Ibn 'AshurAl‑Waqi'ah · 56:60–70

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Waqi'ah 56:60–70

56:60–61Page 536

نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠

We have decreed death among you, and We are not to be outdone

عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١

In that We will change your likenesses and produce you in that [form] which you do not know.1

﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ .

اسْتِدْلالٌ بِإماتَةِ الأحْياءِ عَلى أنَّها مَقْدُورَةٌ لِلَّهِ تَعالى ضَرُورَةَ أنَّهم مُوقِنُونَ بِها

صفحة ٣١٥

ومُشاهِدُونَها ووادُّونَ دَفْعَها أوْ تَأْخِيرَها، فَإنَّ الَّذِي قَدِرَ عَلى خَلْقِ المَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ قادِرٌ عَلى الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ إذِ القُدْرَةُ عَلى حُصُولِ شَيْءٍ تَقْتَضِي القُدْرَةَ عَلى ضِدِّهِ فَلا جَرَمَ أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ حَيٍّ مِمّا لَيْسَ فِيهِ حَياةٌ وعَلى إماتَتِهِ بَعْدَ الحَياةِ قَدِيرٌ عَلى التَّصَرُّفِ في حالَتَيْ إحْيائِهِ وإماتَتِهِ، وما الإحْياءُ بَعْدَ الإماتَةِ إلّا حالَةٌ مِن تَيْنِكَ الحَقِيقَتَيْنِ، فَوَضَحَ دَلِيلُ إمْكانِ البَعْثِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى وهو الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.

فَهَذا وجْهُ التَّعْبِيرِ بِ ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ دُونَ: نَحْنُ نُمِيتُكم، أيْ أنَّ المَوْتَ مَجْعُولٌ عَلى تَقْدِيرٍ مَعْلُومٍ مُرادٍ، مَعَ ما في مادَّةِ قَدَّرْنا مِنَ التَّذْكِيرِ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ لِتَتَوَجَّهَ أنْظارُ العُقُولِ إلى ما في طَيِّ ذَلِكَ مِن دَقائِقَ وهي كَثِيرَةٌ، وخاصَّةٌ في تَقْدِيرِ مَوْتِ الإنْسانِ الَّذِي هو سَبِيلٌ إلى الحَياةِ الكامِلَةِ إنْ أخَذَ لَها أسْبابَها.

وفِي كَلِمَةِ (بَيْنَكُمُ) مَعْنًى آخَرُ، وهو أنَّ المَوْتَ يَأْتِي عَلى آحادِهِمْ تَداوُلًا وتَناوُبًا، فَلا يُفْلِتُ واحِدٌ مِنهم ولا يَتَعَيَّنُ لِحُلُولِهِ صِنْفٌ ولا عُمُرٌ فَآذَنَ ظَرْفُ (بَيْنَ) بِأنَّ المَوْتَ كالشَّيْءِ المَوْضُوعِ لِلتَّوْزِيعِ لا يَدْرِي أحَدُهم مَتى يُصِيبُهُ قِسْطُهُ مِنهُ، فالنّاسُ كَمَن دُعُوا إلى قِسْمَةِ مالٍ أوْ ثَمَرٍ أوْ نَعَمٍ لا يَدْرِي أحَدٌ مَتى يُنادى عَلَيْهِ لِيَأْخُذَ قِسْمَهُ، أوْ مَتى يَطِيرُ إلَيْهِ قِطُّهُ ولَكِنَّهُ يُوقِنُ بِأنَّهُ نائِلُهُ لا مَحالَةَ.

وبِهَذا كانَ في قَوْلِهِ ﴿بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ إذْ شَبَّهَ المَوْتَ بِمَقْسُومٍ ورَمَزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ بِكَلِمَةِ (بَيْنَكُمُ) الشّائِعِ اسْتِعْمالُها في القِسْمَةِ، قالَ تَعالى ﴿أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] . وفي هَذِهِ الاِسْتِعارَةِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ المَوْتِ فائِدَةً ومَصْلَحَةً لِلنّاسِ أمّا في الدُّنْيا لِئَلّا تَضِيقَ بِهُمُ الأرْضُ والأرْزاقُ وأمّا في الآخِرَةِ فَلِلْجَزاءِ الوِفاقِ.

صفحة ٣١٦

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وتَحْقِيقِهِ، والتَّحْقِيقُ راجِعٌ إلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّرْكِيبُ مِن فِعْلِ (قَدَّرْنا) وظَرْفُ (بَيْنَكُمُ) في دَلالَتِهِما عَلى ما في خَلْقِ المَوْتِ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرْنا بِتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، فالتَّشْدِيدُ مَصْدَرُهُ التَّقْدِيرُ، والتَّخْفِيفُ مَصْدَرُهُ القَدْرُ.

* * *

﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ .

هَذا نَتِيجَةٌ لِما سَبَقَ مِنَ الاِسْتِدْلالِ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَعْطِفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ ويَتْرُكَ عَطْفَهُ فَعَدَلَ عَنِ الأمْرَيْنِ، وعَطَفَ بِالواوِ عَطْفَ الجُمَلِ فَيَكُونُ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً مَقْصُودًا لِذاتِهِ لِأنَّ مَضْمُونَهُ يُفِيدُ النَّتِيجَةَ، ويُفِيدُ تَعْلِيمًا اعْتِقادِيًّا، فَيَحْصُلُ الإعْلامُ بِهِ تَصْرِيحًا وتَعْرِيضًا، فالصَّرِيحُ مِنهُ التَّذْكِيرُ بِتَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ ولا تَضِيقُ قُدْرَتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وأنَّهُ يُبَدِّلُهم خَلْقًا آخَرَ في البَعْثِ مُماثِلًا لِخَلْقِهِمْ في الدُّنْيا، ويُفِيدُ تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ بِاسْتِئْصالِهِمْ وتَعْوِيضِهِمْ بِأُمَّةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ولَوْ جِيءَ بِالفاءِ لَضاقَتْ دَلالَةُ الكَلامِ عَلى المَعْنَيَيْنِ الآخَرَيْنِ.

والسَّبْقُ: مَجازٌ مِنَ الغَلَبَةِ والتَّعْجِيزِ لِأنَّ السَّبْقَ يَسْتَلْزِمُ أنَّ السّابِقَ غالِبٌ لِلْمَسْبُوقِ، فالمَعْنى: وما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ، قالَ الفَقْعَسِيُّ مُرَّةُ بْنُ عَدّاءٍ:

كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ

ويَتَعَلَّقُ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ بِمَسْبُوقِينَ لِأنَّهُ يُقالُ: غَلَبَهُ عَلى كَذا، إذا حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَوالِهِ، وأصْلُهُ: غَلَبَهُ عَلى كَذا، أيْ تَمَكَّنَ مِن كَذا دُونَهُ قالَ تَعالى ﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١] .

ويَكُونُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ (أمْثالَكم) .

صفحة ٣١٧

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (قَدَّرْنا)، أيْ قَدَّرْنا المَوْتَ عَلى أنْ نُحْيِيَكم فِيما بَعْدُ إدْماجًا لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ، فَتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) وتَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً، وهَذا كَقَوْلِ الواعِظِ ”عَلى شَرْطِ النَّقْضِ رُفِعَ البُنْيانُ، وعَلى شَرْطِ الخُرُوجِ دَخَلَتِ الأرْواحُ لِلْأبْدانِ“ ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ مَسْبُوقِينَ مَحْذُوفًا دالًّا عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ ما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ فِيما قَدَّرْناهُ مِن خَلْقِكم وإماتَتِكم، ويُجْعَلُ الوَقْفُ عَلى بِمَسْبُوقِينَ.

ويُفِيدُ قَوْلُهُ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ إلَخْ وراءَ ذَلِكَ عِبْرَةً بِحالِ المَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ فَإنَّ في تَقَلُّبِ ذَيْنِكَ الحالَيْنِ عِبْرَةً وتَدَبُّرًا في عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وتَصَرُّفِهِ فَيَكُونُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ وِزانُهُ وِزانُ قَوْلِهِ الآتِي لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ حُطامًا وقَوْلِهِ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] وقَوْلِهِ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] .

ومَعْنى ﴿أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾: نُبَدِّلُ بِكم أمْثالَكم، أيْ نَجْعَلُ أمْثالَكم بَدَلًا.

وفِعْلُ (بَدَّلَ) يَنْصِبُ مَفْعُولًا واحِدًا ويَتَعَدّى إلى ما هو في مَعْنى المَفْعُولِ الثّانِي بِحَرْفِ الباءِ، وهو الغالِبُ أوْ بِ (مِنَ) البَدَلِيَّةِ فَإنَّ مَفْعُولَ (بَدَّلَ) صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مُبْدَلًا ومُبْدَلًا مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ تَعالى﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ [البقرة: ٦١]، وفي سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]، فالتَّقْدِيرُ هُنا: عَلى أنْ نُبَدِّلَ مِنكم أمْثالَكم، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (نُبَدِّلَ) وأُبْقِيَ المَفْعُولُ لِأنَّ المَجْرُورَ أوْلى بِالحَذْفِ.

والأمْثالُ: جَمْعُ مِثْلٍ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ المُثَلَّثَةِ وهو النَّظِيرُ، أيْ نَخْلُقُ ذَواتٍ مُماثِلَةٍ لِذَواتِكُمُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا ونُودِعُ فِيها أرْواحَكم. وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ الإعادَةَ عَنْ عَدَمٍ لا عَنْ تَفْرِيقٍ. وقَدْ تَرَدَّدَ في تَعْيِينِ ذَلِكَ عُلَماءُ السُّنَّةِ والكَلامِ.

ويَجُوزُ أنْ يُفِيدَ مَعْنى التَّهْدِيدِ بِالاِسْتِئْصالِ، أيْ لَوْ شِئْنا اسْتِئْصالَكم لَما أعْجَزْتُمُونا فَيَكُونُ إدْماجًا لِلتَّهْدِيدِ في أثْناءِ الاِسْتِدْلالِ ويَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] .

صفحة ٣١٨

و نُنْشِئُكم عَطْفٌ عَلى (نُبَدِّلَ)، أيْ ما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عَلى إنْشائِكم.

وهَذا العَطْفُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ مُغايِرٍ بِالذّاتِ فَيَكُونُ إنْشاؤُهم شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ تَبْدِيلِ أمْثالِهِمْ، أيْ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَتَبْدِيلُ أمْثالِهِمْ خَلْقُ أجْسادٍ أُخْرى تُودَعُ فِيها الأرْواحُ، وأمّا إنْشاؤُهم فَهو نَفْخُ الأرْواحِ في الأجْسادِ المَيِّتَةِ الكامِلَةِ وفي الأجْسادِ البالِيَةِ بَعْدَ إعادَتِها بِجَمْعِ مُتَفَرِّقِها أوْ بِإنْشاءِ أمْثالِها مِن ذَواتِها مِثْلِ: عَجْبِ الذَّنَبِ، وهَذا إبْطالٌ لِاسْتِبْعادِهِمُ البَعْثَ بَعْدَ اسْتِقْرارِ صُوَرِ شُبْهَتِهِمُ الباعِثَةِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ مُغايِرٍ بِالوَصْفِ بِأنْ يُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ التَّبْدِيلِ إشارَةٌ عَلى وجْهِ الإبْهامِ.

وعَطَفَ بِالواوِ دُونَ الفاءِ لِأنَّهُ بِمُفْرَدِهِ تَصْوِيرٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِحِكْمَتِهِ بَعْدَما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ مِن إثْباتِ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى البَعْثِ.

و(ما) مِن قَوْلِهِ فِيما لا تَعْلَمُونَ صادِقَةٌ عَلى الكَيْفِيَّةِ، أوِ الهَيْئَةِ الَّتِي يَتَكَيَّفُ بِها الإنْشاءُ، أيْ في كَيْفِيَّةٍ لا تَعْلَمُونَها إذْ لَمْ تُحِيطُوا عِلْمًا بِخَفايا الخِلْقَةِ. وهَذا الإجْمالُ جامِعٌ لِجَمِيعِ الصُّوَرِ الَّتِي يَفْرِضُها الإمْكانُ في بَعْثِ الأجْسادِ لِإيداعِ الأرْواحِ.

والظَّرْفِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِن (في) ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ مَعْناها قُوَّةُ المُلابَسَةِ الشَّبِيهَةِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ كَقَوْلِهِ ﴿فَعَدَلَكَ في أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] .

ومَعْنى لا تَعْلَمُونَ: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ تَفاصِيلَ تِلْكَ الأحْوالِ.

56:62Page 536

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢

And you have already known the first creation, so will you not remember?

﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَّكَّرُونَ﴾ .

أعْقَبَ دَلِيلَ إمْكانِ البَعْثِ المُسْتَنِدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى صَلاحِيَّةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ لِذَلِكَ ولِسَدِّ مَنافِذِ الشُّبْهَةِ بِدَلِيلٍ مِن قِياسِ التَّمْثِيلِ، وهو تَشْبِيهُ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ بِالنَّشْأةِ الأُولى المَعْلُومَةِ عِنْدَهم بِالضَّرُورَةِ، فَنَبَّهُوا لِيَقِيسُوا عَلَيْها النَّشْأةَ الثّانِيَةَ في أنَّها إنْشاءٌ مِن أثَرِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، وفي أنَّهم لا يُحِيطُونَ عِلْمًا بِدَقائِقِ حُصُولِها.

صفحة ٣١٩

فالعِلْمُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ فِيما لا تَعْلَمُونَ وهو العِلْمُ التَّفْصِيلِيُّ، والعِلْمُ المُثْبَتُ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ وهو العِلْمُ الإجْمالِيُّ، والإجْمالِيُّ كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى التَّفْصِيلِيِّ إذْ لا أثَرَ لِلتَّفْصِيلِ في الاِعْتِقادِ.

وفِي المُقابَلَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ فِيما لا تَعْلَمُونَ بِقَوْلِهِ ولَقَدْ عَلِمْتُمُ مُحَسِّنُ الطِّباقَ.

ولَمّا كانَ عِلْمُهم بِالنَّشْأةِ الأُولى كافِيًا لَهم في إبْطالِ إحالَتِهِمُ النَّشْأةَ الثّانِيَةَ رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْبِيخِ ما لَمْ يُرَتِّبْ مِثْلَهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم فِيما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠] فَقالَ ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ هَلّا تَذَكَّرْتُمْ بِذَلِكَ فَأمْسَكْتُمْ عَنِ الجَحْدِ، وهَذا تَجْهِيلٌ لَهم في تَرْكِهِمْ قِياسَ الأشْباهِ عَلى أشْباهِها، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ آنِفًا ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧] .

وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَذَكَّرُونَ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ بابَ التَّذَكُّرِ مَفْتُوحٌ فَإنْ فاتَهُمُ التَّذَكُّرُ فِيما مَضى فَلْيَتَدارَكُوهُ الآنَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (النَّشْأةَ) بِسُكُونِ الشِّينِ تَلِيها هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ مَصْدَرَ نَشَأ عَلى وزْنِ المَرَّةِ وهي مَرَّةُ الجِنْسِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِفَتْحِ الشِّينِ بَعْدَها ألِفٌ تَلِيها هَمْزَةٌ، وهو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ الفَعالَةِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

56:63–64Page 536

أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ ٦٣

And have you seen that [seed] which you sow?

ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤

Is it you who makes it grow, or are We the grower?

﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ .

انْتِقالٌ إلى دَلِيلٍ آخَرَ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وصَلاحِيَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِضَرْبٍ آخَرَ مِن ضُرُوبِ الإنْشاءِ بَعْدَ العَدَمِ.

فالفاءُ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى جُمْلَةِ ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧] كَما فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]، لِيَكُونَ الغَرَضُ مِن هَذِهِ الجُمَلِ مُتَّحِدًا وهو الاِسْتِدْلالُ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، فَقَصَدَ تَكْرِيرَ الاِسْتِدْلالِ وتَعْدادَهُ بِإعادَةِ جُمْلَةِ

صفحة ٣٢٠

أفَرَأيْتُمْ وإنْ كانَ مَفْعُولُ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ مُخْتَلِفًا وسَيَجِيءُ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] وقَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] .

وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الفاءَ لِتَفْرِيعِ مُجَرَّدِ اسْتِدْلالٍ لا لِتَفْرِيعِ مَعْنى مَعْطُوفِها عَلى مَعْنى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ لَمّا آلَ الاِسْتِدْلالُ السّابِقُ إلى عُمُومِ صَلاحِيَّةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ جازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُرادًا بِها تَمْثِيلٌ بِنَوْعٍ عَجِيبٍ مِن أنْواعِ تَعَلُّقاتِ القُدْرَةِ بِالإيجادِ دُونَ إرادَةِ الاِسْتِدْلالِ عَلى خُصُوصِ البَعْثِ فَيَصِحُّ جَعْلُ الفاءِ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] مِن حَيْثُ إنَّها اقْتَضَتْ سِعَةَ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ.

ومُناسِبَةُ الاِنْتِقالِ مِنَ الاِسْتِدْلالِ بِخَلْقِ النَّسْلِ إلى الاِسْتِدْلالِ بِنَباتِ الزَّرْعِ هي التَّشابُهُ البَيِّنُ بَيْنَ تَكْوِينِ الإنْسانِ وتَكْوِينِ النَّباتِ، قالَ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] .

والقَوْلُ في ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] .

و﴿ما تَحْرُثُونَ﴾ مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ.

والحَرْثُ: شَقُّ الأرْضِ لِيُزْرَعَ فِيها أوْ يُغْرَسَ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿ما تَحْرُثُونَ﴾ أنَّهُ الأرْضُ إلّا أنَّ هَذا لا يُلائِمُ ضَمِيرَ تَزْرَعُونَهُ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ ﴿ما تَحْرُثُونَ﴾ بِأنْ يُقَدَّرَ: ما تَحْرُثُونَ لَهُ، أيْ لِأجْلِهِ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، والَّذِي يَحْرُثُونَ لِأجْلِهِ هو النَّباتُ، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا ضَمِيرُ النَّصْبِ في ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ لِأنَّهُ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَّفْيِ والَّذِي يُنْفى هو ما يَنْبُتُ مِنَ الحَبِّ لا بَذْرُهُ.

فَإنَّ فِعْلَ (زَرَعَ) يُطْلَقُ بِمَعْنى: أنْبَتَ، قالَ الرّاغِبُ: الزَّرْعُ: الإنْباتُ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الزَّرْعَ ونَسَبَهُ إلى نَفْسِهِ اهـ. واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، ويُطْلَقُ فِعْلُ زَرَعَ بِمَعْنى: بَذَرَ الحَبَّ في الأرْضِ لِقَوْلِ صاحِبِ لِسانِ العَرَبِ: زَرَعَ الحَبَّ بَذَرَهُ، أيْ ومِنهُ سُمِّيَ الحَبُّ الَّذِي يُبْذَرُ في الأرْضِ زَرِيعَةً لَكِنْ لا يَنْبَغِي حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الإطْلاقِ. فالمَعْنى: أفَرَأيْتُمْ

صفحة ٣٢١

الَّذِي تَحْرُثُونَ الأرْضَ لِأجْلِهِ، وهو النَّباتُ ما أنْتُمْ تُنْبِتُونَهُ بَلْ نَحْنُ نُنْبِتُهُ.

وجُمْلَةُ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ والِاسْتِفْهامُ في ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ إنْكارِيٌّ كالَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] .

والقَوْلُ في مَوْقِعِ أمْ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ كالقَوْلِ في مَوْقِعِ نَظِيرَتِها مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] أيْ أنَّ أمْ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ.

وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ [الواقعة: ٥٩] .

وكَذَلِكَ القَوْلُ في نَفْيِ الزَّرْعِ عَنْهم وإثْباتِهِ لِلَّهِ تَعالى يُفِيدُ مَعْنى قَصْرِ الزَّرْعِ، أيِ: الإنْباتِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: دُونَهم، وهو قَصْرُ مُبالَغَةٍ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِزَرْعِ النّاسِ.

ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ إيماءٌ لِتَمْثِيلِ خَلْقِ الأجْسامِ خَلْقًا ثانِيًا مَعَ الِانْتِسابِ بَيْنَ الأجْسامِ البالِيَةِ والأجْسامِ المُجَدَّدَةِ مِنها بِنَباتِ الزَّرْعِ مِنَ الحَبَّةِ الَّتِي هي مُنْتَسِبَةٌ إلى سُنْبُلَةِ زَرْعٍ أُخِذَتْ هي مِنها فَتَأْتِي هي بِسُنْبُلَةٍ مِثْلِها.

56:65–67Page 536

لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥

If We willed, We could make it [dry] debris, and you would remain in wonder,1

إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ ٦٦

[Saying], "Indeed, we are [now] in debt;

بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٦٧

Rather, we have been deprived."

﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾، مَوْقِعُها كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] في أنَّها اسْتِدْلالٌ بِإفْنائِهِ ما أوْجَدَهُ عَلى انْفِرادِهِ بِالتَّصَرُّفِ إيجادًا وإعْدامًا، تَكْمِلَةً لِدَلِيلِ إمْكانِ البَعْثِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ لَجَعَلْناهُ مُفِيدَةٌ لِلتَّأكِيدِ. ويَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوْ بِهَذِهِ اللّامِ إذا كانَ ماضِيًا مُثْبَتًا كَما يَكْثُرُ تَجَرُّدُهُ عَنْها كَما سَيَجِيءُ في الآيَةِ المُوالِيَةِ لِهَذِهِ.

والحُطامُ: الشَّيْءُ الَّذِي حَطَّمَهُ حاطِمٌ، أيْ كَسَّرَهُ ودَقَّهُ فَهو بِمَعْنى المَحْطُومِ،

صفحة ٣٢٢

كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ زِنَةُ فُعالٍ مِثْلُ الفُتاتِ، والجُذادِ والدُّقاقِ، وكَذَلِكَ المُقْتَرِنُ مِنهُ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كالقُصاصَةِ والقُلامَةِ والكُناسَةِ والقُمامَةِ.

والمَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا ما يَنْبُتُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الأرْضِ حُطامًا بِأنْ نُسَلِّطَ عَلَيْهِ ما يُحَطِّمُهُ مِن بَرَدٍ أوْ رِيحٍ أوْ حَشَراتٍ قَبْلَ أنْ تَنْتَفِعُوا بِهِ، فالمُرادُ جَعْلُهُ حُطامًا قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِهِ. وأمّا أنْ يُؤَوَّلَ إلى الكَوْنِ حُطامًا فَذَلِكَ مَعْلُومٌ فَلا يَكُونُ مَشْرُوطًا بِحَرْفِ لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى جَعْلِهِ حُطامًا أنْ تَصِيرُوا تَقُولُونَ: إنّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، فَفِعْلُ ظَلْتُمْ هُنا بِمَعْنى: صِرْتُمْ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ.

وأعْضَلَ وقْعُ فِعْلِ تَفَكَّهُونَ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: تَفَكَّهُونَ تَعْجَبُونَ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: تَتَلاوَمُونَ، وعَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ: تَنْدَمُونَ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: تَحْزَنُونَ، وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَلَهُّفٌ عَلى ما فاتَ وهو - أيْ فِعْلُ تَفَكَّهُونَ - مِنَ الأضْدادِ تَقُولُ العَرَبُ: تَفَكَّهْتُ، أيْ تَنَعَّمْتُ، وتَفَكَّهْتُ، أيْ حَزِنْتُ اهـ.

ذَلِكَ أنَّ فِعْلَ تَفَكَّهُونَ مِن مادَّةِ فَكِهَ والمَشْهُورُ أنَّ هَذِهِ المادَّةَ تَدُلُّ عَلى المَسَرَّةِ والفَرَحِ ولَكِنَّ السِّياقَ سِياقُ ضِدِّ المَسَرَّةِ، وبَيانُهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، فالفُكاهَةُ: المَسَرَّةُ والِانْبِساطُ، وادَّعى الكِسائِيُّ أنَّها مِن أسْماءِ الأضْدادِ واعْتَمَدَهُ في القامُوسِ إذْ قالَ: وتَفَكَّهَ، أكَلَ الفاكِهَةَ وتَجَنَّبَ عَنِ الفاكِهَةِ ضِدُّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ أيْ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ في تَفْسِيرِ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ لا يَخُصُّ اللَّفْظَةَ - أيْ هو تَفْسِيرٌ بِحاصِلِ المَعْنى دُونَ مَعانِي الألْفاظِ والَّذِي يَخُصُّ اللَّفْظَةَ هو تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ كَذا ولَعَلَّ صَوابَهُ الفُكاهَةُ عَنْ أنْفُسِكم وهي المَسَرَّةُ والجَذَلُ، ورَجُلٌ فَكِهٌ، إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَّفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِشَيْءٍ اهـ. يَعْنِي أنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ فِيهِ مُطاوَعَةُ فَعَّلَ الَّذِي تَضْعِيفُهُ لِلْإزالَةِ مِثْلَ قَشَّرَ العُودَ وقَرَّدَ البَعِيرَ، وأثْبَتَ صاحِبُ القامُوسِ هَذا القَوْلَ ونَسَبَهُ إلى ابْنِ عَطِيَّةَ.

صفحة ٣٢٣

وجَعَلُوا جُمْلَةَ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ تَنَدُّمًا وتَحَسُّرًا، أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ حَطْمَ زَرْعِكم حِرْمانًا مِنَ اللَّهِ جَزاءً لِكُفْرِكم، ومَعْنى مُغْرَمُونَ مِنَ الغَرامِ وهو الهَلاكُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] . وهَذا شَبِيهٌ بِما في سُورَةِ القَلَمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] إلى قَوْلِهِ ﴿إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] .

فَتَحَصَّلَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى ظاهِرِ مادَّةِ فَعَّلَ تَفَكَّهُونَ ويَكُونُ ذَلِكَ تَهَكُّمًا بِهِمْ حَمْلًا لَهم عَلى مُعْتادِ أخْلاقِهِمْ مِنَ الهَزْلِ بِآياتِ اللَّهِ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ عَنْهم ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمَلُ الآيَةِ عَلى جَعْلِ تَفَكَّهُونَ بِمَعْنى تَنْدَمُونَ وتَحْزَنُونَ، ولِذَلِكَ كانَ لِفِعْلِ تَفَكَّهُونَ هُنا وقْعٌ يُعَوِّضُهُ غَيْرُهُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ تَفَكَّهُونَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي هَمْزَةُ إنَّ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (أئِنّا) بِهَمْزَتَيْنِ هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ وهَمْزَةُ (إنَّ) .

56:68–69Page 536

أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨

And have you seen the water that you drink?

ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩

Is it you who brought it down from the clouds, or is it We who bring it down?

﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ .

هَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] الآيَةَ، تَفْرِيعًا واسْتِفْهامًا وفِعْلَ رُؤْيَةٍ.

ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ أنَّ الحَرْثَ إنَّما يَنْبُتُ زَرْعُهُ وشَجَرُهُ بالماءِ فانْتَقَلَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ لِتَكْوِينِ النَّباتِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِتَكْوِينِ الماءِ الَّذِي بِهِ حَياةُ الزَّرْعِ والشَّجَرِ. ووَصْفُ الماءِ بِـ ﴿الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ إدْماجٌ لِلْمِنَّةِ في الِاسْتِدْلالِ، أيِ: الماءُ العَذْبُ الَّذِي تَشْرَبُونَهُ، فَإنَّ شُرْبَ الماءِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ لِيُقابَلَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] .

والمُرادُ ماءُ المَطَرِ ولِذَلِكَ قالَ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾، والمُرادُ: أنْزَلْتُمُوهُ

صفحة ٣٢٤

عَلى بِلادِكم وحُرُوثِكم. وماءُ المَطَرِ هو مُعْظَمُ شَرابِ العَرَبِ المُخاطَبِينَ حِينَئِذٍ ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْعَرَبِ: بَنُو ماءِ السَّماءِ.

والمُزْنُ: جَمْعُ اسْمِ مُزْنَةٍ وهي السَّحابَةُ.

ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ إنْشاءُ ما بِهِ الحَياةُ بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا بِأنْ كَوَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في السَّحابِ بِحِكْمَةِ تَكْوِينِ الماءِ. فَكَما اسْتَدَلَّ بِإيجادِ الحَيِّ مِن أجْزاءَ مَيِّتَةٍ في خَلْقِ الإنْسانِ والنَّباتِ اسْتُدِلَّ بِإيجادِ ما بِهِ الحَياةُ عَنْ عَدَمٍ تَقْرِيبًا لِإعادِةِ الأجْسامِ بِحِكْمَةٍ دَقِيقَةٍ خَفِيَّةٍ، أيْ يَجُوزُ أنْ يُمْطِرَ اللَّهُ مَطَرًا عَلى ذَواتِ الأجْسادِ الإنْسانِيَّةِ يَكُونُ سَبَبًا في تَخَلُّقِها أجْسادًا كامِلَةً كَما كانَتْ أُصُولُها، كَما تَتَكَوَّنُ الشَّجَرَةُ مِن نَواةِ أصْلِها، وقَدْ تَمَّ الِاسْتِدْلالُ عَلى البَعْثِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ .

وقَوْلُهُ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ جُعِلَ اسْتِدْلالًا مَنُوطًا بِإنْزالِ الماءِ مِنَ المُزْنِ عَلى طَرِيقَةِ الكِتابَةِ بِإنْزالِهِ، عَنْ تَكْوِينِهِ صالِحًا لِلشُّرْبِ، لِأنَّ إنْزالَهُ هو الَّذِي يَحْصُلُ مِنهُ الِانْتِفاعُ بِهِ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ . وأعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] فَحَصَلَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ احْتِباكٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أأنْتُمْ خَلَقْتُمُوهُ عَذْبًا صالِحًا لِلشُّرْبِ وأنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا ولَأمْسَكْناهُ في سَحابَتِهِ أوْ أنْزَلْناهُ عَلى البِحارِ أوِ الخَلاءِ فَلَمْ تَنْتَفِعُوا بِهِ.

56:70Page 536

لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠

If We willed, We could make it bitter, so why are you not grateful?

﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ مَوْقِعُها كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] والمَعْنى: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ غَيْرَ نافِعٍ لَكم. فَهَذا اسْتِدْلالٌ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى نَقْضِ ما في الماءِ مِنَ الصَّلاحِيَّةِ لِلنَّفْعِ بَعْدَ وُجُودِ صُورَةِ المائِيَّةِ فِيهِ. فَوِزانُ هَذا وِزانُ قَوْلِهِ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] وقَوْلِهِ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] .

وتَخَلَّصَ مِن هَذا التَّتْمِيمِ إلى الِامْتِنانِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ تَحْضِيضًا لَهم عَلى الشُّكْرِ ونَبْذِ الكُفْرِ والشِّرْكِ.

وحُذِفَتُ اللّامُ الَّتِي شَأْنُها أنْ تَدْخُلَ عَلى جَوابِ لَوِ الماضِي المُثْبَتِ لِأنَّها لامٌ زائِدَةٌ لا تُفِيدُ إلّا التَّوْكِيدَ فَكانَ حَذْفُها إيجازًا لِلْكَلامِ.

صفحة ٣٢٥

وذَكَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الحَجَرِيُّ التُّونِسِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلى شَرْحِ الأشْمُونِيِّ لِلْألْفِيَّةِ المُسَمّاةِ ”زَواهِرُ الكَواكِبِ“ عَنْ كِتابِ: ”البُرْهانُ في إعْجازِ القُرْآنِ“ هَذا الِاسْمُ سُمِّيَ بِهِ كِتابانِ أحَدُهُما لِكَمالِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ المَعْرُوفِ بِابْنِ الزَّمْلَكانِيِّ والثّانِي لِابْنِ أبِي الأُصْبُعِ أنَّهُ قالَ: فَإنْ قِيلَ لِمَ أُكِّدَ الفِعْلُ بِاللّامِ في الزَّرْعِ ولَمْ يُؤَكَّدْ في الماءِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الزَّرْعَ ونَباتَهُ وجَفافَهُ بَعْدَ النَّضارَةِ حَتّى يَعُودَ حُطامًا مِمّا يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِن فِعْلِ الزّارِعِ أوْ أنَّهُ مِن سَقْيِ الماءِ، وجَفافُهُ مِن عَدَمِ السَّقْيِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ وأنَّهُ قادِرٌ عَلى جَعْلِهِ حُطامًا في حالِ نُمُوِّهِ لَوْ شاءَ، وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ مِمّا لا يُتَوَهَّمُ أنَّ لِأحَدٍ قُدْرَةً عَلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى اهـ.

وحَذْفُ هَذِهِ اللّامِ قَلِيلٌ إلّا إذا وقَعَتْ لَوْ وشَرْطُها صِلَةَ المَوْصُولِ فَيَكْثُرُ حَذْفُ هَذِهِ اللّامِ لِلطُّولِ وهو الَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ وتَبِعَهُ الرَّضِيُّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩] وإنْ قالَ المُرادِيُّ، والدَّمامِينِيُّ في شَرْحَيْهِما: إنَّ هَذا لا يُعْرَفُ لِغَيْرِ المُصَنِّفِ، قالَ الرَّضِيُّ: وكَذَلِكَ إذا طالَ الشَّرْطُ بِذِيُولِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٦]، أيْ وأمّا في غَيْرِ ذَلِكَ فَحَذْفُ اللّامِ قَلِيلٌ ولَكِنَّهُ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنها هَذِهِ الآيَةُ. ولِلْفَخْرِ كَلامٌ في ضابِطِ حَذْفِ هَذِهِ اللّامِ، لَيْسَ لَهُ تَمامٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском