Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:39–59
56:39–40Page 535
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٩
A company of the former peoples
وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ٤٠
And a company of the later peoples.
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ أصْحابِ اليَمِينِ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، والكَّلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣] ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤] فاذْكُرْهُ.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أنَّ كِلْتا الثُّلَّتَيْنِ مِنَ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ ثُلَّةٌ مِن صَدْرِها وثُلَّةٌ مِن بَقِيَّتِها ولَمْ يُنَبِّهْ عَلى سَنَدِ هَذا النَّقْلِ.
وإنَّما أخَّرَ هَذا عَنْ ذِكْرِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ عِزَّةَ هَذا الصِّنْفِ وقِلَّتِهِ دُونَ عِزَّةِ صِنْفِ السّابِقِينِ، فالسّابِقُونَ أعَزُّ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ المُسْتَفادَةِ مِن تَرْتِيبِ نَظْمِ الكَلامِ.
56:41–44Page 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١
And the companions of the left - what are the companions of the left?
فِي سَمُومٖ وَحَمِيمٖ ٤٢
[They will be] in scorching fire and scalding water
وَظِلّٖ مِّن يَحۡمُومٖ ٤٣
And a shade of black smoke,
لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ ٤٤
Neither cool nor beneficial.
صفحة ٣٠٤
﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾
إفْضاءٌ إلى النِّصْفِ الثّالِثِ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، وهم أصْحابُ المَشاقَّةِ. والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿فِي سَمُومٍ﴾ بَعْدَها كالقَوْلِ في جُمْلَةِ ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] .
والسُّمُومُ: الرِّيحُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ الَّذِي لا بَلَلَ مَعَهُ وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّمِّ، وهو ما يُهْلِكُ إذا لاقى البَدَنَ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ.
واليَحْمُومُ: الدُّخّانُ الأسْوَدُ عَلى وزْنِ يَفْعُولَ مُشْتَقٌّ مِنَ الحُمَمِ بِوَزْنِ صُرَدٍ اسْمٌ لِلْفَحْمِ. والحُمَمَةُ: الفَحْمَةُ، فَجاءَتْ زِنَةُ يَفْعُولَ فِيها اسْمًا مَلْحُوظًا فِيهِ هَذا الاِشْتِقاقُ ولَيْسَ يَنْقاسُ.
وحَرْفُ (مِن) بَيانِيَّةٌ إذِ الظِّلُّ هُنا أُرِيدُ بِهِ نَفْسُ اليَحْمُومَ، أيِ الدُّخّانِ الأسْوَدِ.
ووَصَفَ (ظِلٍّ) بِأنَّهُ ﴿مِن يَحْمُومٍ﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ ظِلُّ دُخّانِ لَهَبِ جَهَنَّمَ، والدُّخّانُ الكَثِيفُ لَهُ ظِلٌّ لِأنَّهُ بِكَثافَتِهِ يَحْجُبُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، وإنَّما ذَكَرَ مِنَ الدُّخانِ ظِلُّهُ لِمُقابَلَتِهِ بِالظِّلِّ المَمْدُودِ المُعَدِّ لِأصْحابِ اليَمِينِ في قَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، أيْ لا ظِلَّ لِأصْحابِ الشَّمالِ سِوى ظِلِّ اليَحْمُومِ، وهَذا مِن قَبِيلِ التَّهَكُّمِ.
ولِتَحْقِيقِ مَعْنى التَّهَكُّمِ وُصِفَ هَذا الظِّلُّ بِما يُفِيدُ نَفْيَ البَرْدِ عَنْهُ ونَفْيَ الكَرَمِ، فَبَرْدُ الظِّلِّ ما يَحْصُلُ في مَكانِهِ مِن دَفْعِ حَرارَةِ الشَّمْسِ، وكَرَمُ الظِّلِّ ما فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ الحَسَنَةِ في الظِّلالِ مِثْلَ سَلامَتِهِ مِن هُبُوبِ السَّمُومِ عَلَيْهِ، وسَلامَةِ المَوْضِعِ الَّذِي يَظِلُّهُ مِنَ الحَشَراتِ والأوْساخِ، وسَلامَةِ أرْضِهِ مِنَ الحِجارَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ إذِ الكَرِيمُ مِن كُلِّ نَوْعٍ هو الجامِعُ لِأكْثَرِ مَحاسِنِ نَوْعِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ، فَوَصَفَ ظِلَّ اليَحْمُومِ بِوَصْفٍ
صفحة ٣٠٥
خاصٍّ وهو انْتِفاءُ البُرُودَةِ عَنْهُ واتْبَعَ بِوَصْفٍ عامٍّ وهو انْتِفاءُ كَرامَةِ الظِّلالِ عَنْهُ، فَفي الصِّفَةِ بِنَفْيِ مَحاسِنِ الظِّلالِ تَذْكِيرٌ لِلسّامِعِينَ بِما حُرِمَ مِنهُ أصْحابُ الشِّمالِ عَسى أنْ يَحْذَرُوا أسْبابَ الوُقُوعِ في الحِرْمانِ، ولِإفادَةِ هَذا التَّذْكِيرِ عَدَلَ عَنْ وصْفِ الظِّلِّ بِالحَرارَةِ والمَضَرَّةِ إلى وصْفِهِ بِنَفْيِ البَرْدِ ونَفْيِ الكَرَمِ.
56:45–48Page 535
إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ٤٥
Indeed they were, before that, indulging in affluence,
وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦
And they used to persist in the great violation,1
وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٤٧
And they used to say, "When we die and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ٤٨
And our forefathers [as well]?"
﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوْ آباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ .
تَعْلِيلٌ لِما يَلْقاهُ أصْحابُ الشَّمالِ مِنَ العَذابِ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ ما تَضَمَّنَهُ هَذا التَّعْلِيلُ كانَ مِن أحْوالِ كُفْرِهِمْ وأنَّهُ مِمّا لَهُ أثَرٌ في إلْحاقِ العَذابِ بِهِمْ بِقَرِينَةِ عَطْفِ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ.
فَأمّا إصْرارُهم عَلى الحِنْثِ وإنْكارُهُمُ البَعْثَ فَلا يَخْفى تَسَبُّبُهُ في العَذابِ لِأنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهم عَلَيْهِ فَلَمْ يُقْلِعُوا عَنْهُ، وإنَّما يَبْقى النَّظَرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ فَإنَّ التَّرَفَ في العَيْشِ لَيْسَ جَرِيمَةً في ذاتِهِ وكَمْ مِن مُؤْمِنٍ عاشَ في تَرَفٍ، ولَيْسَ كُلُّ كافِرٍ مُتْرَفًا في عَيْشِهِ، فَلا يَكُونُ التَّرَفُ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا في تَسَبُّبِ الجَزاءِ الَّذِي عُومِلُوا بِهِ.
فَتَأْوِيلُ هَذا التَّعْلِيلِ: إمّا بِأنْ يَكُونُ الإتْرافُ سَبَبًا بِاعْتِبارِ ضَمِيمَةِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ إلَيْهِ بِأنْ كانَ إصْرارُهم عَلى الحِنْثِ وتَكْذِيبُهم بِالبَعْثِ جَرِيمَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ لِأنَّهُما مَحْفُوفَتانِ بِكُفْرِ نِعْمَةِ التَّرَفِ الَّتِي خَوَّلَهُمُ اللَّهُ إيّاها عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] فَيَكُونُ الإتْرافُ جُزْءَ سَبَبٍ ولَيْسَ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا، وفي هَذا مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] .
وإمّا أنْ يُرادَ بِأنَّ التَّرَفَ في العَيْشِ عَلَّقَ قُلُوبَهم بِالدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها فَكانَ ذَلِكَ مُمْلِيًا عَلى خَواطِرِهِمْ إنْكارَ الحَياةِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ التَّرَفَ الَّذِي هَذا الإنْكارُ عارِضٌ لَهُ وشَدِيدُ المُلازَمَةِ لَهُ، فَوازِنُهُ وازِنُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] .
صفحة ٣٠٦
وفَسَّرَ مُتْرَفِينَ بِمَعْنى مُتَكَبِّرِينَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ. والمُتْرَفُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أتْرَفَهُ، أيْ جَعْلِهِ ذا تُرْفَةٍ بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الرّاءِ، أيْ نِعْمَةٍ واسِعَةٍ، وبِناؤُهُ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ الإحاطَةِ بِالفاعِلِ الحَقِيقِيِّ لِلْإتْرافِ كَشَأْنِ الأفْعالِ الَّتِي التُزِمَ فِيها الإسْنادُ المَجازِيُّ العَقْلِيُّ الَّذِي لَيْسَ لِمِثْلِهِ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ولا يُقَدَّرُ بِنَحْوِ: أتْرَفَهُ اللَّهُ، لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَكُونُوا يُقَدِّرُونَ ذَلِكَ فَهَذا مِن بابِ: قالَ قائِلٌ، وسَألَ سائِلٌ.
وإنَّما جُعِلَ أهْلُ الشَّمالِ مُتْرَفِينَ لِأنَّهم لا يَخْلُو واحِدٌ مِنهم عَنْ تَرَفٍ ولَوْ في بَعْضِ أحْوالِهِ وأزْمانِهِ مِن نَعَمِ الأكْلِ والشُّرْبِ والنِّساءِ والخَمْرِ، وكُلِّ ذَلِكَ جَدِيرٌ بِالشُّكْرِ لِواهِبِهِ، وهم قَدْ لابَسُوا ذَلِكَ بِالإشْراكِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، أوْ لِأنَّهم لَمّا قَصَرُوا أنْظارَهم عَلى التَّفْكِيرِ في العِيشَةِ العاجِلَةِ صَرْفَهم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ والاِسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ فَهَذا وجْهُ جَعْلِ التَّرَفِ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ جَزائِهِمُ الجَزاءَ المَذْكُورَ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ إلى ﴿سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] بِتَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ، أيْ كانُوا قَبْلَ اليَوْمِ وهو ما كانُوا عَلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
والحِنْثُ: الذَّنْبُ والمَعْصِيَةُ وما يَتَحَرَّجُ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: حَنِثَ في يَمِينِهِ، أيْ أهْمَلَ ما حَلَفَ عَلَيْهِ فَجَرَّ لِنَفْسِهِ حَرَجًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحِنْثُ حِنْثَ اليَمِينِ فَإنَّهم كانُوا يُقْسِمُونَ عَلى أنْ لا بَعْثَ، قالَ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، فَذَلِكَ مِنَ الحِنْثِ العَظِيمِ، وقالَ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقَدْ جاءَتْهم آيَةُ إعْجازِ القُرْآنِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
والعَظِيمُ: القَوِيُّ في نَوْعِهِ، أيِ الذَّنْبِ الشَّدِيدِ والحِنْثُ العَظِيمِ هو الإشْراكُ بِاللَّهِ. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ» وقالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
صفحة ٣٠٧
ومَعْنى يُصِرُّونَ: يَثْبُتُونَ عَلَيْهِ لا يَقْبَلُونَ زَحْزَحَةً عَنْهُ، أيْ لا يَضَعُونَ لِلدَّعْوَةِ إلى النَّظَرِ في بُطْلانِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في يُصِرُّونَ ويَقُولُونَ تُفِيدُ تَكَرُّرَ الإصْرارِ والقَوْلُ مِنهُ. وذِكْرُ فِعْلِ كانُوا لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُهم.
والمُرادُ مِن قَوْلِهِ وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا إلَخْ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحالَةَ البَعْثِ بَعْدَ تِلْكَ الحالَةِ.
ويُناظِرُونَ في ذَلِكَ بِأنَّ القَوْلَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ اسْتِحالَةَ البَعْثِ.
والاِسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ كِنايَةٌ عَنِ الإحالَةِ والاِسْتِبْعادِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا إلَخْ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أإذا مِتْنا بِإثْباتِ الاِسْتِفْهامِ الأوَّلِ والثّانِي، أيْ إذا مِتْنا أإنّا. وقَرَأهُ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ بِالاِسْتِفْهامِ في أإذا مِتْنا والإخْبارُ في (إنّا لَمَبْعُوثُونَ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ أوَآباؤُنا بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّها واوَ عَطْفٍ عَطَفَتِ اسْتِفْهامًا عَلى اسْتِفْهامٍ، وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الاِسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ عَطْفٍ لِصَدارَةِ الاِسْتِفْهامِ، وأُعِيدَ الاِسْتِفْهامُ تَوْكِيدًا لِلْاِسْتِبْعادِ. والمُرادُ بِالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾ إلَخْ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ اسْتِجابَةَ مَدْلُولِ ذَلِكَ الاِسْتِفْهامِ.
56:49–50Page 535
قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩
Say, [O Muḥammad], "Indeed, the former and later peoples
لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠
Are to be gathered together for the appointment of a known Day."
﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ .
لِما جَرى تَعْلِيلُ ما يُلاقِيهِ أصْحابُ الشِّمالِ مِنَ العَذابِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ، وكانَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ وعِيدَ المُشْرِكِينَ وكانَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ أدْخَلَ في اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُخاطِبَهم بِتَحْقِيقِ وُقُوعِ البَعْثِ وشُمُولِهِ لَهم ولِآبائِهِمْ ولِجَمِيعِ النّاسِ، أيْ أنْبِئْهم بِأنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، أيْ هم
صفحة ٣٠٨
وآباؤُهم يُبْعَثُونَ في اليَوْمِ المُعَيَّنِ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَدِ انْتَهى الخَبَرُ عَنْ حالِهِمْ يَوْمَ تُرَجُّ الأرْضُ وما يَتْبَعُهُ.
وافْتَتَحَ الكَّلامَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِلْاِهْتِمامِ بِهِ كَما افْتَتَحَ بِهِ نَظائِرَهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعالى.
فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِمُناسَبَةِ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا الآيَةِ.
والمُرادُ بِ الأوَّلِينَ: مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ وصْفُ أوَّلِ بِالنِّسْبَةِ لِمَن بَعْدَهم، والمُرادُ بِ الآخِرِينَ: مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ وصْفٌ آخَرُ بِالنِّسْبَةِ لِمَن قَبْلِهِ.
ومَعْنى مَجْمُوعُونَ: أنَّهم يُبْعَثُونَ ويُحْشَرُونَ جَمِيعًا، ولَيْسَ البَعْثُ عَلى أفْواجٍ في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَما كانَ مَوْتُ النّاسِ بَلْ يُبْعَثُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ في يَوْمٍ واحِدٍ. وهَذا إبْطالٌ لِما اقْتَضاهُ عَطْفُ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ في كَلامِهِمْ مِنِ اسْتِنْتاجِ اسْتِبْعادِ البَعْثِ لِأنَّهم عَدُّوا سَبْقَ مَن سُبِقَ مَوْتُهم أدُلُّ عَلى تَعَذُّرِ بَعْثِهِمْ بَعْدَ أنْ مَضَتْ عَلَيْهِمُ القُرُونُ ولَمْ يُبْعَثْ فَرِيقٌ مِنهم إلى يَوْمِ هَذا القِيلِ، فالمَعْنى: أنَّكم.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ أنَّ واللّامِ لِرَّدِ إنْكارِهِمْ مَضْمُونَهُ.
والمِيقاتُ: هُنا لِمَعْنى الوَقْتِ والأجَلِ، وأصْلُهُ اسْمُ آلَةٍ لِلْوَقْتِ وتَوَسَّعُوا فِيهِ فَأطْلَقُوهُ عَلى الوَقْتِ نَفْسِهِ بِحَيْثُ تُعْتَبَرُ المِيمُ والألْفُ غَيْرَ دالَّتَيْنِ عَلى مَعْنًى، وتَوَسَّعُوا فِيهِ تَوَسُّعًا آخَرَ فَأطْلَقُوهُ عَلى مَكانٍ لِعَمَلٍ ما. ولَعَلَّ ذَلِكَ مُتَفَرِّعٌ عَلى اعْتِبارِ ما في التَّوْقِيتِ مِنَ التَّحْدِيدِ والضَّبْطِ، ومِنهُ مَواقِيتُ الحَجِّ، وهي أماكِنٌ يُحْرِمُ الحاجُّ بِالحَجِّ عِنْدَها لا يَتَجاوَزُها حَلالًا. ومِنهُ «قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ لَمْ يُوَقِّتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الخَمْرِ حَدًّا مُعَيَّنًا» .
ويَصِحُّ حَمْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَعْنى الكَلامِ.
وقَدْ ضَمَّنَ مَجْمُوعُونَ مَعْنى مَسُوقُونَ، فَتَعَلَّقَ بِهِ مَجْرُورُهُ بِحَرْفِ إلى لِلْاِنْتِهاءِ، وإلّا فَإنَّ ظاهِرَ مَجْمُوعُونَ أنْ يُعَدّى بِحَرْفِ (في) .
صفحة ٣٠٩
وأفادَ تَعْلِيقُ مَجْرُورِهِ بِهِ بِواسِطَةِ إلى أنَّهُ مُسَيَّرٌ إلَيْهِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِ فَدَلَّ عَلى مَكانٍ. وهَذا مِنَ الإيجازِ.
وإضافَةُ (مِيقاتٍ) إلى يَوْمٍ مَعْلُومٍ لِأنَّ التَّجَمُّعَ واقِعٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وإذا كانَ التَّجَمُّعُ الواقِعُ في اليَوْمِ واقِعًا في ذَلِكَ المِيقاتِ كانَتْ بَيْنَ المِيقاتِ واليَوْمِ مُلابَسَةٌ صَحَّحَتْ إضافَةَ المِيقاتِ إلَيْهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وهَذا أدَقُّ مِن جَعْلِ الإضافَةِ بَيانِيَّةٌ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ بِما يَلْقَوْنَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي جَحَدُوهُ.
56:51–55Page 536
ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١
Then indeed you, O those astray [who are] deniers,
لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ ٥٢
Will be eating from trees of zaqqūm
فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٥٣
And filling with it your bellies
فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ ٥٤
And drinking on top of it from scalding water
فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ ٱلۡهِيمِ ٥٥
And will drink as the drinking of thirsty camels.
﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونُ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لَهم.
وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ فَإنَّ التَّصْرِيحَ في تَفْصِيلِ جَزائِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ ما هو أعْظَمُ وقْعًا في النُّفُوسِ مِنَ التَّعْرِيضِ الإجْمالِيِّ بِالوَعِيدِ الَّذِي اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٩] ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ [الواقعة: ٥٠] .
وهَذا التَّراخِي الرُّتَبِيُّ مِثْلُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] بِمَنزِلَةِ الاِعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٩] وجُمْلَةِ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧] .
والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمَقُولِ إلَيْهِمْ ما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم فَلَيْسَ في هَذا الخِطابِ التِفاتٌ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ، في نِدائِهِمْ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءً إلى أنَّهُما سَبَبُ ما لَحِقَهم مِنَ الجَزاءِ السَّيِّئِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم: ضالُّونَ مُكَذِّبُونَ، ناظِرٌ إلى قَوْلِهِمْ أإذا كُنّا تُرابًا إلَخْ.
وقَدْ وصَفَ الضّالُّونَ عَلى وصْفِ المُكَذِّبُونَ مُراعاةً لِتَرْتِيبِ الحُصُولِ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَكَذَّبُوا بِالبَعْثِ لِيَحْذَرُوا مِنَ الضَّلالِ ويَتَدَبَّرُوا في دَلائِلِ البَعْثِ وذَلِكَ مُقْتَضى خِطابِهِمْ بِهَذا الإنْذارِ بِالعَذابِ المُتَوَقَّعِ.
صفحة ٣١٠
وشَجَرُ الزَّقُّومِ: مِن شَجَرِ العَذابِ، تَقَدَّمَ في سُورَةِ الدُّخّانِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الغَلَيانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وتَقَدَّمَ قَرِيبًا في هَذِهِ السُّورَةِ.
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ تَفْظِيعُ حالِهِمْ في جَزائِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَرَفٍ في الدُّنْيا بِمَلْءِ بُطُونِهِمْ بِالطَّعامِ والشَّرابِ مَلْئًا أنْساهم إقْبالَهم عَلَيْهِ وشُرْبَهم مِنَ التَّفَكُّرِ في مَصِيرِهِمْ.
وقَدْ زِيدَ تَفْظِيعًا في التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾، كَما سَيَأْتِي. وإعادَةُ فِعْلِ شارِبُونَ لِلتَّأْكِيدِ وتَكْرِيرِ اسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ الفَظِيعَةِ. ومَعْنى شارِبُونَ عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عَلى) فِيهِ لِلْاِسْتِعْلاءِ، أيْ شارِبُونَ فَوْقَهُ الحَمِيمَ، ويَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ اسْتِفادَةُ مَعْنى (مَعَ) مِن حَرْفِ (عَلى) تَعْجِيبًا لِفَظاعَةِ حالِهِمْ، أيْ يَشْرَبُونَ هَذا الماءَ المُحْرِقَ مَعَ ما طَعِمُوهُ مِن شَجَرِ الزَّقُّومِ المَوْصُوفَةِ في آيَةٍ أُخْرى بِأنَّها تَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ فَيُفِيدُ أنَّهم يَتَجَرَّعُونَهُ ولا يَسْتَطِيعُونَ امْتِناعًا.
و(مِن) الدّاخِلَةُ عَلى (شَجَرٍ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آكِلُونَ أكْلًا يُؤْخَذُ مِن شَجَرِ الزَّقُّومِ، و (مِن) الثّانِيَةُ الدّاخِلُ عَلى (زَقُّومٍ) بَيانِيَّةٌ لِأنَّ الشَّجَرَ هو المُسَمّى بِالزَّقُّومِ.
وتَأْنِيثُ ضَمِيرِ الشَّجَرِ في قَوْلِهِ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ لِأنَّ ضَمائِرَ الجَمْعِ لِغَيْرِ العاقِلِ تَأْتِي مُؤَنَّثَةً غالِبًا.
وأمّا ضَمِيرُ (عَلَيْهِ) فَإنَّما جاءَ بِصِيغَةِ المُذَكَّرِ لِأنَّهُ عائِدٌ عَلى الأكْلِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ لَآكِلُونَ، أيْ عَلى ذَلِكَ الأكْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ مِثْلِ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.
والهِيمُ: جَمْعُ أهْيَمَ، وهو البَعِيرُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ بِضَمِّ الهاءِ، وهو داءٌ يُصِيبُ الإبِلَ يُورِثُها حُمّى في الأمْعاءِ فَلا تَزالُ تَشْرَبُ ولا تُرْوى، أيْ شارِبُونَ مِنَ الحَمِيمِ شُرْبًا لا يَنْقَطِعُ فَهو مُسْتَمِرَّةُ آلامَهُ.
صفحة ٣١١
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ شُرْبَ بِضَمِّ الشِّينِ اسْمَ مَصْدَرِ شَرِبَ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الشِّينِ وهو المَصْدَرُ لِشَرِبَ. ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَدٍ صَحَّحَهُ الحاكِمُ، وخَبَرُ الواحِدِ لا يَزِيدُ المُتَواتِرَ قُوَّةً فَكِلْتا القِراءَتَيْنِ مُتَواتِرٌ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ عَطْفٌ عَلى لَآكِلُونَ لِإفادَةِ تَعْقِيبِ أكْلِ الزَّقُّومِ بِ ﴿شُرْبَ الهِيمِ﴾ دُونَ فَتْرَةٍ ولا اسْتِراحَةٍ.
وإعادَةُ فَشارِبُونَ تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِنَظِيرِهِ، وفائِدَةُ هَذا التَّوْكِيدِ زِيادَةُ تَقْرِيرِ ما في هَذا الشُّرْبِ مِنَ الأُعْجُوبَةِ وهي أنَّهُ مَعَ كَراهَتِهِ يَزْدادُونَ مِنهُ كَما تَرى الأهْيَمَ، فَيَزِيدُهم تَفْظِيعًا لِأمْعائِهِمْ لِإفادَةِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ تَعْجِيبًا ثانِيًا بَعْدَ الأوَّلِ، فَإنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبُهم لَهُ كَما تَشْرَبُ الإبِلُ الهِيمُ في الإكْثارِ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا، فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
56:56Page 536
هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٥٦
That is their accommodation on the Day of Recompense.
﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمَلِ الخِطابِ مُوَجَّهٌ إلى السّامِعِينَ غَيْرَهم فَلَيْسَ في ضَمِيرِ الغَيْبَةِ التِفاتٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى ما ذُكِرَ مِن أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الهِيمِ.
والنُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ وضَمِّ الزّايِ وسُكُونِها: ما يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ مِن طَعامٍ. وهو هُنا تَشْبِيهٌ تَهَكُّمِيٌّ كالاِسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأضْيافِ مِنّا فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا ∗∗∗ قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِراكُمْقُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونا
وقَوْلُ أبِي الشَّعْرِ الضَّبِّيِّ، واسْمُهُ مُوسى بْنُ سُحَيْمٍ:
وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَناجَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا
صفحة ٣١٢
و (يَوْمَ الدِّينِ): يَوْمَ الجَزاءِ، أيْ هَذا جَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمْ نَظِيرَ قَوْلِهِ آنِفًا جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وجَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ وقْتًا لِنُزُلِهِمْ مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ بِالنُّزُلِ جَزاءً عَلى أعْمالِهِمْ. وهَذا تَجْرِيدٌ لِلتَّشْبِيهِ التَّهَكُّمِيِّ وهو قَرِينَةٌ عَلى التَّهَكُّمِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: مِرْداةً طَحُونا.
56:57Page 536
نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧
We have created you, so why do you not believe?
﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ .
أعْقَبَ إبْطالَ نَفْيِهِمْ بِالبَعْثِ بِالاِسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِهِ وتَقْرِيبِ كَيْفِيَّةِ الإعادَةِ الَّتِي أحالُوها فاسْتَدَلَّ عَلى إمْكانِ إعادَةِ الخَلْقِ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم أوَّلَ مَرَّةٍ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُعِيدَ خَلْقَهم، قالَ تَعالى ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إثْباتَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم.
وهَذا الكَّلامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ ما أُمِرَ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مُسْتَقِلًّا. والخِطابُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مُوَجَّهٌ لِلسّامِعِينَ فَلَيْسَ في ضَمِيرِ خَلَقْناكُمُ التِفاتٌ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةٍ تُقَوِّي الحُكْمَ رَدًّا عَلى إحالَتِهِمْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قادِرًا عَلى إعادَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ فَناءِ مُعْظَمِ أجْسادِهِمْ حِينَ يَكُونُونَ تُرابًا وعِظامًا، فَهَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِما ذُهِلُوا عَنْهُ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم لَمّا لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجَبِ ذَلِكَ العِلْمِ بِإحالَتِهِمْ بِإعادَةِ الخَلْقِ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم، فالمَقْصُودُ بِتَقَوِّي الحُكْمِ الإفْضاءُ إلى ما سَيُفَرَّعُ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦٠] . ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في نَسْجِ نَظْمِها والتَّرْتِيبِ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨] في سُورَةِ الإنْسانِ.
ومَوْقِعُها اسْتِدْلالٌ وعِلَّةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ﴾ [الواقعة: ٤٩] ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ.
صفحة ٣١٣
وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ التَّذْكِيرِ تَحْضِيضُهم عَلى التَّصْدِيقِ، أيْ بِالخَلْقِ الثّانِي وهو البَعْثُ فَإنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ.
56:58–59Page 536
أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ٥٨
Have you seen that which you emit?1
ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩
Is it you who creates it, or are We the Creator?
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ [الواقعة: ٥٧]، أيْ خَلَقْناكُمُ الخَلْقَ الَّذِي لَمْ تَرَوْهُ ولَكِنَّكم تُوقِنُونَ بِأنّا خَلَقْناكم فَتَدَبَّرُوا في خَلْقِ النَّسْلِ لِتَعْلَمُوا أنَّ إعادَةَ الخَلْقِ تُشْبِهُ ابْتِداءَ الخَلْقِ. وذُكِرَتْ كائِناتٌ خَمْسَةٌ مُخْتَلِفَةُ الأحْوالِ مُتَّحِدَةُ المَآلِ إذْ في كُلِّها تَكْوِينٌ لِمَوْجُودٍ مِمّا كانَ عَدَمًا، وفي جَمِيعِها حُصُولُ وُجُودٍ مُتَدَرِّجٍ إلى أنْ تَتَقَوَّمَ بِها الحَياةُ وابْتُدِئَ بِإيجادِ النَّسْلِ مِن ماءٍ مَيِّتٍ، ولَعَلَّهُ مادَّةُ الحَياةِ بِنَسْلِكم في الأرْحامِ مِنَ النُّطَفِ تَكْوِينًا مَسْبُوقًا بِالعَدَمِ.
والاِسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ بِتَعْيِينِ خالِقِ الجَنِينِ مِنَ النُّطْفَةِ إذْ لا يَسَعُهم إلّا أنْ يُقِرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ النَّسْلِ مِنَ النُّطْفَةِ وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ قُدْرَتَهُ عَلى ما هو مِن نَوْعِ إعادَةِ الخَلْقِ.
وإنَّما ابْتُدِئَ الاِسْتِدْلالُ بِتَقْدِيمِ جُمْلَةِ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ زِيادَةً في إبْطالِ شُبْهَتِهِمْ إذْ قاسُوا الأحْوالَ المُغَيَّبَةِ عَلى المُشاهَدَةِ في قُلُوبِهِمْ لا نُعادُ بَعْدَ أنْ كُنّا تُرابًا وعِظامًا، وكانَ حَقُّهم أنْ يَقِيسُوا عَلى تَخَلُّقِ الجَنِينِ مِن مَبْدَأِ ماءِ النُّطْفَةِ فَيَقُولُوا: لا تَصِيرُ العِظامُ البالِيَةُ ذَواتًا حَيَّةً، وإلّا فَإنَّهم لَمْ يَدَّعُوا قَطُّ أنَّهم خالِقُونَ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ تَمْهِيدًا لِلْاِسْتِدْلالِ عَلى أنَّ اللَّهَ هو خالِقُ الأجِنَّةِ بِقُدْرَتِهِ، وأنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ لا تَقْتَصِرُ عَلى الخَلْقِ الثّانِي عِنْدَ البَعْثِ.
وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ في أرَأيْتُمْ مِن بابِ ظَنَّ لِأنَّهُ لَيْسَ رُؤْيَةَ عَيْنٍ. وقالَ الرَّضِيُّ: هو في مِثْلِهِ مَنقُولٌ مَن رَأيْتَ، بِمَعْنى أبْصَرْتَ أوْ عَرَفْتَ، كَأنَّهُ قِيلَ: أأبْصَرْتَ حالَهُ العَجِيبَةَ أوْ أعَرَفْتَها، أخْبِرْنِي عَنْها، فَلا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الاِسْتِخْبارِ عَنْ حالَةٍ عَجِيبَةٍ لِشَيْءٍ اهـ، أيْ لِأنَّ أصْلَ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ لا مِن أفْعالِ العَقْلِ.
صفحة ٣١٤
و ﴿ما تُمْنُونَ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ أفَرَأيْتُمْ. وفي تَعْدِيَةِ فِعْلِ أرَأيْتُمْ إلَيْهِ إجْمالٌ إذْ مَوْرِدُ فِعْلِ العِلْمَ عَلى حالٍ مِن أحْوالِ ما تُمْنُونَ، فَفِعْلُ رَأيْتُمْ غَيْرُ وارِدٍ عَلى نَفْسِ ﴿ما تُمْنُونَ﴾ .
فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، وأُعِيدَ حَرْفُ الاِسْتِفْهامِ لِيُطابِقَ البَيانُ مُبَيَّنَهُ.
وبِهَذا الاِسْتِفْهامِ صارَ فِعْلُ أرَأيْتُمْ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولٍ ثانٍ لِوُجُودِ مُوجَبِ التَّعْلِيقِ وهو الاِسْتِفْهامُ. قالَ الرَّضِيُّ: إذا صُدِّرَ المَفْعُولُ الثّانِي بِكَلِمَةِ الاِسْتِفْهامِ فالأوْلى أنْ لا يُعَلَّقُ فِعْلُ القَلْبِ عَنِ المَفْعُولِ الأوَّلِ نَحْوُ: عَلِمْتَ زَيْدًا أيُومِنُ هو. اهـ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ لِإفادَةِ التَّقَوِّي لِأنَّهم لَمّا نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ كَما عَلِمْتَ صِيغَتْ جُمْلَةُ نَفْيِهِ بِصِيغَةٍ دالَّةٍ عَلى زَعْمِهِمْ تُمَكِّنُ التَّصَرُّفَ في تَكْوِينِ النَّسْلِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن نَفْيِ الخَلْقِ عَنْهم وإثْباتِهِ لِلَّهِ تَعالى مَعْنى قَصْرِ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
و(أمْ) مُتَّصِلَةٌ مُعادَةُ الهَمْزَةِ، وما بَعْدَها مَعْطُوفٌ لِأنَّ الغالِبَ أنْ لا يُذْكَرُ لَهُ خَبَرٌ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ خَبَرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ، وهاهُنا أُعِيدَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ زِيادَةً في تَقْرِيرِ إسْنادِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ في المَعْنى ولِلْإيفاءِ بِالفاصِلَةِ وامْتِدادِ نَفْسِ الوَقْفِ، ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ أمْ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ لِأنَّ الاِسْتِفْهامَ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ فَلَيْسَ مِن غَرَضِهِ طَلَبُ تَعْيِينِ الفاعِلِ ويَكُونُ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَخْلُقُونَهُ.
والمَعْنى: أتَظُنُّونَ أنْفُسَكم خالِقِينَ النَّسَمَةَ مِمّا تَمْنُونَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences