Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Mujadila 58:7–10
58:7Page 543
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٧
Have you not considered that Allāh knows what is in the heavens and what is on the earth? There are not three in a private conversation but that He is the fourth of them,1 nor are there five but that He is the sixth of them - and no less than that and no more except that He is with them [in knowledge] wherever they are. Then He will inform them of what they did on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو تَخَلُّصٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] إلى ذِكْرِ عِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِ المُنافِقِينَ وأحْلافِهِمُ اليَهُودِ. فَكانَ المُنافِقُونَ يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا لِيُرِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مَوَدَّةَ بَعْضِ المُنافِقِينَ لِبَعْضٍ، فَإنَّ المُنافِقِينَ بِتَناجِيهِمْ يُظْهِرُونَ أنَّهم طائِفَةٌ أمْرُها واحِدٌ وكَلِمَتُها واحِدَةٌ، وهم وإنْ كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ يُحِبُّونَ أنْ تَكُونَ لَهم هَيْبَةٌ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ يَتَّقُونَ بِها بَأْسَهم إنِ اتَّهَمُوا بَعْضَهم بِالنِّفاقِ أوْ بَدَرَتْ مِن أحَدِهِمْ بادِرَةٌ تَنُمُّ بِنِفاقِهِ، فَلا يُقْدِمُ المُؤْمِنُونَ عَلى أذاهُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لَهُ بِطانَةً تُدافِعُ عَنْهُ. وكانُوا إذا مَرَّ بِهِمُ المُسْلِمُونَ نَظَرُوا إلَيْهِمْ فَحَسِبُ المارُّونَ لَعَلَّ حَدَثًا حَدَثَ مِن مُصِيبَةٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ عَلى تَوَقُّعِ حَرْبٍ مَعَ المُشْرِكِينَ في كُلِّ حِينٍ فَيَتَوَهَّمُونَ أنَّ مُناجاةَ المُتَناجِينَ حَدِيثٌ عَنْ قُرْبِ العَدُوِّ أوْ عَنْ هَزِيمَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ في السَّرايا الَّتِي يَخْرُجُونَ فِيها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ لِإشْعارِ المُنافِقِينَ بِعِلْمِ اللَّهِ بِماذا يَتَناجَوْنَ، وأنَّهُ مُطْلِعٌ رَسُولَهُ ﷺ عَلى دَخِيلَتِهِمْ لِيَكُفُّوا عَنِ الكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ.
صفحة ٢٦
فَهَذِهِ الآيَةُ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] الآيَةَ.
و”ألَمْ تَرَ“ مِنَ الرُّؤْيَةِ العِلْمِيَّةِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ لا يُرى وسَدَّ المَصْدَرُ مَسَدَّ المَفْعُولِ. والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ اللَّهَ عالِمًا.
و﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَعُمُّ المُبْصِراتِ والمَسْمُوعاتِ فَهو أعَمُّ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦] لِاخْتِصاصِهِ بِعِلْمِ المُشاهَداتِ لِأنَّ الغَرَضَ المُفْتَتَحَ بِهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ هو عِلْمُ المَسْمُوعاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ إلى آخِرِها بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، فَإنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ . وقَوْلِهِ ﴿إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿إلّا هو مَعَهُمْ﴾، أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما يَتَناجَوْنَ فِيهِ فَكَأنَّهُ تَعالى نَجِيٌّ مَعَهم.
و”ما“ نافِيَةٌ. و”يَكُونُ“ مُضارِعُ (كانَ) التّامَّةِ، و”مِن“ زائِدَةٌ في النَّفْيِ لِقَصْدِ العُمُومِ، و”نَجْوى“ في مَعْنى فاعِلِ ”يَكُونُ“ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَكُونُ“ بِياءِ الغائِبِ لِأنَّ تَأْنِيثَ نَجْوى غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَيَجُوزُ فِيهِ جَرْيُ فِعْلِهِ عَلى أصْلِ التَّذْكِيرِ ولا سِيَّما وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ فاعِلِهِ بِحَرْفِ مِنِ الزّائِدَةِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتاءِ المُؤَنَّثِ رَعْيًا لِصُورَةِ تَأْنِيثِ لَفْظِهِ.
والنَّجْوى: اسْمُ مَصْدَرِ ناجاهُ، إذا سارَّهُ. و”ثَلاثَةٍ“ مُضافٌ إلَيْهِ ”نَجْوى“ . أيْ ما يَكُونُ تَناجِي ثَلاثَةٍ مِنَ النّاسِ إلّا اللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ كَرابِعٍ لَهم، ولا خَمْسَةٍ إلّا كَسادِسٍ لَهم، ولا أدْنى ولا أكْثَرَ إلّا هو كَواحِدٍ مِنهم. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ عائِدَةٌ إلى ”ثَلاثَةٍ“ وإلى ”خَمْسَةٍ“ وإلى ”ذَلِكَ“ و”أكْثَرَ“ .
والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ الإنْذارُ والوَعِيدُ.
وتَخْصِيصُ عَدَدَيِ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ بَعْضَ المُتَناجِينَ الَّذِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِمْ كانُوا حِلَفًا بِعْضُها مِن ثَلاثَةٍ وبَعْضُها مِن خَمْسَةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى غَيْرُ مَصْمُودٍ والعَدَدُ غَيْرُ مَقْصُودٍ.
وفِي الكَشّافِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَتْ في رَبِيعَةَ، وحَبِيبٍ ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ مِن
صفحة ٢٧
ثَقِيفٍ وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيِّ حَلِيفِ بَنِي أسَدٍ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَقالَ أحَدُهم: أتَرى أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما نَقُولُ ؟ فَقالَ الآخَرُ: يَعْلَمُ بَعْضًا ولا يَعْلَمُ بَعْضًا. وقالَ الثّالِثُ: إنْ كانَ يَعْلَمُ بَعْضًا فَهو يَعْلَمُ كُلَّهُ. اهـ. ولَمْ أرَ هَذا في غَيْرِ الكَشّافِ ولا مُناسَبَةَ لِهَذا بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَإنَّ أُولَئِكَ الثَّلاثَةَ كانُوا مُسْلِمِينَ وعُدُّوا في الصَّحابَةِ وكَأنَّ هَذا تَخْلِيطٌ مِنَ الرّاوِي بَيْنَ سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] في سُورَةِ فُصِّلَتْ. كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ. ورُكِّبَتْ أسْماءُ ثَلاثَةٍ آخَرِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ لِأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فَآيَةُ النَّجْوى فَإنَّما هي في تَناجِي المُنافِقِينَ أوْ فِيهِمْ وفي اليَهُودِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ ﴿إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ ﴿إلّا هو مَعَهُمْ﴾ مُفَرَّعٌ مِن أكْوانٍ وأحْوالٍ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى ”ما يَكُونُ“ والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ اسْتِثْناءٍ في مَواضِعِ أحْوالٍ. والتَّقْدِيرُ: ما يَكُونُ في نَجْوى ثَلاثَةٍ في حالٍ مِن عِلْمِ غَيْرِهِمْ بِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلَيْهِمْ إلّا حالَةٌ اللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ.
وتَكْرِيرُ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفاتِ عَلى المَنفِيِّ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ وخاصَّةً حَيْثُ كانَ مَعَ كُلٍّ مِنَ المَعاطِيفِ اسْتِثْناءٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ولا أكْثَرَ“ بِنَصْبِ أكْثَرَ عَطْفًا عَلى لَفْظِ نَجْوى. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ نَجْوى لِأنَّهُ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جَرٍّ زائِدٍ. و”أيْنَما“ مُرَكَّبٌ مِن ”أيْنَ“ الَّتِي هي ظَرْفُ مَكانٍ و”ما“ الزّائِدَةُ. وأُضِيفَ أيْنَ إلى جُمْلَةِ كانُوا، أيْ في أيِّ مَكانٍ كانُوا فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] في سُورَةِ الحَدِيدِ.
وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ لِأنَّ إنْباءَهم بِما تَكَلَّمُوا وما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا في يَوْمِ القِيامَةِ أدَلُّ عَلى سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ مِن عِلْمِهِ بِحَدِيثِهِمْ في الدُّنْيا لِأنَّ مُعْظَمَ عِلْمِ العالَمِينَ يَعْتَرِيهِ النِّسْيانُ في مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ مِنَ الطُّولِ وكَثْرَةِ تَدْبِيرِ الأُمُورِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وفِي هَذا وعِيدٌ لَهم بِأنَّ نَجْواهم إثْمٌ عَظِيمٌ فَنُهِيَ عَنْهُ ويَشْمَلُ هَذا تَحْذِيرَ مَن يُشارِكُهم.
صفحة ٢٨
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ فَأغْنَتْ إنَّ غِناءَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِ بَشّارٍ:
إنْ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ وإلّا فَإنَّ المُخاطَبَ لا يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ. وهَذا التَّعْرِيضُ بِالوَعِيدِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّناجِي كانَ سابِقًا عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والآياتِ بَعْدَها.
58:8Page 543
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨
Have you not considered those who were forbidden from private conversation [i.e., ridicule and conspiracy] and then return to that which they were forbidden and converse among themselves about sin and aggression and disobedience to the Messenger? And when they come to you, they greet you with that [word] by which Allāh does not greet you1 and say among themselves, "Why does Allāh not punish us for what we say?" Sufficient for them is Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the destination.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ .
إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ والآيَتانِ اللَّتانِ بَعْدَها نَزَلَتْ مَعَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ تَرْتِيبِ التِّلاوَةِ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ مُؤْذِنًا بِأنَّهُ سَبَقَ نَهْيٌ عَنِ النَّجْوى قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ نَهاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّناجِي بِحَضْرَةِ المُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَنَزَلَتْ، فَتَكُونُ الآياتُ الأرْبَعُ نَزَلَتْ لِتَوْبِيخِهِمْ وهو ما اعْتَمَدْناهُ آنِفًا.
وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها بِفَتْرَةٍ كانَ المُرادُ النَّهْيُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [المجادلة: ٧] كَما تَقَدَّمَ بِأنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنِ النَّجْوى بَعْدَ أنْ سَمِعُوا الوَعِيدَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [المجادلة: ٧]، فالمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ هُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ.
و”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ لِأنَّ عَوْدَتَهم إلى النَّجْوى بَعْدَ أنْ نُهُوا عَنْهُ أعْظَمُ مِنِ ابْتِداءِ النَّجْوى لِأنَّ ابْتِداءَها كانَ إثْمًا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ نَجْواهم مِن نَوايا سَيِّئَةٍ نَحْوَ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ فَأمّا عَوْدَتُهم إلى النَّجْوى بَعْدَ أنْ نُهُوا عَنْها فَقَدْ زادُوا بِهِ تَمَرُّدًا عَلى النَّبِيءِ ﷺ ومَشاقَّةً لِلْمُسْلِمِينَ.
فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا اقْتَضاهُ اسْتِمْرارُ المُنافِقِينَ عَلى نَجْواهم.
صفحة ٢٩
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ تَعْجِيبِيٌّ مُرادٌ بِهِ تَوْبِيخُهم حِينَ يَسْمَعُونَهُ.
والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِها بِحَرْفِ إلى.
والتَّعْرِيفُ في النَّجْوى تَعْرِيفُ العَهْدِ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ مِن نَوْعٍ خاصٍّ مِنَ النَّجْوى. وهي النَّجْوى الَّتِي تُحْزِنُ الَّذِينَ آمَنُوا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ جِنْسِ النَّجْوى في أوَّلِ الأمْرِ يَعُمُّ كُلَّ نَجْوى بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، قالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى: رُوِيَ أنَّ النَّهْيَ عَنْ تَناجِي اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ دُونَ واحِدٍ أنَّهُ كانَ في بَدْءِ الإسْلامِ فَلَمّا فَشا الإسْلامُ وآمَنَ النّاسُ زالَ هَذا الحُكْمُ لِزَوالِ سَبَبِهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ [النساء: ١١٤] الآيَةَ في سُورَةِ النِّساءِ. إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ عِبادَهُ بِأمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما الإخْلاصُ وهو أنْ يَسْتَوِيَ ظاهِرُ المَرْءِ وباطِنُهُ، والثّانِي النَّصِيحَةُ لِكِتابِ اللَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ، فالنَّجْوى خِلافُ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ وبَعْدَ هَذا فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِلْخَلْقِ مِن أمْرٍ يَخْتَصُّونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ ويَخُصُّ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، فَرَخَّصَ ذَلِكَ بِصَفَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والصَّدَقَةِ وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ. اهـ.
وفِي المُوَطَّأِ حَدِيثٌ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «إذا كانَ ثَلاثَةٌ فَلا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ واحِدٍ» . زادَ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ «إلّا بِإذْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» .
واخْتَلَفَ في مَحْمَلِ هَذا النَّهْيِ عَلى التَّحْرِيمِ أوْ عَلى الكَراهَةِ، وجُمْهُورُ المالِكِيَّةِ عَلى أنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في القَبَسِ فَإنْ كانَ قَوْلُهُ مَخافَةَ أنْ يُحْزِنَهُ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدِ انْحَسَمَ التَّأْوِيلُ، وإنْ كانَ مِن قَوْلِ الرّاوِي فَهو أوْلى مِن تَأْوِيلِ غَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ قاسِمٍ: سَمِعْتُ مالِكًا يَقُولُ: لا يَتَناجى أرْبَعَةٌ دُونَ واحِدٍ. وأمّا تَناجِي جَماعَةٍ دُونَ جَماعَةٍ فَإنَّهُ أيْضًا مَكْرُوهٌ أوْ مُحَرَّمٌ. اهـ. وحَكى النَّوَوِيُّ الإجْماعَ عَلى جَوازِ تَناجِي جَماعَةٍ دُونَ جَماعَةٍ واحْتَجَّ لَهُ ابْنُ التِّينِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ فَأتَيْتُهُ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ وهو في مَلَأٍ فَسارَرْتُهُ. وحَدِيثُ عائِشَةَ في قِصَّةِ فاطِمَةَ دالٌّ عَلى الجَوازِ.
صفحة ٣٠
وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَدْخُلَ عَلى المُتَناجِيَيْنِ في حالِ تَناجِيهِما.
وأُلْحِقَ بِالتَّناجِي أنْ يَتَكَلَّمَ رَجُلانِ بِلُغَةٍ لا يَعْرِفُها ثالِثٌ مَعَهُما.
والقَوْلُ في اسْتِعْمالِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ في مَعْناهُ المَجازِيِّ وتَعْدِيَتِهِ بِاللّامِ نَظِيرُ القَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] .
وكَذَلِكَ القَوْلُ في مَوْقِعِ ”ثُمَّ“ عاطِفَةِ الجُمْلَةِ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَعُودُونَ دالَّةٌ عَلى التَّجَدُّدِ، أيْ يُكَرِّرُونَ العَدَدَ بِحَيْثُ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ العِصْيانَ وقِلَّةَ الِاكْتِراثِ بِالنَّهْيِ، فَإنَّهم لَوْ عادُوا إلى النَّجْوى مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لاحْتَمَلَ حالُهم أنَّهم نَسُوا.
ولِما نُهُوا عَنْهُ هو النَّجْوى، فَعَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِ النَّجْوى إلى المَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّعْلِيلِ لِما بَعْدَها مِنَ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾ عَلى ما في الصِّلَةِ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى سَفَهِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَتَناجَوْنَ بِصِيغَةِ التَّفاعُلِ مِن ناجى المَزِيدِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، ورُوَيْسٌ، ويَعْقُوبُ ”ويَنْتَجُونَ“ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ مِن نَجا الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ أيْ سارَّ غَيْرَهُ، والِافْتِعالُ يَرِدُ بِمَعْنى المُفاعَلَةِ مِثْلِ اخْتَصَمُوا واقْتَتَلُوا.
والإثْمُ: المَعْصِيَةُ وهو ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ تَناجِيهِمْ مِن كَلامِ الكُفْرِ وذَمِّ المُسْلِمِينَ.
والعُدْوانُ بِضَمِّ العَيْنِ: الظُّلْمُ وهو ما يُدَبِّرُونَهُ مِنَ الكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ.
ومَعْصِيَةُ الرَّسُولِ: مُخالَفَةُ ما يَأْمُرُهم بِهِ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّهُ نَهاهم عَنِ النَّجْوى وهم يَعُودُونَ لَها.
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ يَتَناجَوْنَ مُلابِسِينَ الإثْمَ والعُدْوانَ ومَعْصِيَةَ الرَّسُولِ، وهَذِهِ المُلابَسَةُ مُتَفاوِتَةٌ. فَمُلابَسَةُ الإثْمِ والعُدْوانِ مُلابَسَةُ المُتَناجِي في شَأْنِهِ لِفِعْلِ المُناجِينَ. ومُلابَسَةُ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ مُلابَسَةُ المُقارَنَةِ لِلْفِعْلِ، لِأنَّ نَجْواهم بَعْدَ أنْ نَهاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ عَنْها مَعْصِيَةٌ، وفي قَوْلِهِ ﴿نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ وقَوْلِهِ ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُنافِقُونَ لا يَهُودُ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ما كانَ
صفحة ٣١
يَنْهى اليَهُودَ عَنْ أحْوالِهِمْ. وهَذا يَرُدُّ قَوْلَ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ عَلى اليَهُودِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، بَلِ الحَقُّ ما في ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.
* * *
﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَهم في اخْتِلاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ذَكَرَ حالَ نِيّاتِهِمُ الخَبِيثَةِ عِنْدَ الحُضُورِ في مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّهم يَتَتَبَّعُونَ سُوءَ نِيّاتِهِمْ مِن كَلِماتٍ يَتَبادَرُ مِنها لِلسّامِعِينَ أنَّها صالِحَةٌ، فَكانُوا إذا دَخَلُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ يَخْفِتُونَ لَفْظَ ”السَّلامُ عَلَيْكم“ لِأنَّهُ شِعارُ الإسْلامِ ولِما فِيهِ مِن مَعْنى جَمْعِ السَّلامَةِ يَعْدِلُونَ عَنْ ذَلِكَ ويَقُولُونَ: أنْعِمْ صَباحًا، وهي تَحِيَّةُ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ لِأنَّهم لا يُحِبُّونَ أنْ يَتْرُكُوا عَوائِدَ الجاهِلِيَّةِ. نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَمَعْنى ﴿بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾، بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلامِ، فَإنَّ اللَّهَ حَيّاهُ بِذَلِكَ بِخُصُوصِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] . وحَيّاهُ بِهِ في عُمُومِ الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] . وتَحِيَّةُ اللَّهِ هي التَّحِيَّةُ الكامِلَةُ.
ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ورَدَ في حَدِيثِ: «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا حَيَّوُا النَّبِيءَ ﷺ قالُوا: السّامُ عَلَيْكَ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ وعَلَيْكم» . فَإنَّ ذَلِكَ وارِدٌ في قَوْمٍ مَعْرُوفٌ أنَّهم مِنَ اليَهُودِ. وما ذُكِرَ أوَّلَ هَذِهِ الآيَةِ لا يَلِيقُ حَمْلُهُ عَلى أحْوالِ اليَهُودِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، ولَوْ حُمِلَ ضَمِيرُ جاءُوكَ عَلى اليَهُودِ لَزِمَ عَلَيْهِ تَشْتِيتُ الضَّمائِرِ.
أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَفي أحْوالِ المُنافِقِينَ، وهَذا مِثْلُ ما كانَ بَعْضُهم يَقُولُ لِلنَّبِيءِ ﷺ راعِنا تَعَلَّمُوها مِنَ اليَهُودِ وهم يُرِيدُونَ التَّوْجِيهَ بِالرُّعُونَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] ولَمْ يُرِدْ مِنهُ نَهْيَ اليَهُودِ.
ومَعْنى يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٣٢
﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] . وقَوْلِهِ ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، أيْ ظَنَّ بَعْضُهم بِبَعْضٍ خَيْرًا، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ”أنْفُسِهِمْ“ مَجامِعِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، أيْ قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ سَتْرًا عَلَيْهِمْ مِنَ الِافْتِضاحِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ، ولَوْلا لِلتَّحْضِيضِ، أيْ هَلّا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِسَبَبِ كَلامِنا الَّذِي نَتَناجى بِهِ مِن ذَمِّ النَّبِيءِ ﷺ ونَحْوِ ذَلِكَ، أيْ يَقُولُونَ ما مَعْناهُ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيئًا لَعَذَّبَنا اللَّهُ بِما نَقُولُهُ مِنَ السُّوءِ فِيهِ ومِنَ الذَّمِّ، وهو ما لَخَّصَهُ اللَّهُ مِن قَوْلِهِمْ بِكَلِمَةِ ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ﴾ فَإنَّ لَوْلا لِلتَّحْضِيضِ مُسْتَعْمَلَةٌ كِنايَةٌ عَنْ جَحْدِ نُبُوَّةِ النَّبِيءِ ﷺ أيْ لَوْ كانَ نَبِيئًا لَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْنا فَلَعَذَّبَنا الآنَ بِسَبَبِ قَوْلِنا لَهُ.
وهَذا خاطِرٌ مِن خَواطِرِ أهْلِ الضَّلالَةِ المُتَأصِّلَةِ فِيهِمْ، وهي تَوَهُّمُهم أنَّ شَأْنَ اللَّهِ تَعالى كَشَأْنِ البَشَرِ في إسْراعِ الِانْتِقامِ والِاهْتِزازِ مِمّا لا يَرْضاهُ ومِنَ المُعانَدَةِ. وفي الحَدِيثِ «لا أحَدَ أصْبَرُ عَلى أذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ نِدًّا وهو يَرْزُقُهم» عَلى أنَّهم لِجُحُودِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ يَحْسَبُونَ أنَّ عِقابَ اللَّهِ تَعالى يَظْهَرُ في الدُّنْيا. وهَذا مِنَ الغُرُورِ قالَ تَعالى ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى رَدًّا عَلى كَلامِهِمْ ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾ أيْ كافِيهِمْ مِنَ العَذابِ جَهَنَّمُ فَإنَّهُ عَذابٌ.
وأصْلُ ”يَصْلَوْنَها“ يَصْلَوْنَ بِها، فَضَمَّنَ مَعْنى يَذُوقُونَها أوْ يَحُسُّونَها وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْتِعْمالُ في القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الوَعِيدِ بِشَأْنِ ذَمِّ جَهَنَّمَ.
58:9Page 543
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩
O you who have believed, when you converse privately, do not converse about sin and aggression and disobedience to the Messenger but converse about righteousness and piety. And fear Allāh, to whom you will be gathered.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ فَعامَلَهُمُ اللَّهُ بِما أظْهَرُوهُ وناداهم بِوَصْفِ الَّذِينَ آمَنُوا كَما قالَ ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]
صفحة ٣٣
ومِنهُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] أيْ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ بِزَعْمِهِ، ونَبَّهَهم إلى تَدارُكِ حالِهِمْ بِالإقْلاعِ عَنْ آثارِ النِّفاقِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ التَّخْوِيفِ بِالتَّرْغِيبِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.
ذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ بِعَمَلِ أهْلِ الإيمانِ إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ فَكانُوا في بَعْضِ أحْوالِهِمْ مُقارِبِينَ الإيمانَ بِسَبَبِ مُخالَطَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ. ولِذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ لَهم مَثَلًا بِالنُّورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] . وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ تَنْبِيهًا عَلى ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ إنْ كانُوا مُتَناجِينَ لا مَحالَةَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ بِأنْ وجَّهَ اللَّهُ الخِطابَ إلَيْهِمْ تَعْلِيمًا لَهم بِما يَحْسُنُ مِنَ التَّناجِي وما يَقْبُحُ مِنهُ بِمُناسَبَةِ ذَمِّ تَناجِي المُنافِقِينَ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِالنَّهْيِ عَنْ مِثْلِ تَناجِي المُنافِقِينَ وإنْ كانَ لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، ويَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو قَوْلُهُ ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا تَتَناجَوْا﴾ بِصِيغَةِ التَّفاعُلِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وحْدَهُ (فَلا تَنْتَجُوا) بِوَزْنِ تَنْتَهُوا.
والأمْرُ مِن قَوْلِهِ ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذا تَناجَيْتُمْ﴾ .
صفحة ٣٤
والإثْمُ والعُدْوانُ ومَعْصِيَةُ الرَّسُولِ تَقَدَّمَتْ. وأمّا البِرُّ فَهو ضِدُّ الإثْمِ والعُدْوانِ وهو يَعُمُّ أفْعالَ الخَيْرِ المَأْمُورِ بِها في الدِّينِ.
والتَّقْوى: الِامْتِثالُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تَذْكِيرٌ بِيَوْمِ الجَزاءِ. فالمَعْنى: الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ فَيُجازِيكم.
58:10Page 543
إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠
Private conversation is only from Satan that he may grieve those who have believed,1 but he will not harm them at all except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيُحْزِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .
تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَأْنِيسٌ لِنُفُوسِهِمْ يُزالُ بِهِ ما يَلْحَقُهم مِنَ الحُزْنِ لِمُشاهَدَةِ نَجْوى المُنافِقِينَ لِاخْتِلافِ مَذاهِبِ نُفُوسِهِمْ إذا رَأوُا المُتَناجِينَ في عَدِيدِ الظُّنُونِ والتَّخَوُّفاتِ كَما تَقَدَّمَ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ اقْتَضَتْهُ مُناسِبَةُ النَّهْيِ عَنِ النَّجْوى، عَلى أنَّها قَدْ تَكُونُ تَعْلِيلًا لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنِ النَّجْوى.
والتَّعْرِيفُ في النَّجْوى تَعْرِيفُ العَهْدِ لا مَحالَةَ. أيْ نَجْوى المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن إنَّما قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ قَصَرَ النَّجْوى عَلى الكَوْنِ مِنَ الشَّيْطانِ، أيْ جائِيَةٌ لِأنَّ الأغْراضَ الَّتِي يَتَناجَوْنَ فِيها مِن أكْبَرِ ما يُوَسْوِسُ الشَّيْطانُ لِأهْلِ الضَّلالَةِ بِأنْ يَفْعَلُوهُ لِيُحْزِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِما يَتَطَرَّقُهم مِن خَواطِرِ الشَّرِّ بِالنَّجْوى، وهَذِهِ العِلَّةُ لَيْسَتْ قَيْدًا في الحَصْرِ، فَإنَّ لِلشَّيْطانِ عِلَلًا أُخْرى مِثْلَ إلْقاءِ المُتَناجِينَ في الضَّلالَةِ، والِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عَلى إلْقاءِ الفِتْنَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ الشَّيْطانِيَّةِ.
وقَدْ خُصَّتْ هَذِهِ العِلَّةُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المَقْصُودَ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَصَبُّرُهم عَلى أذى المُنافِقِينَ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا﴾ لِيَطْمَئِنَّ المُؤْمِنُونَ بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاهم مِن ضُرِّ الشَّيْطانِ. وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] .
صفحة ٣٥
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”لِيُحْزِنَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ فَيَكُونُ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ مَفْعُولًا. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمَّ الزّايِ مُضارِعُ حَزِنَ فَيَكُونُ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ فاعِلًا وهُما لُغَتانِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَيْسَ بِضارِّهِمْ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ.
وضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ ”بِضارِّهِمْ“ عائِدٌ إلى الشَّيْطانِ.
والمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ لا يَضُرُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّجْوى أكْثَرَ مِن أنَّهُ يُحْزِنُهم. فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] أوْ عائِدٌ إلى النَّجْوى بِتَأْوِيلِهِ بِالتَّناجِي، أيْ لَيْسَ التَّناجِي بِضارِّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ أكْثَرَهُ ناشِئٌ عَنْ إيهامِ حُصُولِ ما يَتَّقُونَهُ في الغَزَواتِ.
وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ إلّا في حالِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَ شَيْئًا مِنَ المَضَرَّةِ مِن هَزِيمَةٍ أوْ قَتْلٍ. والمُرادُ بِالإذْنِ أمْرُ التَّكْوِينِ.
وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ.
ووُقُوعُ شَيْئًا وهو ذِكْرُهُ في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ كُلِّ ضُرٍّ مِنَ الشَّيْطانِ، أيِ انْتَفى كُلُّ شَيْءٍ مِن ضُرِّ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَيَشْمَلُ ضُرَّ النَّجْوى وضُرَّ غَيْرِها، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى إلّا بِإذْنِ اللَّهِ مِن عُمُومِ ”شَيْئًا“ الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ لا ضُرًّا مُلابِسًا لِإذْنِ اللَّهِ في أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ضُرَّهُ فِيهِ، أيْ ضُرَّ وسْوَسَتِهِ.
واسْتُعِيرَ الإذْنُ لِما جَعَلَهُ اللَّهُ في أصْلِ الخِلْقَةِ مِن تَأثُّرِ النُّفُوسِ بِما يُسَوِّلُ إلَيْها. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَإذا خَلّى اللَّهُ بَيْنَ الوَسْوَسَةِ وبَيْنَ العَبْدِ يَكُونُ اقْتِرابُ العَبْدِ مِنَ المَعاصِي الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ في كُلِّ حالَةٍ يَبْتَعِدُ فِيها المُؤْمِنُ عَنْ مُراقَبَةِ الأمْرِ والنَّهْيِ الشَّرْعِيَّيْنِ. وهَذا الضُّرُّ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّلْطانِ في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ الشَّيْطانِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] أيْ فَلَكَ عَلَيْهِ سُلْطانٌ. وهَذِهِ التَّصارِيفُ الإلَهِيَّةُ جارِيَةٌ عَلى وفْقِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وما يَعْلَمُهُ مِن أقْوالِ عِبادِهِ وسَرائِرِهِمْ وهو يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى.
صفحة ٣٦
ولِهَذا ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّهم إذا تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ تَوَكُّلًا حَقًّا بِأنِ اسْتَفْرَغُوا وُسْعَهم في التَّحَرُّزِ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ واسْتَعانُوا بِاللَّهِ عَلى تَيْسِيرِ ذَلِكَ لَهم فَإنَّ اللَّهَ يَحْفَظُهم مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ قالَ تَعالى ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُمُومُ ”شَيْئًا“ مُرادًا بِهِ الخُصُوصُ، أيْ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا مِمّا يُوهِمُهُ تَناجِي المُنافِقِينَ مِن هَزِيمَةٍ أوْ قَتْلٍ إلّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ حُصُولَ هَزِيمَةٍ أوْ قَتْلٍ.
والمَعْنى: أنَّ التَّناجِيَ يُوهِمُ الَّذِينَ آمَنُوا ما لَيْسَ واقِعًا فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنْ لا يَحْزَنُوا بِالنَّجْوى لِأنَّ الأُمُورَ تَجْرِي عَلى ما قَدَّرَهُ اللَّهُ بِنَفْسِ الآمِرِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الأخْبارُ الصّادِقَةُ.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ هَذا المُتَعَلِّقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences