Ibn 'AshurAn‑Najm · 53:1–12

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

النجم

An-Najm

The Star · Meccan · 62 ayahs

53:1–3Page 526

وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ١

By the star when it descends,

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢

Your companion [i.e., Muḥammad] has not strayed, nor has he erred,

وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣

Nor does he speak from [his own] inclination.

﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ كَلامٌ مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى المُشْرِكِينَ الطّاعِنِينَ في رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

والنَّجْمُ: الكَوْكَبُ أيِ: الجُرْمُ الَّذِي يَبْدُو لِلنّاظِرِينَ لامِعًا في جَوِّ السَّماءِ لَيْلًا.

أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِعَظِيمٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ دالٌّ عَلى عَظِيمِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.

وتَعْرِيفُ النَّجْمِ بِاللّامِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ ﴿وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وقَوْلِهِ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦]، ويُحْتَمَلُ تَعْرِيفُ العَهْدِ. وأشْهَرُ النُّجُومِ بِإطْلاقِ اسْمِ النَّجْمِ عَلَيْهِ الثُّرَيّا؛ لِأنَّهم كانُوا يُوَقِّتُونَ بِأزْمانِ طُلُوعِها مَواقِيتَ الفُصُولِ ونُضْج الثِّمارِ، ومِن أقْوالِهِمْ: طَلَعَ النَّجْمُ عِشاءَ فابْتَغى الرّاعِي كِساءَ طَلَعَ النَّجْمُ غُدَيَّةْ وابْتَغى الرّاعِي شُكَيَّةْ - تَصْغِيرُ شَكْوَةٍ وِعاءٌ مِن جِلْدٍ يُوضَعُ فِيهِ الماءُ واللَّبَنُ - يَعْنُونَ ابْتِداءَ زَمَنِ البَرْدِ وابْتِداءَ زَمَنِ الحَرِّ.

وقِيلَ النَّجْمُ: الشِّعْرى اليَمانِيَةُ وهي العُبُورُ وكانَتْ مُعَظَّمَةً عِنْدَ العَرَبِ وعَبَدَتْها خُزاعَةُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنَّجْمِ: الشِّهابَ، وبَهُوِيِّهِ: سُقُوطُهُ مِن مَكانِهِ إلى مَكانٍ آخَرَ، قالَ تَعالى ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]

صفحة ٩٠

وقالَ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .

والقَسَمُ بِ ”﴿النَّجْمُ﴾ [الطارق: ٣]“ لِما في خَلْقِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى إلى قَوْلِ اللَّهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] .

وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِالنَّجْمِ بِوَقْتِ غُرُوبِهِ لِإشْعارِ غُرُوبِ ذَلِكَ المَخْلُوقِ العَظِيمِ بَعْدَ أوْجُهٍ في شَرَفِ الِارْتِفاعِ في الأُفُقِ عَلى أنَّهُ تَسْخِيرٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قالَ إبْراهِيمُ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] .

والوَجْهُ أنْ يَكُونَ ﴿إذا هَوى﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ النَّجْمِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ النَّجْمِ أحْوالُهُ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَةِ خالِقِهِ ومُصَرِّفِهِ ومِن أعْظَمِ أحْوالِهِ حالُ هُوِيَّهِ، ويَكُونُ إذا اسْمَ زَمانٍ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ في مَحَلِّ جَرٍّ بِحَرْفِ القَسَمِ، وبِذَلِكَ نَتَفادى مِن إشْكالِ طَلَبِ مُتَعَلِّقِ إذا وهو إشْكالٌ أوْرَدَهُ العَلّامَةُ الجَنْزِيُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ، قالَ الطِّيبِيُّ وفي المُقْتَبَسِ قالَ الجَنْزِيُّ: فاوَضْتُ جارَ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ ما العامِلُ في إذا ؟ فَقالَ: العامِلُ فِيهِ ما تُعَلَّقُ بِهِ الواوُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ يَعْمَلُ فِعْلُ الحالِ في المُسْتَقْبَلِ وهَذا؛ لِأنَّ مَعْناهُ أُقْسِمُ الآنَ، ولَيْسَ مَعْناهُ أُقْسِمُ بَعْدَ هَذا، فَرَجَعَ وقالَ: العامِلُ فِيهِ مَصْدَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وهُوِيِّ النَّجْمِ إذا هَوى، فَعَرَضْتُهُ عَلى زَيْنِ المَشائِحِ فَلَمْ يَسْتَحْسِنْ قَوْلَهُ الثّانِيَ. والوَجْهُ أنَّ (إذا) قَدِ انْسَلَخَ عَنْهُ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ وصارَ لِلْوَقْتِ المُجَرَّدِ، ونَحْوُهُ: آتِيكَ إذا احْمَرَّ البُسْرُ، أيْ: وقْتَ احْمِرارِهِ فَقَدْ عُرِّيَ عَنْ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّهُ وقَعَتِ الغُنْيَةُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: آتِيكَ. اهـ كَلامُ الطِّيبِيُّ، فَقَوْلُهُ:

صفحة ٩١

فالوَجْهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ زَيْنِ المَشائِخِ أوْ مِن كَلامِ صاحِبِ المُقْتَبَسِ أوْ مِن كَلامِ الطِّيبِيِّ، وهو وجِيهٌ وهو أصْلُ ما بَنَيْنا عَلَيْهِ مَوْقِعَ ”إذا“ هُنا، ولَيْسَ تَرَدُّدُ الزَّمَخْشَرِيِّ في الجَوابِ إلّا؛ لِأنَّهُ يَلْتَزِمُ أنْ يَكُونَ إذا ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ كَما هو مُقْتَضى كَلامِهِ في المُفَصَّلِ مَعَ أنَّ خُرُوجَها عَنْ ذَلِكَ كَما تَواطَأتْ عَلَيْهِ أقْوالُ المُحَقِّقِينَ.

والهُوِيُّ: السُّقُوطُ، أُطْلِقَ هُنا عَلى غُرُوبِ الكَوْكَبِ، اسْتُعِيرَ الهُوِيُّ إلى اقْتِرابِ اخْتِفائِهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالهُوِيِّ: سُقُوطُ الشِّهابِ حِينَ يَلُوحُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ يَجْرِي في أدِيمِ السَّماءِ، فَهو هُوِيٌّ حَقِيقِيٌّ فَيَكُونُ قَدِ اسْتُعْمِلَ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

وفِي ذِكْرِ ﴿إذا هَوى﴾ احْتِراسٌ مِن أنْ يُتَوَهَّمَ المُشْرِكُونَ أنَّ في القَسَمِ بِالنَّجْمِ إقْرارًا لِعِبادَةِ نَجْمِ الشِّعْرى، وأنَّ القَسَمَ بِهِ اعْتِرافٌ بِأنَّهُ إلَهٌ إذْ كانَ بَعْضُ قَبائِلِ العَرَبِ يَعْبُدُونَها فَإنَّ حالَةَ الغُرُوبِ المُعَبَّرَ عَنْها بِالهَوى حالَةُ انْخِفاضٍ ومَغِيبٍ في تَخَيُّلِ الرّائِي؛ لِأنَّهم يَعُدُّونَ طُلُوعَ النَّجْمِ أوْجًا لِشَرَفِهِ ويَعُدُّونَ غُرُوبَهُ حَضِيضًا، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] .

ومِن مُناسَباتِ هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] في هَذِهِ السُّورَةِ، وتِلْكَ اعْتِباراتٌ لَهم تَخَيُّلِيَّةٌ شائِعَةٌ بَيْنَهم فَمِنَ النّافِعِ مَوْعِظَةُ النّاسِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كافٍ في إقْناعِهِمْ وُصُولًا إلى الحَقِّ.

فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إذا هَوى﴾ إشْعارًا بِأنَّ النُّجُومَ كُلَّها مُسَخَّرَةٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ في مَسِيرَةٍ في نِظامٍ أوْجَدَها عَلَيْهِ ولا اخْتِيارَ لَها فَلَيْسَتْ أهْلًا لِأنْ تُعْبَدَ فَحَصَلَ المَقْصُودُ مِنَ القَسَمِ بِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ مَعَ الِاحْتِراسِ عَنِ اعْتِقادِ عِبادَتِها.

وقالَ الرّاغِبُ: قِيلَ أرادَ بِذَلِكَ (أيِ النَّجْمِ) القُرْآنَ المُنَزَّلَ المُنَجَّمَ قَدْرًا فَقَدْرًا، ويَعْنِي بِقَوْلِهِ هَوى نُزُولَهُ اهـ.

ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِالنَّجْمِ إذا هَوى، أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِإثْباتِ أنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ فَشابَهَ حالُ نُزُولِهِ الِاعْتِبارِيِّ حالَ النَّجْمِ في حالَةِ هُوِيِّهِ مُشابَهَةً تَمْثِيلِيَّةً حاصِلَةً مِن نُزُولِ شَيْءٍ مُنِيرٍ إنارَةً مَعْنَوِيَّةً نازِلٍ مِن مَحَلِّ رِفْعَةٍ

صفحة ٩٢

مَعْنَوِيَّةٍ، شُبِّهَ بِحالَةِ نُزُولِ نَجْمٍ مِن أعْلى الأُفُقِ إلى أسْفَلِهِ وهو تَمْثِيلُ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، أوِ الإشارَةُ إلى مُشابَهَةِ حالَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ مِنَ السَّماواتِ بِحالَةِ نُزُولِ النَّجْمِ مِن أعْلى مَكانِهِ إلى أسْفَلِهِ، أوْ بِانْقِضاضِ الشِّهابِ تَشْبِيهُ مَحْسُوسٍ بِمَحْسُوسِ، وقَدْ يُشَبِّهُونَ سُرْعَةَ الجَرْيِ بِانْقِضاضِ الشِّهابِ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ يَصِفُ فَرَسًا:

فانْقَضَّ كالدِّرِّيءِ يَتْبَعُهُ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنُبا

والضَّلالُ: عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَقْصُودِ، وهو مَجازٌ في سُلُوكِ ما يُنافِي الحَقَّ.

والغِوايَةُ: فَسادُ الرَّأْيِ وتَعَلُّقُهُ بِالباطِلِ.

والصّاحِبُ: المُلازِمُ لِلَّذِي يُضافُ إلَيْهِ وصْفُ صاحِبٍ، والمُرادُ بِالصّاحِبِ هُنا: الَّذِي لَهُ مُلابَساتٌ وأحْوالٌ مَعَ المُضافِ إلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ . وهَذا كَقَوْلِ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيِّ الوارِدِ في أثْناءِ قِصَّةِ الهِجْرَةِ لَمّا دَخَلَ النَّبِيءُ ﷺ بَيْتَهُ وفِيها أُمُّ مَعْبَدٍ وذَكَرَتْ لَهُ مُعْجِزَةَ مَسْحِهِ عَلى ضَرْعِ شاتِها هَذا صاحِبُ قُرَيْشٍ، أيْ: صاحِبُ الحَوادِثِ الحادِثَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم.

وإيثارُ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِوَصْفِ ”صاحِبُكم“ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أهْلُ بُهْتانٍ إذْ نَسَبُوا إلَيْهِ ما لَيْسَ مِنهُ في شَيْءٍ مَعَ شِدَّةِ اطِّلاعِهِمْ عَلى أحْوالِهِ وشُئُونِهِ إذْ هو بَيْنَهم في بَلَدٍ لا تَتَعَذَّرُ فِيهِ إحاطَةُ عِلْمِ أهْلِهِ بِحالِ واحِدٍ مُعَيَّنٍ مَقْصُودٍ مِن بَيْنِهِمْ. ووَقَعَ في خُطْبَةِ الحَجّاجِ بَعْدَ دَيْرِ الجَماجِمِ قَوْلُهُ لِلْخَوارِجِ ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ رُمْتُمُ الغَدْرَ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ يُرِيدُ أنَّهُ لا تَخْفى عَنْهُ أحْوالُهم فَلا يُحاوِلُونَ التَّنَصُّلَ مِن ذُنُوبِهِمْ بِالمُغالَطَةِ والتَّشْكِيكِ.

وهَذا رَدٌّ مِنَ اللَّهِ عَلى المُشْرِكِينَ وإبْطالٌ في قَوْلِهِمْ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهم قالُوا: مَجْنُونٌ، وقالُوا: شاعِرٌ، وقالُوا في القُرْآنِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ.

فالجُنُونُ مِنَ الضَّلالِ؛ لِأنَّ المَجْنُونَ لا يَهْتَدِي إلى وسائِلِ الصَّوابِ، والكَذِبِ

صفحة ٩٣

والسِّحْرُ ضَلالٌ وغَوايَةٌ، والشِّعْرُ المُتَعارَفُ بَيْنِهِمْ غِوايَةٌ كَما قالَ تَعالى ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، أيْ: يُحَبِّذُونَ أقْوالَهم لِأنَّها غِوايَةٌ.

وعُطِفَ عَلى جَوابِ القَسَمِ ﴿ما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ وهَذا وصْفُ كَمالٍ لِذاتِهِ. والكَلامُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّهم قالُوا فِيهِ ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ﴾ [الفرقان: ٤] وقالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥] وذَلِكَ ونَحْوُهُ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ اخْتِراعُهُ أوِ اخْتِيارُهُ عَنْ مَحَبَّةٍ لِما يَخْتَرِعُ وما يَخْتارُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ حَقًّا أوْ باطِلًا، فَإنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً، ومِنهُ حِكايَةَ واقِعاتٍ، ومِنهُ تَخَيُّلاتٍ ومُفْتَرِياتٍ. وكُلُّهُ ناشِئٌ عَنْ مَحَبَّةِ الشّاعِرِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَأراهُمُ اللَّهُ أنَّ القُرْآنَ داعٍ إلى الخَيْرِ.

وما نافِيَةٌ نَفَتْ أنْ يَنْطِقَ عَنِ الهَوى.

والهَوى: مَيْلُ النَّفْسِ إلى ما تُحِبُّهُ أوْ تُحِبُّ أنْ تَفْعَلَهُ دُونَ أنْ يَقْتَضِيَهُ العَقْلُ السَّلِيمُ الحَكِيمُ، ولِذَلِكَ يَخْتَلِفُ النّاسُ في الهَوى ولا يَخْتَلِفُونَ في الحَقِّ، وقَدْ يُحِبُّ المَرْءُ الحَقَّ والصَّوابَ فالمُرادُ بِالهَوى إذا أُطْلِقَ أنَّهُ الهَوى المُجَرَّدُ عَنِ الدَّلِيلِ.

ونَفْيُ النُّطْقِ عَنْ هَوًى يَقْتَضِي نَفْيَ جِنْسِ ما يَنْطِقُ بِهِ عَنِ الِاتِّصافِ بِالصُّدُورِ عَنْ هَوًى سَواءٌ كانَ القُرْآنُ أوْ غَيْرُهُ مِنَ الإرْشادِ النَّبَوِيِّ بِالتَّعْلِيمِ والخَطابَةِ والمَوْعِظَةِ والحِكْمَةِ، ولَكِنَّ القُرْآنَ هو المَقْصُودُ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ هَذا الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ تَنْزِيهَهُ ﷺ عَنِ النُّطْقِ عَنْ هَوًى يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ عَنْ أنْ يَفْعَلَ أوْ يَحْكُمَ عَنْ هَوًى؛ لِأنَّ التَّنَزُّهَ عَنِ النُّطْقِ عَنْ هَوًى أعْظَمُ مَراتِبِ الحِكْمَةِ. ولِذَلِكَ ورَدَ في صِفَةِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ يَمْزَحُ ولا يَقُولُ إلّا حَقًّا. وهُنا تَمَّ إبْطالُ قَوْلِهِمْ فَحَسُنَ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ .

وبَيْنَ (هَوى) والهَوى جِناسٌ شِبْهُ التّامِّ.

53:4–10Page 526

إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤

It is not but a revelation revealed,

عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥

Taught to him by one intense in strength [i.e., Gabriel] -

ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ ٦

One of soundness.1 And he rose to [his] true form2

وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٧

While he was in the higher [part of the] horizon.1

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨

Then he approached and descended

فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩

And was at a distance of two bow lengths or nearer.

فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠

And he revealed to His Servant1 what he revealed [i.e., conveyed].

صفحة ٩٤

﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ ﴿وهْوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] .

وضَمِيرُ هو عائِدٌ إلى المَنطُوقِ بِهِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ ”يَنْطِقُ“ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] أيِ العَدْلُ المَأْخُوذُ مِن فِعْلِ ﴿اعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨] .

ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم زَعَمُوا في أقْوالِهِمُ المَرْدُودَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] زَعَمُوا القُرْآنَ سِحْرًا، أوْ شِعْرًا، أوْ كَهانَةً، أوْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، أوْ إفْكًا افْتَراهُ.

وإنْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَنْطِقُ بِغَيْرِ القُرْآنِ عَنْ وحْيٍ كَما في حَدِيثِ الحُدَيْبِيَةِ في جَوابِهِ لِلَّذِي سَألَهُ: «وما يَفْعَلُ المُعْتَمِرُ» ؟ وكَقَوْلِهِ «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رَوْعِي إنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَها» ومِثْلَ جَمِيعِ الأحادِيثِ القُدْسِيَّةِ الَّتِي فِيها قالَ اللَّهُ تَعالى ونَحْوُهُ.

وفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِيكِرِبَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي أُوتِيتُ الكِتابَ ومِثْلَهُ مَعَهُ، ألا يُوشِكَ رَجُلٌ شَبْعانَ عَلى أرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكم بِهَذا القُرْآنِ فَما وجَدْتُمْ فِيهِ مِن حَلالٍ فَأحِلُّوهُ وما وجَدْتُمْ فِيهِ مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ» .

وقَدْ يَنْطِقُ عَنِ اجْتِهادٍ «كَأمْرِهِ بِكَسْرِ القُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ فِيها الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ فَقِيلَ لَهُ: أوَنُهْرِيقُها ونَغْسِلُها ؟ فَقالَ: أوَذاكَ» .

فَهَذِهِ الآيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ إيرادِها في الِاحْتِجاجِ لِجَوازِ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّها كانَ نُزُولُها في أوَّلِ أمْرِ الإسْلامِ وإنْ كانَ الأصَحُّ أنْ يَجُوزَ لَهُ الِاجْتِهادُ وأنَّهُ وقَعَ مِنهُ وهي مِن مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ.

والوَحْيُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] في سُورَةِ

صفحة ٩٥

النِّساءِ. وجُمْلَةُ ”يُوحى“ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ﴾ مَعَ دَلالَةِ المُضارِعِ عَلى أنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ مُتَجَدِّدٌ وحْيُهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.

ومُتَعَلِّقُ يُوحى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إلَيْهِ، أيْ: إلى صاحِبِكم.

وتُرِكَ فاعِلُ الوَحْيِ لِضَرْبٍ مِنَ الإجْمالِ الَّذِي يَعْقِبُهُ التَّفْصِيلُ؛ لِأنَّهُ سَيَرِدُ بَعْدَهُ ما يُبَيِّنُهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ إلَخْ، مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الوَحْيِ.

وضَمِيرُ الغائِبِ في عَلَّمَهُ عائِدٌ إلى الوَحْيِ، أوْ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ هو مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ﴾ . وضَمِيرُ هو يَعُودُ إلى القُرْآنِ، وهو ضَمِيرٌ في مَحَلِّ أحَدِ مَفْعُولَيْ عَلَّمَ وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَّمَهُ إيّاهُ، يَعُودُ إلى صاحِبِكم، ويَجُوزُ جَعْلُ هاءَ عَلَّمَهُ عائِدًا إلى صاحِبِكم والمَحْذُوفُ عائِدٌ إلى وحْيٍ إبْطالًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .

و(عَلَّمَ) هُنا مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لِأنَّهُ مُضاعَفُ (عَلِمَ) المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

و﴿شَدِيدُ القُوى﴾: صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما يُذْكَرُ بَعْدُ مِمّا هو مِن شِئُونِ المَلائِكَةِ، أيْ: مَلَكٌ شَدِيدُ القُوى. واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والمُرادُ بِ ﴿القُوى﴾ اسْتِطاعَةُ تَنْفِيذِ ما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ العَظِيمَةِ العَقْلِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ، فَهو المَلَكُ الَّذِي يَنْزِلُ عَلى الرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ.

والمِرَّةُ - بِكَسْرِ المِيمِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ المَفْتُوحَةِ - تُطْلَقُ عَلى قُوَّةِ الذّاتِ وتُطْلَقُ عَلى مَتانَةِ العَقْلِ وأصالَتِهِ، وهو المُرادُ هُنا؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ وصْفُهُ بِشَدِيدِ القُوى، وتَخْصِيصُ جِبْرِيلُ بِهَذا الوَصْفِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ المَلَكُ الَّذِي يَنْزِلُ بِفُيُوضاتِ الحِكْمَةِ عَلى

صفحة ٩٦

الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ «لَمّا ناوَلَ المَلَكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الإسْراءِ كَأْسَ لَبَنٍ وكَأْسَ خَمْرٍ، فاخْتارَ اللَّبَنَ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الفِطْرَةَ ولَوْ أخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكُ» .

وقَوْلُهُ فاسْتَوى مُفَرَّعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ .

والفاءُ لِتَفْصِيلِ ”عَلَّمَهُ“، والمُسْتَوِي هو جِبْرِيلُ. ومَعْنى اسْتِوائِهِ: قِيامُهُ بِعَزِيمَةٍ لِتَلَقِّي رِسالَةِ اللَّهِ، كَما يُقالُ: اسْتَقَلَّ قائِمًا، ومِثْلَ: بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ، فاسْتِواءُ جِبْرِيلُ هو مَبْدَأُ التَّهَيُّؤِ لِقُبُولِ الرِّسالَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ هَذا الِاسْتِواءُ بِجُمْلَةِ الحالِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ . والضَّمِيرُ لِجِبْرِيلَ لا مَحالَةَ، أيْ: قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ إلى العالَمِ الأرْضِيِّ.

والأُفُقُ: اسْمٌ لِلْجَوِّ الَّذِي يَبْدُو لِلنّاظِرِ مُلْتَقًى بَيْنَ طَرَفِ مُنْتَهى النَّظَرِ مِنَ الأرْضِ وبَيْنَ مُنْتَهى ما يَلُوحُ كالقُبَّةِ الزَّرْقاءِ، وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى ناحِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ مَوْطِنِ القَوْمِ ومِنهُ أُفُقُ المَشْرِقِ وأُفُقُ المَغْرِبِ.

ووَصْفُهُ بِ ”الأعْلى“ في هَذِهِ الآيَةِ يُفِيدُ أنَّهُ ناحِيَةٌ مِن جَوِّ السَّماءِ. وذُكِرَ هَذا لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ .

و”ثُمَّ“ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”فاسْتَوى“، والتَّراخِي الَّذِي تُفِيدُهُ ”ثُمَّ“ تَراخٍ رُتَبِيٌّ؛ لِأنَّ الدُّنُوَّ إلى حَيْثُ يَبْلُغُ الوَحْيُ هو الأهَمُّ في هَذا المَقامِ.

والدُّنُوُّ: القُرْبُ، وإذْ قَدْ كانَ فِعْلُ الدُّنُوِّ قَدْ عُطِفَ بِ ”ثُمَّ“ عَلى اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى، عُلِمَ أنَّهُ دَنا إلى العالَمِ الأرْضِيِّ، أيْ: أخَذَ في الدُّنُوِّ بَعْدَ أنْ تَلَقّى ما يُبَلِّغُهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ .

وتَدَلّى: انْخَفَضَ مِن عُلُوٍّ قَلِيلًا، أيْ: يَنْزِلُ مِن طَبَقاتٍ إلى ما تَحْتَها كَما يَتَدَلّى الشَّيْءُ المُعَلَّقُ في الهَواءِ بِحَيْثُ لَوْ رَآهُ الرّائِي يَحْسَبُهُ مُتَدَلِّيًا، وهو يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ غَيْرَ مُنْقَضٍّ.

و(قابَ)، قِيلَ مَعْناهُ: قَدْرَ. وهو واوِيُّ العَيْنِ، ويُقالُ: قابَ وقِيبَ بِكَسْرِ

صفحة ٩٧

القافِ، وهَذا ما دَرَجَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ يُطْلَقُ القابُ عَلى ما بَيْنَ مَقْبِضِ القَوْسِ، أيْ: وسَطِ عُودِهِ المُقَوَّسِ وما بَيْنَ سِيتَيْها، أيْ: طَرَفَيْها المُنْعَطِفِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الوَتَرُ، فَلِلْقَوْسِ قابانِ وسِيَتانِ، ولَعَلَّ هَذا الإطْلاقَ هو الأصْلُ لِلْآخَرِ، وعَلى هَذا المَعْنى حَمَلَ الفَرّاءُ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: القابُ: صَدْرُ القَوْسِ العَرَبِيَّةِ حَيْثُ يُشَدُّ عَلَيْهِ السَّيْرُ الَّذِي يَتَنَكَّبُهُ صاحِبُهُ ولِكُلِّ قَوْسٍ قابٌ واحِدٌ.

وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ أصْلُهُ قابَيْ قَوْسٍ أوْ قابَيْ قَوْسَيْنِ (بِتَثْنِيَةِ أحَدِ اللَّفْظَيْنِ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ، أوْ كِلَيْهِما) فَوَقَعَ إفْرادُ أحَدِ اللَّفْظَيْنِ أوْ كِلَيْهِما تَجَنُّبًا لِثِقَلِ المُثَنّى كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، أيْ: قَلْباكُما.

وقِيلَ يُطْلَقُ القَوْسُ في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ عَلى ذِراعٍ يُذْرَعُ بِهِ (ولَعَلَّهُ إذَنْ مَصْدَرُ قاسَ فَسُمِّيَ بِهِ ما يُقاسُ بِهِ) .

والقَوْسُ: آلَةٌ مِن عُودِ نَبْعٍ، مُقَوَّسَةٌ يُشَدُّ بِها وتَرٌ مِن جِلْدٍ ويُرْمى عَنْها السِّهامُ. والنِّشابُ وهي في مِقْدارِ الذِّراعِ عِنْدَ العَرَبِ.

وحاصِلُ المَعْنى أنَّ جِبْرِيلَ كانَ عَلى مَسافَةِ قَوْسَيْنِ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾، ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في هَذا البُعْدِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ حِكايَةٌ لِصُورَةِ الوَحْيِ الَّذِي كانَ في أوائِلِ عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ بِالنِّبُوَّةِ فَكانَتْ قُواهُ البَشَرِيَّةُ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ مُعْتادَةٍ لِتَحَمُّلِ اتِّصالِ القُوَّةِ المَلَكِيَّةِ بِها مُباشَرَةً رِفْقًا بِالنَّبِيءِ ﷺ أنْ لا يَتَجَشَّمَ شَيْئًا يَشُقُّ عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا اتَّصَلَ بِهِ في غارِ حِراءٍ ولا اتِّصالَ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ في حَدِيثِهِ بِالغَطِّ قالَ النَّبِيءُ ﷺ فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ كانَتْ تَعْتَرِيهِ الحالَةُ المَوْصُوفَةُ في حَدِيثِ نُزُولِ أوَّلِ الوَحْيِ المُشارِ إلَيْها في سُورَةِ المُدَّثِّرِ وسُورَةِ المُزَّمِّلِ قالَ تَعالى ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، ثُمَّ اعْتادَ اتِّصالَ جِبْرِيلَ بِهِ مُباشَرَةً فَقَدْ جاءَ في حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في سُؤالِ جِبْرِيلَ عَنِ الإيمانِ والإسْلامِ والإحْسانِ والسّاعَةِ أنَّهُ جَلَسَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ إذْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ أيّامَئِذٍ بِالمَدِينَةِ وقَدِ اعْتادَ الوَحْيَ وفارَقَتْهُ شِدَّتُهُ،

صفحة ٩٨

ولِمُراعاةِ هَذِهِ الحِكْمَةِ كانَ جِبْرِيلُ يَتَمَثَّلُ لِلنَّبِيءِ ﷺ في صُورَةِ إنْسانٍ وقَدْ وصَفَهُ عُمَرُ في حَدِيثِ بَيانِ الإيمانِ والإسْلامِ بِقَوْلِهِ «إذْ دَخَلَ عَلَيْنا رَجُلٌ شَدِيدُ بَياضِ الثِّيابِ شَدِيدُ سَوادِ الشَّعْرِ لا يُرى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ ولا يَعْرِفُهُ مِنّا أحَدٌ " الحَدِيثُ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَهم بَعْدَ مُفارَقَتِهِ يا عُمَرُ أتَدْرِي مَنِ السّائِلُ ؟ قالَ عُمَرُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّهُ جِبْرِيلُ أتاكم يُعَلِّمُكم دِينَكم» .

وقَوْلُهُ ﴿أوْ أدْنى﴾ (أوْ) فِيهِ لِلتَّخْيِيرِ في التَّقْدِيرِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيبِ، أيْ: إنْ أرادَ أحَدٌ تَقْرِيبَ هَذِهِ المَسافَةِ فَهو مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَجْعَلَها قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، أيْ: لا أزْيَدَ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّقْرِيرَ لا مُبالَغَةَ فِيهِ.

وتَفْرِيعُ ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَتَدَلّى﴾ ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾ المُفَرَّعِ عَلى المُفَرَّعِ عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾، وهَذا التَّفْرِيعُ هو المَقْصُودُ مِنَ البَيانِ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ، وتَمْثِيلٌ لِأحْوالٍ عَجِيبَةٍ بِأقْرَبِ ما يَفْهَمُهُ النّاسُ لِقَصْدِ بَيانِ إمْكانِ تَلَقِّي الوَحْيِ عَنِ اللَّهِ تَعالى إذْ كانَ المُشْرِكُونَ يُحِيلُونَهُ فَبَيَّنَ لَهم إمْكانَ الوَحْيِ بِوَصْفِ طَرِيقِ الوَحْيِ إجْمالًا، وهَذِهِ كَيْفِيَّةٌ مِن صُوَرِ الوَحْيِ.

وضَمِيرُ أوْحى عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى المَعْلُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى: فَأوْحى إلى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وهَذا كافٍ في هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ الإيحاءِ لِإبْطالِ إنْكارِهِمْ إيّاهُ.

وإيثارُ التَّعْبِيرِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ بِعُنْوانِ عَبْدِهِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ في اخْتِصاصِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿ما أوْحى﴾ إيهامٌ لِتَفْخِيمِ ما أوْحى إلَيْهِ.

53:11–12Page 526

مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ ١١

The heart1 did not lie [about] what it saw.

أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ١٢

So will you dispute with him over what he saw?

﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ .

الأظْهَرُ أنَّ هَذا رَدٌّ لِتَكْذِيبٍ مِنَ المُشْرِكِينَ فِيما بَلَغَهم مِنَ الخَبَرِ عَنْ رُؤْيَةِ النَّبِيءِ ﷺ المَلَكَ جِبْرِيلَ وهو الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ .

صفحة ٩٩

واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿الفُؤادُ﴾ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: فُؤادُهُ وعَلَيْهِ فَيَكُونَ تَفْرِيعُ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا؛ لِأنَّهم مارَوْهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] فَإنَّهُ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ بِمَرْأًى مِنَ النَّبِيءِ ﷺ بِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ في تَشْبِيهِ القُرْبِ، أيْ: هو قُرْبٌ حِسِّيٌّ ولَيْسَ مُجَرَّدَ اتِّصالٍ رُوحانِيٍّ فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ مُسْتَعْمَلًا في الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أيْ: أفَسَتُكَذِّبُونَهُ فِيما يَرى بِعَيْنَيْهِ كَما كَذَّبْتُمُوهُ فِيما بَلَغَكم عَنِ اللَّهِ، كَما يَقُولُ قائِلٌ أتَحْسَبُنِي غافِلًا وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِلْعَبّاسِ وعَلِيٍّ في قَضِيَّتِهِما: أتُحاوِلانِ مِنِّي قَضاءً غَيْرَ ذَلِكَ ؟ ! .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ما كَذَبَ﴾ بِتَخْفِيفِ الذّالِ، وقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ الذّالِ، والفاعِلُ والمَفْعُولُ عَلى حالِهِما كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.

والفُؤادُ: العَقْلُ في كَلامِ العَرَبِ قالَ تَعالى ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] .

والكَذِبُ: أُطْلِقَ عَلى التَّخْيِيلِ والتَّلْبِيسِ مِنَ الحَواسِّ كَما يُقالُ: كَذَّبَتْهُ عَيْنُهُ.

وما مَوْصُولَةٌ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى عَبْدِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ﴾ [النجم: ١٠]، أيْ: ما رَآهُ عَبْدُهُ بِبَصَرِهِ.

وتَفْرِيعُ ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ مِنَ المُماراةِ وهي المُلاحاةُ والمُجادَلَةُ في الإبْطالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ (أفَتَمْرُونَهُ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ المِيمِ، مُضارِعُ مَراهُ إذا جَحَدَهُ، أيْ: أتَجْحَدُونَهُ أيْضًا فِيما رَأى، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبٌ.

صفحة ١٠٠

وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ فِيهِما بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الغَلَبَةِ، أيْ: هَبْكم غالَبْتُمُوهُ عَلى عِبادَتِكُمُ الآلِهَةَ، وعَلى الإعْراضِ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ ونَحْوِ ذَلِكَ أتَغْلِبُونَهُ عَلى ما رَأى بِبَصَرِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском