Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:15–38
56:15–26Page 534
عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ ١٥
On thrones woven [with ornament],
مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا مُتَقَٰبِلِينَ ١٦
Reclining on them, facing each other.
يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧
There will circulate among them young boys made eternal
بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨
With vessels, pitchers and a cup [of wine] from a flowing spring -
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩
No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠
And fruit of what they select
وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢١
And the meat of fowl, from whatever they desire.
وَحُورٌ عِينٞ ٢٢
And [for them are] fair women with large, [beautiful] eyes,
كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ ٢٣
The likenesses of pearls well-protected,
جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
As reward for what they used to do.
لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا ٢٥
They will not hear therein ill speech or commission of sin -
إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا ٢٦
Only a saying [of] peace, peace.
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
56:27–34Page 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ٢٧
The companions of the right - what are the companions of the right?
فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ ٢٨
[They will be] among lote trees with thorns removed
وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ ٢٩
And [banana] trees layered [with fruit]
وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ ٣٠
And shade extended
وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ ٣١
And water poured out
وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ ٣٢
And fruit, abundant [and varied],
لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ ٣٣
Neither limited [to season] nor forbidden,
وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ ٣٤
And [upon] beds raised high.
صفحة ٢٩٨
﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ .
عَوْدٌ إلى نَشْرِ ما وقَعَ لَفُّهُ في قَوْلِهِ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] .
وعَبَّرَ عَنْهم هُنا بِ أصْحابُ اليَمِينِ وهُنالِكَ بِ (أصْحابُ المَيْمَنَةِ) لِلتَّفَنُّنِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ خَبَرٌ عَنْ أصْحابُ اليَمِينِ بِإبْهامٍ يُفِيدُ التَّنْوِيَهَ بِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] . وأتْبَعَ هَذا الإبْهامَ بِما يُبَيِّنُ بَعْضَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ إلَخْ.
والسِّدْرُ: شَجَرٌ مِن شَجَرِ العِضاهِ ذُو ورَقٍ عَرِيضٍ مُدَوَّرٍ وهو صِنْفانِ: عُبْرِيٌّ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وياءِ نَسَبٍ نِسْبَةً إلى العِبْرِ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وهو عِبْرُ النَّهْيِ، أيْ ضَفَّتِهِ، لَهُ شَوْكٌ ضَعِيفٌ في غُصُونِهِ لا يَضِيرُ.
والصِّنْفُ الثّانِي الضّالُّ بِضادٍ ساقِطَةٍ ولامٍ مُخَفَّفَةٍ وهو ذُو شَوْكٍ. وأجْوَدُ السِّدْرِ الَّذِي يَنْبُتُ عَلى الماءِ وهو يُشْبِهُ شَجَرَ العُنّابِ، ووَرَقُهُ كَوَرَقِ العُنّابِ ووَرَقُهُ يُجْعَلُ غَسُولًا يُنَظَّفُ بِهِ، يُخْرِجُ مَعَ الماءِ رَغْوَةً كالصّابُونِ.
وثَمَرُ هَذا الصِّنْفِ هو النَّبْقُ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ وقافٍ يُشْبِهُ ثَمَرَ العُنّابِ إلّا أنَّهُ أصْفَرُ مُزٌّ - بِالزّايِ - يُفَوِّحُ الفَمَّ ويُفَوِّحُ الثِّيابَ ويُتَفَكَّهُ بِهِ، وأمّا الضّالُّ وهو السِّدْرُ البَرِّيُّ الَّذِي لا يَنْبُتُ عَلى الماءِ فَلا يَصْلُحُ ورَقُهُ لِلْغَسُولِ وثَمَرُهُ عَفِصٌ لا يَسُوغُ في الحَلْقِ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ ويَخْبِطُ الرُّعاةُ ورَقَهُ لِلرّاعِيَةِ، وأجْوَدُ ثَمَرِ السِّدْرِ ثَمَرُ سِدْرِ هَجَرَ أشَدُّ نَبِقَ حَلاوَةٍ وأطْيَبُهُ رائِحَةً.
صفحة ٢٩٩
ولَمّا كانَ السِّدْرُ مِن شَجَرِ البادِيَةِ وكانَ مَحْبُوبًا لِلْعَرَبِ ولَمْ يَكُونُوا مُسْتَطِيعِينَ أنْ يَجْعَلُوا مِنهُ في جَنّاتِهِمْ وحَوائِطِهِمْ لِأنَّهُ لا يَعِيشُ إلّا في البادِيَةِ فَلا يَنْبُتُ في جَنّاتِهِمْ خُصَّ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ شَجَرِ الجَنَّةِ إغْرابًا بِهِ وبِمَحاسِنِهِ الَّتِي كانَ مَحْرُومًا مِنها مَن لا يَسْكُنُ البَوادِي وبِوَفْرَةِ ظِلِّهِ وتَهَدُّلِ أغْصانِهِ ونَكْهَةِ ثَمَرِهِ.
ووُصِفِ بِالمِخْضُودِ، أيِ المُزالِ شَوْكَهُ فَقَدْ كَمُلَتْ مَحاسِنُهُ بِانْتِفاءِ ما فِيهِ مِن أذًى.
والطَّلْحُ شَجَرٌ مِن شَجَرِ العِضاهِ واحِدُهُ طَلْحَةٌ، وهو مِن شَجَرِ الحِجازِ يَنْبُتُ في بُطُونِ الأوْدِيَةِ، شَدِيدُ الطُّولِ، غَلِيظُ السّاقِ. مِن أصْلَبِ شَجَرِ العِضاهِ عُودًا، وأغْصانُهُ طُوالٌ عِظامٌ شَدِيدَةُ الاِرْتِفاعِ في الجَوِّ ولَها شَوْكٌ كَثِيرٌ قَلِيلَةُ الوَرَقِ شَدِيدَةُ الخُضْرَةِ كَثِيرَةُ الظِّلِّ مِنَ التِفافِ أغْصانِها، وصَمْغُها جَيِّدٌ وشَوْكُها أقَلُّ الشَّوْكِ أذًى، ولَها نُورٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ، وتُسَمّى هَذِهِ الشَّجَرَةُ أُمَّ غَيْلانَ، وتُسَمّى في صَفاقُسَ غِيلانَ وفي أحْوازِ تُونُسَ تُسَمّى مِسْكَ صَنادِقَ.
والمَنضُودُ: المُتَراصُّ المُتَراكِبُ بِالأغْصانِ لَيْسَتْ لَهُ سُوقٌ بارِزَةٌ، أوِ المُنَضَّدُ بِالحِمْلِ، أيِ النُّوّارِ فَتَكْثُرُ رائِحَتُهُ.
وعَلى ظاهِرِ هَذا اللَّفْظِ يَكُونُ القَوْلُ في البِشارَةِ لِأصْحابِ اليَمِينِ بِالطَّلْحِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ويُعْتاضُ عَنْ نِعْمَةِ نَكْهَةِ ثَمَرِ السِّدْرِ بِنِعْمَةِ عَرْفِ نَوْرِ الطَّلْحِ.
وفُسِّرَ الطَّلْحُ بِشَجَرِ المَوْزِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، ونُسِبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
والاِمْتِنانُ بِهِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ امْتِنانٌ بِثَمَرِهِ لِأنَّهُ ثَمَرٌ طَيِّبٌ لَذِيذٌ ولِشَجَرِهِ مِن حُسْنِ المَنظَرِ، ولَمْ يَكُنْ شائِعًا في بِلادِ العَرَبِ لِاحْتِياجِهِ إلى كَثْرَةِ الماءِ.
والظِّلُّ المَمْدُودُ: الَّذِي لا يَتَقَلَّصُ كَظِلِّ الدُّنْيا، وهو ظِلٌّ حاصِلٌ مِنَ التِفافِ أشْجارِ الجَنَّةِ وكَثْرَةِ أوْراقِها.
صفحة ٣٠٠
وسَكْبُ الماءِ: صَبَّهُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى جَرْيِهِ بِقُوَّةٍ يُشْبِهُ السَّكْبَ وهو ماءُ أنْهارِ الجَنَّةِ.
والفاكِهَةُ: تَقَدَّمَتْ آنِفًا.
ووُصِفَتْ بِ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ وصْفًا بِانْتِفاءِ ضِدِّ المَطْلُوبِ إذِ المَطْلُوبُ أنَّها دائِمَةٌ مَبْذُولَةٌ لَهم. والنَّفْيُ هُنا أوْقَعُ مِنَ الإثْباتِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ وصْفٍ وتَوْكِيدٍ، وهم لا يَصِفُونَ بِالنَّفْيِ إلّا مَعَ التَّكْرِيرِ بِالعَطْفِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] . وفي حَدِيثِ أمِّ زَرْعٍ قالَتِ المَرْأةُ الرّابِعَةُ: «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَةَ لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَةٌ» .
ثُمَّ تارَةً يَقْصِدُ بِهِ إثْباتَ حالَةٍ وُسْطى بَيْنَ حالَيِ الوَصْفَيْنِ المَنفِيَّيْنِ كَما في قَوْلِ أمِّ زَرْعٍ: لا حَرٌّ ولا قُرٌّ، وفي آيَةِ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] وهَذا هو الغالِبُ وتارَةً يُقْصَدُ بِهِ نَفْيُ الحالَيْنِ لِإثْباتِ ضِدَّيْهِما كَما في قَوْلِهِ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ وقَوْلُهُ الآتِي ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤]، وقَوْلُ المَرْأةِ الرّابِعَةِ في حَدِيثِ أمِّ زَرْعٍ «ولا مَخافَةَ ولا سَآمَةَ» .
وجَمَعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّ فاكِهَةَ الدُّنْيا لا تَخْلُو مِن أحَدِ ضِدِّي هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فَإنَّ أصْحابَها يَمْنَعُونَها فَإنْ لَمْ يَمْنَعُوها فَإنَّ لَها إبّانًا تَنْقَطِعُ فِيهِ.
والفُرُشُ: جَمْعُ فِراشٍ بِكَسْرِ الفاءِ وهو ما يُفْرَشُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ومَرْفُوعَةٌ: وصْفٌ لِ فُرُشٍ، أيْ مَرْفُوعَةٍ عَلى الأسِرَّةِ ج أيْ لَيْسَتْ مَفْرُوشَةً في الأرْضِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفُرُشِ الأسِرَّةُ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَحِلُّ فِيهِ.
56:35–38Page 535
إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥
Indeed, We have produced them [i.e., the women of Paradise] in a [new] creation
فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا ٣٦
And made them virgins,
عُرُبًا أَتۡرَابٗا ٣٧
Devoted [to their husbands] and of equal age,
لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٣٨
For the companions of the right [who are]
﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ .
لَمّا جَرى ذِكْرُ الفُرُشِ وهي مِمّا يُعَدُّ لِلْاِتِّكاءِ والاِضْطِجاعِ وقْتَ الرّاحَةِ في المَنزِلِ يَخْطُرُ بِالبالِ بادِئٍ ذِي بَدْءٍ مُصاحَبَةُ الحُورِ العِينِ مَعَهم في تِلْكَ الفُرُشِ فَيَتَشَوَّفُ إلى
صفحة ٣٠١
وصْفِهِنَّ، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ بَيانًا لِأنَّ الخاطِرَ بِمَنزِلَةِ السُّؤالِ عَنْ صِفاتِ الرَّفِيقاتِ.
فَضَمِيرُ المُؤَنَّثِ مِن أنْشَأْناهُنَّ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ ولَكِنَّهُ مَلْحُوظٌ في الأفْهامِ كَقَوْلِ أبِي تَمامٍ في طالِعِ قَصِيدَةِ:
هُنَّ عَوادِي يُوسُفٍ وصَواحِبِهِ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] . وهَذا أحْسَنُ وجْهٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، فَيَكُونُ لَفْظُ فُرُشٍ في الآيَةِ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ ويَكُونُ مَرْفُوعًا مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، أيْ في الرَّفْعِ الحِسِّيِّ والرَّفْعِ المَعْنَوِيِّ.
والإنْشاءُ: الخَلْقُ والإيجادُ فَيَشْمَلُ إعادَةَ ما كانَ مَوْجُودًا وعُدِمَ، فَقَدْ سَمّى اللَّهُ الإعادَةَ إنْشاءً في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] فَيَدْخُلُ نِساءُ المُؤْمِنِينَ اللّائِي كُنَّ في الدُّنْيا أزْواجًا لِمَن صارُوا إلى الجَنَّةِ ويَشْمَلُ إيجادَ نِساءٍ أُنُفًا يُخْلَقْنَ في الجَنَّةِ لِنَعِيمِ أهْلِها.
وقَوْلُهُ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ شامِلٌ لِلصِّنْفَيْنِ.
والعُرُبُ: جَمْعُ عَرُوبٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، ويُقالُ: عَرِبَهُ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَيُجْمَعُ عَلى عَرَباتٍ كَذَلِكَ، وهو اسْمٌ خاصٌّ بِالمَرْأةِ. وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ أهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِهِ. وأحْسَنُ ما يَجْمَعُهُما أنَّ العُرُبَ: المَرْأةُ المُتَحَبِّبَةُ إلى الرِّجُلِ، أوِ الَّتِي لَها كَيْفِيَّةُ المُتَحَبِّبَةِ، وإنْ لَمْ تَقْصِدِ التَّحَبُّبَ، بِأنْ تُكْثِرَ الضَّحِكَ بِمَرْأى الرَّجُلِ أوِ المِزاحَ أوِ اللَّهْوَ والخُضُوعَ في القَوْلِ أوِ اللَّثَغَ في الكَلامِ بِدُونِ عِلَّةٍ أوِ التَّغَزُّلَ في الرَّجُلِ أوِ المُساهَلَةَ في مُجالَسَتِهِ والتَّدَلُّلَ وإظْهارَ مُعاكَسَةِ أمْيالِ الرَّجُلِ لَعِبًا لا جِدًّا وإظْهارَ أذاهُ كَذَلِكَ كالمُغاضَبَةِ مِن غَيْرِ غَضَبٍ بَلْ لِلتَّوَرُّكِ عَلى الرِّجْلِ، قالَ نَبِيهُ بْنُ الحَجّاجِ: تِلْكَ عَرِيسَيْ غَضْبى تُرِيدُ زِيالِي ∗∗∗ ألِبَيْنٍ أرَدْتِ أمْ لِدَلالِالشّاهِدُ في قَوْلِهِ: أمْ لِدَلالِ، قالَ تَعالى
صفحة ٣٠٢
﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وقالَ ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] . وإنَّما فَسَّرُوها بِالمُتَحَبِّبَةِ لِأنَّهم لَمّا رَأوْا هاتِهِ الأعْمالَ تَجْلِبُ مَحَبَّةَ الرَّجُلِ لِلْمَرْأةِ ظَنُّوا أنَّ المَرْأةَ تَفْعَلُها لِاكْتِسابِ مَحَبَّةِ الرَّجُلِ. ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهم: العَرُوبُ بِأنَّها المُغْتَلِمَةُ، وإنَّما تِلْكَ حالَةٌ مِن أحْوالِ بَعْضِ العَرُوبِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ العَرُوبُ: المَلِقَةُ.
والعَرُوبُ: اسْمٌ لِهَذِهِ المَعانِي مُجْتَمِعَةٍ أوْ مُفْتَرِقَةٍ أجْرَوْهُ مَجْرى الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى الأوْصافِ دُونَ المُشْتَقَّةِ مِنَ الأفْعالِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرُوا لَهُ فِعْلًا ولا مَصْدَرًا وهو في الأصْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الإعْرابِ والتَّعْرِيبِ وهو التَّكَلُّمُ بِالكَلامِ الفُحْشِ.
والعِرابَةُ: بِكَسْرِ العَيْنِ: اسْمٌ مِنَ التَّعْرِيبِ وفِعْلُهُ: عَرَّبَتْ وأعْرَبَتْ، فَهو مِمّا يُسْنَدُ إلى ضَمِيرِ المَرْأةِ غالِبًا. كَأنَّهُمُ اعْتَبَرُوهُ إفْصاحًا عَمّا شَأْنُهُ أنْ لا يُفْصَحُ عَنْهُ ثُمَّ تُنُوسِيَ هَذا الأخْذُ فَعُومِلَ العَرُوبُ مُعامَلَةَ الأسْماءِ غَيْرِ المُشْتَقَّةِ، ويُقالُ: عَرِبَةٌ. مِثْلُ عَرُوبٍ. وجَمْعُ العَرُوبِ عُرُبٌ وجَمْعُ عَرِبَةٍ عَرَباتٌ.
ويُقالُ لِلْعَرُوبِ بِلُغَةِ أهْلِ مَكَّةَ العَرِبَةُ والشَّكِلَةُ. ويُقالُ لَها بِلُغَةِ أهْلِ المَدِينَةِ: الغَنِجَةُ. وبِلُغَةِ العِراقِ: الشَّكِلَةُ، أيْ ذاتِ الشَّكْلِ بِفَتْحِ الكافِ وهو الدَّلالُ والتَّعَرُّبُ.
والأتْرابُ: جَمْعُ تِرْبٍ بِكَسْرِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الرّاءِ وهي المَرْأةُ الَّتِي ساوى سَنُّها سَنَّ مَن تُضافُ هي إلَيْهِ مِنَ النِّساءِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ التِّرْبَ خاصٌّ بِالمَرْأةِ، وأمّا المُساوِي في السِّنِّ مِنَ الرِّجالِ فَيُقالُ لَهُ: قَرْنُ وِلْدَةٍ.
فالمَعْنى: أنَّهُنَّ جُعِلْنَ في سِنٍّ مُتَساوِيَةٍ لا تَفاوُتَ بَيْنَهُنَّ، أيْ هُنَّ في سِنِّ الشَّبابِ المُسْتَوِي فَتَكُونُ مَحاسِنُهُنَّ غَيْرَ مُتَفاوِتَةٍ في جَمِيعِ جِهاتِ الحُسْنِ، وعَلى هَذا فَنِساءُ الجَنَّةِ هُنَّ المَوْصُوفاتُ بِأنَّهُنَّ أتْرابٌ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ (عُرْبًا) بِسُكُونِ الرّاءِ سُكُونِ تَخْفِيفٍ وهو مُلْتَزَمٌ في لُغَةِ تَمِيمٍ في هَذا اللَّفْظِ.
واللّامُ في ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ يَتَنازَعُها أنْشَأْناهُنَّ و جَعَلْناهُنَّ لِإفادَةِ
صفحة ٣٠٣
تَوْكِيدِ الاِعْتِناءِ بِأصْحابِ اليَمِينِ المُسْتَفادِ مِنَ المَقامِ مِن قَوْلِهِ ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] الآيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ ما أُعْطِي لِأصْحابِ اليَمِينِ لَيْسَ مُخالِفًا لِأنْواعِ ما أُعْطِيَ لِلسّابِقِينَ ولا أنَّ ما أُعْطِيَ لِلسّابِقِينَ مُخالِفٌ لِما أُعْطِيَ أصْحابُ اليَمِينِ فَإنَّ الظِّلَّ والماءَ المَسْكُوبَ وكَوْنَ أزْواجِهِمْ عُرُبا أتْرابًا لَمْ يَذْكَرْ مِثْلُهُ لِلسّابِقِينَ وهو ثابِتٌ لَهم لا مَحالَةَ إذْ لا يَقْصُرُونَ عَنْ أصْحابِ اليَمِينِ، وكَذَلِكَ ما ذُكِرَ لِلسّابِقِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأكْوابِهِمْ وأبارِيقِهِمْ ولَحْمِ الطَّيْرِ وكَوْنِ أزْواجِهِمْ حُورًا عِينًا وأنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا لَمْ يَذْكُرْ مَثَلَهُ لِأصْحابِ اليَمِينِ مَعَ أنَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ. وقَدْ ذُكِرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّهم أُعْطُوا أشْياءَ لَمْ يُذْكَرْ إعْطاؤُها لَهم في هَذِهِ الآيَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]، فَلَيْسَ المَقْصُودُ تَوْزِيعَ النَّعِيمِ ولا قَصْرَهُ ولَكِنَّ المَقْصُودَ تَعْدادُهُ والتَّشْوِيقُ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّ السّابِقِينَ أعْلى مَقامًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ بِمُقْتَضى السِّياقِ. وقَدْ أشارَ إلى تَفاوُتِ المَقامَيْنِ أنَّهُ ذَكَرَ في نَعِيمِ السّابِقِينَ أنَّهُ جَزاءٌ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّاهُ فِيها ولَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ في نَعِيمِ أصْحابِ اليَمِينِ وجُماعُ الغَرَضِ مِن ذَلِكَ التَّنْوِيهُ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences