Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الواقعة
Al-Waqi'ah
The Inevitable · Meccan · 96 ayahs
56:1–2Page 534
إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١
When the Occurrence occurs,
لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ ٢
There is, at its occurrence, no denial.
صفحة ٢٨١
﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ .
افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالظَّرْفِ المُتَضَمِّنِ الشَّرْطَ، افْتِتاحٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ يَسْتَرْعِي الألْبابَ لِتَرَقُّبِ ما بَعْدَ هَذا الشَّرْطِ الزَّمانِيِّ مَعَ ما في الاِسْمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مِنَ التَّهْوِيلِ بِتَوَقُّعِ حَدَثٍ عَظِيمٍ يَحْدُثُ.
و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ إلَخْ وقَوْلُهُ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] إلَخْ وقَوْلُهُ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] إلَخْ. وضَمَّنَ (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ إلَخْ وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] إلَخْ.
والجَوابُ قَوْلُهُ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩]، فَيُفِيدُ جَوابًا لِلشَّرْطِ ويُفِيدُ تَفْصِيلَ جُمْلَةِ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنَيَيْنِ: رَبَطِ الجَوابِ، والتَّفْرِيعِ، وتَكُونُ جُمْلَةً ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ وما بَعْدَهُ اعْتِراضًا.
والواقِعَةُ أصْلُها: الحادِثَةُ الَّتِي وقَعَتْ، أيْ حَصَلَتْ، يُقالُ: وقَعَ أمْرٌ، أيْ حَصَلَ كَما يُقالُ: صَدَقُ الخَبَرِ مُطابَقَتُهُ لِلْواقِعِ، أيْ كَوْنِ المَعْنى المَفْهُومِ مِنهُ مُوافِقًا لِمُسَمّى ذَلِكَ المَعْنى في الوُجُودِ الحاصِلِ أوِ التَّوَقُّعِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ المَعْنى، ومِن ذَلِكَ حادِثَةُ الحَرْبِ يُقالُ: واقِعَةُ ذِي قارٍ، وواقِعَةُ القادِسِيَّةِ.
فَراعَوْا في تَأْنِيثِها مَعْنى الحادِثَةِ أوِ الكائِنَةِ أوِ السّاعَةِ، وهو تَأْنِيثٌ كَثِيرٌ في اللُّغَةِ جارٍ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ لا يَكُونُونَ راعَوْا فِيهِ إلّا مَعْنى الحادِثَةِ أوِ السّاعَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم: دارَتْ عَلَيْهِ الدّائِرَةُ، قالَ تَعالى ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] وقالَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ.
والمُرادُ بِالواقِعَةِ هُنا القِيامَةُ فَجُعِلَ هَذا الوَصْفُ عَلَمًا لَها بِالغَلَبَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، قالَ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] كَما سُمِّيَتِ الصّاخَّةُ والطّامَّةُ والآزِفَةُ،
صفحة ٢٨٢
أيِ السّاعَةِ الواقِعَةِ. وبِهَذا الاِعْتِبارِ صارَ في قَوْلِهِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ مُحْسِنُ التَّجْنِيسِ.
والواقِعَةُ: المَوْصُوفَةُ بِالوُقُوعِ، وهو الحُدُوثُ.
وكاذِبَةٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِن كَذَبَ المُجَرَّدُ، جَرى عَلى التَّأْنِيثِ لِلدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَحْذُوفٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ. وتَقْدِيرُهُ هُنا نَفْسٌ، أيْ تَنْتَفِي كُلُّ نَفْسٍ كاذِبَةٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَذَبَ اللّازِمِ إذا قالَ خِلافَ ما في نَفْسِ الأمْرِ وذَلِكَ أنَّ مُنْكِرِي القِيامَةِ يَقُولُونَ: لا تَقَعُ القِيامَةُ فَيَكْذِبُونَ في ذَلِكَ فَإذا وقَعَتِ الواقِعَةُ آمَنَتِ النُّفُوسُ كُلُّها بِوُقُوعِها فَلَمْ تَبْقَ نَفْسٌ تُكَذِّبُ، أيْ في شَأْنِها أوْ في الإخْبارِ عَنْها. وذَلِكَ التَّقْدِيرُ كُلُّهُ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَذَبَ المُتَعَدِّي مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِمْ كَذَبَتْ فَلانا نَفْسُهُ، أيْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ، أيْ: رَأْيُهُ بِحَدِيثِ كَذِبٍ وذَلِكَ أنَّ اعْتِقادَ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ اعْتِقادٌ سَوَّلَهُ لَهُ عَقْلُهُ القاصِرُ فَكَأنَّ نَفْسَهْ حَدَّثَتْهُ حَدِيثًا كَذَّبَتْهُ بِهِ، ويَقُولُونَ: كَذَبَتْ فَلانا نَفْسُهُ في الخَطْبِ العَظِيمِ، إذا أقْدَمَ عَلَيْهِ فَأخْفَقَ كَأنَّ نَفْسَهُ لَمّا شَجَّعَتْهُ عَلى اقْتِحامِهِ قَدْ قالَتْ لَهُ: إنَّكَ تُطِيقُهُ فَتَعْرِضُ لَهُ ولا تُبالِ بِهِ فَإنَّكَ مُذَلِّلُهُ فَإذا تَبَيَّنَ لَهُ عَجْزُهُ فَكَأنَّ نَفْسَهُ أخْبَرَتْهُ بِما لا يَكُونُ فَقَدْ كَذَّبَتْهُ، كَما يُقالُ: كَذَّبَتْهُ عَيْنُهُ إذا تَخَيَّلَ مَرْئِيًّا ولَمْ يَكُنْ.
والمَعْنى: إذا وقَعَتِ القِيامَةُ تَحَقَّقَ مُنْكِرُوها ذَلِكَ فَأقْلَعُوا عَنِ اعْتِقادِهِمْ أنَّها لا تَقَعُ وعَلِمُوا أنَّهم ضَلُّوا في اسْتِدْلالِهِمْ وهَذا وعِيدٌ بِتَحْذِيرِ المُنْكِرِينَ لِلْقِيامِةِ مِن خِزْيِ الخَيْبَةِ وسَفاهَةِ الرَّأْيِ بَيْنَ أهْلِ الحَشْرِ.
وإطْلاقُ صِفَةِ الكَذِبِ في جَمِيعِ هَذا اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ السَّبَبِ لِلْفِعْلِ غَيْرِ المُثْمِرِ بِالمُخْبِرِ بِحَدِيثِ كَذِبٍ أوْ تَشْبِيهِ التَّسَبُّبِ بِالقَوْلِ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَذِبُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ فَكَما جازَ أنْ يَتَّسِعَ في القَوْلِ في غَيْرِ نُطْقٍ نَحْوِ قَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
قَدْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِّ
صفحة ٢٨٣
جازَ في الكَذِبِ أنْ يُجْعَلَ في غَيْرِ نُطْقٍ نَحْوَ:
بِأنْ كَذَبَ القَراطِفُ والقَرُوفُ
.
واللّامُ في لِوَقْعَتِها لامُ التَّوْقِيتِ نَحْوُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . وقَوْلُهم: كَتَبْتُهُ لِكَذا مَن شَهْرِ كَذا، وهي بِمَعْنى عِنْدَ وأصْلُها لامُ الاِخْتِصاصِ شاعَ اسْتِعْمالُها في اخْتِصاصِ المُوَقَّتِ بِوَقْتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وهو تَوَسُّعٌ في مَعْنى الاِخْتِصاصِ بِحَيْثُ تُنُوسِيَ أصْلُ المَعْنى. وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيُ الأعْمالِ أفْضَلُ فَقالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِها» . وهَذا الاِسْتِعْمالُ غَيْرُ الاِسْتِعْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] .
﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ .
خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفِ ضَمِيرِ الواقِعَةُ، أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، أيْ يَحْصُلُ عِنْدَها خَفْضُ أقْوامٍ كانُوا مُرْتَفِعِينَ ورَفْعُ أقْوامٍ كانُوا مُنْخَفَضَيْنِ وذَلِكَ بِخَفْضِ الجَبابِرَةِ والمُفْسِدِينَ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا في رِفْعَةٍ وسِيادَةٍ، وبِرَفْعِ الصّالِحِينَ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا لا يَعْبَئُونَ بِأكْثَرِهِمْ، وهي أيْضًا خافِضَةُ جِهاتٍ كانَتْ مُرْتَفِعَةً كالجِبالِ والصَّوامِعِ، رافِعَةُ ما كانَ مُنْخَفِضًا بِسَبَبِ الاِنْقِلابِ بِالرَّجّاتِ الأرْضِيَّةِ.
وإسْنادُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلى الواقِعَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ إذْ هي وقَتُ ظُهُورِ ذَلِكَ. وفي قَوْلِهِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ مُحْسِّنُ الطِّباقِ مَعَ الإعْرابِ بِثُبُوتِ الضِّدَّيْنِ لِشَيْءٍ واحِدٍ.
56:4–7Page 534
إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجّٗا ٤
When the earth is shaken with convulsion
وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا ٥
And the mountains are broken down, crumbling
فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا ٦
And become dust dispersing,
وَكُنتُمۡ أَزۡوَٰجٗا ثَلَٰثَةٗ ٧
And you become [of] three kinds:
صفحة ٢٨٤
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ .
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
والرَّجُّ: الاِضْطِرابُ والتَّحَرُّكُ الشَّدِيدُ، فَمَعْنى رُجَّتِ رَجَّها راجٌّ، وهو ما يَطْرَأُ فِيها مِنَ الزَّلازِلِ والخَسْفِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وتَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ ولِيَتَأتّى التَّنْوِينُ المُشْعِرُ بِالتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ.
والبَسُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى التَّفَتُّتِ وهو تَفَرُّقُ الأجْزاءِ المَجْمُوعَةِ، ومِنهُ البَسِيسَةُ مِن أسْماءِ السَّوِيقِ أيْ فُتِّتَتِ الجِبالُ ونُسِفَتْ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] .
ويُطْلَقُ البَسُّ أيْضًا عَلى السَّوْقِ لِلْماشِيَةِ، يُقالُ: بَسَّ الغَنَمَ، إذا ساقَها. وفي الحَدِيثِ «فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ بِأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ»، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧]، وقَوْلِهِ ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [النبإ: ٢٠] وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ بَسًّا كالتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ رَجًّا لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ بِالتَّنْوِينِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ عَلى ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ لائِقٌ بِمَعْنى البَسِّ لِأنَّ الجِبالَ إذا سُيِّرَتْ فَإنَّما تَسِيرُ تَسْيِيرًا يُفَتِّتُها ويُفَرِّقُها، أيْ تَسْيِيرَ بَعْثَرَةٍ وارْتِطامٍ.
والهَباءُ: ما يَلُوحُ في خُيُوطِ شُعاعِ الشَّمْسِ مِن دَقِيقِ الغُبارِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
والمُنْبَثُّ: اسْمُ فاعِلِ انْبَثَّ، مُطاوِعُ بَثَّهُ، إذا فَرَّقَهُ. واخْتِيرَ هَذا المُطاوِعُ لِمُناسَبَتِهِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ في أنَّ المَبْنِيَّ لِلنّائِبِ مَعْناهُ كالمُطاوَعَةِ، وقَوْلُهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ فَكانَتْ كالهَباءِ المُنْبَثِّ.
والخِطابُ في ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، وهَذا تَخَلُّصٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ وهو المَوْعِظَةُ.
صفحة ٢٨٥
والأزْواجُ: الأصْنافُ. والزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلى الصِّنْفِ والنَّوْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى فِيها مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الصِّنْفَ إذا ذُكِرَ يُذْكَرُ مَعَهُ نَظِيرُهُ غالِبًا فَيَكُونُ زَوْجًا.
56:8–12Page 534
فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ٨
Then the companions of the right - what are the companions of the right?1
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ٩
And the companions of the left - what are companions of the left?1
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ١٠
And the forerunners, the forerunners1 -
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ١١
Those are the ones brought near [to Allāh]
فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ١٢
In the Gardens of Pleasure,
﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ قَدْ عَلِمْتَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] الوَجْهَ في مُتَعَلِّقِ إذا، وإذْ قَدْ وقَعَ قَوْلُهُ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] عَطْفًا عَلى الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها (إذا) مِن قَوْلِهِ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] كانَ هو مَحَطَّ القَصْدِ مِنَ التَّوْقِيتِ بِ إذا الثّانِيَةِ الواقِعَةِ بَدَلًا مَن إذا الأُولى وكِلْتاهُما مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، فَكَأنَّ هَذا في مَعْنى الجَزاءِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ لِرَبْطِ الجَزاءِ مَعَ التَّفْصِيلِ لِلْإجْمالِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ جَوابًا لِ إذا الثّانِيَةِ آئِلًا إلى كَوْنِهِ جَوابًا لِ إذا الأُولى لِأنَّ الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنها، ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ هَذا هو جَوابُ إذا الأُولى فَتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنَيَيْها كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] .
وقَدْ أفادَ التَّفْصِيلُ أنَّ الأصْنافَ ثَلاثَةٌ: صِنْفٌ مِنهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُجْعَلُونَ في الجِهَةِ اليُمْنى في الجَنَّةِ أوْ في المَحْشَرِ. واليَمِينُ جِهَةُ عِنايَةٍ وكَرامَةٍ في العُرْفِ، واشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ، أيِ البَرَكَةِ.
وصِنْفٌ أصْحابُ المَشْأمَةِ، وهي اسْمُ جِهَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشُّؤْمِ، وهو ضِدُّ اليُمْنِ فَهو الضُّرُّ وعَدَمُ النَّفْعِ وقَدْ سُمِّيَ في الآيَةِ الآتِيَةِ: أصْحابَ اليَمِينِ وأصْحابَ الشِّمالِ، فَجُعِلَ الشَّمالُ ضِدَّ اليَمِينِ كَما جُعِلَ المَشْأمَةُ هُنا ضِدَّ المَيْمَنَةِ إشْعارًا بِأنَّ حالَهم حالُ شُؤْمٍ وسُوءٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعارٌ لِما عُرِفَ في كَلامِ العَرَبِ مِن
صفحة ٢٨٦
إطْلاقِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى هَذا المَعْنى الكِنائِيِّ الَّذِي شاعَ حَتّى ساوى الصَّرِيحَ، وأصْلُهُ جاءَ مِنَ الزَّجْرِ والعِيافَةِ إذْ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ حُصُولَ خَيْرٍ مِن أغْراضِهِمْ مِن مُرُورِ الطَّيْرِ أوِ الوَحْشِ مِن يَمِينِ الزّاجِرِ إلى يَسارِهِ ويَتَوَقَّعُونَ الشَّرَّ مِن مُرُورِهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] في سُورَةِ يس.
ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ هُنا عَنِ الإخْبارِ عَنْ كِلا الفَرِيقَيْنِ بِخَبَرٍ فِيهِ وصْفُ بَعْضِ حالَيْهِما بِذِكْرِ ما هو إجْمالٌ لِحالَيْهِما مِمّا يَشْعُرُ بِهِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ أصْحابُهُ مِن لَفْظَيِ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ، بِطَرِيقَةِ الاِسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في التَّعَجِيبِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وهو تَعْجِيبٌ تُرِكَ عَلى إبْهامِهِ هُنا لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلُّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَ ما في المَوْضِعَيْنِ اسْمُ اسْتِفْهامٍ.
و﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ و ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ خَبَرانِ عَنْ ما في المَوْضِعَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١]، وقَوْلِهِ ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١] .
وإظْهارُ لَفْظَيْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ و أصْحابُ المَشْأمَةِ بَعْدَ الاِسْتِفْهامَيْنِ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرَيْهِما. لِأنَّ مَقامَ التَّعَجُّبِ والتَّشْهِيرِ يَقْتَضِي الإظْهارَ بِمَقامِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] .
وقَوْلُهُ والسّابِقُونَ هَذا الصِّنْفُ الثّالِثُ في العَدِّ وهُمُ الصِّنْفُ الأفْضَلُ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ووَصْفُهم بِالسَّبْقِ يَقْتَضِي أنَّهم سابِقُونَ أمْثالُهم مِنَ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ فَهم سابِقُونَ إلى الخَيْرِ، فالنّاسُ لا يَتَسابَقُونَ إلّا لِنَوالِ نَفِيسٍ مَرْغُوبٍ لِكُلِّ النّاسِ، وأمّا الشَّرُّ والضُّرُّ فَهم يَتَكَعْكَعُونَ عَنْهُ.
وحَقِيقَةُ السَّبْقِ: وُصُولُ أحَدٍ مَكانًا قَبْلَ وُصُولِ أحَدٍ آخَرَ. وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ عَلى سَبِيلِ الاِسْتِعارَةِ، وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
سَبَقْتَ الرِّجالَ الباهِشِينَ إلى العُلا كَسَبْقِ الجَوادِ اصْطادَ قَبْلَ الظَّوارِدِ
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُبادَرَةِ والإسْراعِ إلى الخَيْرِ في
صفحة ٢٨٧
الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] في سُورَةِ بَراءَةٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُغالَبَةِ في تَحْصِيلِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ السّابِقُونَ ثانِيًا يَجُوزُ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنِ السّابِقُونَ الأوَّلِ كَما أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ المَيْمَنَةِ بِأنَّهم ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى وصْفِهِمْ بِشَيْءٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ بِحَيْثُ لا يَفِي بِهِ التَّعْبِيرُ بِعِبارَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ إذْ هي أقْصى ما يَسَعُهُ التَّعْبِيرُ، فَإذا أرادَ السّامِعُ أنْ يَتَصَوَّرَ صِفاتَهَمْ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَدَبَّرَ حالَهم، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. ويَجُوزُ جَعْلُهُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ. فَمَآلُ جُمْلَةِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ونَظِيرَتُها وجُمْلَةُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هو التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ وطَرِيقُهُ هو الكِنايَةُ ولَكِنَّ بَيْنَ الكِنايَتَيْنِ فَرْقًا بِأنَّ إحْداهُما كانَتْ مِن طَرِيقِ السُّؤالِ عَنِ الوَصْفِ، والأُخْرى مِن طَرِيقِ تَعَذُّرِ التَّعْبِيرِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الوَصْفِ.
والمَعْنى: أنَّ حالَهم بَلَغَتْ مُنْتَهى الفَضْلِ والرِّفْعَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ المُتَكَلِّمُ خَبَرًا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهم أدَلَّ عَلى مَرْتَبَتِهِمْ مِنَ اسْمِ السّابِقُونَ فَهَذا الخَبَرُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِمْ مِنَ الإخْبارِ بِ ما الاِسْتِفْهامِيَّةُ التَّعَجِيبِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ أبِي الطَّمَحانِ القَيْنِيِّ:
وإنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هُمُو هُمُو ∗∗∗ إذا ماتَ مِنهم سَيِّدٌ قامَ صاحِبُهُ
مَعَ ما في اشْتِقاقِ لَقَبِهِمْ مِنَ السَّبْقِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُلُوغِهِمْ أقْصى ما يَطْلُبُهُ الطّالِبُونَ.
وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ السّابِقُونَ في الآيَةِ لِقَصْدِ جَعْلِ وصْفِ السّابِقُونَ بِمَنزِلَةِ اللَّقَبِ لَهم، ولِيُفِيدَ العُمُومَ، أيْ أنَّهم سابِقُونَ في كُلِّ مَيْدانٍ تَتَسابَقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، فَهَؤُلاءِ هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ بِالرُّسُلِ وهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا الرُّسُلَ والأنْبِياءَ وتَلَقَّوْا مِنهم شَرائِعَهم، وهَذا الصِّنْفُ يُوجَدُ في جَمِيعِ العُصُورِ مِنَ القَدَمِ، ومُسْتَمِرٌّ في الأُمَمِ إلى الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ
صفحة ٢٨٨
ولَيْسَ صِنْفًا قَدِ انْقَضى وسَبَقَ الأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ. وأُخِّرَ السّابِقُونَ في الذِّكْرِ عَنْ أصْحابِ اليَمِينِ لِتَشْوِيقِ السّامِعِينَ إلى مَعْرِفَةِ صِنْفِهِمْ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ الصِّنْفانِ الآخَرانِ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ تَرْغِيبًا في الاِقْتِداءِ وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّها جَوابٌ عَمّا يُثِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ مِن تَساؤُلِ السّامِعِ عَنْ أثَرِ التَّنْوِيهِ بِهِمْ.
وبِذَلِكَ كانَ هَذا ابْتِداءَ تَفْصِيلٍ لِجَزاءِ أصْنافِ الثَّلاثَةِ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ بَعْدَ اللَّفِّ، نَشْرًا مُشَوَّشًا تَشْوِيشًا اقْتَضَتْهُ مُناسِبَةُ اتِّصالِ المَعانِي بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ صِنْفٍ أقْرَبَ ذِكْرًا، ثُمَّ مُراعاةُ الأهَمِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الصِّنْفَيْنِ الباقِيَيْنِ فَكانَ بَعْضُ الكَلامِ آخِذًا بِحُجُزِ بَعْضٍ.
والمُقَرَّبُ: أبْلَغُ مِنَ الغَرِيبِ لِدَلالَةِ صِيغَتِهِ عَلى الاِصْطِفاءِ والاِجْتِباءِ، وذَلِكَ قُرْبٌ مَجازِيٌّ، أيْ شُبِّهَ بِالقُرْبِ في مُلابَسَةِ القَرِيبِ والاِهْتِمامِ بِشُئُونِهِ فَإنَّ المُطِيعَ لِمُجاهَدَتِهِ في الطّاعَةِ يَكُونُ كالمُتَقَرِّبِ إلى اللَّهِ، أيْ طالِبِ القُرْبِ مِنهُ فَإذا بَلَغَ مَرْتَبَةً عالِيَةً مِن ذَلِكَ قَرَّبَهُ اللَّهُ، أيْ عامَلَهُ مُعامَلَةَ المُقَرَّبِ المَحْبُوبِ، كَما جاءَ «ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبُّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها ورِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِها ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ مَجازِيَّةٌ تَقْرِيبًا لِمَعْنى التَّقْرِيبِ.
ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ المُقَرَّبُونَ لِظُهُورِ أنَّهُ مُقَرَّبٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عِنايَتِهِ وتَفْضِيلِهِ، وكَذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ زَمانُ التَّقْرِيبِ ولا مَكانُهُ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ الأزْمانِ والبِقاعِ الاِعْتِبارِيَّةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وفِي جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ إشارَةٍ تَنْبِيهً عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُخْبِرُ عَنْهُ مِن أجْلِ الوَصْفِ الوارِدِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهو أنَّهم سابِقُونَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٨٩
وقَوْلُهُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ.
وإيقاعُهُ بَعْدَ وصْفِ المُقَرَّبُونَ مُشِيرٌ إلى أنَّ مَضْمُونَهُ مِن آثارِ التَّقْرِيبِ المَذْكُورِ.
56:13–14Page 534
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
A [large] company of the former peoples
وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ١٤
And a few of the later peoples,
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وجُمْلَةِ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥] .
وثُلَّةٌ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هم ثُلَّةٌ، ومُعادُ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ السّابِقُونَ، أيِ السّابِقُونَ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ.
وهَذا الاِعْتِراضُ يُقْصَدُ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِصِنْفِ السّابِقِينَ وتَفْضِيلِهِمْ بِطُرُقِ الكِنايَةِ عَنْ ذَلِكَ بِلَفْظَيْ ثُلَّةٌ و (قَلِيلٌ) المُشْعِرَيْنَ بِأنَّهم قُلٌّ مِن كُثُرٍ، فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أنَّهم صِنْفٌ عَزِيزٌ نَفِيسٌ لِما عُهِدَ في العُرْفِ مِن قِلَّةِ الأشْياءِ النَّفِيسَةِ وكَقَوْلِ السَّمَوْألِ وقِيلَ غَيْرُهُ:
تُعَيِّرُنا أنّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا فَقُلْتُ لَها: إنَّ الكِرامَ قَلِيلُ
مَعَ بِشارَةِ المُسْلِمِينَ بِأنَّ حَظَّهم في هَذا الصِّنْفِ كَحَظِّ المُؤْمِنِينَ السّالِفِيِّنَ أصْحابِ الرُّسُلِ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ سَمِعُوا في القُرْآنِ وفي أحادِيثِ الرَّسُولِ ﷺ تَنْوِيهًا بِثَباتِ المُؤْمِنَيْنِ السّالِفِيِّنَ مَعَ الرُّسُلِ ومُجاهَدَتِهِمْ فَرُبَّما خامَرَ نُفُوسَهم أنَّ تِلْكَ صِفَةٌ لا تُنالُ بَعْدَهم فَبَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ لَهم حَظًّا مِنها مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إلى قَوْلِهِ ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] وغَيْرِها، تَلْهِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ وإذْكاءً لِهِمَمِهِمْ في الأخْذِ بِما يَلْحَقُهم بِأمْثالِ السّابِقِينَ مِنَ الأوَّلِينَ فَيَسْتَكْثِرُوا مِن تِلْكَ الأعْمالِ. وفي الحَدِيثِ «لَقَدْ كانَ مِن قَبْلِكم يُوضَعُ المِنشارُ عَلى أحَدِهِمْ فَيُنْشَرُ إلى عَظْمِهِ لا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» .
والثُّلَّةُ: بِضَمِّ الثّاءِ لا غَيْرَ: اسْمٌ لِلجَّماعَةِ مِنَ النّاسِ مُطْلَقًا قَلِيلًا كانُوا أوْ
صفحة ٢٩٠
كَثِيرًا وهَذا هو قَوْلُ الفَرّاءِ وأهْلِ اللُّغَةِ والرّاغِبِ وصاحِبِ لِسانِ العَرَبِ وصاحِبِ القامُوسِ والزَّمَخْشَرِيِّ في الأساسِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ إنَّ الثُّلَّةَ: الأُمَّةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ ومَحْمَلُهُ عَلى أنَّهُ أرادَ بِهِ تَفْسِيرَ مَعْناها في هَذِهِ الآيَةِ لا تَفْسِيرَ الكَلِمَةِ في اللُّغَةِ.
ولِما في هَذا الاِعْتِراضِ مِنَ الإشْعارِ بِالعِزَّةِ قَدَّمَ عَلى ذِكْرِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ لِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ كَيْفِيَّتِهِ المُناسِبَةِ لِوَصْفِهِمْ بِ السّابِقُونَ بِخِلافِ ما يَأْتِي في أصْحابِ اليَمِينِ.
ومَعْنى الأوَّلِينَ قَوْمٌ مُتَقَدِّمُونَ عَلى غَيْرِهِمْ في الزَّمانِ لِأنَّ الأوَّلَ هو الَّذِي تَقَدَّمَ في صِفَةِ ما كالوُجُودِ أوِ الأحْوالِ عَلى غَيْرِ الَّذِي هو الآخَرِ أوِ الثّانِي، فالأوَّلِيَّةُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يُبَيِّنُهُ سِياقُ الكَلامِ حَيْثُما وقَعَ.
فالظّاهِرُ أنَّ الأوَّلِينَ هَنا مُرادٌ بِهِمُ الأُمَمَ السّابِقَةَ قَبْلَ الإسْلامِ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] خِطابٌ لِجَمِيعِ النّاسِ بِعُنْوانِ أنَّهم ناسٌ لِأنَّ المُنْقَرِضِينَ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ مِن أمَةٍ أوْ قَبِيلَةٍ أوْ أهْلِ نَحْلَةٍ يُدْعَوْنَ بِالأوَّلِينَ كَما قالَ الفَرَزْدَقُ:
ومُهَلْهَلُ الشُّعَراءِ ذاكَ الأوَّلُ
وقالَ تَعالى أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ الَّذِينَ هم يَخْلِفُونَهم ويَكُونُونَ مَوْجُودِينَ، أوْ في تَقْدِيرِ المَوْجُودِينَ يُدْعَوْنَ الآخِرِينَ.
وقَدْ وُصِفَ أهْلُ الإسْلامِ بِالآخِرِينَ في حَدِيثِ فَضْلِ الجُمْعَةِ «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا» الحَدِيثَ. وإذْ قَدْ وُصِفَ السّابِقُونَ بِما دَلَّ عَلى أنَّهم أهْلُ السَّبْقِ إلى الخَيْرِ ووُصِفَتْ حالُهم في القِيامَةِ عَقِبَ ذَلِكَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّهم أفْضَلُ الصّالِحِينَ مِن أصْحابِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ ابْتِداءً مِن عَصْرِ آدَمَ إلى بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُمُ الَّذِينَ جاءَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] .
فَلا جَرَمَ أنَّ المُرادَ بِ الأوَّلِينَ الأُمَمُ الأُولى كُلُّها، وكانَ مُعْظَمُ تِلْكَ الأُمَمِ
صفحة ٢٩١
أهْلَ عِنادٍ وكُفْرٍ ولَمْ يَكُنِ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ إلّا قَلِيلًا كَما تُنْبِئُ بِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ القُرْآنِ.
ووُصِفَ المُؤْمِنُونَ مِن بَعْضِ الأُمَمِ عِنْدَ أقْوامِهِمْ بِالمُسْتَضْعَفِينَ وبِالأرْذَلِينَ، وبِالأقَلِّينَ.
ولا جَرَمَ أنَّ المُرادَ بِالآخِرِينَ الأُمَّةُ الأخِيرَةُ وهُمُ المُسْلِمُونَ.
فالسّابِقُونَ طائِفَتانِ طائِفَةٌ مِنَ الأُمَمِ الماضِينَ ومَجْمُوعُ عَدَدِها في ماضِي القُرُونِ كَثِيرٌ مِثْلُ أصْحابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ رافَقُوهُ في التِّيهِ، ومِثْلُ أصْحابِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، ومِثْلُ الحَوارِيِّينَ، وطائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ وهُمُ الَّذِينَ أسْرَعُوا لِلدُّخُولِ في الإسْلامِ وصَحِبُوا النَّبِيءَ ﷺ كَما قالَ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَهي لا يَتَحَقَّقُ مُفادُها إلّا في المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ.
و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ كَما هو بَيِّنٌ، فاقْتَضى أنَّ السّابِقِينَ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ وزَمانِ الإسْلامِ حاضِرِهِ ومُسْتَقْبَلِهِ بَعُضٌ مَن كَلٍّ، والبَعْضِيَّةُ تَقْتَضِي القِلَّةَ النِّسْبِيَّةَ ولَفَظُ ثُلَّةٌ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ ولَفْظُ قَلِيلٌ صَرِيحٌ فِيهِ.
وإنَّما قُوبِلَ لَفْظُ ثُلَّةٌ بِلَفْظِ قَلِيلٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الثُّلَّةَ أكْثَرُ مِنهُ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ وحَزِنُوا وقالُوا: إذَنْ لا يَكُونُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إلّا قَلِيلٌ، فَنَزَلَتْ نِصْفُ النَّهارِ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] فَنَسَخَتْ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ .
وهَذا الحَدِيثُ مُشْكِلٌ ومُجْمَلٌ فَإنَّ هُنا قِسْمَيْنِ مُشْتَبِهَيْنِ، والآيَةُ الَّتِي فِيها ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] لَيْسَتْ وارِدَةً في شَأْنِ السّابِقِينَ فَلَيْسَ في الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلى
صفحة ٢٩٢
أنَّ عَدَدَ أهْلِ مَرْتَبَةِ السّابِقِينَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ مُساوٍ لِعَدَدِ أهْلِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ في المُسْلِمِينَ، وأنَّ قَوْلَ أبِي هُرَيْرَةَ فَنَسَخَتْ قَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ يُرِيدُ نَسَخَتْ هَذِهِ الكَلِمَةَ. فَمُرادُهُ أنَّها أبْطَلَتْ أنْ يَكُونَ التَّفَوُّقُ مُطَّرِدًا في عَدَدِ الصّالِحِينَ فَبَقِيَ التَّفَوُّقُ في العَدَدِ خاصًّا بِالسّابِقِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ دُونَ الصّالِحِينَ الَّذِينَ هم أصْحابُ اليَمِينِ. والمُتَقَدِّمُونَ يُطْلِقُونَ النَّسْخَ عَلى ما يَشْمَلُ البَيانُ فَإنَّ مَوْرِدَ آيَةِ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] في شَأْنِ صِنْفِ أصْحابِ اليَمِينِ. ومَوْرِدُ الآيَةِ الَّتِي فِيها ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو صِنْفُ السّابِقِينَ فَلا يُتَصَوَّرُ مَعْنى النَّسَخِ بِالمَعْنى الاِصْطِلاحِيِّ مَعَ تَغايُرِ مَوْرِدِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ ولَكِنَّهُ أُرِيدَ بِهِ البَيانُ وهو بَيانٌ بِالمَعْنى الأعَمِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences