Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:100–102
6:100Page 140
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ١٠٠
But they have attributed to Allāh partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters without knowledge. Exalted is He and high above what they describe.
﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم وخَرَّقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ .
عَطَفَ عَلى الجُمَلِ قَبْلَهُ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في جَعَلُوا عائِدٌ إلى قَوْمُكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦] .
وهَذا انْتِقالٌ إلى ذِكْرِ شِرْكٍ آخَرَ مِن شِرْكِ العَرَبِ؛ وهو جَعْلُهُمُ الجِنَّ شُرَكاءَ لِلَّهِ في عِبادَتِهِمْ كَما جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ في ذَلِكَ. وقَدْ كانَ دِينُ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ خَلِيطًا مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ومِنَ الصّابِئِيَّةِ عِبادَةِ الكَواكِبِ وعِبادَةِ الشَّياطِينِ، ومَجُوسِيَّةِ الفُرْسِ، وأشْياءَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ، والنَّصْرانِيَّةِ، فَإنَّ العَرَبَ لِجَهْلِهِمْ حِينَئِذٍ كانُوا يَتَلَقَّوْنَ مِنَ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لَهم والَّتِي يَرْحَلُونَ إلَيْها عَقائِدَ شَتّى مُتَقارِبًا بَعْضُها ومُتَباعِدًا بَعْضُ، فَيَأْخُذُونَهُ بِدُونِ
صفحة ٤٠٥
تَأمُّلٍ ولا تَمْحِيصٍ لِفَقْدِ العِلْمِ فِيهِمْ، فَإنَّ العِلْمَ الصَّحِيحَ هو الذّائِدُ عَنِ العُقُولِ مِن أنْ تُعَشَّشَ فِيها الأوْهامُ والمُعْتَقَداتُ الباطِلَةُ، فالعَرَبُ كانَ أصْلُ دِينِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ عِبادَةَ الأصْنامِ وسَرَتْ إلَيْهِمْ مَعَها عَقائِدُ مِنِ اعْتِقادِ سُلْطَةِ الجِنِّ والشَّياطِينِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
فَكانَ العَرَبُ يُثْبِتُونَ الجِنَّ ويَنْسُبُونَ إلَيْهِمْ تَصَرُّفاتٍ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ كانُوا يَتَّقُونَ الجِنَّ ويَنْتَسِبُونَ إلَيْها ويَتَّخِذُونَ لَها المَعاذاتِ والرُّقى ويَسْتَجْلِبُونَ رِضاها بِالقَرابِينِ وتَرْكِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ عَلى بَعْضِ الذَّبائِحِ. وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الكاهِنَ تَأْتِيهِ الجِنُّ بِالخَبَرِ مِنَ السَّماءِ، وأنَّ الشّاعِرَ لَهُ شَيْطانٌ يُوحِي إلَيْهِ الشِّعْرَ، ثُمَّ إذا أخَذُوا في تَعْلِيلِ هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ وجَمَعُوا بَيْنَها وبَيْنَ مُعْتَقَدِهِمْ في أُلُوهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى تَعَلَّلُوا لِذَلِكَ بِأنَّ لِلْجِنِّ صِلَةً بِاللَّهِ تَعالى فَلِذَلِكَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن أُمَّهاتِ سَرَواتِ الجِنِّ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وقالَ ﴿فاسْتَفْتِهِمُ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] . ومِن أجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ كَثِيرٌ مِن قَبائِلِ العَرَبِ شَيْئًا مِن عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ولِلْجِنِّ. قالَ تَعالى ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] .
والَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ هم قُرَيْشٌ وجُهَيْنَةُ وبَنُو سَلَمَةَ وخُزاعَةُ وبَنُو مُلَيْحٍ. وكانَ بَعْضُ العَرَبِ مَجُوسًا عَبَدُوا الشَّيْطانَ وزَعَمُوا أنَّهُ إلَهُ الشَّرِّ وأنَّ اللَّهَ إلَهُ الخَيْرِ، وجَعَلُوا المَلائِكَةَ جُنْدَ اللَّهِ والجِنَّ جُنْدَ الشَّيْطانِ. وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشَّيْطانَ مِن نَفْسِهِ ثُمَّ فَوَّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرَ الشَّرِّ فَصارَ إلَهَ الشَّرِّ. وهم قَدِ انْتَزَعُوا ذَلِكَ مِنَ الدِّيانَةِ المَزْدَكِيَّةِ القائِلَةِ بِإلَهَيْنِ؛ إلَهٍ لِلْخَيْرِ وهو (يَزْدانُ) . وإلَهٍ لِلشَّرِّ وهو (أهْرُمُنُ) وهو الشَّيْطانُ.
فَقَوْلُهُ ﴿الجِنَّ﴾ [سبإ: ٤١] مَفْعُولُ أوَّلُ جَعَلُوا وشُرَكاءُ مَفْعُولُهُ الثّانِي، لِأنَّ الجِنَّ
صفحة ٤٠٦
المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ لا مُطْلَقُ الشُّرَكاءِ، لِأنَّ جَعْلَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ قَدْ تَقَرَّرَ مِن قَبْلُ. ولِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ شُرَكاءَ. وقَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ مَحَلُّ تَعْجِيبٍ وإنْكارٍ، فَصارَ لِذَلِكَ أهَمَّ، وذِكْرُهُ أسْبَقَ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ في قَوْلِهِ لِلَّهِ شُرَكاءَ لِلِاهْتِمامِ والتَّعْجِيبِ مِن خَطَأِ عُقُولِهِمْ إذْ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شُرَكاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ الجِنِّ، فَهَذا التَّقْدِيمُ جَرى عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأجْلِ ما اقْتَضى خِلافَهُ. وكَلامُ الكَشّافِ يَجْعَلُ تَقْدِيمَ المَجْرُورِ في الآيَةِ لِلِاهْتِمامِ بِاعْتِقادِهِمُ الشَّرِيكِ لِلَّهِ اهْتِمامًا في مَقامِهِ وهو الِاسْتِفْظاعُ والإنْكارُ التَّوْبِيخِيُّ. وتَبِعَهُ في المِفْتاحِ إذْ قالَ في تَقْدِيمِ بَعْضِ المَعْمُولاتِ عَلى بَعْضٍ لِلْعِنايَةِ بِتَقْدِيمِهِ لِكَوْنِهِ نُصْبَ عَيْنِكَ كَما تَجِدُكَ إذا قالَ لَكَ أحَدٌ: عَرَفْتَ شُرَكاءَ لِلَّهِ، يَقِفُ شِعْرُكَ وتَقُولُ: لِلَّهِ شُرَكاءُ ؟ ! . وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ . اهـ. فَيَكُونُ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ.
والجِنُّ بِكَسْرِ الجِيمِ اسْمٌ لِمَوْجُوداتٍ مِنَ المُجَرَّداتِ الَّتِي لا أجْسامَ لَها ذاتُ طَبْعٍ نارِيٍّ، ولَها آثارٌ خاصَّةٌ في بَعْضِ تَصَرُّفاتٍ تُؤَثِّرُ في بَعْضِ المَوْجُوداتِ ما لا تُؤَثِّرُهُ القُوى العَظِيمَةُ. وهي مِن جِنْسِ الشَّياطِينِ لا يُدْرى أمَدُ وُجُودِ أفْرادِها ولا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ نَوْعِها. وقَدْ أثْبَتَها القُرْآنُ عَلى الإجْمالِ، وكانَ لِلْعَرَبِ أحادِيثُ في تَخَيُّلِها. فَهم يَتَخَيَّلُونَها قادِرَةً عَلى التَّشَكُّلِ بِأشْكالِ المَوْجُوداتِ كُلِّها ويَزْعُمُونَ أنَّها إذا مَسَّتِ الإنْسانَ آذَتْهُ وقَتَلَتْهُ. وأنَّها تَخْتَطِفُ بَعْضَ النّاسِ في الفَيافِي، وأنَّ لَها زَجَلًا وأصْواتًا في الفَيافِي، ويَزْعُمُونَ أنَّ الصَّدى هو مِنَ الجِنِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧١]، وأنَّها قَدْ تَقُولُ الشِّعْرَ، وأنَّها تَظْهَرُ لِلْكُهّانِ والشُّعَراءِ.
وجُمْلَةُ ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والواوِ لِلْحالِ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في خَلَقَهم يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ
صفحة ٤٠٧
جَعَلُوا، أيْ وخَلَقَ المُشْرِكِينَ، ومَوْقِعُ هَذِهِ الحالِ التَّعْجِيبُ مِن أنْ يَجْعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ وهو خالِقُهم، مِن قَبِيلِ ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، وعَلى هَذا تَكُونُ ضَمائِرُ الجَمْعِ مُتَناسِقَةً، والتَّعْجِيبُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن جَعْلِهِمْ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم في نَفْسِ الأمْرِ فَكَيْفَ لا يَنْظُرُونَ في أنَّ مُقْتَضى الخَلْقِ أنْ يُفْرَدَ بِالإلَهِيَّةِ إذْ لا وجْهَ لِدَعْواها لِمَن لا يَخْلُقُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] فالتَّعْجِيبُ عَلى هَذا مِن جَهْلِهِمْ وسُوءِ نَظَرِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ عائِدًا إلى الجِنِّ لِصِحَّةِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ لَهم بِاعْتِبارِ أنَّ لَهم عَقْلًا، ومَوْقِعُ الحالِ التَّعْجِيبُ مِن ضَلالِ المُشْرِكِينَ أنْ يُشْرِكُوا اللَّهَ في العِبادَةِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ تَعالى، فَإنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خالِقُ الجِنِّ، كَما تَقَدَّمَ، وأنَّهُ لا خالِقَ إلّا هو، فالتَّعْجِيبُ مِن مُخالَفَتِهِمْ لِمُقْتَضى عِلْمِهِمْ. فالتَّقْدِيرُ: وخَلَقَهم كَما في عِلْمِهِمْ، أيْ وخَلَقَهم بِلا نِزاعٍ. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرَ.
وجُمْلَةُ ﴿وخَرَّقُوا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وجَعَلُوا والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وخَرَقُوا“ بِتَخْفِيفِ الرّاءِ، وقَرَأهُ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ.
والخَرْقُ: أصْلُهُ القَطْعُ والشَّقُّ. وقالَ الرّاغِبُ: هو القَطْعُ والشَّقُّ عَلى سَبِيلِ الفَسادِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ [الكهف: ٧١] . وهو ضِدُّ الخَلْقِ، فَإنَّهُ فَعْلُ الشَّيْءِ بِتَقْدِيرٍ ورِفْقٍ، والخَرْقُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ. ولَمْ يُقَيِّدْهُ غَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ. وأيًّا ما كانَ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ الخَرْقُ مَجازًا في الكَذِبِ كَما اسْتُعْمِلَ فِيهِ افْتَرى واخْتَلَقَ مِنَ الفَرْيِ والخَلْقِ. وفي الكَشّافِ: سُئِلَ الحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وخَرَّقُوا﴾ فَقالَ: كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها، كانَ الرَّجُلُ إذا كَذَبَ كِذْبَةً في نادِي القَوْمِ يَقُولُ بَعْضُهم: قَدْ خَرَقَها واللَّهِ. وقِراءَةُ نافِعٍ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الفِعْلِ؛ لِأنَّ التَّفْعِيلَ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ حُصُولِ الفِعْلِ. فَمَعْنى خَرَّقُوا كَذَبُوا عَلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الخَرْقِ، أيْ نَسَبُوا إلَيْهِ بَنِينَ وبَناتٍ كَذِبًا،
صفحة ٤٠٨
فَأمّا نِسْبَتُهُمُ البَنِينَ إلى اللَّهِ فَقَدْ حَكاها عَنْهُمُ القُرْآنُ هُنا. والمُرادُ أنَّ المُشْرِكِينَ نَسَبُوا إلَيْهِ بَنِينَ وبَناتٍ. ولَيْسَ المُرادُ اليَهُودَ في قَوْلِهِمْ (﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠])، ولا النَّصارى في قَوْلِهِمْ (عِيسى ابْنُ اللَّهِ) . كَما فَسَّرَ بِهِ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ السِّياقَ ويُشَوِّشُ عَوْدَ الضَّمائِرِ ويَخْرِمُ نَظْمَ الكَلامِ. فالوَجْهُ أنَّ المُرادَ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ نَسَبُوا لِلَّهِ البَنِينَ وهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّنُوا شَيْئًا مِنَ المَجُوسِيَّةِ لِأنَّهم لَمّا جَعَلُوا الشَّيْطانَ مُتَوَلِّدًا عَنِ اللَّهِ تَعالى إذْ قالُوا إنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ العالَمَ تَفَكَّرَ في مَمْلَكَتِهِ واسْتَعْظَمَها فَحَصَلَ لَهُ عُجْبٌ تَوَلَّدَ عَنْهُ الشَّيْطانُ، ورُبَّما قالُوا أيْضًا: إنَّ اللَّهَ شَكَّ في قُدْرَةِ نَفْسِهِ فَتَوَلَّدَ مِن شَكِّهِ الشَّيْطانُ، فَقَدْ لَزِمَهم أنَّ الشَّيْطانَ مُتَوَلِّدٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى عَمّا يَقُولُونَ، فَلَزِمَهم نِسْبَةُ الِابْنِ إلى اللَّهِ تَعالى.
ولَعَلَّ بَعْضَهم كانَ يَقُولُ بِأنَّ الجِنَّ أبْناءُ اللَّهِ والمَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، أوْ أنَّ في المَلائِكَةِ ذُكُورًا وإناثًا، ولَقَدْ يَنْجَرُّ لَهم هَذا الِاعْتِقادِ مِنَ اليَهُودِ فَإنَّهم جَعَلُوا المَلائِكَةَ أبْناءَ اللَّهِ. فَقَدْ جاءَ في أوَّلِ الإصْحاحِ السّادِسِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ: وحَدَثَ لَمّا ابْتَدَأ النّاسُ يَكْثُرُونَ عَلى الأرْضِ ووُلِدَ لَهم بَناتٌ أنَّ أبْناءَ اللَّهِ رَأوْا بَناتِ النّاسِ أنَّهُنَّ حَسَناتٌ فاتَّخَذُوا لِأنْفُسِهِمْ نِساءً مِن كُلِّ ما اخْتارُوا وإذْ دَخَلَ بَنُو اللَّهِ عَلى بَناتِ النّاسِ ووَلَدْنَ لَهم أوْلادًا هَؤُلاءِ هُمُ الجَبابِرَةُ الَّذِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ ذَوُو اسْمٍ.
وأمّا نِسْبَتُهُمُ البَناتِ إلى اللَّهِ فَهي مَشْهُورَةٌ في العَرَبِ إذْ جَعَلُوا المَلائِكَةَ إناثًا، وقالُوا: هُنَّ بَناتُ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ خَرَّقُوا، أيِ اخْتَلَقُوا اخْتِلاقًا عَنْ جَهْلٍ وضَلالَةٍ، لِأنَّهُ اخْتِلاقٌ لا يَلْتَئِمُ مَعَ العَقْلِ والعِلْمِ فَقَدْ رَمَوْا بِقَوْلِهِمْ عَنْ عَمًى وجَهالَةٍ. فالمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا العِلْمُ بِمَعْناهُ الصَّحِيحِ، وهو حُكْمُ الذِّهْنِ المُطابِقُ لِلْواقِعِ عَنْ ضَرُورَةٍ أوْ بُرْهانٍ.
صفحة ٤٠٩
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ مُلابِسًا تَخْرِيقَهم غَيْرَ العِلْمِ فَهو مُتَلَبِّسٌ بِالجَهْلِ بَدْءًا وغايَةً، فَهم قَدِ اخْتَلَقُوا بِلا داعٍ ولا دَلِيلٍ، ولَمْ يَجِدُوا لِما اخْتَلَقُوهُ تَرْوِيجًا، وقَدْ لَزِمَهم بِهِ لازِمُ الخَطَلِ وفَسادُ القَوْلِ وعَدَمُ التِئامِهِ، فَهَذا مَوْقِعُ ”باءِ“ المُلابَسَةِ في الآيَةِ الَّذِي لا يُفِيدُ مُفادُهُ غَيْرَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ تَنْزِيهًا عَنْ جَمِيعِ ما حُكِيَ عَنْهم. فَـ سُبْحانَ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ. وأصْلُ الكَلامِ أُسَبِّحُ اللَّهَ سُبْحانًا. فَلَمّا عُوِّضَ عَنْ فِعْلِهِ صارَ سُبْحانَ اللَّهِ بِإضافَتِهِ إلى مَفْعُولِهِ الأصْلِيِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى تَعالى ارْتَفَعَ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ العُلُوِّ. والتَّفاعُلُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الِاتِّصافِ. والعُلُوُّ هُنا مَجازٌ، أيْ كَوْنُهُ لا يَنْقُصُهُ ما وصَفُوهُ بِهِ، أيْ لا يُوصَفُ بِذَلِكَ لِأنَّ الِاتِّصافَ بِمِثْلِ ذَلِكَ نَقْصٌ وهو لا يَلْحَقُهُ النَّقْصُ فَشُبِّهَ التَّحاشِي عَنِ النَّقائِصِ بِالِارْتِفاعِ، لِأنَّ الشَّيْءَ المُرْتَفِعَ لا تَلْتَصِقُ بِهِ الأوْساخُ الَّتِي شَأْنُها أنْ تَكُونَ مَطْرُوحَةً عَلى الأرْضِ، فَكَما شَبَّهَ النَّقْصَ بِالسَّفالَةِ شَبَّهَ الكَمالَ بِالعُلُوِّ، فَمَعْنى (تَعالى عَنْ ذَلِكَ) أنَّهُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَعالى، فَـ (عَنْ) لِلْمُجاوَزَةِ. وقَدْ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ المَوْصُولِ، أيْ عَنِ الَّذِي يَصِفُونَهُ.
والوَصْفُ: الخَبَرُ عَنْ أحْوالِ الشَّيْءِ وأوْصافِهِ وما يَتَمَيَّزُ بِهِ، فَهو إخْبارٌ مُبَيِّنٌ مُفَصِّلٌ لِلْأحْوالِ، حَتّى كَأنَّ المُخْبِرَ يَصِفُ الشَّيْءَ ويَنْعَتُهُ.
واخْتِيرَ في الآيَةِ فِعْلُ ﴿يَصِفُونَ﴾ لِأنَّ ما نَسَبُوهُ إلى اللَّهِ يَرْجِعُ إلى تَوْصِيفِهِ بِالشُّرَكاءِ والأبْناءِ، أيْ تَباعَدَ عَنِ الِاتِّصافِ بِهِ. وأمّا كَوْنُهم وصَفُوهُ بِهِ فَذَلِكَ أمْرٌ واقِعٌ.
6:101Page 140
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٠١
[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion [i.e., wife] and He created all things? And He is, of all things, Knowing.
صفحة ٤١٠
﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهْوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ وهَذا شُرُوعٌ في الإخْبارِ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهي تُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَقْوِيَةَ التَّنْزِيهِ في قَوْلِهِ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] فَتَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ ذَلِكَ التَّنْزِيهِ بِمَضْمُونِها أيْضًا، وبِهَذا الوَجْهِ رُجِّحَ فَصْلُها عَلى عَطْفِها فَإنَّ ما يَصِفُونَهُ هو قَوْلُهم: إنَّ لَهُ ولَدًا وبَناتٍ، لِأنَّ ذَلِكَ التَّنْزِيهَ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الشَّيْءِ المُنَزَّهِ عَنْهُ وإبْطالُهُ، فَعُلِّلَ الإبْطالُ بِأنَّهُ خالِقُ أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ، فَإذا كُنْتُمْ تَدَّعُونَ بُنُوَّةَ الجِنِّ والمَلائِكَةِ لِأجْلِ عَظَمَتِها في المَخْلُوقاتِ وأنْتُمْ لا تَرَوْنَ الجِنَّ ولا المَلائِكَةَ فَلِماذا لَمْ تَدَّعُوا البُنُوَّةَ لِلسَّماواتِ والأرْضِ المُشاهَدَةِ لَكم وأنْتُمْ تَرَوْنَها وتَرَوْنَ عِظَمَها. فَهَذا الإبْطالُ بِمَنزِلَةِ النَّقْضِ في عِلْمِ الجَدَلِ والمُناظَرَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَدِيعُ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُلْتَزَمِ الحَذْفِ في مِثْلِهِ، وهو مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الجارِي عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ عِنْدَما يَتَقَدَّمُ الحَدِيثُ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ يُعَقَّبُ بِخَبَرٍ عَنْهُ مُفْرَدٍ، كَما تَقَدَّمَ في مَواضِعَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والِاسْتِدْلالُ عَلى انْتِفاءِ البُنُوَّةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِإبْداعِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ خَلْقَ المَحَلِّ يَقْتَضِي خَلْقَ الحالِّ فِيهِ، فالمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ بِأنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ وأنَّ الجِنَّ في الأرْضِ والفَيافِي، فَيَلْزَمُهم حُدُوثُ المَلائِكَةِ والجِنِّ وإلّا لَوُجِدَ الحالُّ قَبْلَ وُجُودِ المَحَلِّ، وإذا ثَبَتَ الحُدُودُ ثَبَتَ انْتِفاءُ البُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ ابْنَ الإلَهِ لا يَكُونُ إلّا إلَهًا فَيَلْزَمُ قِدَمُهُ، كَيْفَ وقَدْ ثَبَتَ حُدُوثُهُ،
صفحة ٤١١
ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُمُ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا بِقَوْلِهِ ”﴿سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ التَّنْزِيهِ مِنَ الإبْطالِ، وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِاخْتِلافِ طَرِيقِ الإبْطالِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى أبْطَلَتْ دَعْواهم مِن جِهَةِ فَسادِ الشُّبْهَةِ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ النَّقْضِ في المُناظَرَةِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ أبْطَلَتِ الدَّعْوى مِن جِهَةِ إبْطالِ الحَقِيقَةِ فَكَأنَّها مِن جِهَةِ خَطَأِ الدَّلِيلِ، لِأنَّ قَوْلَهم بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ والجِنَّ أبْناءُ اللَّهِ يَتَضَمَّنُ دَلِيلًا مَحْذُوفًا عَلى البُنُوَّةِ، وهو أنَّهم مَخْلُوقاتٌ شَرِيفَةٌ، فَأبْطَلَ ذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ بِما يُنافِي الدَّعْوى وهو انْتِفاءُ الزَّوْجَةِ الَّتِي هي أصْلُ الوِلادَةِ، فَهَذا الإبْطالُ الثّانِي بِمَنزِلَةِ المُعارَضَةِ في المُناظَرَةِ.
وأنّى بِمَعْنى مِن أيْنَ وبِمَعْنى كَيْفَ.
والواوُ في ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ واوُ الحالِ؛ لِأنَّ هَذا مَعْلُومٌ لِلْمُخاطَبِينَ فَلِذَلِكَ جِيءَ بِهِ في صِيغَةِ الحالِ.
والصّاحِبَةُ: الزَّوْجَةُ لِأنَّها تُصاحِبُ الزَّوْجَ في مُعْظَمِ أحْوالِهِ. وقَدْ جَعَلَ انْتِفاءَ الزَّوْجَةِ مُسَلَّمًا لِأنَّهم لَمْ يَدَّعُوهُ فَلَزِمَهُمُ انْتِفاءُ الوَلَدِ لِانْتِفاءِ شَرْطِ التَّوَلُّدِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى المُحاجَّةِ العُرْفِيَّةِ بِناءً عَلى ما هو المَعْلُومُ في حَقِيقَةِ الوِلادَةِ.
وقَوْلُهُ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ بَدِيعِ السَّماواتِ والأرْضِ بِاعْتِبارِ ظاهِرِها وهو التَّوْصِيفُ بِصِفاتِ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ، فَبَعْدَ أنْ أخْبَرَ بِأنَّهُ تَعالى مُبْدِعُ السَّماواتِ والأرْضِ أخْبَرَ أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، أيْ كُلُّ مَوْجُودٍ فَيَشْمَلُ ذَواتِ السَّماواتِ والأرْضِ، وشَمِلَ ما فِيهِما، والمَلائِكَةُ مِن جُمْلَةِ ما تَحْوِيهِ السَّماواتُ، والجِنُّ مِن جُمْلَةِ ما تَحْوِيهِ الأرْضُ عِنْدَهم، فَهو خالِقُ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ، والخالِقُ لا يَكُونُ أبًا كَما عَلِمْتَ. فَفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إبْطالُ
صفحة ٤١٢
الوَلَدِ أيْضًا، وهَذا إبْطالٌ ثالِثٌ بِطَرِيقِ الكُلِّيَّةِ بَعْدَ أنْ أبْطَلَ إبْطالًا جُزْئِيًّا، والمَعْنى أنَّ المَوْجُوداتِ كُلَّها مُتَساوِيَةٌ في وصْفِ المَخْلُوقِيَّةِ، ولَوْ كانَ لَهُ أوْلادٌ لَكانُوا غَيْرَ مَخْلُوقِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِإتْمامِ تَعْلِيمِ المُخاطَبِينَ بَعْضَ صِفاتِ الكَمالِ الثّابِتَةِ لِلَّهِ تَعالى، فَهي جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ بِاعْتِبارِ ما فِيها مِنَ التَّوْصِيفِ لا بِاعْتِبارِ الرَّدِّ. ولِكَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ عَدَلَ فِيها عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ”بِكُلِّ شَيْءٍ“ دُونَ أنْ يَقُولَ (بِهِ) لِأنَّ التَّذْيِيلاتِ يُقْصَدُ فِيها أنْ تَكُونَ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ بِنَفْسِها؛ لِأنَّها تُشْبِهُ الأمْثالَ في كَوْنِها كَلامًا جامِعًا لِمَعانٍ كَثِيرَةٍ.
6:102Page 141
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ١٠٢
That is Allāh, your Lord; there is no deity except Him, the Creator of all things, so worship Him. And He is Disposer of all things.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ .
وُقُوعُ اسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ إجْراءِ الصِّفاتِ والأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ حَقِيقٌ بِالأخْبارِ والأوْصافِ الَّتِي تَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنِّي تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] قَبْلَ هَذا، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُشارُ إلَيْهِ هو المَوْصُوفُ بِالصِّفاتِ المُضَمَّنَةِ بِالأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ، ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ عَنِ اتِّباعِ اسْمِ الإشارَةِ بِبَيانٍ أوْ بَدَلٍ، والمَعْنى: ذَلِكُمُ المُبْدِعُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ والخالِقُ كُلَّ شَيْءٍ والعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، أيْ هو الَّذِي تَعْلَمُونَهُ. وقَوْلُهُ رَبُّكم صِفَةٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ. وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ حالٌ مِن رَبِّكم أوْ صِفَةٌ. وقَوْلُهُ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ صِفَةٌ لِـ ”رَبُّكم“ أوْ لِاسْمِ الجَلالَةِ، وإنَّما لَمْ نَجْعَلْهُ خَبَرًا لِأنَّ الإخْبارَ قَدْ تَقَدَّمَ بِنَظائِرِهِ في قَوْلِهِ ”﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١]“ .
صفحة ٤١٣
وجُمْلَةُ فاعْبُدُوهُ مُفَرَّعَةٌ عَلى قَوْلِهِ ”﴿رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾“ وقَدْ جَعَلَ الأمْرَ بِعِبادَتِهِ مُفَرَّعًا عَلى وصْفِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ لِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ، والِانْفِرادُ بِالرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالعِبادَةِ، وقَدْ فُهِمَ هَذا التَّخْصِيصُ مِنَ التَّفْرِيعِ.
ووَجْهُ أمْرِهِمْ بِعِبادَتِهِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَتَوَجَّهُونَ بِأعْمالِ البِرِّ في اعْتِقادِهِمْ إلّا إلى الأصْنامِ فَهم يَزُورُونَها ويُقَرِّبُونَ إلَيْها القَرابِينَ ويَنْذِرُونَ لَها النُّذُورَ ويَسْتَعِينُونَ بِها ويَسْتَنْجِدُونَ بِنُصْرَتِها، وما كانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا في مَوْسِمِ الحَجِّ، عَلى أنَّهم قَدْ خَلَطُوهُ بِالتَّقَرُّبِ إلى الأصْنامِ إذْ جَعَلُوا فَوْقَ الكَعْبَةِ (هُبَلَ)، وجَعَلُوا فَوْقَ الصَّفا والمَرْوَةِ (إسافًا ونائِلَةَ) . وكانَ كَثِيرٌ مِنهم يُهِلُّ لِـ (مَناةَ) في مُنْتَهى الحَجِّ، فَكانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِها صَرِيحًا، وأُمِرُوا بِالِاقْتِصارِ عَلَيْها بِطَرِيقِ الإيماءِ بِالتَّفْرِيعِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”فاعْبُدُوهُ“ مُعْتَرِضَةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”فاعْبُدُوهُ“ بِناءً عَلى جَوازِ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ والعَكْسِ (وهو الحَقُّ)، عَلى وجْهِ تَكْمِيلِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، بِأنَّهُ مُتَكَفِّلٌ بِالأشْياءِ كُلِّها مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإنْعامِ وكُلُّ ما يَطْلُبُ المَرْءُ حِفْظَهُ لَهُ، فالوَجْهُ عِبادَتُهُ ولا وجْهَ لِعِبادَةِ غَيْرِهِ، فَإنَّ اسْمَ الوَكِيلِ جامِعٌ لِمَعْنى الحِفْظِ والرِّقابَةِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences