Ibn 'AshurAl‑Mujadila · 58:14–21

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mujadila 58:14–21

58:14–15Page 544

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤

Have you not considered those who make allies of a people with whom Allāh has become angry? They are neither of you nor of them, and they swear to untruth while they know [they are lying].

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٥

Allāh has prepared for them a severe punishment. Indeed, it was evil that they were doing.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هَذِهِ حالَةٌ أُخْرى مِن أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ هي تُوَلِّيهِمُ اليَهُودَ مَعَ أنَّهم لَيْسُوا مِن أهَلِ مِلَّتِهِمْ لِأنَّ المُنافِقِينَ مِن أهَلِ الشِّرْكِ.

صفحة ٤٨

والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِأنَّها عَوْدٌ إلى الغَرَضِ الَّذِي سَبَقَتْ فِيهِ آياتُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا﴾ [المجادلة: ٥] بَعْدَ أنْ فَصَلَ بِمُسْتَطْرَداتٍ كَثِيرَةٍ بَعْدَهُ.

والقَوْمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ وقَدْ عُرِفُوا بِما يُرادِفُ هَذا الوَصْفَ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] .

والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] .

ووَجْهُ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ أنَّهم تَوَلَّوْا قَوْمًا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ ولَيْسُوا في دِينِهِمْ ما حَمَلَهم عَلى تَوَلِّيهِمْ إلّا اشْتِراكُ الفَرِيقَيْنِ في عَداوَةِ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ.

وضَمِيرُ ما هم يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا وهُمُ المُنافِقُونَ فَيَكُونُ جُمْلَةُ ما هم مِنكم ولا مِنهم حالًا مِنَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا، أيْ ما هم مُسْلِمُونَ ولا يَهُودٌ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى قَوْمٍ وهُمُ اليَهُودُ. فَتَكُونُ جُمْلَةُ ما هم مِنكم صِفَةَ ”قَوْمًا“، قَوْمًا لَيْسُوا مُسْلِمِينَ ولا مُشْرِكِينَ بَلْ هم يَهُودٌ.

وكَذَلِكَ ضَمِيرُ ولا مِنهم يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ عَلى التَّعاكُسِ وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ واقِعٌ، ومُرادٌ عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ المُوَجَّهِ تَكْثِيرًا لِلْمَعانِي مَعَ الإيجازِ فَيُفِيدُ التَّعْجِيبَ مِن حالِ المُنافِقِينَ أنْ يَتَوَلَّوْا قَوْمًا أجانِبَ عَنْهم عَلى قَوْمٍ هم أيْضًا أجانِبُ عَنْهم، عَلى أنَّهم إنْ كانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ اخْتِلافُ الدِّينِ فَإنَّ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ اخْتِلافُ الدِّينِ واخْتِلافُ النَّسَبِ لِأنَّ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ عَرَبٌ ويُفِيدُ بِالِاحْتِمالِ الآخَرِ الإخْبارَ عَنِ المُنافِقِينَ بِأنَّ إسْلامَهم لَيْسَ صادِقًا، أيْ ما هم مِنكم أيُّها المُسْلِمُونَ، وهو المَقْصُودُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ولا مِنهم عَلى هَذا الِاحْتِمالِ احْتِراسًا وتَتْمِيمًا لِحِكايَةِ حالِهِمْ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ يَكُونُ ذَمُّ المُنافِقِينَ أشَدَّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حَماقَتِهِمْ إذْ جَعَلُوا لَهم أوْلِياءَ مَن لَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ فَهم لا يُوثَقُ بِوِلايَتِهِمْ وأضْمَرُوا بُغْضَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُصادِفُوا الدِّينَ الحَقَّ.

﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ عُطِفَ عَلى تَوَلَّوْا وجِيءَ بِهِ مُضارِعًا لِلدِّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِهِ ولِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ في حِينِ حَلِفِهِمْ عَلى الكَذِبِ لِلتَّنَصُّلِ مِمّا فَعَلُوهُ، والكَذِبُ الخَبَرُ المُخالِفُ لِلْواقِعِ وهي الأخْبارُ الَّتِي يُخْبِرُونَ بِها عَنْ أنْفُسِهِمْ في نَفْيِ ما يَصْدُرُ مِنهم في جانِبِ المُسْلِمِينَ.

صفحة ٤٩

وهم يَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في التَّعْجِيبِ لِأنَّهُ أشْنَعُ مِنَ الحَلِفِ عَلى الكَذِبِ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ في المَحْلُوفِ عَلَيْهِ.

وأشارَ هَذا إلى ما كانَ يَحْلِفُهُ المُنافِقُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ إذا كُشِفَ لَهم بَعْضُ مَكائِدِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، وقَوْلُهُ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] وقَوْلُهُ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] .

قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَلٍ - بِنُونٍ فَباءٍ مُوَحَّدَةٍ فَمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ - كانَ أحَدُهُما وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ يُجالِسُ النَّبِيءَ ﷺ، ويَرْفَعُ أخْبارَهُ إلى اليَهُودِ ويَسُبُّ النَّبِيءَ ﷺ فَإذا بُلِّغَ خَبَرَهُ أوْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ جاءَ فاعْتَذَرَ وأقْسَمَ إنَّهُ ما فَعَلَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإعْدادِ العَذابِ لَهم، أيْ أنَّهم عَمِلُوا فِيما مَضى أعْمالًا سَيِّئَةً مُتَطاوِلَةً مُتَكَرِّرَةً كَما يُؤْذِنُ بِها المُضارِعُ مِن قَوْلِهِ يَعْمَلُونَ.

وبَيْنَ (يَعْمَلُونَ)، و(يَعْلَمُونَ) الجِناسُ المَقْلُوبُ قَلْبَ بَعْضٍ.

58:16Page 544

ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٦

They took their [false] oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh, and for them is a humiliating punishment.

﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]، لِأنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ أنْ يَقُولَ ما ألْجَأهم إلى الحَلِفِ عَلى الكَذِبِ، فَأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ لِقَضاءِ مَآرِبِهِمْ وزِيادَةِ مَكْرِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا لِأِنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٥] وتَكُونُ داخِلَةً في التَّعْلِيلِ.

والجُنَّةُ: الوِقايَةُ والسُّتْرَةُ، مِن جَنَّ، إذا اسْتَتَرَ، أيْ وِقايَةٌ مِن شُعُورِ المُسْلِمِينَ بِهِمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِن صَدِّ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ في الإسْلامِ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ لِأنَّهم

صفحة ٥٠

يَخْتَلِقُونَ أُكْذُوباتٍ يَنْسِبُونَها إلى الإسْلامِ وذَلِكَ مَعْنى التَّفْرِيعِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

و(صَدُّوا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ لِظُهُورِهِ، أيْ فَصَدُّوا النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيِ الإسْلامِ بِالتَّنْبِيطِ وإلْصاقِ التُّهَمِ والنَّقائِصِ بِالدِّينِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ قاصِرًا، فَصَدُّوا هم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ومَجِيءُ فِعْلِ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ماضِيًا مُفَرَّعًا عَلى ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ مَعَ أنَّ أيْمانَهم حَصَلَتْ بَعْدَ أنْ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ مُراعًى فِيهِ التَّفْرِيعُ الثّانِي وهو ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّ ما اتَّخَذُوا مِن أيْمانِهِمْ جُنَّةً سَبَبٌ مِن أسْبابِ العَذابِ يَقْتَضِي مُضاعَفَةَ العَذابِ. وقَدْ وصَفَ العَذابَ أوَّلَ مَرَّةٍ بِشَدِيدٍ وهو الَّذِي يُجازَوْنَ بِهِ عَلى تَوَلِّيهِمْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وحَلِفِهِمْ عَلى الكَذِبِ.

ووَصَفَ عَذابَهم ثانِيًا بِـ (مُهِينٌ) لِأنَّهُ جَزاءٌ عَلى صَدِّهِمُ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وهَذا مَعْنى ”شَدِيدُ العَذابِ“ لِأجْلِ عَظِيمِ الجُرْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] .

فَكانَ العَذابُ مُناسِبًا لِلْمَقْصِدَيْنِ في كُفْرِهِمْ وهو عَذابٌ واحِدٌ فِيهِ الوَصْفانِ. وكَرَّرَ ذِكْرَهُ إبْلاغًا في الإنْذارِ والوَعِيدِ فَإنَّهُ مَقامُ تَكْرِيرٍ مَعَ تَحْسِينِهِ بِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ.

58:17Page 544

لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٧

Never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally

﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] فَكَما لَمْ تَقِهِمْ أيْمانُهُمُ العَذابَ لَمْ تُغْنِ عَنْهم أمْوالُهم ولا أنْصارُهم شَيْئًا يَوْمَ القِيامَةِ.

وكانَ المُنافِقُونَ مِن أهْلِ الثَّراءِ بِالمَدِينَةِ، وكانَ ثَراؤُهم مِن أسْبابِ إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ الإسْلامِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ سِيادَةٍ فَلَمْ يَرْضَوْا أنْ يَصِيرُوا في طَبَقَةِ عُمُومِ

صفحة ٥١

النّاسِ. وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ مُهَيَّأً لِأنْ يُمَلِّكُوهُ عَلى المَدِينَةِ قُبَيْلَ إسْلامِ الأنْصارِ، فَكانُوا يَفْخَرُونَ عَلى المُسْلِمِينَ بِوَفْرَةِ الأمْوالِ وكَثْرَةِ العَشائِرِ وذَلِكَ في السَّنَةِ الأُولى مِنَ الهِجْرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ (لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ) يُرِيدُ بِالأعَزِّ فَرِيقَهُ وبِالأذَلِّ فَرِيقَ المُسْلِمِينَ فَآذَنَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم لا تُغْنِي عَنْهم مِمّا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ المَذَلَّةِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] . وإذا لَمْ تُغْنِ عَنْهم مِنَ اللَّهِ في الدُّنْيا فَإنَّها أجْدَرُ بِأنْ لا تُغْنِيَ عَنْهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ شَيْئًا، أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الإغْناءِ.

وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّهُ يُنْصَرُ يَوْمَ القِيامَةِ لَقَدْ شَقِينا إذَنْ. فَواللَّهِ لَنُنْصَرَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْفُسِنا وأوْلادِنا وأمْوالِنا إنْ كانَتْ قِيامَةٌ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وإقْحامُ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ عَلى المَنفِيِّ لِتَوْكِيدِ انْتِفاءِ الإغْناءِ.

ومَعْنى (مِنَ اللَّهِ) مِن بَأْسِ اللَّهِ أوْ مِن عَذابِهِ. وحَذْفُ مِثْلِ هَذا كَثِيرٌ في الكَلامِ. وتَقْدِيرُهُ ظاهِرٌ. ويُلَقَّبُ هَذا الِاسْتِعْمالُ عِنْدَ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ بِإضافَةِ الحُكْمِ إلى الأعْيانِ عَلى إرادَةِ أشْهَرِ أحْوالِها نَحْوَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أيْ أكْلُها.

وجُمْلَةُ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ إلَخْ خَبَرٌ ثالِثٌ أوْ ثانٍ عَنْ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٥] .

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، أيْ لِأنَّهم أصْحابُ النّارِ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنَّهم أصْحابُ النّارِ. وصاحِبُ الشَّيْءِ مُلازِمُهُ فَلا يُفارِقُهُ. إذْ قَدْ تَقَرَّرَ في قَوْلِهِ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [المجادلة: ١٥] ومِن قَوْلِهِ ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦] أنَّهم لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ، فَكَيْفَ تُغْنِي عَنْهم أمْوالُهم وأوْلادُهم شَيْئًا مِن عَذابِ النّارِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] أيْ ما أنْتَ تُنْقِذُهُ مِنَ النّارِ. فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا المَوْقِعِ يُنَبِّهُ عَلى

صفحة ٥٢

أنَّ المُشارَ إلَيْهِ صارَ جَدِيرًا بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأخْبارِ الَّتِي أخْبَرَ بِها عَنْهُ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

58:18Page 544

يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٨

On the Day Allāh will resurrect them all, and they will swear to Him as they swear to you and think that they are [standing] on something.1 Unquestionably, it is they who are the liars.

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ .

هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ [المجادلة: ١٤] إلى قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ”يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا“ . كَما سَبَقَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ، أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ.

وحَلِفُهم لِلَّهِ في الآخِرَةِ إشارَةٌ إلى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .

والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ كَما في صِفَةِ الحَلِفِ، وهي قَوْلُهم: إنَّهم غَيْرُ مُشْرِكِينَ، وفي كَوْنِهِ حَلِفًا عَلى الكَذِبِ، وهم يَعْلَمُونَ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ تَعالى فِتْنَةً في آيَةِ الأنْعامِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .

ومَعْنى ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ يَظُنُّونَ يَوْمَئِذٍ أنَّ حَلِفَهم يُفِيدُهم تَصْدِيقَهم عِنْدَ اللَّهِ فَيَحْسَبُونَ أنَّهم حَصَّلُوا شَيْئًا عَظِيمًا، أيْ نافِعًا.

وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو شِدَّةُ التَّلَبُّسِ بِالوَصْفِ ونَحْوِهِ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وحُذِفَتْ صِفَةُ شَيْءٍ لِظُهُورِ مَعْناها مِنَ المَقامِ، أيْ عَلى شَيْءٍ نافِعٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] «. وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنِ الكُهّانِ (لَيْسُوا بِشَيْءٍ» ) .

وهَذا يَقْتَضِي تَوَغُّلَهم في النِّفاقِ ومُرُونَتَهم عَلَيْهِ وأنَّهُ باقٍ في أرْواحِهِمْ بَعْدَ بَعْثِهِمْ لِأنَّ نُفُوسَهم خَرَجَتْ مِن عالَمِ الدُّنْيا مُتَخَلِّقَةً بِهِ، فَإنَّ النُّفُوسَ إنَّما تَكْتَسِبُ تَزْكِيَةً أوْ خُبْثًا في عالَمِ التَّكْلِيفِ. وحِكْمَةُ إيجادِ النُّفُوسِ في الدُّنْيا هي تَزْكِيَتُها وتَصْفِيَةُ

صفحة ٥٣

أكْدارِها لِتَخْلُصَ إلى عالَمِ الخُلُودِ طاهِرَةً، فَإنْ هي سَلَكَتْ مَسْلَكَ التَّزْكِيَةِ تَخَلَّصَتْ إلى عالَمِ الخُلُودِ زَكِيَّةً ويَزِيدُها اللَّهُ زَكاءً وارْتِياضًا يَوْمَ البَعْثِ. وإنِ انْغَمَسَتْ مُدَّةَ الحَياةِ في حَمْأةِ النَّقائِصِ وصَلْصالِ الرَّذائِلِ جاءَتْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ تَشْوِيهًا لِحالِها. لِتَكُونَ مَهْزَلَةً لِأهْلِ المَحْشَرِ. وقَدْ تَبْقى في النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ خَلائِقُ لا تُنافِي الفَضِيلَةَ ولا تُناقِضُ عالَمَ الحَقِيقَةِ مِثْلُ الشَّهَواتِ المُباحَةِ ولِقاءِ الأحِبَّةِ قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] . وفي الحَدِيثِ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ أنْ يَزْرَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: أوَلَسْتَ فِيما شِئْتَ قالَ: بَلى، ولَكِنْ أُحِبُّ أنْ أزْرَعَ، فَأسْرَعَ وبَذَرَ فَيُبادِرُ الطَّرْفَ نَباتُهُ واسْتِواؤُهُ واسْتِحْصادُهُ وتَكْوِيرُهُ أمْثالَ الجِبالِ. وكانَ رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَجْدُ هَذا إلّا قُرَشِيًّا أوْ أنْصارِيًّا فَإنَّهم أصْحابُ زَرْعٍ فَأمّا نَحْنُ فَلَسْنا بِأصْحابِ زَرْعٍ، فَضْحِكَ النَّبِيءُ» ﷺ - إقْرارًا لِما فَهِمَهُ الأعْرابِيُّ.

وفِي حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُسْلِمٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ» . قالَ عِياضٌ في الإكْمالِ هو عامٌّ في كُلِّ حالَةٍ ماتَ عَلَيْها المَرْءُ. قالَ السُّيُوطِيُّ: يُبْعَثُ الزَّمّارُ بِمِزْمارِهِ. وشارِبُ الخَمْرِ بِقَدَحِهِ اهـ. قُلْتُ: ثُمَّ تَتَجَلّى لَهُمُ الحَقائِقُ عَلى ما هي عَلَيْهِ إذْ تَصِيرُ العُلُومُ عَلى الحَقِيقَةِ.

وخَتَمَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ وهو تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِحالِ كَذِبِهِمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ [المجادلة: ١٤] . فالمُرادُ أنَّ كَذِبَهم عَلَيْكم لا يُماثِلُهُ كَذِبٌ، حَتّى قُصِرَتْ صِفَةُ الكاذِبِ عَلَيْهِمْ بِضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِكَذِبِ غَيْرِهِمْ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ تَوْكِيدًا لِمُفادِ الحَصْرِ الِادِّعائِيِّ وهو أنَّ كَذِبَ غَيْرِهِمْ كَلا كَذِبٍ في جانِبِ كَذِبِهِمْ، وبِأداةِ الِاسْتِفْتاحِ المُقْتَضِيَةِ اسْتِمالَةَ السَّمْعِ لِخَبَرِهِمْ لِتَحْقِيقِ تَمَكُّنِ صِفَةِ الكَذِبِ مِنهم حَتّى أنَّهُ يُلازِمُهم يَوْمَ البَعْثِ.

58:19Page 544

ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٩

Satan has overcome them and made them forget the remembrance of Allāh. Those are the party of Satan. Unquestionably, the party of Satan - they will be the losers.

﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

صفحة ٥٤

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ما سِيقَ مِن وصْفِهِمْ بِانْحِصارِ صِفَةِ الكَذِبِ فِيهِمْ يُثِيرُ سُؤالَ السّامِعِ أنْ يَطْلُبَ السَّبَبَ الَّذِي بَلَغَ بِهِمْ إلى هَذِهِ الحالِ الفَظِيعِ فَيُجابُ بِأنَّهُ اسْتِحْواذُ الشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ وامْتِلاكُهُ زِمامَ أنْفُسِهِمْ يُصَرِّفُها كَيْفَ يُرِيدُ وهَلْ يَرْضى الشَّيْطانُ إلّا بِأشَدِّ الفَسادِ والغِوايَةِ.

والِاسْتِحْواذُ: الِاسْتِيلاءُ والغَلَبُ، وهو اسْتِفْعالٌ مِن حاذَ حَوْذًا، إذا حاطَ شَيْئًا وصَرَّفَهُ كَيْفَ يُرِيدُ يُقالُ: حاذَ العِيرَ إذا جَمَعَها وساقَها غالِبًا لَها. فاشْتَقُّوا مِنهُ اسْتَفْعَلَ لَلَّذِي يَسْتَوْلِي بِتَدْبِيرٍ ومُعالَجَةٍ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ اسْتِحْواذٌ إلّا في اسْتِيلاءِ العاقِلِ لِأنَّهُ يَتَطَلَّبُ وسائِلَ اسْتِيلاءٍ. ومِثْلُهُ اسْتَوْلى. والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الغَلَبِ مِثْلُها في: ”اسْتَجابَ“ .

والأحْوَذِيُّ: القاهِرُ لِلْأُمُورِ الصَّعْبَةِ. وقالَتْ عائِشَةُ كانَ عُمَرُ أحْوَذِيًّا نَسِيجَ وحْدِهِ.

وكانَ حَقُّ اسْتَحْوَذَ أنْ يُقْلَبَ عَيْنُهُ ألِفًا لِأنَّ أصْلَها واوٌ مُتَحَرِّكَةٌ إثْرَ ساكِنٍ صَحِيحٍ وهو غَيْرُ اسْمِ تَعَجُّبٍ ولا مُضاعَفِ اللّامِ ولا مُعْتَلِّ اللّامِ فَحَقُّها أنْ تُنْقَلَ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ الصَّحِيحِ قَبْلَها فِرارًا مِن ثِقَلِ الحَرَكَةِ عَلى حَرْفِ العِلَّةِ مَعَ إمْكانِ الِاحْتِفاظِ بِتِلْكَ الحَرَكَةِ بِنَقْلِها إلى الحَرْفِ قَبْلَها الخالِي مِنَ الحَرَكَةِ فَيَبْقى حَرْفُ العِلَّةِ ساكِنًا سُكُونًا مَيِّتًا إثْرَ حَرَكَةٍ فَيُقْلَبُ مَدَّةً مُجانِسَةً لِلْحَرَكَةِ الَّتِي قَبْلَها مِثْلُ يَقُومُ ويَبِينُ وأقامَ، فَحَقُّ اسْتَحْوَذَ أنْ يُقالَ فِيهِ: اسْتَحاذَ ولَكِنَّ الفَصِيحَ فِيهِ تَصْحِيحُهُ عَلى خِلافِ غالِبِ بابِهِ وهو تَصْحِيحٌ سَماعِيٌّ، ولَهُ نَظائِرُ قَلِيلَةٌ مِنها اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ، وأعْوَلَ، إذا رَفَعَ صَوْتَهُ. وأغْيَمَتِ السَّماءُ واسْتَغْيَلَ الصَّبِيُّ، إذا شَرِبَ الغَيْلَ وهو لَبَنُ الحامِلِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ التَّصْحِيحُ هو لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ مُطَّرِدَةٌ في هَذا البابِ كُلِّهِ. وحَكى المُفَسِّرُونَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ (اسْتَحاذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) . وقالَ الجَوْهَرِيُّ: تَصْحِيحُ هَذا البابِ كُلُّهُ مُطَّرِدٌ. وقالَ في التَّسْهِيلِ: يَطَّرِدُ تَصْحِيحُ هَذا البابِ في كُلِّ فِعْلٍ أُهْمِلَ ثُلاثِيُّهُ مِثْلِ اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ واسْتَتْيَسَتِ الشّاةُ إذا صارَتْ كالتَّيْسِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الِاسْتِحْواذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] في سُورَةِ النِّساءِ، فَضُمَّ هَذا إلى ذاكَ.

صفحة ٥٥

والنِّسْيانُ مُرادٌ مِنهُ لازِمُهُ وهو الإضاعَةُ وتَرْكُ المَنسِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] .

والذِّكْرُ يُطْلَقُ عَلى نُطْقِ اللِّسانِ بِاسْمٍ أوْ كَلامٍ ويُطْلَقُ عَلى التَّذَكُّرِ بِالعَقْلِ. وقَدْ يُخَصُّ هَذا الثّانِي بِضَمِّ الذّالِ وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِهِ وكِنايَتِهِ، أيْ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ وهو العِبادَةُ والطّاعَةُ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ أنْساهم تَوْحِيدَ اللَّهِ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ بِالعِبادَةِ. والَّذِي لا يَتَذَكَّرُ شَيْئًا لا يَتَوَجَّهُ إلى واجِباتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ نَتِيجَةٌ وفَذْلَكَةٌ لِقَوْلِ ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ فَإنَّ الِاسْتِحْواذَ يَقْتَضِي أنَّهُ صَيَّرَهم مِن أتْباعِهِ.

واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ لِئَلا يَتَرَدَّدَ في أنَّهم حِزْبُ الشَّيْطانِ.

وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّفَرُّعِ والتَّسَبُّبِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَإنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى حَرْفِ الِاسْتِفْتاحِ تَنْبِيهًا عَلى أهَمِّيَّةِ مَضْمُونِها وأنَّهُ مِمّا يَحِقُّ العِنايَةُ بِاسْتِحْضارِهِ في الأذْهانِ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِنَ الِانْدِماجِ فِيهِمْ، والتَّلَبُّسِ بِمِثْلِ أحْوالِهِمُ المَذْكُورَةِ آنِفًا. وزِيدَ هَذا التَّحْذِيرُ اهْتِمامًا بِتَأْكِيدِ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنْ) وبِصِيغَةِ القَصْرِ، إذْ لا يَتَرَدَّدُ أحَدٌ في أنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ خاسِرُونَ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ القَضايا المُسَلَّمَةِ بَيْنَ البَشَرِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المُؤَكِّداتُ لِرَدِّ الإنْكارِ لِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ أنْ تَغُرَّهم حَبائِلُ الشَّيْطانِ وتَرُوقَ في أنْظارِهِمْ بَزَّةُ المُنافِقِينَ وتَخْدَعَهم أيْمانُهُمُ الكاذِبَةُ.

وإظْهارُ كَلِمَةِ ﴿حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ دُونَ ضَمِيرِهِمْ لِزِيادَةِ التَّصْرِيحِ ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ صالِحَةً لِلتَّمَثُّلِ بِها مُسْتَقِلَّةً بِدِلالَتِها.

وضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ القَصْرَ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لَلْمُبالَغَةِ في مِقْدارِ خُسْرانِهِمْ وأنَّهم لا خُسْرانَ أشَدُّ مِنهُ فَكَأنَّ كُلَّ خُسْرانٍ غَيْرِهِ عَدَمٌ فَيُدَّعى أنَّ وصْفَ الخاسِرِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ.

وحِزْبُ المَرْءِ: أنْصارُهُ وجُنْدُهُ ومَن يُوالِيهِ.

58:20–21Page 544

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ ٢٠

Indeed, the ones who oppose Allāh and His Messenger - those will be among the most humbled.

كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢١

Allāh has written [i.e., decreed], "I will surely overcome, I and My messengers." Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

صفحة ٥٦

﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِيَ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ما ذَكَرَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ يُشْبِهُ مَوْقِعَ آيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] فالَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمُ المُشْرِكُونَ المُعْلِنُونَ بِالمُحادَّةِ. وأمّا المُحادُّونَ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ فَهُمُ المُسِرُّونَ لِلْمُحادَّةِ المُتَظاهِرُونَ بِالمُوالاةِ، وهُمُ المُنافِقُونَ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَيَّنَتْ شَيْئًا مِنَ الخُسْرانِ الَّذِي قَضى بِهِ عَلى حِزْبِ الشَّيْطانِ الَّذِينَ هم في مُقَدِّمَتِهِ. وبِهَذا تَكْتَسِبُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْنى بَدَلَ البَعْضِ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]، لِأنَّ الخُسْرانَ يَكُونُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وخُسْرانُ الدُّنْيا أنْواعٌ أشَدُّها عَلى النّاسِ المَذَلَّةُ والهَزِيمَةُ، والمَعْنى: أنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ في الأذَلِّينَ المَغْلُوبِينَ.

واسْتِحْضارُهم بِصِلَةِ ﴿الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إنَّهم في الأذَلِّينَ فَأخْرَجَ الكَلامَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ إلى المَوْصُولِيَّةِ لِإفادَةِ مَدْلُولِ الصِّلَةِ أنَّهم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ وإفادَةُ المَوْصُولِ تَعْلِيلَ الحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَهُ وهو كَوْنُهم أذَلِّينَ لِأنَّهم أعْداءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهم أعْداءُ اللَّهِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَعَدُوُّهُ لا يَكُونُ عَزِيزًا.

ومُفادُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ أنَّهم كائِنُونَ في زُمْرَةِ القَوْمِ المَوْصُوفِينَ بِأنَّهم أذَلُّونَ، أيْ شَدِيدُو المَذَلَّةِ لِيَتَصَوَّرَهُمُ السّامِعُ في كُلِّ جَماعَةٍ يَرى أنَّهم أذَلُّونَ، فَيَكُونُ هَذا النَّظْمُ أبْلَغَ مِن أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ هُمُ الأذَلُّونَ.

واسْمُ الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ بِسَبَبِ الوَصْفِ الَّذِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ﴾ عِلَّةٌ لِجُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ أيْ لِأنَّ اللَّهَ

صفحة ٥٧

أرادَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ ﷺ غالِبًا لِأعْدائِهِ وذَلِكَ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ الَّتِي لا يَغْلِبُها شَيْءٌ وقَدْ كَتَبَ لِجَمِيعِ رُسُلِهِ الغَلَبَةَ عَلى أعْدائِهِمْ، فَغَلَبَتُهم مِن غَلَبَةِ اللَّهِ إذْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالأشْياءِ عَلى وفْقِ إرادَةِ اللَّهِ لا يُغَيِّرُها شَيْءٌ، والإرادَةُ تَجْرِي عَلى وفْقِ العِلْمِ، ومَجْمُوعُ تَوارُدِ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ عَلى المَوْجُودِ هو المُسَمّى بِالقَضاءِ. وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ هُنا بِـ ”كَتَبَ اللَّهُ“ لِأنَّ الكِتابَةَ اسْتُعِيرَتْ لِمَعْنى: قَضى اللَّهُ ذَلِكَ وأرادَ وُقُوعَهُ في الوَقْتِ الَّذِي عَلِمَهُ وأرادَهُ فَهو مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا يَتَخَلَّفُ مِثْلُ الأمْرِ الَّذِي يُرادُ ضَبْطُهُ وعَدَمُ الإخْلالِ بِهِ فَإنَّهُ يُكْتَبُ لِكَيْ لا يُنْسى ولا يُنْقَصُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يُجْحَدَ التَّراضِي عَلَيْهِ.

فَثَبَتَ لِرَسُولِهِ ﷺ الغَلَبَةُ لِشِمُولِ ما كَتَبَهُ اللَّهُ لِرُسُلِهِ إيّاهُ وهَذا إثْباتٌ لِغَلَبَةِ رَسُولِهِ أقْوامًا يُحادُّونَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.

فَجُمْلَةُ (﴿لَأغْلِبَنَّ﴾) مَصُوغَةٌ صِيغَةُ القَوْلِ تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ كَتَبَ إلى مَعْنى قَضى وقَدَّرَ. والمَعْنى: قَضى مَدْلُولَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، أيْ قَضى بِالغَلَبَةِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ، فَكَأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَكْتُوبَةُ مِنَ اللَّهِ. والمُرادُ: الغَلَبَةُ بِالقُوَّةِ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ التَّهْدِيدِ. وأمّا الغَلَبَةُ بِالحُجَّةِ فَأمْرٌ مَعْلُومٌ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿لَأغْلِبَنَّ﴾) لِأنَّ الَّذِي يُغالِبُ الغالِبَ مَغْلُوبٌ. قالَ حَسّانُ:

زَعَمَتْ سَخِينَةُ أنْ سَتَغْلِبُ رَبَّها ولْيُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغَلّابِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском