Ibn 'AshurAl‑Ma'idah · 5:6–8

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:6–8

5:6Page 108

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janābah,1 then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women2 and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allāh does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .

صفحة ١٢٦

إذا جَرَيْنا عَلى ما تَحَصْحَصَ لَدَيْنا وتَمَحَّصَ: مِن أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ هي مِن آخِرِ السُّوَرِ نُزُولًا، وأنَّها نَزَلَتْ في عامِ حَجَّةِ الوَداعِ، جَزَمْنا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ هُنا تَذْكِيرًا بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِن نِعَمِ التَّشْرِيعِ: وهي مِنَّةُ شَرْعِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ مَشَقَّةِ التَّطَهُّرِ بِالماءِ، فَجَزَمْنا بِأنَّ هَذا الحُكْمَ كُلَّهُ مَشْرُوعٌ مِن قَبْلُ، وإنَّما ذُكِرَ هُنا في عِدادِ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِها عَلى المُسْلِمِينَ، فَإنَّ الآثارَ صَحَّتْ بِأنَّ الوُضُوءَ والغُسْلَ شُرِعا مَعَ وُجُوبِ الصَّلاةِ، وبِأنَّ التَّيَمُّمَ شُرِعَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ سَنَةَ خَمْسٍ أوْ سِتٍّ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] في سُورَةِ النِّساءِ الخِلافُ في أنَّ الآيَةَ الَّتِي نَزَلَ فِيها شَرْعُ التَّيَمُّمِ، أهِيَ آيَةُ سُورَةِ النِّساءِ، أمْ آيَةُ سُورَةِ المائِدَةِ ؟ وذَكَرْنا هُنالِكَ أنَّ حَدِيثَ المُوَطَّأِ مِن رِوايَةِ مالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ الآيَةِ ولَكِنْ سَمّاها آيَةَ التَّيَمُّمِ، وأنَّ القُرْطُبِيَّ اخْتارَ أنَّها آيَةُ النِّساءِ لِأنَّها المَعْرُوفَةُ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ، وكَذَلِكَ اخْتارَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، وذَكَرْنا أنَّ صَرِيحَ رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عائِشَةَ: أنَّ الآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ هي قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ، كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ يَحْيى عَنِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، ولا يُساعِدُ مُخْتارُنا في تارِيخِ نُزُولِ سُورَةِ المائِدَةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ما في حَدِيثِ البُخارِيِّ سَهْوًا مِن أحَدِ رُواتِهِ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ وأبِيهِ، أرادَ أنْ يَذْكُرَ آيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وهي آيَةُ النِّساءِ، فَذَكَرَ آيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ. فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ بِأنْ تَكُونَ آيَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ المائِدَةِ، ثُمَّ أُعِيدَ نُزُولُها في سُورَةِ المائِدَةِ، أوْ أمَرَ اللَّهُ أنْ تُوضَعَ في هَذا المَوْضِعِ مِن سُورَةِ المائِدَةِ، والأرْجَحُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ ما في حَدِيثِ البُخارِيِّ وهْمًا مِن بَعْضِ رُواتِهِ لِأنَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ مُشابَهَةً.

صفحة ١٢٧

فالأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُرِيدَ مِنها تَأْكِيدُ شَرْعِ الوُضُوءِ وشَرْعِ التَّيَمُّمِ خَلَفًا عَنِ الوُضُوءِ بِنَصِّ القُرْآنِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَسْبِقْ نُزُولُ قُرْآنٍ فِيهِ ولَكِنَّهُ كانَ مَشْرُوعًا بِالسُّنَّةِ. ولا شَكَّ أنَّ الوُضُوءَ كانَ مَشْرُوعًا مِن قَبْلِ ذَلِكَ، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «لَمْ يُصَلِّ صَلاةً إلّا بِوُضُوءٍ» . قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، كَما أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ الوُضُوءَ كانَ مَفْعُولًا قَبْلَ نُزُولِها غَيْرَ مَتْلُوٍّ ولِذَلِكَ قالَ عُلَماؤُنا: إنَّ الوُضُوءَ كانَ بِمَكَّةَ سُنَّةً، مَعْناهُ كانَ بِالسُّنَّةِ. فَأمّا حُكْمُهُ فَلَمْ يَكُنْ قَطُّ إلّا فَرْضًا. وقَدْ رَوى ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «لَمّا فَرَضَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةَ لَيْلَةَ الإسْراءِ ونَزَلَ جِبْرِيلُ ظُهْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَهَمَزَ بِعَقِبِهِ فانْبَعَثَ ماءٌ وتَوَضَّأ مُعَلِّمًا لَهُ وتَوَضَّأ هو مَعَهُ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ . وهَذا صَحِيحٌ وإنْ كانَ لَمْ يَرْوِهِ أهْلُ الصَّحِيحِ ولَكِنَّهم تَرَكُوهُ لِأنَّهم لَمْ يَحْتاجُوا إلَيْهِ اهـ.

وفِي سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ ثُمَّ انْصَرَفَ جِبْرِيلُ فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ فَتَوَضَّأ لَها لِيُرِيَها كَيْفَ الطُّهُورُ لِلصَّلاةِ كَما أراهُ جِبْرِيلُ اهـ.

وقَوْلُهم: الوُضُوءُ سُنَّةٌ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وقَدْ تَأوَّلَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ بِأنَّهُ ثابِتٌ بِالسُّنَّةِ. قالَ بَعْضُ عُلَمائِنا: ولِذَلِكَ قالُوا في حَدِيثِ عائِشَةَ: فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ؛ ولَمْ يَقُولُوا: آيَةُ الوُضُوءِ؛ لِمَعْرِفَتِهِمْ إيّاهُ قَبْلَ الآيَةِ.

فالوُضُوءُ مَشْرُوعٌ مَعَ الصَّلاةِ لا مَحالَةَ، إذْ لَمْ يَذْكُرِ العُلَماءُ إلّا شَرْعَ الصَّلاةِ ولَمْ يَذْكُرُوا شَرْعَ الوُضُوءِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ الآيَةُ قَرَّرَتْ حُكْمَ الوُضُوءِ لِيَكُونَ ثُبُوتُهُ بِالقُرْآنِ. وكَذَلِكَ الِاغْتِسالُ فَهو مَشْرُوعٌ مِن قَبْلُ، كَما شُرِعَ الوُضُوءُ بَلْ هو أسْبَقُ مِنَ الوُضُوءِ؛ لِأنَّهُ مِن بَقايا الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي كانَتْ مَعْرُوفَةً حَتّى أيّامِ الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ وضَّحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ. ولِذَلِكَ أُجْمِلَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ هُنا وهُنالِكَ بِقَوْلِهِ هُنا (فاطَّهَّرُوا)، وقَوْلِهِ هُنالِكَ (فاغْتَسِلُوا)، فَتَمَحَّضَتِ الآيَةُ لِشَرْعِ التَّيَمُّمِ عِوَضًا عَنِ الوُضُوءِ.

صفحة ١٢٨

ومَعْنى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ إذا عَزَمْتُمْ عَلى الصَّلاةِ، لِأنَّ القِيامَ يُطْلَقُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى الشُّرُوعِ في الفِعْلِ، قالَ الشّاعِرُ:

فَقامَ يَذُودُ النّاسَ عَنْها بِسَيْفِـهِ وقالَ ألا لا مِن سَبِيلٍ إلى هِنْدٍ

وعَلى العَزْمِ عَلى الفِعْلِ، قالَ النّابِغَةُ:

قامُوا فَقالُوا حِمانا غَيْرُ مَقْرُوبٍ

أيْ عَزَمُوا رَأْيَهم فَقالُوا. والقِيامُ هُنا كَذَلِكَ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِـ (إلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى عَمَدْتُمْ إلى أنْ تُصَلُّوا.

ورَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ فَسَّرَ القِيامَ بِمَعْنى الهُبُوبِ مِنَ النَّوْمِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ. فَهَذِهِ وُجُوهُ الأقْوالِ في تَفْسِيرِ مَعْنى القِيامِ في هَذِهِ الآيَةِ، وكُلُّها تَئُولُ إلى أنَّ إيجابَ الطِّهارَةِ لِأجْلِ أداءِ الصَّلاةِ.

وأمّا ما يَرْجِعُ إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الشَّرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ. فَظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ بِالوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ لِأنَّ الأمْرَ بِغَسْلِ ما أُمِرَ بِغَسْلِهِ شُرِطَ بِـ (إذا قُمْتُمْ) فاقْتَضى طَلَبَ غَسْلِ هَذِهِ الأعْضاءِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ إلى الصَّلاةِ. والأمْرُ ظاهِرٌ في الوُجُوبِ. وقَدْ وقَفَ عِنْدَ هَذا الظّاهِرِ قَلِيلٌ مِنَ السَّلَفِ؛ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعِكْرِمَةَ وُجُوبُ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ ونَسَبَهُ الطَّبَرَسِيُّ إلى داوُدَ الظّاهِرِيِّ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ في المُحَلّى ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِ الطَّبَرَسِيِّ. وقالَ بُرَيْدَةُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ: كانَ الوُضُوءُ واجِبًا عَلى المُسْلِمِينَ لِكُلِّ صَلاةٍ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ عامَ الفَتْحِ بِفِعْلِ النَّبِيءِ ﷺ فَصَلّى يَوْمَ الفَتْحِ الصَّلَواتِ الخَمْسَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ، وصَلّى في غَزْوَةِ خَيْبَرَ العَصْرَ والمَغْرِبَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ. وقالَ بَعْضُهم: هَذا حُكْمٌ خاصٌّ بِالنَّبِيءِ ﷺ . وهَذا قَوْلٌ عَجِيبٌ إنْ أرادَ بِهِ صاحِبُهُ حَمْلَ الآيَةِ عَلَيْهِ، كَيْفَ وهي مُصَدَّرَةٌ بِقَوْلِهِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.

والجُمْهُورُ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى مَعْنى: إذا قُمْتُمْ مُحْدِثِينَ ولَعَلَّهُمُ اسْتَنَدُوا في ذَلِكَ إلى آيَةِ النِّساءِ المُصَدَّرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] إلى قَوْلِهِ ولا جُنُبًا الآيَةَ. وحَمَلُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ عَلى أنَّهُ كانَ فَرْضًا عَلى النَّبِيءِ - صَلّى

صفحة ١٢٩

اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصًّا بِهِ غَيْرَ داخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ نَسَخَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَلْتَزِمُ ذَلِكَ وحَمَلُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ وابْنُ عُمَرَ مِنَ الوُضُوءِ لِفَضْلِ إعادَةِ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ. وهو الَّذِي لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِغَيْرِهِ. والَّذِينَ فَسَّرُوا القِيامَ بِمَعْنى القِيامِ مِنَ النَّوْمِ أرادُوا تَمْهِيدَ طَرِيقِ التَّأْوِيلِ بِأنْ يَكُونَ الأمْرُ قَدْ نِيطَ بِوُجُودِ مُوجِبِ الوُضُوءِ. وإنِّي لَأعْجَبُ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ في التَّأْوِيلِ مَعَ اسْتِغْناءِ الآيَةِ عَنْها؛ لِأنَّ تَأْوِيلَها فِيها بَيِّنٌ؛ لِأنَّها افْتُتِحَتْ بِشَرْطٍ، هو القِيامُ إلى الصَّلاةِ، فَعَلِمْنا أنَّ الوُضُوءَ شَرْطٌ في الصَّلاةِ عَلى الجُمْلَةِ ثُمَّ بَيَّنَ هَذا الإجْمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فَجَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ مُوجِبَةً لِلتَّيَمُّمِ إذا لَمْ يُوجَدُ الماءُ، فَعُلِمَ مِن هَذا بِدَلالَةِ الإشارَةِ أنَّ امْتِثالَ الأمْرِ يَسْتَمِرُّ إلى حُدُوثِ حادِثٍ مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ، إمّا مانِعٍ مِن أصْلِ الوُضُوءِ وهو المَرَضُ والسَّفَرُ، وإمّا رافِعٍ لِحُكْمِ الوُضُوءِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وهو الأحْداثُ المَذْكُورُ بَعْضُها بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾، فَإنْ وُجِدَ الماءُ فالوُضُوءُ وإلّا فالتَّيَمُّمُ، فَمَفْهُومُ الشَّرْطِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ ومَفْهُومُ النَّفْيِ وهو ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ تَأْوِيلٌ بَيِّنٌ في صَرْفِ هَذا الظّاهِرِ عَنْ مَعْناهُ بَلْ في بَيانِ هَذا المُجْمَلِ، وتَفْسِيرٌ واضِحٌ لِحَمْلِ ما فَعَلَهُ الخُلَفاءُ عَلى أنَّهُ لِقَصْدِ الفَضِيلَةِ لا لِلْوُجُوبِ.

وما ذَكَرَهُ القُرْآنُ مِن أعْضاءِ الوُضُوءِ هو الواجِبُ وما زادَ عَلَيْهِ سُنَّةٌ واجِبَةٌ. وحَدَّدَتِ الآيَةُ الأيْدِي بِبُلُوغِ المَرافِقِ لِأنَّ اليَدَ تُطْلَقُ عَلى ما بَلَغَ الكُوعَ وما إلى المِرْفَقِ وما إلى الإبِطِ فَرَفَعَتِ الآيَةُ الإجْمالَ في الوُضُوءِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في النَّظافَةِ وسَكَتَتْ في التَّيَمُّمِ فَعَلِمْنا أنَّ السُّكُوتَ مَقْصُودٌ وأنَّ التَّيَمُّمَ لَمّا كانَ مَبْناهُ عَلى الرُّخْصَةِ اكْتَفى بِصُورَةِ الفِعْلِ وظاهِرِ العُضْوِ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: وأيْدِيكم في التَّيَمُّمِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ النِّساءِ.

وهَذا مِن طَرِيقِ الِاسْتِفادَةِ بِالمُقابَلَةِ، وهو طَرِيقٌ بَدِيعٌ في الإيجازِ أهْمَلَهُ عُلَماءُ البَلاغَةِ وعُلَماءُ الأُصُولِ فاحْتَفِظْ بِهِ وألْحِقْهِ بِمَسائِلِهِما.

صفحة ١٣٠

وقَدِ اخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في أنَّ المَرافِقَ مَغْسُولَةٌ أوْ مَتْرُوكَةٌ، والأظْهَرُ أنَّها مَغْسُولَةٌ لِأنَّ الأصْلَ في الغايَةِ في الحَدِّ أنَّهُ داخِلٌ في المَحْدُودِ. وفي المَدارِكِ أنَّ القاضِيَ إسْماعِيلَ بْنَ إسْحاقَ سُئِلَ عَنْ دُخُولِ الحَدِّ في المَحْدُودِ فَتَوَقَّفَ فِيها. ثُمَّ قالَ لِلسّائِلِ بَعْدَ أيّامٍ: قَرَأْتُ كِتابَ سِيبَوَيْهِ فَرَأيْتُ أنَّ الحَدَّ داخِلٌ في المَحْدُودِ. وفي مَذْهَبِ مالِكٍ: قَوْلانِ في دُخُولِ المَرافِقِ في الغُسْلِ، وأوْلاهُما دُخُولُهُما. قالَ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدٍ: وإدْخالُهُما فِيهِ أحْوَطُ لِزَوالِ تَكَلُّفِ التَّحْدِيدِ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهُ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلى الإبِطَيْنِ، وتُؤُوِّلُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ أرادَ إطالَةَ الغُرَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: تُكْرَهُ الزِّيادَةُ.

وقَوْلُهُ: وأرْجُلَكم قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبَ بِالنَّصْبِ عَطْفًَا عَلى وأيْدِيَكم وتَكُونُ جُمْلَةَ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ مُعْتَرَضَةً بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. وكَأنَّ فائِدَةَ الِاعْتِراضِ الإشارَةُ إلى تَرْتِيبِ أعْضاءِ الوُضُوءِ لِأنَّ الأصْلَ في التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ ‌‌‌‌‌‌‌أنْ يَدُلَّ عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ، فالأرْجُلُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَغْسُولَةً؛ إذْ حِكْمَةُ الوُضُوءِ وهي النَّقاءُ والوَضاءَةُ والتَّنَظُّفُ والتَّأهُّبُ لِمُناجاةِ اللَّهِ تَعالى تَقْتَضِي أنْ يُبالَغَ في غَسْلِ ما هو أشَدُّ تَعَرُّضًا لِلْوَسَخِ؛ فَإنَّ الأرْجُلَ تُلاقِي غُبارَ الطُّرُقاتِ وتُفْرِزُ الفَضَلاتِ بِكَثْرَةِ حَرَكَةِ المَشْيِ، ولِذَلِكَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَأْمُرُ بِمُبالَغَةِ الغَسْلِ فِيها، وقَدْ نادى بِأعْلى صَوْتِهِ للَّذِي لَمْ يُحْسِنْ غَسْلَ رِجْلَيْهِ «ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» . وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِخَفْضِ وأرْجُلِكم. ولِلْعُلَماءِ في هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلاتٌ: مِنهم مَن أخَذَ بِظاهِرِها فَجَعَلَ حُكْمَ الرِّجْلَيْنِ المَسْحَ دُونَ الغَسْلِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ. وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ الحَجّاجَ خَطَبَ يَوْمًا بِالأهْوازِ فَذَكَرَ الوُضُوءَ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ ابْنِ آدَمَ أقْرَبَ مِن خُبْثِهِ مِن قَدَمَيْهِ فاغْسِلُوا بُطُونَهُما وظُهُورَهُما وعَراقِيبَهُما فَسَمِعَ ذَلِكَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ فَقالَ: صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ الحَجّاجُ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكُمْ﴾ . ورُوِيَتْ عَنْ أنَسٍ رِوايَةٌ أُخْرى قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ بِالمَسْحِ والسُّنَّةُ

صفحة ١٣١

بِالغَسْلِ، وهَذا أحْسَنُ تَأْوِيلٍ لِهَذِهِ القِراءَةِ فَيَكُونُ مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ مَنسُوخًا بِالسُّنَّةِ؛ فَفي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ وأعْقابُهم تَلُوحُ، فَنادى بِأعْلى صَوْتِهِ ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ مَرَّتَيْنِ» . وقَدْ أجْمَعَ الفُقَهاءُ بَعْدَ عَصْرِ التّابِعِينَ عَلى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ ولَمْ يَشِذَّ عَنْ ذَلِكَ إلّا الإمامِيَّةُ مِنَ الشِّيعَةِ، قالُوا: لَيْسَ في الرِّجْلَيْنِ إلّا المَسْحُ، وإلّا ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: رَأى التَّخْيِيرَ بَيْنَ الغَسْلِ والمَسْحِ، وجَعَلَ القِراءَتَيْنِ بِمَنزِلَةِ رِوايَتَيْنِ في الإخْبارِ إذا لَمْ يُمْكِنْ تَرْجِيحُ إحْداهُما عَلى رَأْيِ مَن يَرَوْنَ التَّخْيِيرَ في العَمَلِ إذا لَمْ يُعْرَفِ المُرَجَّحُ. واسْتَأْنَسَ الشَّعْبِيُّ لِمَذْهَبِهِ بِأنَّ التَّيَمُّمَ يُمْسَحُ فِيهِ ما كانَ يُغْسَلُ في الوُضُوءِ ويُلْغى فِيهِ ما كانَ يُمْسَحُ في الوُضُوءِ. ومِنَ الَّذِينَ قَرَءُوا بِالخَفْضِ مَن تَأوَّلَ المَسْحَ في الرِّجْلَيْنِ بِمَعْنى الغَسْلِ، وزَعَمُوا أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الغَسْلَ الخَفِيفَ مَسْحًا وهَذا الإطْلاقُ إنْ صَحَّ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرادًا هُنا لِأنَّ القُرْآنَ فَرَّقَ في التَّعْبِيرِ بَيْنَ الغَسْلِ والمَسْحِ.

وجُمْلَةُ ”﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: وأيْدِيكم مِنهُ“ مَضى القَوْلُ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ النِّساءِ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

وجُمْلَةُ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِرُخْصَةِ التَّيَمُّمِ، ونَفْيُ الإرادَةِ هُنا كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ الجَعْلِ لِأنَّ المُرِيدَ الَّذِي لا غالِبَ لَهُ لا يَحُولُ دُونَ إرادَتِهِ عائِقٌ.

واللّامُ في (لِيَجْعَلَ) داخِلَةٌ عَلى أنِ المَصْدَرِيَّةِ مَحْذُوفَةً وهي لامٌ يَكْثُرُ وُقُوعُها بَعْدَ أفْعالِ الإرادَةِ وأفْعالِ مادَّةِ الأمْرِ، وهي لامٌ زائِدَةٌ عَلى الأرْجَحِ، وتُسَمّى لامُ أنْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] في سُورَةِ النِّساءِ، وهي قَرِيبَةٌ في المَوْقِعِ مِن مَوْقِعِ لامِ الجُحُودِ.

والحَرَجُ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ، والحَرَجَةُ: البُقْعَةُ مِنَ الشَّجَرِ المُلْتَفِّ المُتَضايِقِ، والجَمْعُ حَرَجٌ. والحَرَجُ المَنفِيُّ هُنا هو الحَرَجُ الحِسِّيُّ لَوْ كُلِّفُوا بِطَهارَةِ الماءِ مَعَ المَرَضِ أوِ السَّفَرِ، والحَرَجُ النَّفْسِيُّ لَوْ مُنِعُوا مِن أداءِ الصَّلاةِ في حالِ العَجْزِ عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ لِضُرٍّ أوْ سَفَرٍ أوْ فَقْدِ ماءٍ فَإنَّهم يَرْتاحُونَ إلى الصَّلاةِ ويُحِبُّونَها.

صفحة ١٣٢

وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن حِكْمَةِ الأمْرِ بِالغَسْلِ والوُضُوءِ التَّطْهِيرَ وهو تَطْهِيرٌ حِسِّيٌّ لِأنَّهُ تَنْظِيفٌ، وتَطْهِيرٌ نَفْسِيٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهِ لَمّا جَعَلَهُ عِبادَةً؛ فَإنَّ العِباداتِ كُلَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى عِدَّةِ أسْرارٍ: مِنها ما تَهْتَدِي إلَيْهِ الأفْهامُ ونُعَبِّرُ عَنْها بِالحِكْمَةِ؛ ومِنهُ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، كَكَوْنِ الظُّهْرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فَإذا ذُكِرَتْ حِكَمٌ لِلْعِباداتِ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّ الحِكَمَ مُنْحَصِرَةٌ فِيما عَلِمْناهُ وإنَّما هو بَعْضٌ مِن كُلٍّ وظَنٌّ لا يَبْلُغُ مُنْتَهى العِلْمِ، فَلَمّا تَعَذَّرَ الماءُ عَوَّضَ بِالتَّيَمُّمِ، ولَوْ أرادَ الحَرَجَ لَكَلَّفَهم طَلَبَ الماءِ ولَوْ بِالثَّمَنِ أوْ تَرْكَ الصَّلاةِ إلى أنْ يُوجَدَ الماءُ ثُمَّ يَقْضُونَ الجَمِيعَ. فالتَّيَمُّمُ لَيْسَ فِيهِ تَطْهِيرٌ حِسِّيٌّ وفِيهِ التَّطْهِيرُ النَّفْسِيُّ الَّذِي في الوُضُوءِ لَمّا جُعِلَ التَّيَمُّمُ بَدَلًا عَنِ الوُضُوءِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يُكْمِلَ النِّعَمَ المَوْجُودَةَ قَبْلَ الإسْلامِ بِنِعْمَةِ الإسْلامِ، أوْ ويُكْمِلُ نِعْمَةَ الإسْلامِ بِزِيادَةِ أحْكامِهِ الرّاجِعَةِ إلى التَّزْكِيَةِ والتَّطْهِيرِ مَعَ التَّيْسِيرِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ. فالإتْمامُ إمّا بِزِيادَةِ أنْواعٍ مِنَ النِّعَمِ لَمْ تَكُنْ، وإمّا بِتَكْثِيرِ فُرُوعِ النَّوْعِ مِنَ النِّعَمِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ رَجاءَ شُكْرِكم إيّاهُ. جَعَلَ الشُّكْرَ عِلَّةً لِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ بِأنِ اسْتُعِيرَتْ صِيغَةُ الرَّجاءِ إلى الأمْرِ لِقَصْدِ الحَثِّ عَلَيْهِ وإظْهارِهِ في صُورَةِ الأمْرِ المُسْتَقْرَبِ الحُصُولِ.

5:7Page 108

وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

And remember the favor of Allāh upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allāh. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ الواقِعَةَ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ. والكَلامُ مُرْتَبِطٌ بِما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] لِأنَّ في التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ تَعْرِيضًا بِالحَثِّ عَلى الوَفاءِ.

ذَكَّرَهم بِنِعَمٍ مَضَتْ تَذْكِيرًا يُقْصَدُ مِنهُ الحَثُّ عَلى الشُّكْرِ وعَلى الوَفاءِ

صفحة ١٣٣

بِالعُهُودِ، والمُرادُ مِنَ النِّعْمَةِ جِنْسُها لا نِعْمَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وهي ما في الإسْلامِ مِنِ العِزِّ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ وذَهابِ أحْوالِ الجاهِلِيَّةِ وصَلاحِ أحْوالِ الأُمَّةِ.

والمِيثاقُ: العَهْدُ، وواثَقَ: عاهَدَ. وأُطْلِقَ فِعْلُ واثَقَ عَلى مَعْنى المِيثاقِ الَّذِي أعْطاهُ المُسْلِمُونَ، وعَلى وعْدِ اللَّهِ لَهم ما وعَدَهم عَلى الوَفاءِ بِعَهْدِهِمْ. فَفي صِيغَةِ ”واثَقَكم“ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

و(إذْ) اسْمُ زَمانٍ عُرِفَ هُنا بِالإضافَةِ إلى قَوْلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ المُخاطَبِينَ.

والمُسْلِمُونَ عاهَدُوا اللَّهَ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ عِدَّةَ عُهُودٍ: أوَّلُها عَهْدُ الإسْلامِ كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ. ومِنها عَهْدُ المُسْلِمِينَ عِنْدَما يُلاقُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو البَيْعَةُ أنْ لا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقُوا ولا يَزْنُوا ولا يَقْتُلُوا أوْلادَهم ولا يَأْتُوا بِبُهْتانٍ يَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ ولا يَعْصُونَهُ في مَعْرُوفٍ، وهو عَيْنُ العَهْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ القُرْآنُ في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ عِنْدَ ذِكْرِ بَيْعَةِ النِّساءِ المُؤْمِناتِ، كَما ورَدَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يُبايِعُ المُؤْمِنِينَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. ومِنها بَيْعَةُ الأنْصارِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَوْسِمِ الحَجِّ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ مِنَ البَعْثَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وكانُوا ثَلاثَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا التَقَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ المَوْسِمِ في العَقَبَةِ ومَعَهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَبايَعُوا عَلى أنْ يَمْنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ كَما يَمْنَعُونَ نِساءَهم وأبْناءَهم، وعَلى أنَّهم يَأْوُونَهُ إذا هاجَرَ إلَيْهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ هَذِهِ البَيْعَةَ بَيْعَتانِ إحْداهُما سَنَةَ إحْدى عَشْرَةَ مِنَ البَعْثَةِ، بايَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الخَزْرَجِ في مَوْسِمِ الحَجِّ. والثّانِيَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنَ البَعْثَةِ، بايَعَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الخَزْرَجِ في مَوْسِمِ الحَجِّ بِالعَقَبَةِ لِيُبَلِّغُوا الإسْلامَ إلى قَوْمِهِمْ. ومِنَ المَواثِيقِ مِيثاقُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ في الحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنِ الهِجْرَةِ، وفي كُلِّ ذَلِكَ واثَقُوا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ.

ومَعْنى سَمِعْنا وأطَعْنا الِاعْتِرافُ بِالتَّبْلِيغِ، والِاعْتِرافُ بِأنَّهم سَمِعُوا ما طُلِبَ مِنهُمُ العَهْدُ عَلَيْهِ. فالسَّمْعُ أُرِيدَ بِهِ العِلْمُ بِما واثَقُوا عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَمِعْنا مَجازًا في الِامْتِثالِ، وأطَعْنا تَأْكِيدًا لَهُ. وهَذا مِنَ اسْتِعْمالِ سَمِعَ، ومِنهُ قَوْلُهم: بايَعُوا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ. وقالَ النّابِغَةُ يَذْكُرُ حالَةَ مَن لَدْغَتْهُ حَيَّةٌ فَأخَذُوا يَرْقُونَهُ:

صفحة ١٣٤

تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سَمْعِها

أيْ مِن سُوءِ طاعَتِها لِلرُّقْيَةِ، أيْ عَدَمِ نَجاحِ الرُّقْيَةِ في سُمِّها. وعَقَّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ تَسْتَحِقُّ أنْ يُشْكَرَ مُسْدِيها. وشُكْرُ اللَّهِ تَقْواهُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّحْذِيرِ مِن إضْمارِ المَعاصِي ومِن تَوَهُّمِ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ إلّا ما يَبْدُو مِنهم.

وحَرْفُ (إنَّ) أفادَ أنَّ الجُمْلَةَ عِلَّةٌ لِما قَبْلَها عَلى الأُسْلُوبِ المُقَرَّرِ في البَلاغَةِ في قَوْلِ بَشّارٍ:

إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ

5:8Page 108

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨

O you who have believed, be persistently standing firm for Allāh, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allāh; indeed, Allāh is [fully] Aware of what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .

لَمّا ذَكَّرَهم بِالنِّعْمَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِطَلَبِ الشُّكْرِ لِلْمُنْعِمِ والطّاعَةِ لَهُ، فَأقْبَلَ عَلى خِطابِهِمْ بِوَصْفِ الإيمانِ الَّذِي هو مَنبَعُ النِّعَمِ الحاصِلَةِ لَهم.

فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ تَرَقُّبِ السّامِعِينَ بَعْدَ تَعْدادِ النِّعَمِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ، ولَكِنَّ آيَةَ سُورَةِ النِّساءِ تَقُولُ ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] وما هُنا بِالعَكْسِ.

ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ ورَدَتْ عَقِبَ آياتِ القَضاءِ في الحُقُوقِ المُبْتَدَأةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ثُمَّ تَعَرَّضَتْ لِقَضِيَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، ثُمَّ أُرْدِفَتْ بِأحْكامِ المُعامَلَةِ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فَكانَ الأهَمُّ

صفحة ١٣٥

فِيها أمْرَ العَدْلِ فالشَّهادَةِ، فَلِذَلِكَ قَدَّمَ فِيها ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ فالقِسْطُ فِيها هو العَدْلُ في القَضاءِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ إلَيْهِ بِالباءِ، إذْ قالَ ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] .

وأمّا الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِها فَهي وارِدَةٌ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِمِيثاقِ اللَّهِ، فَكانَ المَقامُ الأوَّلُ لِلْحَضِّ عَلى القِيامِ لِلَّهِ أيِ الوَفاءِ لَهُ بِعُهُودِهِمْ لَهُ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ قَوْلُهُ: ”قَوّامِينَ“ بِاللّامِ. وإذْ كانَ العَهْدُ شَهادَةً أتْبَعَ قَوْلَهُ: ﴿قَوّامِينَ لِلَّهِ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾، أيْ شُهَداءَ بِالعَدْلِ شَهادَةً لا حَيْفَ فِيها، وأوْلى شَهادَةٍ بِذَلِكَ شَهادَتُهم لِلَّهِ تَعالى.

وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ وُجُوبُ القِيامِ بِالعَدْلِ، والشَّهادَةِ بِهِ، ووُجُوبُ القِيامِ لِلَّهِ، والشَّهادَةِ لَهُ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢] قَرِيبًا، ولَكِنَّهُ هُنا صَرَّحَ بِحَرْفِ (عَلى) وقَدْ بَيَّنّاهُ هُنالِكَ. والكَلامُ عَلى العَدْلِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] .

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أقْرَبُ﴾ عائِدٌ إلى العَدْلِ المَفْهُومِ مِن تَعْدِلُوا، لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ يُكْتَفى فِيهِ بِكُلِّ ما يُفْهَمُ حَتّى قَدْ يَعُودُ عَلى ما لا ذِكْرَ لَهُ، نَحْوُ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] . عَلى أنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ الفِعْلَ بِمَعْنى المَصْدَرِ في مَراتِبَ: المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ تَدَخُلَ عَلَيْهِ (أنْ) المَصْدَرِيَّةُ.

الثّانِيَةُ: أنْ تُحْذَفَ (أنْ) المَصْدَرِيَّةُ ويَبْقى النَّصْبُ بِها، كَقَوْلِ طَرَفَةَ:

ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي

بِنَصْبِ أحْضُرَ في رِوايَةٍ، ودَلَّ عَلَيْهِ عَطْفُ (وأنْ أشْهَدَ) .

صفحة ١٣٦

الثّالِثَةُ: أنْ تُحْذَفَ (أنْ) ويُرْفَعَ الفِعْلُ عَمَلًا عَلى القَرِينَةِ، كَما رُوِيَ بَيْتُ طَرَفَةَ (أحْضُرُ) بِرَفْعِ (أحْضُرُ)، ومِنهُ قَوْلُ المَثَلِ (تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ)، وفي الحَدِيثِ «تَحْمِلُ لِأخِيكَ الرِّكابَ صَدَقَةٌ» .

الرّابِعَةُ: عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الفِعْلِ مُرادًا بِهِ المَصْدَرُ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ اقْتَصَرَ عَلَيْها النُّحاةُ في التَّمْثِيلِ حَتّى يُخَيَّلَ لِلنّاظِرِ أنَّهُ مِثالٌ فَذٌّ في بابِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] . وأمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ: مِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ، فَضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ إلى القَوْلِ المَأْخُوذِ مِن ”قالُوا“ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] فَضَمِيرُ ”فَهو“ عائِدٌ لِلتَّعْظِيمِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ يُعَظِّمْ، وقَوْلُ بَشّارٍ:

واللَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ ما إنْ غَدَرْتُ ولا نَوَيْتُهُ

أيِ الغَدْرَ.

ومَعْنى ”﴿أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾“ أيْ لِلتَّقْوى الكامِلَةِ الَّتِي لا يَشِذُّ مَعَها شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ، وذَلِكَ أنَّ العَدْلَ هو مِلاكُ كَبْحِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهْوَةِ وذَلِكَ مِلاكُ التَّقْوى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском