Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hadid 57:16–19
57:16Page 539
۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦
Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.
﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ .
قَدْ عُلِمَ مِن صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سَنَةَ أرْبَعٍ أوْ خَمْسٍ
صفحة ٣٩٠
مِنَ البَعْثَةِ رَواهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عاتَبْنا اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] إلّا أرْبَعُ سِنِينَ.
والمَقْصُودُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا: إمّا بَعْضٌ مِنهم رُبَّما كانُوا مُقَصِّرِينَ عَنْ جُمْهُورِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَأرادَ اللَّهُ إيقاظَ قُلُوبِهِمْ بِهَذا الكَلامِ المُجْمَلِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ وأقْوالِ الرَّسُولِ ﷺ في التَّعْرِيضِ مِثْلَ قَوْلِهِ «ما بالُ أقْوامٍ يَفْعَلُونَ كَذا» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . ولَيْسَ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مُقْتَضِيًا أنَّ مِثْلَهُ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَكِنَّهُ يَخْشى مِنهم حَذَرًا وحَيْطَةً.
فالمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُؤْمِنُونَ حَقًّا مَن يُظْهِرُونَ الإيمانَ مِنَ المُنافِقِينَ إذْ لَمْ يَكُنْ في المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ مُنافِقُونَ ولا كانَ داعٍ إلى نِفاقِ بَعْضِهِمْ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمّا نَزَلَتْ جَعَلَ بَعْضُنا يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَقُولُ: ما أحْدَثْنا.
وإمّا أنْ يَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُراقَبَةِ ذَلِكَ والحَذَرِ مِنَ التَّقْصِيرِ.
والهَمْزَةُ في ”ألَمْ يَأْنِ“ لِلِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ: إنْكارُ نَفْيِ اقْتِرابِ وقْتِ فاعِلِ الفِعْلِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ عَلى النَّفْيِ، وفِعْلُ ”يَأْنِ“ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو الإنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها، أيِ: الوَقْتُ قالَ تَعالى ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . وقَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ ”ألَمْ يَأْنِ“ قَوْلُهم: أما آنَ لَكَ أنْ تَفْعَلَ، مِثْلَ ما ورَدَ في حَدِيثِ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَهُ: «أما آنَ لَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ أنْ تُسْلِمَ» . وفي خَبَرِ إسْلامِ أبِي ذَرٍّ مِن أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وجَدَهُ في المَسْجِدِ الحَرامِ وأرادَ أنْ يُضِيفَهُ وقالَ لَهُ أما آنَ لِلرَّجُلِ أنْ يَعْرِفَ مَنزِلَهُ يُرِيدُ: أنْ يَعْرِفَ مَنزِلِي الَّذِي هو كَمَنزِلِهِ. وهَذا تَلَطَّفٌ في عَرْضِ الِاسْتِضافَةِ، إلّا أنَّ فِعْلَ ”يَأْنِ“ مُشْتَقٌّ مِنَ الإنى وهو فِعْلٌ مَنقُوصٌ آخِرَهُ ألِفٌ. وفِعْلُ: آنَ مُشْتَقٌّ مِنَ الأيْنِ وهو الحِينُ وهو فِعْلٌ أجْوَفُ آخِرَهُ نُونٌ.
صفحة ٣٩١
فَأصْلُ: أنى أنِيَ، وأصْلُ آنَ: آوِنَ وآلَ مَعْنى الكَلِمَتَيْنِ واحِدٌ.
واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: ألَمْ يَأْنِ لِأجَلِ الَّذِينَ آمَنُوا الخُشُوعُ، أيْ: ألَمْ يَحِقَّ حُضُورُهُ لِأجْلِهِمْ.
و”أنْ تَخْشَعَ“ فاعِلُ ”يَأْنِ“، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ والتَّذَلُّلُ.
و”ذِكْرِ اللَّهِ“ ما يُذَكِّرُهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ أوْ هو الصَّلاةُ. ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ القُرْآنُ، قالَ تَعالى ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَصْفانِ لِلْقُرْآنِ تَشْرِيفًا لَهُ بِأنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ وتَعْرِيفًا لِنَفْعِهِ بِأنَّهُ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ الحَقُّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ عَطْفُ وصْفٍ آخَرَ لِلْقُرْآنِ مِثْلِ قَوْلِ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ:
إلى المَلِكِ القِرْمِ وابْنِ الهَمّامِ
. . . . . . . . . . البَيْتَ
واللّامُ في ”لِذِكْرِ اللَّهِ“ لامُ العِلَّةِ، أيْ: لِأجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ.
ومَعْنى الخُشُوعِ لِأجْلِهِ: الخُشُوعُ المُسَبَّبُ عَلى سَماعِهِ وهو الطّاعَةُ والامْتِثالُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”وما نَزَلْ“ بِتَخْفِيفِ الزّايِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الزّايِ عَلى أنَّ فاعِلَ ”نَزَّلَ“ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، أيِ: اللَّهُ.
و”لا يَكُونُوا“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِياءِ الغائِبِ، وقَرَأهُ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ (ولا تَكُونُوا) بِتاءِ الخِطابِ.
و(لا) نافِيَةٌ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ والفِعْلُ مَعْمُولٌ لِ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ يَأْنِ لَهم أنْ لا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ. وعَلى قِراءَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ فَتاءُ الخِطابِ الِالتِفاتُ و(لا) نافِيَةٌ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ (لا) ناهِيَةٌ والفِعْلُ مَجْزُومٌ والعَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ.
والمَقْصُودُ التَّحْذِيرُ إلّا أنَّهم تَلَبَّسُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَأْنِ لَهُمُ الإقْلاعُ عَنْهُ. والتَّحْذِيرُ
صفحة ٣٩٢
مُنْصَبٌّ إلى ما حَدَثَ لِأهْلِ الكِتابِ مِن قَسْوَةِ القُلُوبِ بَعْدَ طُولِ الأمَدِ عَلَيْهِمْ في مُزاوَلَةِ دِينِهِمْ، أيْ: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم عَلى حَدَثانِ عَهْدِهِمْ بِالدِّينِ. ولَيْسَ المَقْصُودُ عُذْرَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابِ بِطُولِ الأمَدِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ طُولَ الأمَدِ لا يَكُونُ سَبَبًا في التَّفْرِيطِ فِيما أطالَ فِيهِ الأمَدُ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ ولا قَصْدُ تَهْوِينِ حُصُولِهِ لِلَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ أنْ يَطُولَ الأمَدُ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الغَرَضُ قَبْلَ طُولِ الأمَدِ، وإنَّما المَقْصُودُ النَّهْيُ عَنِ التَّشْبِيهِ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ في عَدَمِ خُشُوعِ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّهُ يُفِيدُ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ يَطُولَ الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ. ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ الأنْباءَ بِأنَّ مُدَّةَ المُسْلِمِينَ تَطُولُ قَرِيبًا أوْ أكْثَرَ مِن مُدَّةِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ البَعْثَةِ، فَإنَّ القُرْآنَ مَوْعِظَةٌ لِلْعُصُورِ والأجْيالِ.
ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ (لا) حَرْفَ نَهْيٍ، وتَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالغائِبِ التِفاتًا أوِ المُرادُ: أبْلِغْهم أنْ لا يَكُونُوا.
وفاءُ ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ لِتَفْرِيعُ طُولِ الأمَدِ عَلى قَسْوَةِ القُلُوبِ مِن عَدَمِ الخُشُوعِ، فَهَذا التَّفْرِيعُ خارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾، ولَكِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى عاقِبَةِ ذَلِكَ التَّشْبِيهِ تَحْذِيرًا مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ.
والأمَدُ: الغايَةُ مِن مَكانٍ أوْ زَمانٍ والمُرادُ بِهِ هُنا: المُدَّةُ الَّتِي أوْصَوْا بِأنْ يُحافِظُوا عَلى اتِّباعِ شَرائِعِهِمْ فِيها المُغَيّاةُ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ المُبَشَّرِ في الشَّرائِعِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] .
والمَعْنى: أنَّهم نَسُوا ما أُوصُوا بِهِ فَخالَفُوا أحْكامَ شَرائِعِهِمْ ولَمْ يَخافُوا عِقابَ اللَّهِ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا، وصارَ دَيْدَنًا لَهم رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتّى ضَرِئُوا بِذَلِكَ، فَقَسَتْ قُلُوبُهم، أيْ: تَمَرَّدَتْ عَلى الِاجْتِراءِ عَلى تَغْيِيرِ أحْكامِ الدِّينِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ.
والمَعْنى: أنَّ كَثِيرًا مِنهم تَجاوَزُوا ذَلِكَ الحَدَّ مِن قَسْوَةِ القُلُوبِ فَنَبَذُوا دِينَهم
صفحة ٣٩٣
وبَدَّلُوا كِتابَهم وحَرَّفُوهُ وأفْسَدُوا عَقائِدَهم فَبَلَغُوا حَدَّ الكُفْرِ. فالفِسْقُ هَنا مُرادٌ بِهِ الكُفْرُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]، أيْ: غَيْرُ مُؤْمِنَيْنِ بِدَلِيلِ المُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] إلى آخِرِهِ.
وبَيْنَ قَوْلِهِ ”فَقَسَتْ“ وقَوْلِهِ ”فاسِقُونَ“ مُحَسِّنُ الجِناسِ. وهَذا النَّوْعُ فِيهِ مُرَكَّبٌ مِمّا يُسَمّى جِناسُ القَلْبِ وما يُسَمّى الجِناسُ النّاقِصُ وقَدِ اجْتَمَعا في هَذِهِ الآيَةِ.
57:17Page 539
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
افْتِتاحُ الكَلامِ بِـ ”اعْلَمُوا“ ونَحْوِهِ يُؤْذِنُ بِأنَّ ما سَيُلْقى جَدِيرٌ بِتَوَجُّهِ الذِّهْنِ بِشَراشِرِهِ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، الآيَةَ في سُورَةِ الأنْفالِ.
وهُوَ هُنا يُشِيرُ إلى أنَّ الكَلامَ الَّذِي بُعْدُهُ مَغْزًى عَظِيمٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ تَمْثِيلُ حالِ احْتِياجِ القُلُوبِ المُؤْمِنَةِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ بِحالِ الأرْضِ المَيِّتَةِ في الحاجَةِ إلى المَطَرِ، وحالِ الذِّكْرِ في تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ واسْتِنارَتِها بِحالِ الغَيْثِ في إحْياءِ الأرْضِ الجَدْبَةِ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، وإلّا فَإنَّ إحْياءَ اللَّهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بِما يُصِيبُها مِنَ المَطَرِ لا خَفاءَ فِيها فَلا يَقْتَضِي أنْ يَفْتَتِحَ الإخْبارَ عَنْهُ بِمِثْلِ ”اعْلَمُوا“ إلّا لِأنَّ فِيهِ دَلالَةً غَيْرَ مَأْلُوفَةٍ وهي دَلالَةُ التَّمْثِيلِ، ونَظِيرُهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ وقَدْ رَآهُ لَطَمَ وجْهَ عَبْدٍ لَهُ: اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلى هَذا» .
فالجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] إلى قَوْلِهِ ”فَقَسَتْ قُلُوبُهم“، لِما تَتَضَمَّنُهُ تِلْكَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الخُشُوعِ
صفحة ٣٩٤
لِذِكْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ هَذِهِ بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مِمّا نَزَلَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، الآيَةَ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ اعْلَمُوا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إقْبالًا عَلَيْهِمْ لِلِاهْتِمامِ.
وقَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾، اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُصَرَّحَةٌ ويَتَضَمَّنُ تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً بِسَبَبِ تَضَمُّنِهِ تَشْبِيهَ حالِ ذِكْرِ اللَّهِ والقُرْآنِ في إصْلاحِ القُلُوبِ بِحالِ المَطَرِ في إصْلاحِهِ الأرْضَ بَعْدَ جَدْبِها. وطُوِيَ ذِكْرُ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها ورُمِزَ إلَيْها بِلازِمِها وهو إسْنادُ إحْياءِ الأرْضِ إلى اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بِسَبَبِ المَطَرِ كَما قالَ تَعالى ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها.
والمَقْصُودُ الإرْشادُ إلى وسِيلَةِ الإنابَةِ إلى اللَّهِ والحَثِّ عَلى تَعَهُّدِ النَّفْسِ بِالمَوْعِظَةِ، والتَّذْكِيرُ بِالإقْبالِ عَلى القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ وتَعْلِيمِهِ وأنَّ في اللَّجَأِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ نَجاةً وفي المَفْزَعِ إلَيْهِما عِصْمَةً وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «تَرَكْتُ فِيكم ما إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّتِي»، وقالَ «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ، وكانَتْ مِنها أجادِبَ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ لِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .
وقَوْلُهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ لِأنَّ السّامِعَ قَوْلَهُ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يَتَطَلَّبُ مَعْرِفَةَ الغَرَضِ مِن هَذا الإعْلامِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾، جَوابًا عَنْ تَطَلُّبِهِ، أيْ: أعْلَمْناكم بِهَذا تَبْيِينًا لِلْآياتِ.
ويُفِيدُ بِعُمُومِهِ مُفادَ التَّذْيِيلِ لِلْآياتِ السّابِقَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ مَكِيِّها ومَدَنِيِّها لِأنَّ
صفحة ٣٩٥
الآيَةَ وإنْ كانَتْ مَدَنِيَّةً فَمَوْقِعُها بَعْدَ الآياتِ النّازِلَةِ بِمَكَّةَ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِوَضْعِها في مَوْضِعِها هَذا، ولِأنَّ التَّعْرِيفَ في الآياتِ لِلِاسْتِغْراقِ كَما هو شَأْنُ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ.
والآياتُ: الدَّلائِلُ. والمُرادُ بِها: ما يَشْمَلُ مَضْمُونَ قَوْلِهِ ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ [الحديد: ١٦] إلى قَوْلِهِ ”بَعْدَ مَوْتِها“ وهو مَحَلُّ ضَرْبِ المَثَلِ لِأنَّ التَّنْظِيرَ بِحالِ أهْلِ الكِتابِ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ.
وبَيانُ الآياتِ يَحْصُلُ مِن فَصاحَةِ الكَلامِ وبَلاغَتِهِ ووَفْرَةِ مَعانِيهِ وتَوْضِيحِها، وكُلُّ ذَلِكَ حاصِلٌ في هَذِهِ الآياتِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. ومِن أوْضَحِ البَيانِ التَّنْظِيرُ بِأحْوالِ المُشابِهِينَ في حالَةِ التَّحْذِيرِ أوِ التَّحْضِيضِ.
و”لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ“: رَجاءٌ وتَعْلِيلٌ، أيْ: بَيَّنا لَكم لِأنَّكم حالُكم كَحالِ مَن يُرْجى فَهْمُهُ، والبَيانُ عِلَّةٌ لِفَهْمِهِ.
57:18Page 539
إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨
Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.
﴿إنَّ المُصَدِّقِينَ والمُصَدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ .
يُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المَدَنِيِّ وأنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةَ المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] وأنَّ آيَةَ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦] وما بَعْدَها مُعْتَرِضٌ وقَدْ تَخَلَّلَ المَكِّيُّ والمَدَنِيُّ كُلٌّ مَعَ الآخَرِ في هَذِهِ السُّورَةِ ألا تَرى أنَّ ألْفاظَ الآيَتَيْنِ مُتَماثِلَةٌ إذْ أُرِيدَ أنْ يُعادَ ما سَبَقَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ فَيُؤْتى بِهِ في صُورَةِ الصِّلَةِ الَّتِي عُرِفَ بِها المُمْتَثِلُونَ لِذَلِكَ التَّحْرِيضِ.
وعَطَفَ ”والمُصَدِّقاتِ“ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الحديد: ١٢]، ولِأنَّ الشُّحَّ يَكْثُرُ في النِّساءِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ أشْعارُ العَرَبِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”والمُصَدِّقِينَ“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى أنَّ أصْلَهُ المُتَصَدِّقِينَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ بَعْدَ قَلْبِها صادًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما تَطَلُّبًا لِخِفَّةِ الإدْغامِ، فَقَوْلُهُ
صفحة ٣٩٦
﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ مِن عَطْفِ المُرادِفِ في المَعْنى لِما في المَعْطُوفِ مِن تَشْبِيهِ فِعْلِهِمْ بِقَرْضٍ لِلَّهِ تَنْوِيهًا بِالصَّدَقاتِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الصّادِ عَلى أنَّهُ مِنَ التَّصْدِيقِ، أيِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرَّسُولَ ﷺ، أيْ: آمَنُوا وامْتَثَلُوا أمْرَهُ فَأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُضاعَفُ لَهم بِألِفٍ بَعْدَ الضّادِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ ”يُضَعَّفُ“ بِدُونِ ألِفٍ وبِتَشْدِيدِ العَيْنِ.
وعَطَفَ ”وأقْرَضُوا“ وهو جُمْلَةٌ عَلى ”المُصَدِّقِينَ“ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّ المُفْرَدَ في حُكْمِ الفِعْلِ حَيْثُ كانَتِ اللّامُ في مَعْنى المَوْصُولِ فَقُوَّةُ الكَلامِ: إنَّ الَّذِينَ اصَّدَّقُوا واللّائِي تَصَدَّقْنَ وأقْرَضُوا، عَلى التَّغْلِيبِ ولا فَصْلَ بِأجْنَبِيٍّ عَلى أنَّ الفَصْلَ لا يُمْنَعُ إذا لَمْ يُفْسِدِ المَعْنى.
ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ تَماثُلِ الصِّلَتَيْنِ فَلَمْ يَقُلْ: إنَّ المُصَدِّقِينَ والمُقْرِضِينَ، هو تَصْوِيرُ مَعْنى كَوْنِ التَّصَدُّقِ إقْراضًا لِلَّهِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ في قَوْلِهِ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ [الحديد: ١١] الآيَةَ.
57:19Page 540
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩
And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ .
لَمّا ذُكِرَ فَضْلُ المُتَصَدِّقِينَ وكانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا مالَ لَهُ لِيَتَصَدَّقَ مِنهُ أعْقَبَ ذِكْرَ المُتَصَدِّقِينَ بِبَيانِ فَضْلِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وهو شامِلٌ لِمَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَصَدَّقَ ومَن لا يَسْتَطِيعُ عَلى نَحْوِ التَّذْكِيرِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] .
وفِي الحَدِيثِ «إنَّ قَوْمًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَما نُصَلِّي ويَصُومُونَ كَما نَصُومُ ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوالِهِمْ ولا أمْوالَ لَنا، فَقالَ: أوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكم ما تَصَدَّقُونَ بِهِ، إنَّ لَكم في كُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وأمْرٍ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةً، ونَهْيٍ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةً» .
صفحة ٣٩٧
و”الَّذِينَ آمَنُوا“ يَعُمُّ كُلَّ مَن ثَبَتَ لَهُ مَضْمُونُ هَذِهِ الصِّلَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها.
وفِي جَمْعِ ”ورُسُلِهِ“، تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ قالُوا: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، فاليَهُودُ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِمُوسى، وكَفَرُوا بِعِيسى وبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، والنَّصارى آمَنُوا بِاللَّهِ وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والمُؤْمِنُونَ آمَنُوا بِرُسُلِ اللَّهِ كُلِّهِمْ، ولِذَلِكَ وُصِفُوا بِأنَّهُمُ الصِّدِّيقُونَ.
والصِّدِّيقُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ مُبالَغَةٌ في المُصَدِّقِ مِثْلَ المَسِّيكِ لِلشَّحِيحِ، أيْ: كَثِيرُ الإمْساكِ لِمالِهِ، والأكْثَرُ أنْ يُشْتَقَّ هَذا الوَزْنُ مِنَ الثُّلاثِيِّ مِثْلَ: الضِّلِّيلُ، وقَدْ يُشْتَقُّ مِنَ المَزِيدِ، وذَلِكَ. أنَّ الصِّيَغَ القَلِيلَةَ الِاسْتِعْمالِ يَتَوَسَّعُونَ فِيها كَما تُوُسِّعَ في السَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، والحَكِيمُ بِمَعْنى المُحَكِّمِ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وُصِفُوا بِأنَّهم صِدِّيقُونَ لِأنَّهم صَدَّقُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ الحَقِّ ولَمْ تَمْنَعْهم عَنْ ذَلِكَ عَصَبِيَّةٌ ولا عِنادٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ وصْفَهُ بِالصِّدِّيقِ ووُصِفَتْ مَرْيَمُ بِالصِّدِّيقَةِ في سُورَةِ العُقُودِ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ لِلْقَصْرِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: هُمُ الصِّدِّيقُونَ لا الَّذِينَ كَذَّبُوا بَعْضَ الرُّسُلِ وهَذا إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ أهْلُ الكِتابِ صِدِّيقِينَ لِأنَّ تَصْدِيقَهم رَسُولَهم لا جَدْوى لَهُ إذْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
واسْمُ الإشارَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ اسْتَحَقُّوا ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الصِّفاتِ الَّتِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ.
* * *
﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ”الصِّدِّيقُونَ“ عَطَفَ المُفْرَدَ عَلى المُفْرَدِ فَهو عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ، أيْ: وهُمُ الشُّهَداءُ. وحُكِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وجَماعَةٍ. فَقِيلَ: مَعْنى كَوْنِهِمْ شُهَداءَ: أنَّهم شُهَداءُ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ الجَزاءِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فالشَّهادَةُ تَكُونُ بِمَعْنى الخَبَرِ بِما يُثْبِتُ حَقًّا يُجازى عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
صفحة ٣٩٨
وقِيلَ مَعْناهُ: أنَّ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَشُهَداءِ الأُمَمِ، أيْ: كَقَتْلاهم في سَبِيلِ اللَّهِ ورُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيءِ ﷺ .
فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ وصْفِهِمْ بِتَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ فَإنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ ما هو نَوالُهم مِن هَذَيْنِ الفَضْلَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ”والشُّهَداءُ“ مُبْتَدَأً. وجُمْلَةُ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، ويَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ ”الصِّدِّيقُونَ“ وحُكِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ، والضَّحّاكِ فَيَكُونُ انْتِقالًا مِن وصْفِ مَزِيَّةِ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ إلى وصْفِ مَزِيَّةِ فَرِيقٍ مِنهُمُ اسْتَأْثَرُوا بِفَضِيلَةِ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠] فَإنَّهُ لَمّا نَوَّهَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ المَعْفِيِّينَ مِن قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ [الحديد: ٨] إلَخْ فَأوْفاهم حَقَّهم بِقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ أقْبَلَ عَلى وعْدِ الشُّهَداءِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ تَضَمَّنَ ذِكْرَهم قَوْلُهُ ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠] الآياتِ، فالشُّهَداءُ إذَنْ هُمُ المَقْتُولُونَ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
والمَعْنَيانِ مِنَ الشُّهَداءِ مُمْكِنٌ الجَمْعُ بَيْنَهُما فَتُحْمَلُ الآيَةُ عَلى إرادَتِهِما عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. وقَدْ قَرَّرْنا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أنَّهُ جَرى اسْتِعْمالُ القُرْآنِ عَلَيْهِ.
وضَمِيرُ ”أجْرُهم“ و”نُورُهم“ يَعُودانِ إلى الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ أوْ إلى الشُّهَداءِ فَقَطْ عَلى اخْتِلافِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ آنِفًا في العَطْفِ.
و”عِنْدَ رَبِّهِمْ“ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي في المَجْرُورِ المُخْبَرِ بِهِ عَنِ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: لَهم أجْرُهم مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ رَبِّهِمْ، والعِنْدِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في العِنايَةِ والحُظْوَةِ.
والظّاهِرُ في عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَذْكُورٍ في اللَّفْظِ بِمَعْناهُ المَذْكُورِ فَظاهِرُ مَعْنى ”أجْرُهم ونُورُهم“ أنَّهُ أجْرُ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، ومَعْنى إضافَةِ أجْرٍ ونُورٍ إلى ضَمِيرِهِمْ أنَّهُ أجْرٌ يُعَرَّفُ بِهِمْ ونُورٌ يُعَرَّفُ بِهِمْ.
صفحة ٣٩٩
وإذْ قَدْ كانَ مُقْتَضى الإضافَةِ أنْ تُفِيدَ تَعْرِيفَ المُضافِ بِنِسْبَتِهِ إلى المُضافِ إلَيْهِ وكانَ الأجْرُ والنُّورُ غَيْرَ مَعْلُومَيْنِ لِلسّامِعِ كانَ في الكَلامِ إبْهامٌ يُكَنّى بِهِ عَنْ أجْرٍ ونُورٍ عَظِيمَيْنِ فَهو كِنايَةٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِذَلِكَ الأجْرِ وذَلِكَ النُّورِ، أيْ: أجْرٌ ونُورٌ لا يُوصَفانِ إلّا أجْرَهم ونُورَهم، أيْ أجْرًا ونُورًا لائِقَيْنِ بِمَقامٍ، مَعَ ضَمِيمَةِ ما أفادَتْهُ العِنْدِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ عِنْدَ رَبِّهِمْ مِن مَعْنى الزُّلْفى والعِنايَةِ بِهِمُ المُفِيدُ عَظِيمَ الأجْرِ والنُّورِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرا ”أجْرُهم ونُورُهم“ عائِدَيْنِ إلى لَفْظَيِ ”الصِّدِّيقُونَ“ و”الشُّهَداءُ“ أوْ إلى لَفْظِ ”الشُّهَداءُ“ خاصَّةً عَلى ما تَقَدَّمَ لَكِنْ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرَ المَعْنى الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ آنِفًا بَلْ بِمَعْنى الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ مِمَّنْ كانُوا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، قالَهُ في الكَشّافِ.
ومَعْنى الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ حِينَئِذٍ مُغايِرٌ لِلْمَعْنى السّابِقِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدامِ في الضَّمِيرِ، وطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ في حَمْلِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ بِتَقْدِيرِ: لَهم مِثْلُ أجْرِهِمْ ونُورِهِمْ، ولا تَأْوِيلَ في إضافَةِ الأجْرِ والنُّورِ إلى الضَّمِيرَيْنِ بِهَذا المَحْمَلِ فَإنَّ تَعْرِيفَ المُضافِ بَيِّنٌ لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النّاسِ ما وُعِدَ بِهِ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ قالَ تَعالى في شَأْنِهِمْ ﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ [المائدة: ٤٤] وقالَ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] .
وفائِدَةُ التَّشْبِيهِ عَلى هَذا الوَجْهِ تَصْوِيرُ قُوَّةِ المُشَبَّهِ وإنْ كانَ أقْوى مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ لِأنَّ لِلْأحْوالِ السّالِفَةِ مِنَ الشُّهْرَةِ والتَّحَقُّقِ ما يُقَرِّبُ صُورَةَ المُشَبَّهِ عِنْدَ المُخاطَبِ ومِنهُ ما في لَفْظِ الصَّلاةِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِنَ التَّشْبِيهِ بِقَوْلِهِ ”كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ“ .
* * *
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .
تَتْمِيمٌ اقْتَضاهُ ذِكْرُ أهْلِ مَراتِبِ الإيمانِ والتَّنْوِيهِ بِهِمْ، فَأتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصْفِ
صفحة ٤٠٠
أضْدادِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ التَّنْوِيهَ بِهِمْ بِأنَّ إيمانَهم أنْجاهم مِنَ الجَحِيمِ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ ما يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ والنَّصارى عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَهم في دَرَكاتِ الجَحِيمِ، فالمُشْرِكُونَ اسْتَحَقُّوا الجَحِيمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِ كُفْرِهِمْ، واليَهُودُ اسْتَحَقُّوهُ مِن يَوْمِ كَذَّبُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والنَّصارى اسْتَحَقَّهُ بَعْضُهم حِينَ أثْبَتُوا لِلَّهِ ابْنًا وبَعْضُهم مِن حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفِي اسْتِحْضارِهِمْ بِتَعْرِيفِ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِذَلِكَ لِأجْلِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ . ولَمْ يُؤْتَ في خَبَرِهِمْ بِضَمِيرِ الفَصْلِ إذْ لا يُظَنُّ أنَّ غَيْرَهم أصْحابُ الجَحِيمِ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِأصْحابِ مُضافٌ إلى الجَحِيمِ دَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ مُلازَمَتِهِمْ لِلْجَحِيمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences