Ibn 'AshurAl‑Hadid · 57:7–11

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:7–11

57:7Page 538

ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧

Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.

صفحة ٣٦٨

﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ وقَعَ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّ أوَّلَ السُّورَةِ قَرَّرَ خُضُوعَ الكائِناتِ إلى اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ تَعالى المُتَصَرِّفُ فِيها بِالإيجادِ والإعْدامِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَهو القَدِيرُ عَلَيْها، وأنَّهُ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلى ما تُضْمِرُهُ ضَمائِرُهم وأنَّهم صائِرُونَ إلَيْهِ فَمُحاسِبُهم، فَلا جَرَمَ تَهَيَّأ المَقامُ لِإبْلاغِهِمُ التَّذْكِيرَ بِالإيمانِ بِهِ إيمانًا لا يَشُوبُهُ إشْراكٌ والإيمانِ بِرَسُولِهِ ﷺ إذْ قَدْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ بِالدَّلائِلِ الماضِيَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى صِحَّةِ ما أخْبَرَهم بِهِ مِمّا كانَ مَحَلَّ ارْتِيابِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٨] .

فَذَلِكَ وجْهُ عَطْفِ ”ورَسُولِهِ“ عَلى مُتَعَلِّقِ الإيمانِ مَعَ أنَّ الآياتِ السّابِقَةَ ما ذَكَرَتْ إلّا دَلائِلَ صِفاتِ اللَّهِ دُونَ الرَّسُولِ ﷺ .

فالخِطابُ بِـ ”آمِنُوا“ لِلْمُشْرِكِينَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ حَسْبَ ما رُوِيَ في إسْلامِ عُمَرَ وهو الَّذِي يُلائِمُ اتِّصالَ قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨] إلَخْ بِها.

والمُرادُ بِالإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ: الإنْفاقُ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ الإيمانُ بَعْدَ حُصُولِ الإيمانِ وهو الإنْفاقُ عَلى الفَقِيرِ، وتَخْصِيصُ الإنْفاقِ بِالذِّكْرِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُنْفِقُونَ إلّا في اللَّذّاتِ، والمُفاخَرَةِ والمُقامَرَةِ، ومُعاقَرَةِ الخَمْرِ، وقَدْ وصَفَهُمُ القُرْآنُ بِذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٣] وقَوْلِهِ ﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [التكاثر: ١] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ( يَعْنِي الإنْفاقَ لِتَجْهِيزِ جَيْشِ العُسْرَةِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الضَّحّاكِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً ويَكُونُ قَوْلُهُ ”آمِنُوا“ أمْرًا بِالدَّوامِ عَلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِمَن في نُفُوسِهِمْ بَقِيَّةُ نِفاقٍ أوِ ارْتِيابٍ، وأنَّهم قَبَضُوا أيْدِيَهم

صفحة ٣٦٩

عَنْ تَجْهِيزِ جَيْشِ العُسْرَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، فَهم إذا سَمِعُوا الخِطابَ عَلِمُوا أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ عَلى نَحْوِ ما في آياتِ سُورَةٍ بَراءَةٌ، ولَكِنْ يَظْهَرُ أنَّ سَنَةَ غَزْوَةِ تَبُوكَ لَمْ يَبْقَ عِنْدَها مِنَ المُنافِقِينَ عَدَدٌ يُعْتَدُّ بِهِ فَيُوَجَّهُ إلَيْهِ خِطابٌ كَهَذا.

وجِيءَ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ ”وأنْفِقُوا مِن أمْوالِكم أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ“ لِما في صِلَةِ المَوْصُولِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى غَفْلَةِ السّامِعِينَ عَنْ كَوْنِ المالِ لِلَّهِ جَعَلَ النّاسَ كالخَلائِفِ عَنْهُ في التَّصَرُّفِ فِيهِ مُدَّةً ما، فَلَمّا أمَرَهم بِالإنْفاقِ مِنها عَلى عِبادِهِ كانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ أنْ يَمْتَثِلُوا لِذَلِكَ كَما يَمْتَثِلُ الخازِنُ أمْرَ صاحِبِ المالِ إذا أمَرَهُ بِإنْفاذِ شَيْءٍ مِنهُ إلى مَن يُعِّينُهُ.

والسِّينُ والتّاءُ في ”مُسْتَخْلَفِينَ“ لِلْمُبالَغِةِ في حُصُولِ الفِعْلِ لا لِلطَّلَبِ لِاسْتِفادَةِ الطَّلَبِ مِن فِعْلِ ”جَعَلَكم“ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِتَأْكِيدِ الطَّلَبِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ تَفْرِيعٌ وتَسَبُّبٌ عَلى الأمْرِ بِالإيمانِ والإنْفاقِ لِإفادَةِ تَعْلِيلِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وأنْفَقُوا أعْدَدْنا لَهم أجْرًا كَبِيرًا.

والمَعْنى عَلى وجْهِ كَوْنِ الآيَةِ مَكِّيَّةً: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِن بَيْنِكم وأنْفَقُوا، أيْ: سَبَقُوكم بِالإيمانِ والإنْفاقِ لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ، أيْ فاغْتَنَمُوهُ وتَدارَكُوا ما فاتُوكم بِهِ.

و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا وهم بَعْضُ قَوْمِكم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلا المُضِيِّ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا﴾ مُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى المُضارِعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى إيقاعِ ذَلِكَ.

57:8Page 538

وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨

And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?

﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

ظاهِرُ اسْتِعْمالِ أمْثالِ قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ﴾ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا

صفحة ٣٧٠

فِي التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، وهو الَّذِي يُناسِبُ كَوْنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] مُسْتَعْمَلًا في الطَّلَبِ لا في الدَّوامِ.

وتَكُونُ جُمْلَةُ ”لا تُؤْمِنُونَ“ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الكَوْنِ المُتَعَلِّقِ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ كَما تَقُولُ: ما لَكَ قائِمًا ؟ بِمَعْنى ما تَصْنَعُ في حالِ القِيامِ. والتَّقْدِيرُ: وما لَكم كافِرِينَ بِاللَّهِ، أيْ: ما حَصَلَ لَكم في حالَةِ عَدَمِ الإيمانِ.

وجُمْلَةُ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، والواوُ واوُ الحالِ لا العَطْفِ، فَهُما حالانِ مُتَداخِلانِ. والمَعْنى: ماذا يَمْنَعُكم مِنَ الإيمانِ وقَدْ بَيَّنَ لَكُمُ الرَّسُولُ مِن آياتِ القُرْآنِ ما فِيهِ بَلاغٌ وحُجَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقٌّ فَلا عُذْرَ لَكم في عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ فَقَدْ جاءَتْكم بَيِّناتُ حَقِّيَّتِهِ فَتَعَيَّنَ أنَّ إصْرارَكم عَلى عَدَمِ الإيمانِ مُكابَرَةٌ وعِنادٌ.

وعَلى هَذا الوَجْهِ فالمِيثاقُ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ هو مِيثاقٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: ما يُماثِلُ المِيثاقَ مِن إيداعِ الإيمانِ بِوُجُودِ اللَّهِ وبِوَحْدانِيَّتِهِ في الفِطْرَةِ البَشَرِيَّةِ فَكَأنَّهُ مِيثاقٌ قَدْ أُخِذَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ في الأزَلِ وشَرْطِ التَّكْوِينِ فَهو نامُوسٌ فِطْرِيٌّ. وهَذا إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

فَضَمِيرُ ”أخَذَ“ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّ النُّفُوسَ لَوْ خَلَتْ عَنِ العِنادِ وعَنِ التَّمْوِيهِ وعَنِ التَّضْلِيلِ كانَتْ مُنْساقَةً إلى إدْراكِ وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ وقَدْ جاءَهم مِن دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ ما يَكْشِفُ عَنْهم ما غَشّى عَلى إدْراكِهِمْ مِن دُعاءِ أئِمَّةِ الكُفْرِ والضَّلالِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ .

واسْمُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ في سِياقِ الشَّرْطِ، أيْ: فَقَدْ حَصَلَ ما يَقْتَضِي أنْ تُؤْمِنُوا مِنَ السَّبَبِ الظّاهِرِ والسَّبَبِ الخَفِيِّ المُرْتَكِزِ في الجِبِلَّةِ.

صفحة ٣٧١

ويُرَجِّحُ هَذا المَعْنى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] أنَّهُ لِطَلَبِ إيجادِ الإيمانِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِها وأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أخَذَ“ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ ”مِيثاقَكم“ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو (أُخِذَ) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ ورَفْعِ (مِيثاقُكم) .

57:9Page 538

هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩

It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.

﴿هو الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ انْتَقَلَ بِهِ الخِطابُ إلى المُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ الآيَةُ يَظْهَرُ أنَّها مَبْدَأُ الآياتِ المَدَنِيَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ ويَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا عَطْفُ قَوْلِهِ ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠] الآياتِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.

والخِطابُ هُنا وإنْ كانَ صالِحًا لِتَقْرِيرِ ما أفادَتْهُ جُمْلَةُ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٨] ولَكِنْ أُسْلُوبُ النَّظْمِ وما عُطِفَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ يَقْتَضِيانِ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا انْتِقالِيًّا هو مِن حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلى خِطابِ المُسْلِمِينَ، ولا تَفُوتُهُ الدَّلالَةُ عَلى تَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ لِأنَّ التَّقْرِيرَ يَحْصُلُ مِنِ انْتِسابِ المَعْنَيَيْنِ: مَعْنى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ المُوالِيَةِ.

فَهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَوْقِعِها ومَعْناها وعِلَّتِها وما عُطِفَ عَلَيْها أفادَتْ بَيانًا وتَأْكِيدًا وتَعْلِيلًا وتَذْيِيلًا وتَخَلُّصًا لِغَرَضٍ جَدِيدٍ، وهي أغْراضٌ جَمَعَتْها جَمْعًا بَلَغَ حَدَّ الإعْجازِ في الإيجازِ، مَعَ أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِمَعْنًى عَظِيمٍ مِنَ الِاسْتِدْلالِ والتَّذْكِيرِ والإرْشادِ والامْتِنانِ.

والرَّءُوفُ: مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ في الِاتِّصالِ بِالرَّأْفَةِ وهي كَراهِيَةُ إصابَةِ الغَيْرِ بِضُرٍّ.

والرَّحِيمُ: مِنَ الرَّحْمَةِ وهي مَحَبَّةُ إيصالِ الخَيْرِ إلى الغَيْرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”لَرَءُوفٌ“ بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ

صفحة ٣٧٢

عَلى اللُّغَةِ المَشْهُورَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِدُونِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وهي لُغَةٌ ولَعَلَّها تَخْفِيفٌ، قالَ جَرِيرٌ:

يَرى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حَقًّا كَفِعْلِ الوالِدِ الرَّؤُفِ الرَّحِيمِ

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) واللّامِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لِأنَّ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ قَدْ حَسِبُوها إساءَةً لَهم ولِآبائِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، فَقَدْ قالُوا ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤١] . وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] إلى هُنا مَكِّيٌّ. فَإنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً فَلِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا عَلى تِلْكَ الحالَةِ.

57:10Page 538

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠

And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.

﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْناهُ المَشْهُورُ وهو الإنْفاقُ في عَتادِ الجِهادِ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ فَإنَّ سَبِيلَ اللَّهِ غَلَبَ في القُرْآنِ إطْلاقُهُ عَلى الجِهادِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾، لِأنَّ الأصْلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا نُزُولُهُ مَعَ هَذا ولَوْ حُمِلَ الإنْفاقُ عَلى مَعْنى الصَّدَقاتِ لَكانَ مُقْتَضِيًا أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ الإنْفاقَ بِهَذا المَعْنى لا يُطْلَقُ إلّا عَلى الصَّدَقَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ فَلا يُلامُ المُشْرِكُونَ عَلى تَرْكِهِ.

وعَلَيْهِ فالخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ أُعِيدَ الخِطابُ بِلَوْنٍ غَيْرِ الَّذِي ابْتُدِئَ بِهِ.

ومِن لَطائِفِهِ أنَّهُ مُوَجَّهٌ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ ظاهِرُهم أنَّهم مُسْلِمُونَ وهم في الباطِنِ مُشْرِكُونَ فَهُمُ الَّذِينَ شَحُّوا بِالإنْفاقِ.

ووَجْهُ إلْحاقِ هَذِهِ الآيَةِ وهي مَدَنِيَّةٌ بِالمَكِّيِّ مِنَ السُّورَةِ مُناسَبَةُ اسْتِيعابِ أحْوالِ المُمْسِكِينَ عَنِ الإنْفاقِ مِنَ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ تَعْرِيضًا بِالتَّحْذِيرِ مِن خِصالِ أهْلِ الكُفْرِ إذْ قَدْ سَبَقَها قَوْلُهُ ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] .

صفحة ٣٧٣

وما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في اللَّوْمِ والتَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ إنْفاقِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ.

و(أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها والفِعْلُ المَنصُوبُ بِها في مَحَلِّ جَرٍّ بِاللّامِ، أوْ بِـ (في) مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: ما حَصَلَ لَكم في عَدَمِ إنْفاقِكم، أيْ: ذَلِكَ الحاصِلُ أمْرٌ مُنْكَرٌ.

وعَنِ الأخْفَشِ أنَّ (أنْ) زائِدَةٌ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨] . ولَيْسَ نَصْبُها الفِعْلَ الَّذِي بَعْدَها بِمانِعٍ مِنِ اعْتِبارِها زائِدَةً لِأنَّ الحَرْفَ الزّائِدَ قَدْ يَعْمَلُ مِثْلَ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والواوُ في ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ واوُ الحالِ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ”تُنْفِقُوا“ بِاعْتِبارِ أنَّ عُمُومَ السَّماواتِ والأرْضِ يَشْمَلُ ما فِيهِما فَيَشْمَلُ المُخاطَبِينَ فَذَلِكَ العُمُومُ هو الرّابِطُ. والتَّقْدِيرُ: لِلَّهِ مِيراثُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَشْمَلُ مِيراثُهُ إيّاكم.

والمَعْنى: إنْكارُ عَدَمِ إنْفاقِ أمْوالِهِمْ فِيما دَعاهُمُ اللَّهُ إلى الإنْفاقِ فِيهِ وهم سَيَهْلَكُونَ ويَتْرُكُونَ أمْوالَهم لِمَن قَدَّرَ اللَّهُ مَصِيرَها إلَيْهِ فَلَوْ أنْفَقُوا بَعْضَ أمْوالِهِمْ فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ لَنالُوا رِضى اللَّهِ وانْتَفَعُوا بِمالٍ هو صائِرٌ إلى مَن يَرِثُهم.

وإضافَةُ مِيراثٍ إلى السَّماواتِ والأرْضِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ وهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: أهْلِها، ولَيْسَ المُرادُ مِيراثَ ذاتِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ انْقِراضِ النّاسِ فَلا يُؤَثِّرُ في المَقْصُودِ مِن حَثِّهِمْ عَلى الإنْفاقِ.

* * *

صفحة ٣٧٤

﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَمّا يَجُولُ في خَواطِرِ كَثِيرٍ مِنَ السّامِعِينَ مِن أنَّهم تَأخَّرُوا عَنِ الإنْفاقِ غَيْرَ ناوِينَ تَرْكَهُ ولَكِنَّهم سَيَتَدارَكُونَهُ.

وأُدْمِجَ فِيهِ تَفْضِيلُ جِهادِ بَعْضِ المُجاهِدِينَ عَلى بَعْضٍ لِمُناسَبَةِ كَوْنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَشْمَلُ إنْفاقَ المُجاهِدِ عَلى نَفْسِهِ في العُدَّةِ والزّادِ وإنْفاقَهُ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ عُدَّتَهُ ولا زادَهُ، ولِأنَّ مِنَ المُسْلِمِينَ مَن يَسْتَطِيعُ الجِهادَ ولا يَسْتَطِيعُ الإنْفاقَ، فَأُرِيدَ أنْ لا يُغْفِلَ ذِكْرَهُ في عِدادِ هَذِهِ الفَضِيلَةِ إذِ الإنْفاقُ فِيها وسِيلَةٌ لَها.

وظاهِرُ لَفْظِ الفَتْحِ أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ فَإنَّ هَذا الجِنْسَ المُعَرَّفَ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

وإنَّما كانَ المُنْفِقُونَ قَبْلَ الفَتْحِ والمُجاهِدُونَ قَبْلَهُ أعْظَمَ دَرَجَةً في إنْفاقِهِمْ وجِهادِهِمْ لِأنَّ الزَّمانَ الَّذِي قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كانَ زَمانَ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ أهْلَ الكُفْرِ كانُوا أكْثَرَ العَرَبِ فَلَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ دَخَلَتْ سائِرُ قُرَيْشٍ والعَرَبِ في الإسْلامِ فَكانَ الإنْفاقُ والجِهادُ فِيما قَبْلَ الفَتْحِ أشَقَّ عَلى نُفُوسِ المُسْلِمِينَ لِقِلَّةِ ذاتِ أيْدِيهِمْ وقِلَّةِ جَمْعِهِمْ قُبالَةَ جَمْعِ العَدُوِّ، ألا تَرى أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَثْبُتُوا أمامَ العَدُوِّ إذا كانَ عَدَدُ العَدُوِّ عَشْرَةَ أضْعافِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ في القِتالِ قالَ تَعالى ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] .

وقِيلَ المُرادُ بِالفَتْحِ: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ،، والشَّعْبِيُّ،، وعامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ. ويُؤَيِّدُ ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وهو المُلائِمُ لِكَوْنِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ فَيَقْتَضِي أنَّ مَدَنِيَّها قَرِيبُ عَهْدٍ مِن مُدَّةِ إقامَتِهِمْ بِمَكَّةَ، وإطْلاقُ الفَتْحِ عَلى صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وارِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] .

صفحة ٣٧٥

و”مَن أنْفَقَ“ عامٌّ يَشْمَلُ كُلَّ مَن أنْفَقَ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَإنَّهُ أنْفَقَ مالَهُ كُلَّهُ مِن أوَّلِ ظُهُورِ الإسْلامِ.

ونَفْيُ التَّسْوِيَةِ مُرادٌ بِهِ نَفْيُها في الفَضِيلَةِ والثَّوابِ، فَإنَّ نَفْيَ التَّسْوِيَةِ في وصْفٍ يَقْتَضِي ثُبُوتَ أصْلِ ذَلِكَ الوَصْفِ لِجَمِيعِ مَن نُفِيَتْ عَنْهُمُ التَّسْوِيَةُ، فَنَفْيُ التَّسْوِيَةِ كِنايَةٌ عَنْ تَفْضِيلِ أحَدِ الجانِبَيْنِ وتَنْقِيصِ الجانِبِ الآخَرِ نَقْصًا مُتَفاوِتًا.

ويُعْرَفُ الجانِبُ الفاضِلُ والجانِبُ المَفْضُولُ بِالقَرِينَةِ أوِ التَّصْرِيحِ في الكَلامِ، ولَيْسَ تَقْدِيمُ أحَدِ الجانِبَيْنِ في الذِّكْرِ بَعْدَ نَفْيِ التَّسْوِيَةِ بُمَقْتَضٍ أنَّهُ هو المُفَضَّلُ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] وقَدَّمَ هَذِهِ الآيَةَ الجانِبَ المُفَضَّلَ، وكَذا الَّذِي في قَوْلِ السَّمَوْألِ:

فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ

وقَدْ أكَّدَ هَذا الِاقْتِضاءَ بِقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾، أيْ: أنْفَقُوا مِن بَعْدِ الفَتْحِ وقاتَلُوا مِن بَعْدِ الفَتْحِ، فَإنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ يَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ فِيما اشْتُقَّ مِنهُ اسْمُ التَّفْضِيلِ وزِيادَةِ مَن أُخْبِرَ عَنْهُ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ في الوَصْفِ المُشْتَقِّ مِنهُ، أيْ فَكِلا الفَرِيقَيْنِ لَهُ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ.

وحُذِفَ قِسْمُ مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ إيجازًا لِدَلالَةِ فِعْلِ التَّسْوِيَةِ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ. والتَّقْدِيرُ: لا يَسْتَوِي مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ ومَن أنْفَقَ بَعْدَهُ.

والدَّرَجَةُ: مُسْتَعارَةٌ لِلْفَضْلِ لِأنَّ الدَّرَجَةَ تَسْتَلْزِمُ الِارْتِقاءَ، فَوَصْفُ الِارْتِقاءِ مُلاحَظٌ فِيها، ثُمَّ يُشَبَّهُ الفَضْلُ والشَّرَفُ بِالِارْتِقاءِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّرَجَةِ، فالدَّرَجَةُ مِن أسْماءِ الأجْناسِ الَّتِي لُوحِظَتْ فِيها صِفاتُ أوْصافٍ مِثْلَ اسْمِ الأسَدِ بِصِفَةِ الشَّجاعَةِ في قَوْلِ الخارِجِيِّ:

أسَدٌ عَلَيَّ وفي الحُرُوبِ نَعامَةٌ

وقَوْلُهُ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ احْتِراسٌ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ اسْمَ

صفحة ٣٧٦

التَّفْضِيلِ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ ما في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]، أيْ: حَبِيبٌ إلَيَّ دُونَ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ المَعْصِيَةِ.

وعَبَّرَ بِـ ”الحُسْنى“ لِبَيانِ أنَّ الدَّرَجَةَ هي دَرَجَةُ الحُسْنى لِيَكُونَ لِلِاحْتِراسِ مَعْنًى زائِدٌ عَلى التَّأْكِيدِ وهو ما فِيهِ مِنَ البَيانِ.

والحُسْنى: لَقَبٌ قُرْآنِيٌّ إسْلامِيٌّ يَدُلُّ عَلى خَيْراتِ الآخِرَةِ، قالَ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] .

وقَوْلُهُ ”مِنكم“ حالٌ مِن ”مَن أنْفَقَ“ أصْلُهُ نَعْتٌ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ تَعْجِيلًا بِهَذا الوَصْفِ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ دُونَ الضَّمِيرِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الإشارَةُ مِنَ التَّنْوِيهِ والتَّعْظِيمِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الإخْبارِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢] إلَخْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ كُلًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلٌ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ بِالضَّمِيرِ المَحْذُوفِ اخْتِصارًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وهُما وجْهانِ في الِاشْتِغالِ مُتَساوِيانِ.

وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في تَفاضُلِ أهْلِ الفَضْلِ فِيما فُضِّلُوا فِيهِ، وأنَّ الفَضْلَ ثابِتٌ لِلَّذِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ الفَتْحِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ. وبِئْسَ ما يَقُولُهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ مِن عِباراتٍ تُؤْذِنُ بِتَنْقِيصِ مَن أسْلَمُوا بَعْدَ الفَتْحِ مِن قُرَيْشٍ مِثْلِ كَلِمَةِ ”الطُّلَقاءِ“ وإنَّما ذَلِكَ مِن أجْلِ حَزازاتٍ في النُّفُوسِ قَبَلِيَّةٍ أوْ حِزْبِيَّةٍ، واللَّهُ يَقُولُ ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] .

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أسْبابَ الإنْفاقِ وأوْقاتِهِ وأعْذارِهِ، ويَعْلَمُ أحْوالَ الجِهادِ ونَوايا المُجاهِدِينَ فَيُعْطِي كُلَّ عامِلٍ عَلى نِيَّةِ عَمَلِهِ.

57:11Page 538

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?

صفحة ٣٧٧

﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفُهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ والبَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] .

وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمَعْنى: أنَّ مَثَلَ المُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ مَن يُقْرِضُ اللَّهَ ومَثَلُ اللَّهِ تَعالى في جَزائِهِ كَمَثَلِ المُسْتَسْلِفِ مَعَ مَن أحْسَنَ قَرْضَهُ وأحْسَنَ في دَفْعِهِ إلَيْهِ.

و(مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ كَما هو شَأْنُها إذا دَخَلَتْ عَلى اسْمِ الإشارَةِ والمَوْصُولِ و”الَّذِي يُقْرِضُ“ خَبَرُها، و(ذا) مُعْتَرِضَةٌ لْاسْتِحْضارِ حالِ المُقْتَرِضِ بِمَنزِلَةِ الشَّخْصِ الحاضِرِ القَرِيبِ.

وعَنِ الفَرّاءِ: (ذا) صِلَةٌ، أيْ: زائِدَةٌ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ ما قالَهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ (ذا) في (ماذا) مُلْغاةٌ، قالَ الفَرّاءُ: رَأيْتُها في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ”مَنذا الَّذِي“ والنُّونُ مَوْصُولَةٌ بِالذّالِ اهـ.

والاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحْرِيضِ مَجازًا لِأنَّ شَأْنَ المُحَرِّضِ عَلى الفِعْلِ أنْ يَبْحَثَ عَمَّنْ يَفْعَلُهُ ويَتَطَلَّبُ تَعْيِينَهُ لِيَنُوطَهُ بِهِ أوْ يُجازِيهِ عَلَيْهِ.

والقَرْضُ الحَسَنُ: هو القَرْضُ المُسْتَكْمِلُ مَحاسِنَ نَوْعِهِ مِن كَوْنِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وبَشاشَةٍ في وجْهِ المُسْتَقْرِضِ، وخُلُوٍّ عَنْ كُلِّ ما يُعَرِّضُ بِالمِنَّةِ أوْ بِتَضْيِيقِ أجَلِ القَضاءِ. والمُشَبَّهُ هُنا بِالقَرْضِ الحَسَنِ هو الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ المَنهِيُّ عَنْ تَرْكِهِ في قَوْلِهِ ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ فَيُضاعِفُهُ بِألِفٍ بَعْدَ الضّادِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ (فَيُضَعِّفُهُ) بِدُونِ ألِفٍ وبِتَشْدِيدِ العَيْنِ.

والفاءُ في جُمْلَةِ ”فَيُضاعِفُهُ لَهُ“ فاءُ السَّبَبِيَّةِ لِأنَّ المُضاعَفَةَ مُسَبَّبَةٌ عَلى القَرْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ فِعْلَ ”يُضاعِفُهُ“ مَرْفُوعًا عَلى اعْتِبارِهِ مَعْطُوفًا عَلى ”يُقْرِضُ“ .

والمَعْنى: التَّحْرِيضُ عَلى الإقْراضِ وتَحْصِيلُ المُضاعَفَةِ لِأنَّ الإقْراضَ سَبَبُ

صفحة ٣٧٨

المُضاعَفَةِ فالعَمَلُ لِحُصُولِ الإقْراضِ كَأنَّهُ عَمَلٌ لِحُصُولِ المُضاعَفَةِ.

أوْ عَلى اعْتِبارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً في التَّقْدِيرِ فَيَقَعُ الخَبَرُ الفِعْلِيُّ بَعْدَ المُبْتَدَأِ مُفِيدًا تَقْوِيَةَ الخَبَرِ وتَأْكِيدَ حُصُولِهِ، واعْتِبارِ هَذِهِ الجُمْلَةِ جَوابًا لِ (مَنِ) المَوْصُولَةِ بِإشْرابِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ وهو إشْرابٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.

وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ (كُلٌّ عَلى قِراءَتِهِ) بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ.

ومَعْنى ﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾: أنَّ لَهُ أنْفَسَ جِنْسِ الأُجُورِ لِأنَّ الكَرِيمَ في كُلِّ شَيْءٍ هو النَّفِيسُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ. وجُعِلَ الأجْرُ الكَرِيمُ مُقابِلَ القَرْضِ الحَسَنِ فَقُوبِلَ بِهَذا مَوْصُوفٌ وصِفَتُهُ بِمِثْلِها. والمُضاعَفَةُ: مُماثَلَةُ الأقْدارِ، فالمَعْنى: يُعْطِيهِ مِثْلَيْ قَرْضِهِ.

والمُرادُ هُنا مُضاعَفَتُهُ أضْعافًا كَثِيرَةً كَما قالَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقالَ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وضَمِيرُ النَّصْبِ في يُضاعِفُهُ عائِدٌ إلى القَرْضِ الحَسَنِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: فَيُضاعِفُ جَزاءَهُ لَهُ. لِأنَّ القَرْضَ هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ السَّلَفِ المُتَعارَفِ بَيْنَ النّاسِ فَيَكُونُ تَضْعِيفُهُ مِثْلَ تَضْعِيفِ مالِ السَّلَفِ وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبا.

والأجْرُ: ما زادَ عَلى قَضاءِ القَرْضِ مِن عَطِيَّةٍ يُسْدِيها المُسْتَسْلِفُ إلى مَن سَلَّفَهُ عِنْدَما يَجِدُ سَعَةً، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَيْرُكم أحْسَنُكم قَضاءً»، وقالَ تَعالى ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] .

والظّاهِرُ أنَّ هَذا الأجْرَ هو المَغْفِرَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] في سُورَةِ التَّغابُنِ. وهَذا يَشْمَلُ الإنْفاقَ في الصَّدَقاتِ قالَ تَعالى ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨]

صفحة ٣٧٩

وهُوَ ما فَسَّرَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ»، أيْ: زِيادَةٌ عَلى مُضاعَفَتِها مِثْلُ الحَسَناتِ كُلِّها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском