Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:71–74
5:71Page 120
وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.
﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ .
عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ (كَذَّبُوا) و(يَقْتُلُونَ) لِبَيانِ فَسادِ اعْتِقادِهِمُ النّاشِئِ عَنْهُ فاسِدُ أعْمالِهِمْ، أيْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الفَظائِعِ عَنْ تَعَمُّدٍ بِغُرُورٍ، لا عَنْ فَلْتَةٍ أوْ ثائِرَةِ نَفْسٍ حَتّى يُنِيبُوا ويَتُوبُوا. والضَّمائِرُ البارِزَةُ عائِدَةٌ مِثْلُ الضَّمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (كَذَّبُوا) و(يَقْتُلُونَ) . وظَنُّوا أنَّ فِعْلَهم لا تَلْحَقُهم مِنهُ فِتْنَةٌ.
صفحة ٢٧٦
والفِتْنَةُ مَرْجُ أحْوالِ النّاسِ، واضْطِرابُ نِظامِهِمْ مِن جَرّاءِ أضْرارٍ ومَصائِبَ مُتَوالِيَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهي قَدْ تَكُونُ عِقابًا مِنَ اللَّهِ لِلنّاسِ جَزاءً عَنْ سُوءِ فِعْلِهِمْ أوْ تَمْحِيصًا لِصادِقِ إيمانِهِمْ لِتَعْلُوَ بِذَلِكَ دَرَجاتُهم ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] الآيَةَ. وسَمّى القُرْآنُ هارُوتَ ومارُوتَ فِتْنَةً، وسَمّى النَّبِيءُ ﷺ الدَّجّالَ فِتْنَةً، وسَمّى القُرْآنُ مَزالَّ الشَّيْطانِ فِتْنَةً (لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ) . فَكانَ مَعْنى الِابْتِلاءِ مُلازِمًا لَها.
والمَعْنى: وظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يُصِيبُهم بِفِتْنَةٍ في الدُّنْيا جَزاءً عَلى ما عامَلُوا بِهِ أنْبِياءَهم، فَهُنالِكَ مَجْرُورٌ مُقَدَّرٌ دالٌّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ ظَنُّوا أنْ لا تَنْزِلَ بِهِمْ مَصائِبُ في الدُّنْيا فَأمِنُوا عِقابَ اللَّهِ في الدُّنْيا بَعْدَ أنِ اسْتَخَفُّوا بِعَذابِ الآخِرَةِ، وتَوَهَّمُوا أنَّهم ناجُونَ مِنهُ، لِأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وأنَّهم لَنْ تَمَسَّهُمُ النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً.
فَمِن بَدِيعِ إيجازِ القُرْآنِ أنْ أوْمَأ إلى سُوءِ اعْتِقادِهِمْ في جَزاءِ الآخِرَةِ وأنَّهم نَبَذُوا الفِكْرَةَ فِيهِ ظِهْرِيًّا وأنَّهم لا يُراقِبُونَ اللَّهَ في ارْتِكابِ القَبائِحِ، وإلى سُوءِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ فِتْنَةِ الدُّنْيا وأنَّهم ضالُّونَ في كِلا الأمْرَيْنِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ عَلى أنَّهم لَوْ لَمْ يَحْسَبُوا ذَلِكَ لارْتَدَعُوا، لِأنَّهم كانُوا أحْرَصَ عَلى سَلامَةِ الدُّنْيا مِنهم عَلى السَّلامَةِ في الآخِرَةِ لِانْحِطاطِ إيمانِهِمْ وضَعْفِ يَقِينِهِمْ.
وهَذا شَأْنُ الأُمَمِ إذا تَطَرَّقَ إلَيْها الخُذْلانُ أنْ يَفْسُدَ اعْتِقادُهم ويَخْتَلِطَ إيمانُهم ويَصِيرَ هَمُّهم مَقْصُورًا عَلى تَدْبِيرِ عاجِلَتِهِمْ، فَإذا ظَنُّوا اسْتِقامَةَ العاجِلَةِ أغْمَضُوا أعْيُنَهم عَنِ الآخِرَةِ، فَتَطَلَّبُوا السَّلامَةَ مِن غَيْرِ أسْبابِها، فَأضاعُوا الفَوْزَ الأبَدِيَّ وتَعَلَّقُوا بِالفَوْزِ العاجِلِ فَأساءُوا العَمَلَ فَأصابَهُمُ العَذابانِ العاجِلُ بِالفِتْنَةِ والآجِلُ.
واسْتُعِيرَ (عَمُوا وصَمُّوا) لِلْإعْراضِ عَنْ دَلائِلِ الرَّشادِ مِن رُسُلِهِمْ وكُتُبِهِمْ
صفحة ٢٧٧
لِأنَّ العَمى والصَّمَمَ يُوقِعانِ في الضَّلالِ عَنِ الطَّرِيقِ وانْعِدامِ اسْتِفادَةِ ما يَنْفَعُ. فالجَمْعُ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ جَمْعٌ في الِاسْتِعارَةِ بَيْنَ أصْنافِ حِرْمانِ الِانْتِفاعِ بِأفْضَلِ نافِعٍ، فَإذا حَصَلَ الإعْراضُ عَنْ ذَلِكَ غَلَبَ الهَوى عَلى النُّفُوسِ، لِأنَّ الِانْسِياقَ إلَيْهِ في الجِبِلَّةِ، فَتَجَنُّبُهُ مُحْتاجٌ إلى الوازِعِ، فَإذا انْعَدَمَ الوازِعُ جاءَ سُوءُ الفِعْلِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ (فَعَمُوا وصَمُّوا) مُرادًا مِنهُ مَعْناهُ الكِنائِيُّ أيْضًا، وهو أنَّهم أساءُوا الأعْمالَ وأفْسَدُوا، فَلِذَلِكَ اسْتَقامَ أنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ قَوْلَهَ ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ . وقَدْ تَأكَّدَ هَذا المُرادُ بِقَوْلِهِ في تَذْيِيلِ الآيَةِ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ .
وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّلالِ والإعْراضِ عَنِ الرُّشْدِ وما أعْقَبَهُ مِن سُوءِ العَمَلِ والفَسادِ في الأرْضِ.
وقَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ﴿ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهم قَدْ أصابَتْهُمُ الفِتْنَةُ بَعْدَ ذَلِكَ العَمى والصَّمَمِ، وما نَشَأ عَنْها عُقُوبَةٌ لَهم، وأنَّ اللَّهَ لَمّا تابَ عَلَيْهِمْ رَفَعَ عَنْهُمُ الفِتْنَةَ، (ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا) أيْ عادُوا إلى ضَلالِهِمُ القَدِيمِ وعَمَلِهِمُ الذَّمِيمِ، لِأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى حُسْبانِ أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَأصابَتْهم فِتْنَةٌ أُخْرى.
وقَدْ وقَفَ الكَلامُ عِنْدَ هَذا العَمى والصَّمَمِ الثّانِي ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ اللَّهَ تابَ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا شَدِيدًا مَرَّةً ثانِيَةً فَأصابَتْهم فِتْنَةٌ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَها.
ويَتَعَيَّنُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةً إلى حادِثَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن حَوادِثِ عُصُورِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والأظْهَرُ أنَّهُما حادِثُ الأسْرِ البابِلِيِّ إذْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (بُخْتُنَصَّرَ) مَلِكَ أشُورَ فَدَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ مَرّاتٍ سَنَةَ ٦٠٦ وسَنَةَ ٥٩٨ وسَنَةَ ٥٨٨ قَبْلَ المَسِيحِ. وأتى في ثالِثَتِها عَلى مَدِينَةِ أُورْشَلِيمَ فَأحْرَقَها وأحْرَقَ المَسْجِدَ وحَمَلَ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بابِلَ أُسارى، وأنَّ تَوْبَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كانَ مَظْهَرُها حِينَ غَلَبَ كُورَشُ مَلِكُ فارِسَ عَلى الآشُورِيِّينَ واسْتَوْلى عَلى بابِلَ سَنَةَ ٥٣٠ قَبْلَ المَسِيحِ فَأُذِنَ لِلْيَهُودِ أنْ يَرْجِعُوا إلى بِلادِهِمْ ويُعَمِّرُوها فَرَجَعُوا وبَنَوْا مَسْجِدَهم.
صفحة ٢٧٨
وحادِثُ الخَرابِ الواقِعُ في زَمَنِ (تِيطَسَ) القائِدِ الرُّومانِيِّ وهو ابْنُ الإمْبِراطُورِ الرُّومانِيِّ (وسَبَسْيانُوسَ) فَإنَّهُ حاصَرَ (أُورْشَلِيمَ) حَتّى اضْطَرَّ اليَهُودُ إلى أكْلِ الجُلُودِ وأنْ يَأْكُلَ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الجُوعِ، وقَتَلَ مِنهم ألْفَ ألْفِ رَجُلٍ، وسَبى سَبْعَةً وتِسْعِينَ ألْفًا، عَلى ما في ذَلِكَ مِن مُبالَغَةٍ، وذَلِكَ سَنَةَ ٦٩ لِلْمَسِيحِ. ثُمَّ قَفّاهُ الإمْبِراطُورُ (أدْرِيانُ) الرُّومانِيُّ مِن سَنَةِ ١١٧ إلى سَنَةِ ١٣٨ لِلْمَسِيحِ فَهَدَمَ المَدِينَةَ وجَعَلَها أرْضًا وخَلَطَ تُرابَها بِالمِلْحِ. فَكانَ ذَلِكَ انْقِراضَ دَوْلَةِ اليَهُودِ ومَدِينَتِهِمْ وتَفَرُّقَهم في الأرْضِ.
وقَدْ أشارَ القُرْآنُ إلى هَذَيْنِ الحَدَثَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] وهَذا هو الَّذِي اخْتارَهُ القَفّالُ. وفي الآيَةِ أقْوالٌ أُخَرُ اسْتَقْصاها الفَخْرُ.
وقَدْ دَلَّتْ (ثُمَّ) عَلى تَراخِي الفِعْلَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ بِها عَنِ الفِعْلَيْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِما وأنَّ هُنالِكَ عَمَيَيْنِ وصَمَمَيْنِ في زَمَنَيْنِ سابِقٍ ولاحِقٍ، ومَعَ ذَلِكَ كانَتِ الضَّمائِرُ المُتَّصِلَةُ بِالفِعْلَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَيْنَ الضَّمائِرِ المُتَّصِلَةِ بِالفِعْلَيْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِما، والَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ المُرادَ بَيانُ تَكَرُّرِ الأفْعالِ في العُصُورِ وادِّعاءُ أنَّ الفاعِلَ واحِدٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الأخْبارِ والصِّفاتِ المُثْبَتَةِ لِلْأُمَمِ والمُسَجَّلِ بِها عَلَيْهِمْ تَوارُثُ السَّجايا فِيهِمْ مِن حَسَنٍ أوْ قَبِيحٍ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِينَ عَمُوا
صفحة ٢٧٩
وصَمُّوا ثانِيَةً غَيْرُ الَّذِينَ عَمُوا وصَمُّوا أوَّلَ مَرَّةٍ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وكانُوا قَدْ أوْرَثُوا أخْلاقَهم أبْناءَهُمُ اعْتُبِرُوا كالشَّيْءِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ لَهم تُراثٌ مَعَ بَنِي فُلانٍ.
وقَوْلُهُ (كَثِيرٌ مِنهم) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ (﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾)، قُصِدَ مِنهُ تَخْصِيصُ أهْلِ الفَضْلِ والصَّلاحِ مِنهم في كُلِّ عَصْرٍ بِأنَّهم بُرَآءُ مِمّا كانَ عَلَيْهِ دَهْماؤُهم صَدْعًا بِالحَقِّ وثَناءً عَلى الفَضْلِ. وإذْ قَدْ كانَ مَرْجِعُ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ في قَوْلِهِ (ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا) هو عَيْنَ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ الأوَّلَيْنِ في قَوْلِهِ فَعَمُوا وصَمُّوا كانَ الإبْدالُ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ المُفِيدُ تَخْصِيصًا مِن عُمُومِهِما، مُفِيدًا تَخْصِيصًا مِن عُمُومِ الضَّمِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُما بِحُكْمِ المُساواةِ بَيْنَ الضَّمائِرِ، إذْ قَدِ اعْتُبِرَتْ ضَمائِرُ أُمَّةٍ واحِدَةٍ، فَإنَّ مَرْجِعَ تِلْكَ الضَّمائِرِ هو قَوْلُهُ بَنِي إسْرائِيلَ. ومِنَ الضَّرُورِيِّ أنْ لا تَخْلُوَ أُمَّةٌ ضالَّةٌ في كُلِّ جِيلٍ مِن وُجُودِ صالِحِينَ فِيها، فَقَدْ كانَ في المُتَأخِّرِينَ مِنهم أمْثالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكانَ في المُتَقَدِّمِينَ يُوشَعُ وكالِبُ اللَّذَيْنِ قالَ اللَّهُ في شَأْنِها ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ. والبَصِيرُ مُبالَغَةٌ في المُبْصِرِ، كالحَكِيمِ بِمَعْنى المُحْكِمِ، وهو هُنا بِمَعْنى العَلِيمِ بِكُلِّ ما يَقَعُ في أفْعالِهِمُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُبْصِرَها النّاسُ سَواءً ما أبْصَرَهُ النّاسُ مِنها أمْ ما لَمْ يُبْصِرُوهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ لازِمُ مَعْناهُ، وهو الإنْذارُ والتَّذْكِيرُ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَهو وعِيدٌ لَهم عَلى ما ارْتَكَبُوهُ بَعْدَ أنْ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ أنْ لا تَكُونَ بِفَتْحِ نُونِ تَكُونَ عَلى اعْتِبارِ (أنْ) حَرْفَ مَصْدَرٍ ناصِبًا لِلْفِعْلِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ النُّونِ عَلى اعْتِبارِ (أنْ) مُخَفَّفَةً مِن (أنَّ) أُخْتِ (إنَّ) المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ. وأنَّ إذا خُفِّفَتْ يَبْطُلُ عَمَلُها المُعْتادُ وتَصِيرُ داخِلَةً عَلى جُمْلَةٍ. وزَعَمَ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّها مَعَ ذَلِكَ عامِلَةٌ، وأنَّ اسْمَها مُلْتَزِمُ الحَذْفِ، وأنَّ خَبَرَها مُلْتَزِمٌ كَوْنُهُ جُمْلَةً.
صفحة ٢٨٠
وهَذا تَوَهُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وزادَ بَعْضُهم فَزَعَمَ أنَّ اسْمَها المَحْذُوفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. وهَذا أيْضًا تَوَهُّمٌ عَلى تَوَهُّمٍ، ولَيْسَ مِن شَأْنِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا لِأنَّهُ مُجْتَلَبٌ لِلتَّأْكِيدِ، عَلى أنَّ عَدَمَ ظُهُورِهِ في أيِّ اسْتِعْمالٍ يُفَنِّدُ دَعْوى تَقْدِيرِهِ.
5:72Page 120
لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإبْطالِ ما عَلَيْهِ النَّصارى، يُناسِبُ الِانْتِهاءَ مِن إبْطالِ ما عَلَيْهِ اليَهُودُ.
وقَدْ مَضى القَوْلُ آنِفًا في نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ١٧] ومَن نُسِبَ إلَيْهِ هَذا القَوْلُ مِن طَوائِفِ النَّصارى.
والواوُ في قَوْلِهِ (﴿وقالَ المَسِيحُ﴾) واوُ الحالِ. والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ﴾، أيْ قالُوا ذَلِكَ في حالِ نِداءِ المَسِيحِ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ ورَبُّهم، أيْ لا شُبْهَةَ لَهم، فَهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ بِالمَسِيحِ؛ في حالِ أنَّ المَسِيحَ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِهِ والَّذِي نَسَبُوهُ إلَيْهِ قَدْ كَذَّبَهم، لِأنَّ قَوْلَهُ: رَبِّي ورَبُّكم يُناقِضُ قَوْلَهم: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَرْبُوبًا، وذَلِكَ مُفادُ قَوْلِهِ (رَبِّي)، ولِأنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ آخَرُ، وذَلِكَ مُفادُ قَوْلِهِ ورَبَّكم، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِجُمْلَةِ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حِكايَةً لِكَلامٍ صَدَرَ مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ. ووُقُوعُ (إنَّ) في مِثْلِ هَذا المَقامِ تُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ وتُفِيدُ التَّعْلِيلَ. وفي حِكايَتِهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ قَدْ أوْقَعَهم في الشِّرْكِ وإنْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُمُ اجْتَنَبُوهُ حَذَرًا مِنَ الوُقُوعِ فِيما حَذَّرَ مِنهُ
صفحة ٢٨١
المَسِيحُ، لِأنَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ. أرادُوا الِاتِّحادَ بِاللَّهِ وأنَّهُ هو هو. وهَذا قَوْلُ اليَعاقِبَةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا وفي سُورَةِ النِّساءِ. وذَلِكَ شِرْكٌ لا مَحالَةَ، بَلْ هو أشَدُّ، لِأنَّهم أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ ومَزَجُوهُ بِهِ فَوَقَعُوا في الشِّرْكِ وإنْ رامُوا تَجَنُّبَ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، فَقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَهم بِشَهادَةِ كَلامِ مَن نَسَبُوا إلَيْهِ الإلَهِيَّةِ إبْطالًا تامًّا.
وإنْ كانَتِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو تَذْيِيلٌ لِإثْباتِ كُفْرِهِمْ وزِيادَةُ تَنْبِيهٍ عَلى بُطْلانِ مُعْتَقَدِهِمْ وتَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم قَدْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ أرادُوا التَّوْحِيدَ.
والضَّمِيرُ المُقْتَرِنُ بِإنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يَدُلُّ عَلى العِنايَةِ بِالخَبَرِ الوارِدِ بَعْدَهُ. ومَعْنى ﴿حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ مَنَعَها مِنهُ، أيْ مِنَ الكَوْنِ فِيها.
والمَأْوى: المَكانُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ الشَّيْءُ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ مِن كَلامِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَذْيِيلًا لِكَلامِ المَسِيحِ عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ، أوْ تَذْيِيلًا لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى الِاحْتِمالِ الآخَرِ. والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، أيْ ما لِلْمُشْرِكِينَ مِن أنْصارٍ يَنْصُرُونَهم لِيُنْقِذُوهم مِن عَذابِ النّارِ.
فالتَّقْدِيرُ: ومَأْواهُ النّارُ لا مَحالَةَ ولا طَمَعَ لَهُ في التَّخَلُّصِ مِنهُ بِواسِطَةِ نَصِيرٍ، فَبِالأحْرى أنْ لا يَتَخَلَّصَ بِدُونِ نَصِيرٍ.
5:73–74Page 120
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤
So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ الِانْتِقالُ إلى إبْطالِ مَقالَةٍ أُخْرى مِن مَقالاتِ طَوائِفِ
صفحة ٢٨٢
النَّصارى، وهي مَقالَةُ المَلْكانِيَّةِ المُسَمَّيْنَ بِالجاثِلِيقِيَّةِ، وعَلَيْها مُعْظَمُ طَوائِفِ النَّصارى في جَمِيعِ الأرْضِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] مِن سُورَةِ النِّساءِ، وأنَّ قَوْلَهُ فِيها ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] يَجْمَعُ الرَّدَّ عَلى طَوائِفِ النَّصارى كُلِّهِمْ. والمُرادُ بـِ قالُوا اعْتَقَدُوا فَقالُوا، لِأنَّ شَأْنَ القَوْلِ أنْ يَكُونَ صادِرًا عَنِ اعْتِقادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.
ومَعْنى قَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ أنَّ ما يَعْرِفُهُ النّاسُ أنَّهُ اللَّهُ هو مَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أشْياءَ، وأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلِاسْمِ هو أحَدُ تِلْكَ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ قَدْ عَبَّرُوا عَنْها بِالأقانِيمِ وهي: أُقْنُومُ الوُجُودِ وهو الذّاتُ المُسَمّى اللَّهُ وسَمَّوْهُ أيْضًا الأبَ، وأُقْنُومُ العِلْمِ وسَمَّوْهُ أيْضًا الِابْنَ، وهو الَّذِي اتَّحَدَ بِعِيسى وصارَ بِذَلِكَ عِيسى إلَهًا، وأُقْنُومُ الحَياةِ وسَمَّوْهُ الرُّوحَ القُدُسَ. وصارَ جُمْهُورُهم، ومِنهُمُ الرَّكُوسِيَّةُ طائِفَةٌ مِن نَصارى العَرَبِ، يَقُولُونَ: إنَّهُ لَمّا اتَّحَدَ بِمَرْيَمَ حِينَ حَمْلِها بِالكَلِمَةِ تَألَّهَتْ مَرْيَمُ أيْضًا، ولِذَلِكَ اخْتَلَفُوا هَلْ هي أُمُّ الكَلِمَةِ أمْ هي أُمُّ اللَّهِ.
فَقَوْلُهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ مَعْناهُ واحِدٌ مِن تِلْكَ الثَّلاثَةِ، لِأنَّ العَرَبَ تَصُوغُ مِنِ اسْمِ العَدَدِ مِنَ اثْنَيْنِ إلى عَشَرَةِ صِيغَةَ فاعِلٍ مُضافًا إلى اسْمِ العَدَدِ المُشْتَقِّ هو مِنهُ لِإرادَةِ أنَّهُ جُزْءٌ مِن ذَلِكَ العَدَدِ نَحْوَ ثانِيَ اثْنَيْنِ، فَإنْ أرادُوا أنَّ المُشْتَقَّ لَهُ وزْنُ فاعِلٍ هو الَّذِي أكْمَلَ العَدَدَ أضافُوا وزْنَ فاعِلٍ إلى اسْمِ العَدَدِ الَّذِي هو أرْقى مِنهُ فَقالُوا: رابِعُ ثَلاثَةٍ، أيْ جاعِلُ الثَّلاثَةِ أرْبَعَةً.
وقَوْلُهُ ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ لَقَدْ كَفَرَ لِبَيانِ الحَقِّ في الِاعْتِقادِ بَعْدَ ذِكْرِ الِاعْتِقادِ الباطِلِ.
ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ حالًا مِن ضَمِيرِ قالُوا، أيْ قالُوا هَذا القَوْلَ في حالِ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْواقِعِ، فَيَكُونُ كالتَّعْلِيلِ لِكُفْرِهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، ومَعْناهُ عَلى الوَجْهَيْنِ نَفْيٌ عَنِ الإلَهِ الحَقِّ أنْ يَكُونَ غَيْرَ واحِدٍ فَإنَّ (مِن) لِتَأْكِيدِ عُمُومِ النَّفْيِ فَصارَ النَّفْيُ بِـ (ما) المُقْتَرِنَةِ بِها مُساوِيًا لِلنَّفْيِ بِـ (لا) النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ في الدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ نَصًّا.
صفحة ٢٨٣
وعَدَلَ هُنا عَنِ النَّفْيِ بِلا التَّبْرِئَةِ فَلَمْ يَقُلْ ولا إلَهَ إلّا إلَهٌ واحِدٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ اهْتِمامًا بِإبْرازِ حَرْفِ (مِن) الدّالِّ بَعْدَ النَّفْيِ عَلى تَحْقِيقِ النَّفْيِ؛ فَإنَّ النَّفْيَ بِحَرْفِ (لا) ما أفادَ نَفْيَ الجِنْسِ إلّا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ (مِن)، فَلَمّا قُصِدَتْ زِيادَةُ الِاهْتِمامِ بِالنَّفْيِ هُنا جِيءَ بِحَرْفِ (ما) النّافِيَةِ وأظْهَرَ بَعْدَهُ حَرْفَ (مِن) . وهَذا مِمّا لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَوْلُهُ إلّا إلَهٌ واحِدٌ يُفِيدُ حَصْرَ وصْفِ الإلَهِيَّةِ في واحِدٍ فانْتَفى التَّثْلِيثُ المَحْكِيُّ عَنْهم. وأمّا تَعْيِينُ هَذا الواحِدِ مَن هو، فَلَيْسَ مَقْصُودًا تَعْيِينُهُ هُنا لِأنَّ القَصْدَ إبْطالُ عَقِيدَةِ التَّثْلِيثِ فَإذا بَطَلَ التَّثْلِيثُ وثَبَتَتِ الوَحْدانِيَّةُ تَعَيَّنَ أنَّ هَذا الواحِدَ هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلى إلَهِيَّتِهِ، فَلَمّا بَطَلَتْ إلَهِيَّةُ غَيْرِهِ مَعَهُ تَمَحَّضَتِ الإلَهِيَّةُ لَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ هُنا ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ مُساوِيًا لِقَوْلِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ﴾، إلّا أنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَقَدَّمَ هُنا وتَقَدَّمَ قَوْلُ المُبْطِلِينَ (إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) فاسْتُغْنِيَ بِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ عَنْ تَعْيِينِهِ. ولِهَذا صَرَّحَ بِتَعْيِينِ الإلَهِ الواحِدِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ﴾ إذِ المَقامُ اقْتَضى تَعْيِينَ انْحِصارِ الإلَهِيَّةِ في اللَّهِ تَعالى دُونَ عِيسى ولَمْ يَجْرِ فِيهِ ذِكْرٌ لِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾، أيْ لَقَدْ كَفَرُوا كُفْرًا إنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْهُ أصابَهم عَذابٌ ألِيمٌ. ومَعْنى عَمّا يَقُولُونَ أيْ عَنْ قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ آنِفًا وهو إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ. وقَدْ جاءَ بِالمُضارِعِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِانْتِهاءِ إذِ الِانْتِهاءُ إنَّما يَكُونُ عَنْ شَيْءٍ مُسْتَمِرٍّ كَما ناسَبَ قَوْلُهُ قالُوا قَوْلَهُ لَقَدْ كَفَرَ. لِأنَّ الكُفْرَ حَصَلَ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ ابْتِداءً مِنَ الزَّمَنِ الماضِي.
ومَعْنى عَمّا يَقُولُونَ عَمّا يَعْتَقِدُونَ، لِأنَّهم لَوِ انْتَهَوْا عَنِ القَوْلِ بِاللِّسانِ وأضْمَرُوا اعْتِقادَهُ لَما نَفَعَهم ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ شَأْنُ القَوْلِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ اعْتِقادٍ كانَ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاعْتِقادِ مَعَ مَعْناهُ الصَّرِيحِ.
وأكَّدَ الوَعِيدَ بِلامِ القَسَمِ في قَوْلِهِ لَيَمَسَّنَّ رَدًّا لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ، لِأنَّ صَلْبَ عِيسى كانَ كَفّارَةً عَنْ خَطايا بَنِي آدَمَ.
صفحة ٢٨٤
والمَسُّ مَجازٌ في الإصابَةِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ المَسِّ وضْعُ اليَدِ عَلى الجِسْمِ، فاسْتُعْمِلَ في الإصابَةِ بِجامِعِ الِاتِّصالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام: ٤٩]، فَهو دالٌّ عَلى مُطْلَقِ الإصابَةِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشِدَّةٍ أوْ ضَعْفٍ، وإنَّما يَرْجِعُ في الشِّدَّةِ أوِ الضَّعْفِ إلى القَرِينَةِ، مِثْلَ ”ألِيمٌ“ هُنا، ومِثْلَ قَوْلِهِ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام: ٤٩] في الآيَةِ الأُخْرى، وقالَ يَزِيدُ بْنُ الحَكَمِ الكِلابِيُّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
مَسِسْنا مِنَ الآباءِ شَيْئًا وكُـلُّـنَـا إلى حَسَبٍ في قَوْمِهِ غَيْرِ واضِعٍ
أيْ تَتَبَّعْنا أُصُولَ آبائِنا.
والمُرادُ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا عَيْنُ المُرادِ بِـ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ فَعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِضَمِيرِهِمْ إلى الصِّلَةِ المُقَرَّرَةِ لِمَعْنى كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ آنِفًا بِقَوْلِهِ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إلَخْ، لِقَصْدِ تَكْرِيرِ تَسْجِيلِ كُفْرِهِمْ ولِيَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ مُومِئًا إلى سَبَبِ الحُكْمِ المُخْبَرِ بِهِ عَنْهُ. وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ مِنهم لِلَّذِينَ كَفَرُوا قُصِدَ مِنهُ الِاحْتِراسُ عَنْ أنْ يَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ هَذا وعِيدٌ لِكُفّارٍ آخَرِينَ.
ولَمّا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ أعْقَبَ الوَعِيدَ بِالتَّرْغِيبِ في الهِدايَةِ فَقالَ أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ. فالتَّوْبَةُ هي الإقْلاعُ عَمّا هو عَلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ والرُّجُوعُ إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ. والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ مَغْفِرَةِ ما سَلَفَ مِنهم في الماضِي والنَّدَمُ عَمّا فَرَطَ مِنهم مِن سُوءِ الِاعْتِقادِ.
وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِثَناءٍ عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ يَغْفِرُ لِمَن تابَ واسْتَغْفَرَ ما سَلَفَ مِنهُ، لِأنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ يَدُلّانِ عَلى شِدَّةِ الغُفْرانِ وشِدَّةِ الرَّحْمَةِ، فَهو وعْدٌ بِأنَّهم إنْ تابُوا واسْتَغْفَرُوهُ رَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ بِرَحْمَتِهِ وصَفَحَ عَمّا سَلَفَ مِنهم بِغُفْرانِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences