ ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ وهْم راكِعُونَ.

صفحة ٢٤٠

وقَوْلُهُ: وهم راكِعُونَ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ. وظاهِرُ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّها عَيْنُ مَعْنى قَوْلِهِ: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، إذِ المُرادُ بِـ ”راكِعُونَ“ مُصَلُّونَ لا آتُونَ بِالجُزْءِ مِنَ الصَّلاةِ المُسَمّى بِالرُّكُوعِ. فَوُجِّهَ هَذا العَطْفُ: إمّا بِأنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ رُكُوعُ النَّوافِلِ، أيِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ المَفْرُوضَةَ ويَتَقَرَّبُونَ بِالنَّوافِلِ؛ وإمّا المُرادُ بِهِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ الدَّوامِ والثَّباتِ، أيِ الَّذِينَ يُدِيمُونَ إقامَةَ الصَّلاةِ. وعَقَّبَهُ بِأنَّهم يُؤْتُونَ الزَّكاةَ مُبادَرَةً بِالتَّنْوِيهِ بِالزَّكاةِ، كَما هو دَأْبُ القُرْآنِ. وهو الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذْ قالَ: ”لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ“ . ثُمَّ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أداءِ الصَّلاةِ؛ فالواوُ عاطِفَةُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَةُ حالًا. ويُرادُ بِالرُّكُوعِ الخُشُوعُ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ ﴿وهم راكِعُونَ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] . ولَيْسَ فِيهِ مَعْنًى، إذْ لا تُؤْتى الزَّكاةُ في حالَةِ الرُّكُوعِ، ورَكَّبُوا هَذا المَعْنى عَلى خَبَرٍ تَعَدَّدَتْ رِواياتُهُ وكُلُّها ضَعِيفَةٌ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولَيْسَ يَصِحُّ شَيْءٌ مِنها بِالكُلِّيَّةِ لِضَعْفِ أسانِيدِها وجَهالَةِ رِجالِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا القَوْلِ، أيِ الرِّوايَةِ، نَظَرٌ، قالَ: رَوى الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ: «جاءَ ابْنُ سَلامٍ أيْ عَبْدُ اللَّهِ ونَفَرٌ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ آمَنُوا أيْ مِنَ اليَهُودِ فَشَكَوْا لِلرَّسُولِ ﷺ بُعْدَ مَنازِلِهِمْ ومُنابَذَةَ اليَهُودِ لَهم فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ فَبَصُرَ بِسائِلٍ، فَقالَ لَهُ: هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا، فَقالَ: نَعَمْ خاتَمُ فِضَّةٍ أعْطانِيهِ ذَلِكَ القائِمُ يُصَلِّي، وأشارَ إلى عَلِيٍّ، فَكَبَّرَ النَّبِيءُ ﷺ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، فَتَلاها رَسُولُ اللَّهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ بِذِكْرِ عِلَّةِ الجَوابِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهُمُ الغالِبُونَ لِأنَّهم حِزْبُ اللَّهِ.

5:57–58Page 117

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٥٧

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allāh, if you should [truly] be believers.

وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ٥٨

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُؤًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ. واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُؤًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ .

صفحة ٢٤١

اسْتِئْنافٌ هو تَأْكِيدٌ لِبَعْضِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١] تَحْذِيرٌ مِن مُوالاةِ أهْلِ الكِتابِ لِيَظْهَرَ تَمَيُّزُ المُسْلِمِينَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرٌ مِن مُوالاةِ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بِالمَدِينَةِ، ولا مَدْخَلَ لِلنَّصارى فِيها، إذْ لَمْ يَكُنْ في المَدِينَةِ نَصارى فَيَهْزَءُوا بِالدِّينِ.

وقَدْ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ اليَهُودِ إلى المَوْصُولِ والصِّلَةِ وهي ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُؤًا﴾ إلَخْ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ مُوجِبِ النَّهْيِ.

والدِّينُ هو ما عَلَيْهِ المَرْءُ مِن عَقائِدَ وأعْمالٍ ناشِئَةٍ عَنِ العَقِيدَةِ، فَهو عُنْوانُ عَقْلِ المُتَدَيِّنِ ورائِدُ آمالِهِ وباعِثُ أعْمالِهِ، فالَّذِي يَتَّخِذُ دِينَ امْرِئٍ هُزُؤًا فَقَدِ اتَّخَذَ ذَلِكَ المُتَدَيِّنَ هُزُؤًا ورَمَقَهُ بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ، إذْ عَدَّ أعْظَمَ شَيْءٍ عِنْدَهُ سُخْرِيَةً، فَما دُونُ ذَلِكَ أوْلى. والَّذِي يَرْمُقُ بِهَذا الِاعْتِبارِ لَيْسَ جَدِيرًا بِالمُوالاةِ، لِأنَّ شَرْطَ المُوالاةِ التَّماثُلُ في التَّفْكِيرِ، ولِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ والِاسْتِخْفافَ احْتِقارٌ، والمَوَدَّةُ تَسْتَدْعِي تَعْظِيمَ المَوْدُودِ.

وأُرِيدَ بِالكُفّارِ في قَوْلِهِ: ”والكُفّارَ“ المُشْرِكُونَ، وهَذا اصْطِلاحُ القُرْآنِ في إطْلاقِ لَفْظِ الكُفّارِ. والمُرادُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإسْلامَ نِفاقًا مِثْلَ رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وسُوَيْدِ بْنِ الحارِثِ، فَقَدْ كانَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يُوادُّهُما اغْتِرارًا بِظاهِرِ حالِهِما. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ ضَحِكُوا مِنَ المُسْلِمِينَ وقْتَ سُجُودِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا إذا نادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ قالُوا: صِياحٌ مِثْلُ صِياحِ العِيرِ، وتَضاحَكُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

صفحة ٢٤٢

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”والكَفّارَ“ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ المُبَيَّنِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ ”والكَفّارِ“ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ احْذَرُوهُ بِامْتِثالِ ما نَهاكم عَنْهُ. وذِكْرُ هَذا الشَّرْطِ اسْتِنْهاضٌ لِلْهِمَّةِ في الِانْتِهاءِ، وإلْهابٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ لِيُظْهِرُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ، لِأنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ الِامْتِثالُ. ولَيْسَ لِلشَّرْطِ مَفْهُومٌ هُنا، لِأنَّ الكَلامَ إنْشاءٌ ولِأنَّ خَبَرَ ”كانَ“ لَقَبٌ لا مَفْهُومَ لَهُ إذْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ المَوْصُوفُ بِالتَّصْدِيقِ، ذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ التَّقْوى لا يَنْفِي الإيمانَ عِنْدَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ الَّذِينَ فَهِمُوا مَقْصِدَ الإسْلامِ في جامِعَتِهِ حَقَّ الفَهْمِ.

وإذا أُرِيدَ بِالمُوالاةِ المَنهِيِّ عَنْها المُوالاةُ التّامَّةُ بِمَعْنى المُوافَقَةِ في الدِّينِ فالأمْرُ بِالتَّقْوى، أيِ الحَذَرِ مِنَ الوُقُوعِ فِيما نُهُوا عَنْهُ مُعَلَّقٌ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِوَجْهٍ ظاهِرٍ. والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ أوْ مُؤَوَّلَةٌ عَلى حَسَبِ ما تَقَدَّمَ في سالِفَتِها ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] .

والنِّداءُ إلى الصَّلاةِ هو الأذانُ، وما عُبِّرَ عَنْهُ في القُرْآنِ إلّا بِالنِّداءِ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأذانَ شَيْءٌ مَعْرُوفٌ، فَهي مُؤَيِّدَةٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الأذانِ ولَيْسَتْ مُشَرِّعَةً لَهُ، لِأنَّهُ شُرِعَ بِالسُّنَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ تَحْقِيرٌ لَهم إذْ لَيْسَ في النِّداءِ إلى الصَّلاةِ ما يُوجِبُ الِاسْتِهْزاءَ؛ فَجَعْلُهُ مُوجِبًا لِلِاسْتِهْزاءِ سَخافَةٌ لِعُقُولِهِمْ.

5:59–60Page 118

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allāh and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠

Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that1 as penalty from Allāh? [It is that of] those whom Allāh has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of ṭāghūt.2 Those are worse in position and further astray from the sound way."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ .

صفحة ٢٤٣

هَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما تَقَدَّمَها وبَيْنَ قَوْلِهِ: وإذا جاءُوكم. ولا يَتَّضِحُ مَعْنى الآيَةِ أتَمَّ وُضُوحٍ ويَظْهَرُ الدّاعِي إلى أمْرِ اللَّهِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُواجِهَهم بِغَلِيظِ القَوْلِ مَعَ أنَّهُ القائِلُ ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] والقائِلُ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَيُعْلَمُ أنَّهم قَدْ ظَلَمُوا بِطَعْنِهِمْ في الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ. فَذَكَرَ الواحِدِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ فِيهِمْ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ، ورافِعُ بْنُ أبِي رافِعٍ، وعازِرٌ، وزَيْدٌ، وخالِدٌ، وأزارُ بْنُ أبِي أزارٍ، وأشْيَعُ، إلى النَّبِيءِ فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ قالُوا: لا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِعِيسى ولا نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم وما نَعْلَمُ أهْلَ دِينٍ أقَلَّ حَظًّا في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ»﴾ . فَخَصَّ بِهَذِهِ المُجادَلَةِ أهْلَ الكِتابِ لِأنَّ الكُفّارَ لا تَنْهَضُ عَلَيْهِمْ حُجَّتُها، وأُرِيدَ مِن أهْلِ الكِتابِ خُصُوصُ اليَهُودِ كَما يُنْبِئُ بِهِ المَوْصُولُ وصِلَتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. وكانَتْ هَذِهِ المُجادَلَةُ لَهم بِأنَّ ما يَنْقِمُونَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ في دِينِهِمْ إذا تَأمَّلُوا لا يَجِدُونَ إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ وبِما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وزِيادَةُ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ .

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ وتَعَجُّبِيٌّ. فالإنْكارُ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ، والتَّعَجُّبُ دَلَّ عَلَيْهِ أنَّ مَفْعُولاتِ ”تَنْقِمُونَ“ كُلَّها مَحامِدُ لا يَحِقُّ نَقْمُها، أيْ لا تَجِدُونَ شَيْئًا تَنْقِمُونَهُ غَيْرَ ما ذُكِرَ. وكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ حَقِيقًا بِأنْ يُنْقَمَ. فَأمّا الإيمانُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ فَظاهِرٌ أنَّهم رَضُوهُ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يَنْقِمُونَهُ عَلى مَن ماثَلَهم فِيهِ،

صفحة ٢٤٤

وأمّا الإيمانُ بِما أُنْزِلَ إلى مُحَمَّدٍ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ رَضِيَهُ المُسْلِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ وذَلِكَ لا يُهِمُّ أهْلَ الكِتابِ، ودَعا الرَّسُولُ إلَيْهِ أهْلَ الكِتابِ فَمَن شاءَ مِنهم فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، فَما وجْهُ النَّقْمِ مِنهُ. وعُدِّيَ فِعْلُ ”تَنْقِمُونَ“ إلى مُتَعَلِّقِهِ بِحِرَفِ (مِن) وهي ابْتِدائِيَّةٌ. وقَدْ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) .

وأمّا عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ فَقَرَأهُ جَمِيعُ القُرّاءِ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ .

وقَدْ تَحَيَّرَ في تَأْوِيلِها المُفَسِّرُونَ لِاقْتِضاءِ ظاهِرِها فِسْقَ أكْثَرِ المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَعْتَرِفُ بِهِ أهْلُهُ، وعَلى تَقْدِيرِ اعْتِرافِهِمْ بِهِ فَذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يُنْقَمُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ لا عَمَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِمّا يُنْقَمُ عَلى المُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ نَقْمُهُ عَلَيْهِمْ بِمَحَلٍّ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ الَّذِي هو سِياقُ الكَلامِ.

فَذَهَبَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ مَوْقِعِ هَذا المَعْطُوفِ مَذاهِبَ شَتّى، فَقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى مُتَعَلِّقِ ”آمَنّا“ أيْ آمَنّا بِاللَّهِ وبِفِسْقِ أكْثَرِكم، أيْ تَنْقِمُونَ مِنّا مَجْمُوعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ. وهَذا يُفِيتُ مَعْنى الإنْكارِ التَّعَجُّبِيِّ لِأنَّ اعْتِقادَ المُؤْمِنِينَ كَوْنَ أكْثَرِ المُخاطَبِينَ فاسِقُونَ يَجْعَلُ المُخاطَبِينَ مَعْذُورِينَ في نَقْمِهِ فَلا يُتَعَجَّبُ مِنهُ ولا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ نَقْمُهُ، وذَلِكَ يُخالِفُ السِّياقَ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ فَلا يَلْتَئِمُ مَعَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فالجَمْعُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ حِينَئِذٍ كالجَمْعِ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، فَهَذا وجْهٌ بَعِيدٌ.

وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى المُسْتَثْنى، أيْ ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا وفِسْقَ أكْثَرِكم، أيْ تَنْقِمُونَ تَخالُفَ حالَيْنا، فَهو نَقْمُ حَسَدٍ، ولِذَلِكَ حَسُنَ مَوْقِعُ الإنْكارِ التَّعَجُّبِيِّ. وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ في الكَشّافِ وقَدَّمَهُ وهو يَحْسُنُ لَوْ لَمْ تَكُنْ كَلِمَةُ ”مِنّا“ لِأنَّ اخْتِلافَ الحالَيْنِ لا يُنْقَمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، إذْ لَيْسَ مِن فِعْلِهِمْ ولَكِنْ مِن مُصادَفَةِ الزَّمانِ.

وقِيلَ: حُذِفَ مَجْرُورٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ لِأنَّكم جائِرُونَ وأكْثَرُكم فاسِقُونَ، وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى أُسْلُوبٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، إذْ لَمْ يُعْرَفْ حَذْفُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذا. وذُكِرَ وجْهانِ آخَرانِ غَيْرُ مَرْضِيَّيْنِ.

صفحة ٢٤٥

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ عَلى ما هو المُتَبادِرُ ويَكُونُ الكَلامُ تَهَكُّمًا، أيْ تَنْقِمُونَ مِنّا أنَّنا آمَنّا كَإيمانِكم وصَدَّقْنا رُسُلَكم وكُتُبَكم، وذَلِكَ نَقْمُهُ عَجِيبٌ وأنَّنا آمَنّا بِما أُنْزِلَ إلَيْنا وذَلِكَ لا يُهِمُّكم. وتَنْقِمُونَ مِنّا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، أيْ ونَحْنُ صالِحُونَ، أيْ هَذا نَقْمُ حَسَدٍ، أيْ ونَحْنُ لا نَمْلِكُ لَكم أنْ تَكُونُوا صالِحِينَ. فَظَهَرَتْ قَرِينَةُ التَّهَكُّمِ فَصارَ في الِاسْتِفْهامِ إنْكارٌ فَتَعَجُّبٌ فَتَهَكُّمٌ، تَوَلَّدَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ وكُلُّها مُتَوَلِّدَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الِاسْتِفْهامِ في مُجازاتِهِ أوْ في مَعانٍ كِنائِيَّةٍ، وبِهَذا يَكْمُلُ الوَجْهُ الَّذِي قَدَّمَهُ صاحِبُ الكَشّافِ.

ثُمَّ اطَّرَدَ في التَّهَكُّمِ بِهِمْ والعَجَبِ مِن أفَنِ رَأْيِهِمْ مَعَ تَذْكِيرِهِمْ بِمَساوِيهِمْ، فَقالَ ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلَخْ. و”شَرٌّ“ اسْمُ تَفْضِيلٍ، أصْلُهُ أشَرُّ، وهو لِلزِّيادَةِ في الصِّفَةِ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، والزِّيادَةُ تَقْتَضِي المُشارَكَةَ في أصْلِ الوَصْفِ فَتَقْتَضِي أنَّ المُسْلِمِينَ لَهم حَظٌّ مِنَ الشَّرِّ، وإنَّما جَرى هَذا تَهَكُّمًا بِاليَهُودِ لِأنَّهم قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: لا دِينَ شَرٌّ مِن دِينِكم، وهو مِمّا عُبِّرَ عَنْهُ بِفِعْلِ ”تَنْقِمُونَ“ . وهَذا مِن مُقابَلَةِ الغِلْظَةِ بِالغِلْظَةِ كَما يُقالُ: قُلْتَ فَأوْجَبْتَ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ”مِن ذَلِكَ“ إلى الإيمانِ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَنقُومٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.

ولَمّا كانَ شَأْنُ المَنقُومِ أنْ يَكُونَ شَرًّا بُنِيَ عَلَيْهِ التَّهَكُّمُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾، أيْ مِمّا هو أشَدُّ شَرًّا.

والمَثُوبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن ثابَ يَثُوبُ، أيْ رَجَعَ، فَهي بِوَزْنِ مُفَعْوِلَةٍ، سُمِّيَ بِها الشَّيْءُ الَّذِي يَثُوبُ بِهِ المَرْءُ إلى مَنزِلِهِ إذا نالَهُ جَزاءً عَنْ عَمَلٍ عَمِلَهُ أوْ سَعْيٍ سَعاهُ، وأصْلُها مَثُوبٌ بِها، اعْتَبَرُوا فِيها التَّأْنِيثَ عَلى تَأْوِيلِها بِالعَطِيَّةِ أوِ الجائِزَةِ ثُمَّ حُذِفَ المُتَعَلِّقُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.

وأصْلُها مُؤْذِنٌ بِأنَّها لا تُطْلَقُ إلّا عَلى شَيْءٍ وُجُودِيٍّ يُعْطاهُ العامِلُ ويَحْمِلُهُ

صفحة ٢٤٦

مَعَهُ، فَلا تُطْلَقُ عَلى الضَّرْبِ والشَّتْمِ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَثُوبُ بِهِ المَرْءُ إلى مَنزِلِهِ، ولِأنَّ العَرَبَ إنَّما يَبْنُونَ كَلامَهم عَلى طِباعِهِمْ وهم أهْلُ كَرَمٍ لِنَزِيلِهِمْ، فَلا يُرِيدُونَ بِالمَثُوبَةِ إلّا عَطِيَّةً نافِعَةً. ويَصِحُّ إطْلاقُها عَلى الشَّيْءِ النَّفِيسِ وعَلى الشَّيْءِ الحَقِيرِ مِن كُلِّ ما يَثُوبُ بِهِ المُعْطى. فَجَعْلُها في هَذِهِ الآيَةِ تَمْيِيزًا لِاسْمِ الزِّيادَةِ في الشَّرِّ تَهَكُّمٌ لِأنَّ اللَّعْنَةَ والغَضَبَ والمَسْخَ لَيْسَتْ مَثُوباتٍ، وذَلِكَ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمْ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونا

وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:

وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

وقَوْلُهُ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ، أُرِيدَ بِهِ بَيانُ مَن هو شَرٌّ مَثُوبَةً، وفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ. وتَقْدِيرُهُ: مَثُوبَةُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: أنْتُمْ أوِ اليَهُودُ، إلى الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ لِلْعِلْمِ بِالمَعْنِيِّ مِنَ الصِّلَةِ، لِأنَّ اليَهُودَ يَعْلَمُونَ أنَّ أسْلافًا مِنهم وقَعَتْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ والغَضَبُ مِن عَهْدِ أنْبِيائِهِمْ، ودَلائِلُهُ ثابِتَةٌ في التَّوْراةِ وكُتُبِ أنْبِيائِهِمْ، فالمَوْصُولُ كِنايَةٌ عَنْهم.

وأمّا جَعْلُهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في حَقِيقَتِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأمّا كَوْنُهم عَبَدُوا الطّاغُوتَ فَهو إذْ عَبَدُوا الأصْنامَ بَعْدَ أنْ كانُوا أهْلَ تَوْحِيدٍ فَمِن ذَلِكَ عِبادَتُهُمُ العِجْلَ.

والطّاغُوتُ: الأصْنامُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] في سُورَةِ النِّساءِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ في ”عَبَدَ“ وبِفَتْحِ التّاءِ مِنَ الطّاغُوتِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”عَبَدَ“، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، أيْ ومَن عَبَدُوا الطّاغُوتَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ المُوَحَّدَةِ وفَتْحِ الدّالِ وبِكَسْرِ الفَوْقِيَّةِ مِن كَلِمَةِ الطّاغُوتِ عَلى أنَّ ”عَبُدَ“ جَمْعُ عَبْدٍ، وهو جَمْعٌ سَماعِيٌّ قَلِيلٌ، وهو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ .

صفحة ٢٤٧

والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ هُنا تَعْيِيرُ اليَهُودِ المُجادِلِينَ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَساوِي أسْلافِهِمْ إبْكاتًا لَهم عَنِ التَّطاوُلِ. عَلى أنَّهُ إذا كانَتْ تِلْكَ شَنْشَنَتَهم أزْمانَ قِيامِ الرُّسُلِ والنَّبِيِّينَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ فَهم فِيما بَعْدَ ذَلِكَ أسْوَأُ حالًا وأجْدَرُ بِكَوْنِهِمْ شَرًّا، فَيَكُونُ الكَلامُ مِن ذَمِّ القَبِيلِ كُلِّهِ. عَلى أنَّ كَثِيرًا مِن مُوجِباتِ اللَّعْنَةِ والغَضَبِ والمَسْخِ قَدِ ارْتَكَبَتْها الأخْلافُ، عَلى أنَّهم شَتَمُوا المُسْلِمِينَ بِما زَعَمُوا أنَّهُ دِينُهم فَيَحِقُّ شَتْمُهم بِما نَعْتَقِدُهُ فِيهِمْ.

5:61–63Page 118

وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ٦١

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allāh is most knowing of what they were concealing.

وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ .

عُطِفَ ”وإذا جاءُوكم“ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُؤًا﴾ [المائدة: ٥٨] الآيَةَ، وخُصَّ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المُنافِقُونَ مِنَ اليَهُودِ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الدِّينَ هُزُؤًا ولَعِبًا، فاسْتُكْمِلَ بِذَلِكَ التَّحْذِيرُ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُمُ المُعْلِنِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ. ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى صِفاتِ أهْلِ الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ﴾ [المائدة: ٦٠] لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ المَعْنى، وبِذَلِكَ يُسْتَغْنى عَنْ تَكَلُّفِ وجْهٍ لِهَذا العَطْفِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أنَّ الإيمانَ لَمْ يُخالِطْ قُلُوبَهم طَرْفَةَ عَيْنٍ، أيْ هم دَخَلُوا كافِرِينَ وخَرَجُوا كَذَلِكَ، لِشِدَّةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، فالمَقْصُودُ اسْتِغْراقُ الزَّمَنَيْنِ وما بَيْنَهُما، لِأنَّ ذَلِكَ هو المُتَعارَفُ، إذِ الحالَةُ إذا تَبَدَّلَتِ اسْتَمَرَّ تَبَدُّلُها، فَفي ذَلِكَ تَسْجِيلُ الكَذِبِ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجَ بِغَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ.

صفحة ٢٤٨

والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ: ”وتَرى“ بَصَرِيَّةٌ، أيْ أنَّ حالَهم في ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ. والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى ”يُسارِعُونَ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] .

والإثْمُ: المَفاسِدُ مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، أُرِيدَ بِهِ هُنا الكَذِبُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ﴾ . والعُدْوانُ: الظُّلْمُ، والمُرادُ بِهِ الِاعْتِداءُ عَلى المُسْلِمِينَ إنِ اسْتَطاعُوهُ.

والسُّحْتُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] .

و”لَوْلا“ تَحْضِيضٌ أُرِيدَ مِنهُ التَّوْبِيخُ.

والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيئُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الآيَةَ.

واقْتُصِرَ في تَوْبِيخِ الرَّبّانِيِّينَ عَلى تَرْكِ نَهْيِهِمْ عَنْ قَوْلِ الإثْمِ وأكْلِ السُّحْتِ، ولَمْ يُذْكَرِ العُدْوانُ إيماءً إلى أنَّ العُدْوانَ يَزْجُرُهم عَنْهُ المُسْلِمُونَ ولا يَلْتَجِئُونَ في زَجْرِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ، لِأنَّ الِاعْتِمادَ في النُّصْرَةِ عَلى غَيْرِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، ضَعْفٌ.

وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، ذَمٌّ لِصَنِيعِ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ في سُكُوتِهِمْ عَنْ تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، و”يَصْنَعُونَ“ بِمَعْنى يَعْلَمُونَ، وإنَّما خُولِفَ هُنا ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَها لِلتَّفَنُّنِ، وقِيلَ: لِأنَّ ”يَصْنَعُونَ“ أدَلُّ عَلى التَّمَكُّنِ في العَمَلِ مِن (يَعْمَلُونَ) .

واللّامُ لِلْقَسَمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском