Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:117–120
6:117Page 142
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١١٧
Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهْوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾
تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام: ١١٦] لِأنَّ مَضْمُونَهُ التَّحْذِيرُ مِن نَزَغاتِهِمْ وتَوَقُّعُ التَّضْلِيلِ مِنهم، وهو يَقْتَضِي أنَّ المُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ الِاهْتِداءَ، فَلْيَجْتَنِبُوا الضّالِّينَ، ولْيَهْتَدُوا بِاللَّهِ الَّذِي يَهْدِيهِمْ، وكَذَلِكَ شَأْنُ (إنَّ) إذا جاءَتْ في خَبَرٍ لا يَحْتاجُ لِرَدِّ الشَّكِّ أوِ الإنْكارِ، (أنَّ) تُفِيدُ تَأْكِيدَ
صفحة ٢٩
الخَبَرِ ووَصْلَهُ بِالَّذِي قَبْلَهُ، بِحَيْثُ تُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ، وتُفِيدُ التَّعْلِيلَ، ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى بَيانِ ضَلالِ الضّالِّينَ، وهُدى المُهْتَدِينَ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ تَذْيِيلًا لِجَمِيعِ تِلْكَ الأغْراضِ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ لِتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ، وإظْهارِ أنَّ هَدْيَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الهُدى، وأنَّ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم مُضِلُّونَ لا حَظَّ لَهم في الهُدى؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا اللَّهَ رَبًّا لَهم، وقَدْ «قالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ: لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أجِيبُوهُ قُولُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم» .
وأعْلَمُ اسْمُ تَفْضِيلٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ أحَدٌ مِنَ الضّالِّينَ، ولا أحَدٌ مِنَ المُهْتَدِينَ، وأنَّ غَيْرَ اللَّهِ قَدْ يَعْلَمُ بَعْضَ المُهْتَدِينَ وبَعْضَ المُضِلِّينَ، ويَفُوتُهُ عِلْمٌ كَثِيرٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وتَخْفى عَلَيْهِ دَخِيلَةُ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ﴾ ضَمِيرُ الفَصْلِ، لِإفادَةِ قَصْرِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، فالأعْلَمِيَّةُ بِالضّالِّينَ والمُهْتَدِينَ مَقْصُورَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، ووَجْهُ هَذا القَصْرِ أنَّ النّاسَ لا يَشُكُّونَ في أنَّ عِلْمَهم بِالضّالِّينَ والمُهْتَدِينَ عِلْمٌ قاصِرٌ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا عَلِمَ بَعْضَ أحْوالِ النّاسِ تَخْفى عَلَيْهِمْ أحْوالُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وكُلُّهم يَعْلَمُ قُصُورَ عِلْمِهِ، ويَتَحَقَّقُ أنَّ ثَمَّةَ مَن هو أعْلَمُ مِنَ العالِمِ مِنهم، لَكِنَّ المُشْرِكِينَ يَحْسَبُونَ أنَّ الأعْلَمِيَّةَ وصْفٌ لِلَّهِ تَعالى ولِآلِهَتِهِمْ، فَنُفِيَ بِالقَصْرِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ يُشارِكُ اللَّهَ في وصْفِ الأعْلَمِيَّةِ المُطْلَقَةِ.
و(مَن) مَوْصُولَةٌ، وإعْرابُها نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ وُجُودُ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ
صفحة ٣٠
لا يَنْصِبُ بِنَفْسِهِ مَفْعُولًا بِهِ لِضَعْفِ شَبَهِهِ بِالفِعْلِ، بَلْ إنَّما يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِالباءِ أوْ بِاللّامِ أوْ بِإلى، ونَصْبُهُ المَفْعُولَ نادِرٌ، وحَقُّهُ هُنا أنْ يُعَدّى بِالباءِ، فَحُذِفَتِ الباءُ إيجازَ حَذْفٍ، تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ.
وإنَّما حُذِفَ الحَرْفُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وأُظْهِرَ في الثّانِيَةِ دُونَ العَكْسِ، مَعَ أنَّ شَأْنَ القَرِينَةِ أنْ تَتَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُضافُ إلى جَمْعٍ يَكُونُ المُفَضَّلُ واحِدًا مِنهم، نَحْوُ: هو أعْلَمُ العُلَماءِ وأكْرَمُ الأسْخِياءِ، فَلَمّا كانَ المَنصُوبانِ فِيهِما غَيْرُ ظاهِرٍ عَلَيْهِما الإعْرابُ، يَلْتَبِسُ المَفْعُولُ بِالمُضافِ إلَيْهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُلْتَبِسٍ في الجُمْلَةِ الأُولى؛ لِأنَّ الصِّلَةَ فِيها دالَّةٌ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِهِمْ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ الضّالِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ؛ أيْ: أعْلَمُ عالِمٍ مِنهم؛ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ سامِعٍ أنْ يُقالَ: فُلانٌ أعْلَمُ الجاهِلِينَ؛ لِأنَّهُ كَلامٌ مُتَناقِضٌ، فَإنَّ الضَّلالَ جَهالَةٌ، فَفَسادُ المَعْنى يَكُونُ قَرِينَةً عَلى إرادَةِ المَعْنى المُسْتَقِيمِ، وذَلِكَ مِن أنْواعِ القَرِينَةِ الحالِيَّةِ، بِخِلافِ ما لَوْ قالَ: وهو أعْلَمُ المُهْتَدِينَ، فَقَدْ يَتَوَهَّمُ السّامِعُ أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ المُهْتَدِينَ؛ أيْ: أقْوى المُهْتَدِينَ عِلْمًا؛ لِأنَّ الِاهْتِداءَ مِنَ العِلْمِ، هَذا ما لاحَ لِي في نُكْتَةِ تَجْرِيدِ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ مِن حَرْفِ الجَرِّ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ ( أعْلَمُ.
6:118Page 142
فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١١٨
So eat of that [meat] upon which the name of Allāh has been mentioned,1 if you are believers in His verses [i.e., revealed law].
﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾
هَذا تَخَلُّصٌ مِن مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ وبَيانُ ضَلالِهِمُ المُذَيَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧]، انْتَقَلَ الكَلامُ مِن ذَلِكَ إلى تَبْيِينِ شَرائِعِ هُدًى لِلْمُهْتَدِينَ، وإبْطالِ شَرائِعَ شَرَّعَها المُضِلُّونَ، تَبْيِينًا يُزِيلُ التَّشابُهَ والِاخْتِلاطَ، ولِذَلِكَ خُلِّلَتِ الأحْكامُ المَشْرُوعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ بِأضْدادِها الَّتِي كانَ شَرَّعَها المُشْرِكُونَ وسَلَفُهم.
وما تُشْعِرُ بِهِ الفاءُ مِنَ التَّفْرِيعِ يَقْضِي بِاتِّصالِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَها، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]
صفحة ٣١
تَضَمَّنَ إبْطالَ ما ألْقاهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الشُّبْهَةِ عَلى المُسْلِمِينَ في تَحْرِيمِ المَيْتَةِ، إذْ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ تَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ وما قَتَلَ الكَلْبُ والصَّقْرُ حَلالٌ أكْلُهُ، وأنَّ ما قَتَلَ اللَّهُ حَرامٌ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا شَمِلَهُ قَوْلُهُ تَعالى: وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ فَلَمّا نَهى اللَّهُ عَنِ اتِّباعِهِمْ، وسَمّى شَرائِعَهم خَرْصًا، فَرَّعَ عَلَيْهِ هُنا الأمْرَ بِأكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ أيْ: عِنْدَ قَتْلِهِ؛ أيْ: ما نُحِرَ أوْ ذُبِحَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والنَّهْيُ عَنْ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ومِنهُ المَيْتَةُ، فَإنَّ المَيْتَةَ لا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، ولِذَلِكَ عُقِّبَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِآيَةِ ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
فَتَبَيَّنَ أنَّ الفاءَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مَعْلُومٍ مِنَ المُرادِ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ: فَكُلُوا لِلْإباحَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنَّ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَحْرُمُ أكْلُهُ؛ لِأنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُسْلِمِينَ ولا عِنْدَ المُشْرِكِينَ، عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإباحَةِ لَيْسَ رَفْعَ الحَرَجِ، ولَكِنْ بَيانُ ما هو المُباحُ، وتَمْيِيزُهُ عَنْ ضِدِّهِ مِنَ المَيْتَةِ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُّبِ، والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المَوْصُولَ صادِقٌ عَنِ الذَّبِيحَةِ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَذْكُرُونَ عِنْدَ الذَّبْحِ أوِ النَّحْرِ اسْمَ المَقْصُودِ بِتِلْكَ الذَّكاةِ، يَجْهَرُونَ بِذِكْرِ اسْمِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ: ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] أيْ: أُعْلِنَ، والمَعْنى كُلُوا المُذَكّى ولا تَأْكُلُوا المَيْتَةَ، فَما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كِنايَةً عَنِ المَذْبُوحِ؛ لِأنَّ التَّسْمِيَةَ إنَّما تَكُونُ عِنْدَ الذَّبْحِ.
وتَعْلِيقُ فِعْلِ الإباحَةِ بِما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أفْهَمَ أنَّ غَيْرَ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لا يَأْكُلُهُ المُسْلِمُونَ، وهَذا الغَيْرُ يُساوِي مَعْناهُ ما ذُكِرَ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ عادَتَهم أنْ يَذْبَحُوا ذَبِيحَةً إلّا ذَكَرُوا عَلَيْها اسْمَ اللَّهِ، إنْ كانَتْ هَدْيًا في الحَجِّ، أوْ ذَبِيحَةً لِلْكَعْبَةِ، وإنْ كانَتْ قُرْبانًا لِلْأصْنامِ
صفحة ٣٢
أوْ لِلْجِنِّ ذَكَرُوا عَلَيْها اسْمَ المُتَقَرَّبِ إلَيْهِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مُفِيدًا النَّهْيَ عَنْ أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ، والنَّهْيُ عَمّا لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ ولا اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ تَرْكَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ بَيْنَهم لا يَكُونُ إلّا لِقَصْدِ تَجَنُّبِ ذِكْرِهِ.
وعُلِمَ مِن ذَلِكَ أيْضًا النَّهْيُ عَنْ أكْلِ المَيْتَةِ ونَحْوِها، مِمّا لَمْ تُقْصَدْ ذَكاتُهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ أوِ اسْمِ غَيْرِهِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ إرادَةِ ذَبْحِ الحَيَوانِ، كَما هو مَعْرُوفٌ لَدَيْهِمْ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تَعْيِينِ أكْلِ ما ذُكِّيَ دُونَ المَيْتَةِ، بِناءً عَلى عُرْفِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما في الكَشّافِ أنَّ الفُقَهاءَ تَأوَّلُوا قَوْلَهُ الآتِي: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] بِأنَّهُ أرادَ بِهِ المَيْتَةَ، وبِناءً عَلى فَهْمِ أنْ يَكُونَ قَدْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَكاتِهِ دُونَ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ؛ أخْذًا مِن مَقامِ الإباحَةِ والِاقْتِصارِ فِيهِ عَلى هَذا دُونَ غَيْرِهِ، ولَيْسَ في الآيَةِ صِيغَةُ قَصْرٍ، ولا مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ، ولَكِنَّ بَعْضَها مِن دَلالَةِ صَرِيحِ اللَّفْظِ، وبَعْضَها مِن سِياقِهِ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ الأخِيرَةُ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ المُسْتَفادَةِ بِالعَقْلِ الَّتِي لا تُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ ولا مَجازٍ.
وبِهَذا يُعْلَمُ أنْ لا عَلاقَةَ لِلْآيَةِ بِحُكْمِ نِسْيانِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ، فَإنَّ تِلْكَ مَسْألَةٌ أُخْرى لَها أدِلَّتُها، ولَيْسَ مِن شَأْنِ التَّشْرِيعِ القُرْآنِيِّ التَّعَرُّضُ لِلْأحْوالِ النّادِرَةِ.
و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِي، تَدُلُّ عَلى شِدَّةِ اتِّصالِ فِعْلِ الذِّكْرِ بِذاتِ الذَّبِيحَةِ، بِمَعْنى أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها عِنْدَ مُباشَرَةِ الذَّبْحِ لا قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ تَقْيِيدٌ لِلِاقْتِصارِ المَفْهُومِ: مِن فِعْلِ الإباحَةِ، وتَعْلِيقِ المَجْرُورِ بِهِ، وهو تَحْرِيضٌ عَلى التِزامِ ذَلِكَ، وعَدَمِ التَّساهُلِ فِيهِ، حَتّى جُعِلَ مِن عَلاماتِ كَوْنِ فاعِلِهِ مُؤْمِنًا، وذَلِكَ حَيْثُ كانَ شِعارُ أهْلِ الشِّرْكِ ذِكْرَ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ عَلى مُعْظَمِ الذَّبائِحِ.
صفحة ٣٣
فَأمّا تَرْكُ التَّسْمِيَةِ: فَإنْ كانَ لِقَصْدِ تَجَنُّبِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ فَهو مُساوٍ لِذِكْرِ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ، وإنْ كانَ لِسَهْوٍ فَحُكُمُهُ يُعْرَفُ مِن أدِلَّةٍ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وأدِلَّةٍ أُخْرى مِن كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ .
6:119Page 143
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩
And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.
﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] . والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ.
و(ما) لِلِاسْتِفْهامِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ؛ أيْ: لا يَثْبُتُ لَكم عَدَمُ الأكْلِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ أيْ: كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ خَبَرٌ عَنْ (ما) أيْ: ما اسْتَقَرَّ لَكم.
وأنْ لا تَأْكُلُوا مَجْرُورٌ بِـ ”في“ مَحْذُوفَةٌ مَعَ أنَّ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِما في الخَبَرِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وتَقَدَّمَ بَيانُ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولَمْ يُفْصِحْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنْ وجْهِ عَطْفِ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ، ولا عَنِ الدّاعِي إلى هَذا الخِطابِ، سِوى ما نَقَلَهُ الخَفاجِيُّ في حاشِيَةِ التَّفْسِيرِ عَمَّنْ لَقَّبَهُ عَلَمَ الهُدى، ولَعَلَّهُ عَنى بِهِ الشَّرِيفَ المُرْتَضى: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن أكْلِ الطَّيِّباتِ، تَقَشُّفًا وتَزَهُّدًا. ا هـ.
ولَعَلَّهُ يُرِيدُ تَزَهُّدًا عَنْ أكْلِ اللَّحْمِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ اسْتِطْرادًا بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُسْتَعْمَلٌ في اللَّوْمِ، ولا أحْسَبُ
صفحة ٣٤
ما قالَهُ هَذا المُلَقَّبُ بِعَلَمِ الهُدى صَحِيحًا ولا سَنَدَ لَهُ أصْلًا، قالَ الطَّبَرِيُّ: ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَفَّ عَنْ أكْلِ ما أحَلَّ اللَّهُ مِنَ الذَّبائِحِ والوَجْهُ عِنْدِي أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ، لَمّا حَرَّمَ اللَّهُ أكْلَ المَيْتَةِ أنَأْكَلُ ما نَقْتُلُ ولا نَأْكُلُ ما يَقْتُلُ اللَّهُ يَعْنُونَ المَيْتَةَ، فَوَقَعَ في أنْفُسِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِإبْطالِ قِياسِ المُشْرِكِينَ المُمَوِّهِ بِأنَّ المَيْتَةَ أوْلى بِالأكْلِ مِمّا قَتَلَهُ الذّابِحُ بِيَدِهِ، فَأبْدى اللَّهُ لِلنّاسِ الفَرْقَ بَيْنَ المَيْتَةِ والمُذَكّى، بِأنَّ المُذَكّى ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والمَيْتَةَ لا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، وهو فارِقٌ مُؤَثِّرٌ.
وأعْرِضْ عَنْ مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ لِأنَّ الخِطابَ مَسُوقٌ إلى المُسْلِمِينَ لِإبْطالِ مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ فَآلَ إلى الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ في الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] إذْ قالَ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ، فَيَنْقَلِبُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: وما لَكم أنْ لّا تَأْكُلُوا إلى مَعْنى لا يُسَوِّلْ لَكُمُ المُشْرِكُونَ أكْلَ المَيْتَةِ؛ لِأنَّكم تَأْكُلُونَ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، هَذا ما قالُوهُ وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ عَنْ مَوْقِعِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها؛ أيْ: لا يَصُدُّكم شَيْءٌ مِن كُلِّ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم فَلا تَعْدُوهُ إلى غَيْرِهِ، فَظاهِرُ هَذا أنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَهم مِن قَبْلُ ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولاتِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِوَحْيٍ غَيْرِ القُرْآنِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً عَلى الصَّحِيحِ، كَما تَقَدَّمَ في دِيباجَةِ تَفْسِيرِها، فَذَلِكَ يُناكِدُ أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ في التِّلاوَةِ مُتَقَدِّمًا نُزُولُهُ، ولا أنْ يَكُونَ المُرادُ ما في
صفحة ٣٥
سُورَةِ المائِدَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] لِأنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وسُورَةُ الأنْعامِ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عائِدِ المَوْصُولِ، وهو الضَّمِيرُ المَنصُوبُ بِـ (حَرَّمَ) المَحْذُوفُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: إلّا الَّذِي اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ، فَإنَّ المُحَرَّماتِ أنْواعٌ اسْتُثْنِيَ مِنها ما يُضْطَرُّ إلَيْهِ مِن أفْرادِها فَيَصِيرُ حَلالًا، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى جَعْلِ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما اضْطُرِرْتُمْ﴾ مَصْدَرِيَّةً.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿ما حَرَّمَ﴾ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأهُ الباقُونَ: بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، والمَعْنى في القِراءاتِ فِيهِما واحِدٌ.
والِاضْطِرارُ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ.
* * *
﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيَضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾
تَحْذِيرٌ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالمُشْرِكِينَ في تَحْرِيمِ بَعْضِ الأنْعامِ عَلى بَعْضِ أصْنافِ النّاسِ.
وهُوَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَعْرِيضًا بِالحَذَرِ مِن أنْ يَكُونُوا مِن جُمْلَةِ مَن يُضِلُّهم أهْلُ الأهْواءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: (لَيَضِلُّونَ) - بِفَتْحِ الياءِ - عَلى أنَّهم ضالُّونَ في أنْفُسِهِمْ، وقَرَأهُ عاصِمٌ،
صفحة ٣٦
وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: بِضَمِّ الياءِ عَلى مَعْنى أنَّهم يُضِلِّلُونَ النّاسَ، والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ الضّالَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يُضِلَّ غَيْرَهُ، ولِأنَّ المُضِلَّ لا يَكُونُ في الغالِبِ إلّا ضالًّا، إلّا إذا قَصَدَ التَّغْرِيرَ بِغَيْرِهِ، والمَقْصُودُ التَّحْذِيرُ مِنهم وذَلِكَ حاصِلٌ عَلى القِراءَتَيْنِ.
والباءُ في بِأهْوائِهِمْ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى القِراءَتَيْنِ، والباءُ في (بِغَيْرِ عِلْمٍ) لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: يُضِلُّونَ مُنْقادِينَ لِلْهَوى، مُلابِسِينَ لِعَدَمِ العِلْمِ.
والمُرادُ بِالعِلْمِ: الجَزْمُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ عَنْ دَلِيلٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] ومِن هَؤُلاءِ قادَةُ المُشْرِكِينَ في القَدِيمِ، مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، أوَّلُ مَن سَنَّ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ وبَحَّرَ البَحِيرَةَ وسَيَّبَ السّائِبَةَ وحَمى الحامِيَ، ومَن بَعْدَهُ مِثْلُ الَّذِينَ قالُوا: ما قَتَلَ اللَّهُ أوْلى بِأنْ نَأْكُلَهُ مِمّا قَتَلْنا بِأيْدِينا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، وفِيهِ إعْلامٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِتَوَعُّدِ اللَّهِ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، فالإخْبارُ بِعِلْمِ اللَّهِ بِهِمْ كِنايَةٌ عَنْ أخْذِهِ إيّاهم بِالعُقُوبَةِ وأنَّهُ لا يُفْلِتُهم؛ لِأنَّ كَوْنَهُ عالِمًا بِهِمْ لا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِهِ، وهو وعِيدٌ لَهم أيْضًا، لِأنَّهم يَسْمَعُونَ القُرْآنَ ويُقْرَأُ عَلَيْهِمْ حِينَ الدَّعْوَةِ.
وذِكْرُ المُعْتَدِينَ، عَقِبَ ذِكْرِ الضّالِّينَ، قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُمُ المُرادُ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِانْتِظامِ الكَلامِ مُناسَبَةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِهِمْ وهم مُعْتَدُونَ، وسَمّاهُمُ اللَّهُ مُعْتَدِينَ، والِاعْتِداءُ: الظُّلْمُ؛ لِأنَّهم تَقَلَّدُوا الضَّلالَ مِن دُونِ حُجَّةٍ ولا نَظَرٍ، فَكانُوا مُعْتَدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومُعْتَدِينَ عَلى كُلِّ مَن دَعَوْهُ إلى مُوافَقَتِهِمْ.
صفحة ٣٧
وقَدْ أشارَ هَذا إلى أنَّ كُلَّ مَن تَكَلَّمَ في الدِّينِ بِما لا يَعْلَمُهُ، أوْ دَعا النّاسَ إلى شَيْءٍ لا يَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ أوْ باطِلٌ، فَهو مُعْتَدٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ولِلنّاسِ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن أفْتى ولَيْسَ هو بِكُفْءٍ لِلْإفْتاءِ.
6:120Page 143
وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠
And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.
﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والمَعْنى: إنْ أرَدْتُمُ الزُّهْدَ والتَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ فَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِتَرْكِ الإثْمِ، لا بِتَرْكِ المُباحِ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى فِعْلِ (ذَرَ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] . في هَذِهِ السُّورَةِ، والإثْمُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والتَّعْرِيفُ في الإثْمِ تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّهُ في المَعْنى تَعْرِيفٌ لِلظّاهِرِ ولِلْباطِنِ مِنهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ تَعْمِيمُ أفْرادِ الإثْمِ لِانْحِصارِها في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، كَما يُقالُ: المَشْرِقُ والمَغْرِبُ والبَرُّ والبَحْرُ، لِقَصْدِ اسْتِغْراقِ الجِهاتِ.
وظاهِرُ الإثْمِ ما يَراهُ النّاسُ، وباطِنُهُ ما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النّاسُ ويَقَعُ في السِّرِّ، وقَدِ اسْتَوْعَبَ هَذا الأمْرَ تَرْكُ جَمِيعِ المَعاصِي، وقَدْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ يُراءُونَ النّاسَ بِعَمَلِ الخَيْرِ، فَإذا خَلَوُا ارْتَكَبُوا الآثامَ، وفي بَعْضِهِمْ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] .
* * *
صفحة ٣٨
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِتَرْكِ الإثْمِ، وإنْذارٌ وإعْذارٌ لِلْمَأْمُورِينَ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ) وهي في مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ أيْ: مَقامِ تَعْقِيبِ الأمْرِ أوِ الإخْبارِ تُفِيدُ مَعْنى التَّعْلِيلِ، وتُغْنِي عَنِ الفاءِ، ومِثالُها المَشْهُورُ قَوْلُ بَشّارٍ:
إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ
وإظْهارُ لَفْظِ الإثْمِ في مَقامِ إضْمارِهِ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَهُ لِزِيادَةِ التَّنْدِيدِ بِالإثْمِ، ولِيَسْتَقِرَّ في ذِهْنِ السّامِعِ أكْمَلَ اسْتِقْرارٍ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتَسِيرَ مَسِيرَ الأمْثالِ والحِكَمِ.
وحَرْفُ السِّينِ - المَوْضُوعُ لِلْخَبَرِ المُسْتَقْبَلِ - مُسْتَعْمَلٌ هُنا في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ واسْتِمْرارِهِ.
ولَمّا جاءَ في المُذْنِبِينَ فِعْلُ يَكْسِبُونَ المُتَعَدِّي إلى الإثْمِ، جاءَ في صِلَةِ جَزائِهِمْ بِفِعْلِ يَقْتَرِفُونَ؛ لِأنَّ الِاقْتِرافَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ بِهِ اكْتِسابُ الإثْمِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences