Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:133–135
6:133Page 145
وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣
And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, He can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.
﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾
صفحة ٨٥
عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢] إخْبارًا عَنْ عِلْمِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى الخَبَرِ عَنْ عَمَلِهِ، وفي كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ وعِيدٌ ووَعْدٌ، وفي الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ كِنايَةٌ عَنْ غِناهُ تَعالى عَنْ إيمانِ المُشْرِكِينَ ومُوالاتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وكِنايَةٌ عَنْ رَحْمَتِهِ؛ إذْ أمْهَلَ المُشْرِكِينَ ولَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ العَذابَ، كَما قالَ: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ [الكهف: ٥٨] في سُورَةِ الكَهْفِ.
وقَوْلُهُ: (ورَبُّكَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وهو الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ، فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِما في اسْمِ الرَّبِّ مِن دَلالَةٍ عَلى العِنايَةِ بِصَلاحِ المَرْبُوبِ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها فَتَسِيرُ مَسْرى الأمْثالِ والحِكَمِ، ولِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ .
والغَنِيُّ: هو الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ، والغَنِيُّ الحَقِيقِيُّ هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ بِحالٍ، وقَدْ قالَ عُلَماءُ الكَلامِ: إنَّ صِفَةَ الغَنِيِّ الثّابِتَةِ لِلَّهِ تَعالى يَشْمَلُ مَعْناها وُجُوبَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ افْتِقارَ المُمْكِنِ إلى المُوجِدِ المُخْتارِ الَّذِي يُرَجِّحُ طَرَفَ وُجُودِهِ عَلى طَرَفِ عَدَمِهِ هو أشَدُّ الِافْتِقارِ، وأحْسِبُ أنَّ مَعْنى الغَنِيِّ صِفَةُ الوُجُودِ في مُتَعارَفِ اللُّغَةِ، إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اصْطِلاحًا لِلْمُتَكَلِّمِينَ خاصًّا بِمَعْنى الغَنِيِّ المُطْلَقِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما قُلْتُهُ أنَّ مِن أسْمائِهِ تَعالى المُغْنِي، ولَمْ يُعْتَبَرْ في مَعْناهُ أنَّهُ مُوجِدُ المَوْجُوداتِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الغَنِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] في سُورَةِ النِّساءِ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِاللّامِ مُقْتَضٍ تَخْصِيصَهُ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ؛ أيْ: قَصْرُ الغِنى عَلى اللَّهِ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ بِاعْتِبارِ أنَّ غِنى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَ غِنًى ناقِصًا نَزَلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ؛ أيْ: رَبُّكَ الغَنِيُّ لا غَيْرُهُ، وغِناهُ تَعالى حَقِيقِيٌّ، وذِكْرُ وصْفِ الغَنِيِّ هُنا تَمْهِيدٌ لِلْحُكْمِ الوارِدِ عَقِبَهُ، وهو ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ فَهو مِن تَقْدِيمِ الدَّلِيلِ بَيْنَ يَدَيِ الدَّعْوى، تَذْكِيرًا بِتَقْرِيبِ حُصُولِ الجَزْمِ بِالدَّعْوى.
صفحة ٨٦
و﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ.
وعَدَلَ عَنْ أنْ يُوصَفَ بِوَصْفِ الرَّحِيمِ إلى وصْفِهِ بِأنَّهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ لِأنَّ الغَنِيَّ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلَّهِ لا يَنْتَفِعُ الخَلائِقُ إلّا بِلَوازِمِ ذَلِكَ الوَصْفِ، وهي جُودُهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يَنْقُصُ شَيْئًا مِن غِناهُ، بِخِلافِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ فَإنَّ تَعَلُّقَها يَنْفَعُ الخَلائِقَ، فَأُوثِرَتْ بِكَلِمَةِ (ذُو) لِأنَّ (ذُو) كَلِمَةٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى الوَصْفِ بِالأجْناسِ، ومَعْناها: صاحِبُ، وهي تُشْعِرُ بِقُوَّةِ أوْ وفْرَةِ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَلا يُقالُ ذُو إنْصافٍ إلّا لِمَن كانَ قَوِيَّ الإنْصافِ، ولا يُقالُ ذُو مالٍ لِمَن عِنْدَهُ مالٌ قَلِيلٌ، والمَقْصُودُ مِنَ الوَصْفِ بِذِي الرَّحْمَةِ هُنا تَمْهِيدٌ لِمَعْنى الإمْهالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ: فَلا يَقُولُنَّ أحَدٌ لِماذا لَمْ يُذْهِبْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ؛ أيْ: أنَّهُ لِرَحْمَتِهِ أمْهَلَهم إعْذارًا لَهم.
* * *
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يُكَذِّبُونَ الإنْذارَ بِعَذابِ الإهْلاكِ فَيَقُولُونَ: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] وذَلِكَ ما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] .
فالخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِمَن يَغْفَلُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَيَكُونُ تَهْدِيدًا صَرِيحًا.
والمَعْنى: إنْ يَشَأِ اللَّهُ يُعَجِّلْ بِإفْنائِكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] أيْ: فَما إمْهالُهُ إيّاكم إلّا لِأنَّهُ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ.
صفحة ٨٧
جُمْلَةُ الشَّرْطِ وجَوابِهِ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، ومَفْعُولُ (يَشاءُ) مَحْذُوفٌ عَلى طَرِيقَتِهِ المَأْلُوفَةِ في حَذْفِ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ.
والإذْهابُ مَجازٌ في الإعْدامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] .
والِاسْتِخْلافُ: جَعْلُ الخَلَفِ عَنِ الشَّيْءِ، والخَلَفُ: العِوَضُ عَنْ شَيْءٍ فائِتٍ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ عامَّةٌ؛ أيْ: ما يَشاءُ مِن مُؤْمِنِينَ أوْ كافِرِينَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالِاسْتِئْصالِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الضَّمِيرِ يُفِيدُ العُمُومَ.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ تَشْبِيهٌ في إنْشاءِ مَوْجُوداتٍ بَعْدَ مَوْجُوداتٍ أُخْرى، لا في كَوْنِ المُنْشَئاتِ مُخْرَجَةً مِن بَقايا المَعْدُوماتِ كَما أنْشَأ البَشَرَ نَشْأةً ثانِيَةً مِن ذُرِّيَّةِ مَن أنْجاهُمُ اللَّهُ في السَّفِينَةِ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَعْرِيضًا بِإهْلاكِ المُشْرِكِينَ ونَجاةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ.
وكافُ التَّشْبِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ نِيابَةٌ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ؛؛ لِأنَّها وصْفٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافًا كَما أنْشَأكم، فَإنَّ الإنْشاءَ يَصِفُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِخْلافِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، ومَعْنى الذُّرِّيَّةِ واشْتِقاقِها تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَصْفُ قَوْمٍ بِـ (آخَرِينَ) لِلدَّلالَةِ عَلى المُغايَرَةِ؛ أيْ: قَوْمٍ لَيْسُوا مِن قَبائِلِ العَرَبِ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُنْشِئَ أقْوامًا مِن أقْوامٍ يُخالِفُونَهم في اللُّغَةِ والعَوائِدِ والمَواطِنِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَباعُدِ العُصُورِ، وتَسَلْسُلِ المُنْشَآتِ؛ لِأنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ لا يَحْدُثُ إلّا في أزْمِنَةٍ بَعِيدَةٍ، فَشَتّانَ بَيْنِ أحْوالِ قَوْمِ نُوحٍ وبَيْنَ أحْوالِ العَرَبِ المُخاطَبِينَ، وبَيْنَ ذَلِكَ قُرُونٌ مُخْتَلِفَةٌ مُتَباعِدَةٌ.
6:134Page 145
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤
Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allāh].1
صفحة ٨٨
﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٣] فَإنَّ المَشِيئَةَ تَشْتَمِلُ عَلى حالَيْنِ: حالِ تَرْكِ إهْلاكِهِمْ، وحالِ إيقاعِهِ، فَأفادَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَلَّقَتْ بِإيقاعِ ما أوْعَدَهم بِهِ مِنَ الإذْهابِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، جَوابًا عَنْ أنْ يَقُولَ سائِلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مُتَوَرِّكًا بِالوَعِيدِ: إذا كُنّا قَدْ أُمْهِلْنا وأُخِّرَ عَنّا الِاسْتِئْصالُ فَقَدْ أفْلَتْنا مِنَ الوَعِيدِ، ولَعَلَّهُ يَلْقاهُ أقْوامٌ بَعْدَنا، فَوَرَدَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ مَوْرِدَ الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ النّاشِئِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ بِتَحْقِيقِ أنَّ ما أُوعِدَ بِهِ المُشْرِكُونَ واقِعٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ.
والتَّأكُّدُ بِـ (إنَّ) مُناسِبٌ لِمَقامِ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ، وزِيادَةُ التَّأكُّدِ بِلامِ الِابْتِداءِ؛ لِأنَّهم مُتَوَغِّلُونَ في إنْكارِ تَحَقُّقِ ما أُوعِدُوا بِهِ مِن حُصُولِ الوَعِيدِ واسْتِسْخارِهِمْ بِهِ، فَإنَّهم قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] إفْحامًا لِلرَّسُولِ ﷺ وإظْهارًا لِتَخَلُّفِ وعِيدِهِ.
وبِناءُ تُوعَدُونَ لِلْمَجْهُولِ يُصَحِّحُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُضارِعَ وعَدَ يَعِدُ، أوْ مُضارِعَ أُوعِدَ يُوعَدُ، والمُتَبادَرُ هو الأوَّلُ، ومِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ اخْتِيارُ بِنائِهِ لِلْمَجْهُولِ، لِيَصْلُحَ لَفْظُهُ لِحالِ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، ولَوْ بُنِيَ لِلْمَعْلُومِ لَتَعَيَّنَ فِيهِ أحَدُ الأمْرَيْنِ؛ بِأنْ يُقالَ: إنَّ ما نَعِدُكم، أوْ إنَّ ما نُوعِدُكم، وهَذا مِن بَدِيعِ التَّوْجِيهِ المَقْصُودِ مِنهُ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ السّامِعِينَ ما يَلِيقُ بِحالِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ وعِيدَ المُشْرِكِينَ يَسْتَلْزِمُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَقْصُودُ الأهَمُّ هو وعِيدُ المُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ عَقَّبَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ فَذَلِكَ كالتَّرْشِيحِ لِأحَدِ المُحْتَمَلَيْنِ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ.
صفحة ٨٩
الإتْيانُ مُسْتَعارٌ لِلْحُصُولِ تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المَوْعُودِ بِهِ المُنْتَظَرِ وُقُوعُهُ بِالشَّخْصِ الغائِبِ المُنْتَظَرِ إتْيانُهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ [الأنعام: ٤٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وحَقِيقَةُ المُعْجِزِ هو الَّذِي يَجْعَلُ طالِبَ شَيْءٍ عاجِزًا عَنْ نَوالِهِ؛ أيْ: غَيْرُ قادِرِينَ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مَعْنى الإفْلاتِ مِن تَناوُلِ طالِبِهِ كَما قالَ إياسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطّائِيُّ:
ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها
أيْ: فَلا تُفْلِتُ مِنِّي بُقْعَةٌ مِنها لا يَصِلُ إلَيْها العَدُوُّ الَّذِي يُطالِبُنِي.
فالمَعْنى: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِيَّ؛ أيْ: بِمُفْلِتِينَ مِن وعِيدِي، أوْ بِخارِجِينَ عَنْ قُدْرَتِي، وهو صالِحٌ لِلِاحْتِمالَيْنِ.
ومَجِيءُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةٌ في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لِإفادَةِ الثَّباتِ والدَّوامِ، في نِسْبَةِ المُسْنَدِ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ، وهي نِسْبَةُ نَفْيِهِ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الخُصُوصِيّاتِ الَّتِي تُعْتَبَرُ في حالَةِ الإثْباتِ تُعْتَبَرُ في حالَةِ النَّفْيِ؛ إذِ النَّفْيُ إنَّما هو كَيْفِيَّةٌ لِلنِّسْبَةِ، والخُصُوصِيّاتُ مُقْتَضَياتُ أحْوالِ التَّرْكِيبِ، ولَيْسَ يَخْتَلِفُ النَّفْيُ عَنِ الإثْباتِ إلّا في اعْتِبارِ القُيُودِ الزّائِدَةِ عَلى أصْلِ التَّرْكِيبِ، فَإنَّ النَّفْيَ يُعْتَبَرُ مُتَوَجِّهًا إلَيْها خاصَّةً، وهي قُيُودُ مَفاهِيمِ المُخالَفَةِ، وإلّا لَبَطُلَتْ خُصُوصِيّاتٌ كَثِيرَةٌ مَفْرُوضَةٌ مَعَ الإثْباتِ، إذا صارَ الكَلامُ المُشْتَمِلُ عَلَيْها مَنفِيًّا، مِثْلُ إفادَةِ التَّجَدُّدِ في المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِ جُؤَيَّةَ بْنِ النَّضْرِ:
لا يَأْلَفُ الدِّرْهَمُ المَضْرُوبُ صُرَّتَنا ∗∗∗ لَكِنْ يَمُرُّ عَلَيْها وهو مُنْطَلِقُ
إذْ لا فَرْقَ في إفادَةِ التَّجَدُّدِ بَيْنَ هَذا المِصْراعِ، وبَيْنَ أنْ تَقُولَ: ألِفَ الدِّرْهَمُ صُرَّتَنا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَإنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ أنَّ نَفْيَ حِلِّهِنَّ حُكْمٌ مُتَجَدِّدٌ لا يُنْسَخُ، فَهُما اعْتِبارانِ، وقَدْ أشَرْتُ إلى بَعْضِ هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
6:135Page 145
قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥
Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home.1 Indeed, the wrongdoers will not succeed."
صفحة ٩٠
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] فَإنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ مِنهُ هو وعِيدُ المُشْرِكِينَ كَما مَرَّ، فَأعْقَبَهُ بِما تَمَحَّضَ لِوَعِيدِهِمْ، وهو الأمْرُ المُسْتَعْمَلُ في الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ، لِيُمْلِيَ لَهم في ضَلالِهِمْ إمْلاءً يُشْعِرُ، في مُتَعارَفِ التَّخاطُبِ، بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِمّا يَزِيدُ المَأْمُورَ اسْتِحْقاقًا لِلْعُقُوبَةِ واقْتِرابًا مِنها، أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُنادِيَهم ويُهَدِّدَهم، وأمَرَ أنْ يَبْتَدِئَ خِطابَهم بِالنِّداءِ لِلِاهْتِمامِ بِما سَيُقالُ لَهم؛ لِأنَّ النِّداءَ يَسْتَرْعِي إسْماعَ المُنادَيْنِ، وكانَ المُنادِي عُنْوانَ القَوْمِ لِما يَشْعُرُ بِهِ مِن أنَّهُ قَدْ رَقَّ لِحالِهِمْ حِينَ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] لِأنَّ الشَّأْنَ أنَّهُ يُحِبُّ لِقَوْمِهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
والنِّداءُ لِلْقَوْمِ المُعانِدِينَ بِقَرِينَةِ المَقامِ الدّالِّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلتَّهْدِيدِ، وأنَّ عَمَلَهم مُخالِفٌ لِعَمَلِهِ، لِقَوْلِهِ: اعْمَلُوا ) مَعَ قَوْلِهِ: ( إنِّي عامِلٌ.
فالأمْرُ في قَوْلِهِ: اعْمَلُوا لِلتَّسْوِيَةِ والتَّخْلِيَةِ لِإظْهارِ اليَأْسِ مِنِ امْتِثالِهِمْ لِلنُّصْحِ بِحَيْثُ يُغَيِّرُ ناصِحُهم نُصْحَهم إلى الإطْلاقِ لَهم فِيما يُحِبُّونَ أنْ يَفْعَلُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وهَذا الِاسْتِعْمالُ اسْتِعارَةٌ إذْ يُشَبَّهُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِ المَأْيُوسُ مِنَ ارْعِوائِهِ بِالمَأْمُورِ بِأنْ يَفْعَلَ ما كانَ يُنْهى عَنْهُ، فَكَأنَّ ذَلِكَ المَنهِيَّ صارَ واجِبًا، وهَذا تَهَكُّمٌ.
والمَكانَةُ: المَكانُ، جاءَ عَلى التَّأْنِيثِ مِثْلُ ما جاءَ المُقامَةُ لِلْمُقامِ، والدّارَةُ اسْمًا لِلدّارِ، والماءَةُ لِلْماءِ الَّذِي يُنْزَلُ حَوْلَهُ، يُقالُ: أهْلُ الماءِ وأهْلُ الماءَةِ.
والمَكانَةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْحالَةِ الَّتِي تَلَبَّسَ بِها المَرْءُ، تُشَبَّهُ الحالَةُ في إحاطَتِها وتَلَبُّسِ صاحِبِها بِها بِالمَكانِ الَّذِي يَحْوِي الشَّيْءَ، كَما تَقَدَّمَ
صفحة ٩١
إطْلاقُ الدّارِ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] أوْ تَكُونُ المَكانَةُ كِنايَةً عَنِ الحالَةِ؛ لِأنَّ أحْوالَ المَرْءِ تَظْهَرُ في مَكانِهِ ومَقَرِّهِ، فَلِذَلِكَ يُقالُ: يا فُلانُ عَلى مَكانَتِكَ؛ أيْ: اُثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ لا تَنْحَرِفْ عَنْهُ.
ومَفْعُولُ (اعْمَلُوا) مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ أيِ: اعْمَلُوا عَمَلَكُمُ المَأْلُوفَ الَّذِي هو دَأْبُكم، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ بِالحَقِّ.
و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَكُّنِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وهي مُناسِبَةٌ لِاسْتِعارَةِ المَكانَةِ لِلْحالَةِ؛ لِأنَّ العِلاوَةَ تُناسِبُ المَكانَ، فَهي تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ، مُسْتَعارٌ مِن مُلائِمِ المُشَبَّهِ بِهِ لِمُلائِمِ المُشَبَّهِ، والمَعْنى: الزَمُوا حالَكم فَلا مَطْمَعَ لِي في اتِّباعِكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ بِالإفْرادِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: ”مَكاناتِكُمُ“ جَمْعُ مَكانَةٍ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ (إنِّي عامِلٌ) تَعْلِيلٌ لِمُفادِ التَّسْوِيَةِ مِنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ: (اعْمَلُوا) أيْ: لا يَضُرُّنِي تَصْمِيمُكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، لَكِنِّي مُسْتَمِرٌّ عَلى عَمَلِي؛ أيْ: أنِّي غَيْرُ تارِكٍ لِما أنا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
وحَذْفُ مُتَعَلَّقِ إنِّي عامِلٌ لِلتَّعْمِيمِ مَعَ الِاخْتِصارِ، وسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ في نَظِيرِهِ مِن سُورَةِ الزُّمَرِ.
ورُتِّبَ عَلى عَمَلِهِمْ وعَمَلِهِ الإنْذارُ بِالوَعِيدِ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُتَفَرِّعٌ عَلى ذَلِكَ التَّهْدِيدِ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ مُرادٌ مِنهُ تَأْكِيدُ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ حَرْفَيِ التَّنْفِيسِ يُؤَكِّدانِ المُسْتَقْبَلَ كَما تُؤَكِّدُ ”قَدْ“ الماضِي، ولِذَلِكَ قالَ سِيبَوَيْهِ في الكَلامِ عَلى ”لَنْ“: إنَّها لِنَفْيِ سَيَفْعَلُ، فَأخَذَ مِنهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إفادَتَها تَأْكِيدَ النَّفْيِ.
صفحة ٩٢
وهَذا صَرِيحٌ في التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ إخْبارَهم بِأنَّهم سَيَعْلَمُونَ يُفِيدُ أنَّهُ يَعْلَمُ وُقُوعَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وتَصْمِيمُهُ عَلى أنَّهُ عامِلٌ عَلى مَكانَتِهِ ومُخالِفٌ لِعَمَلِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُوقِنٌ بِحُسْنِ عُقْباهُ وسُوءِ عُقْباهم، ولَوْلا ذَلِكَ لَعَمِلَ عَمَلَهم؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَرْضى الضُّرَّ لِنَفْسِهِ، فَدَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عَلى أنَّ عِلْمَهم يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وأمّا هو فَعالِمٌ مِنَ الآنِ، فَفِيهِ كِنايَةٌ عَنْ وُثُوقِهِ بِأنَّهُ مُحِقٌّ، وأنَّهم مُبْطِلُونَ، وسَيَجِيءُ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ مِن سُورَةِ هُودٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ اسْتِفْهامٌ، وهو يُعَلِّقُ فِعْلَ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، فَلا يُعْطى مَفْعُولَيْنِ اسْتِغْناءً بِمُفادِ الِاسْتِفْهامِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: تَعْلَمُونَ أحَدَنا تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ. ومَوْضِعُ (مَن) رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ﴿تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ خَبَرُهُ.
والعاقِبَةُ في اللُّغَةِ: آخِرُ الأمْرِ، وأثَرُ عَمَلِ العامِلِ، فَعاقِبَةُ كُلِّ شَيْءٍ هي ما يَنْجَلِي عَنِ الشَّيْءِ ويَظْهَرُ في آخِرِهِ مِن أثَرٍ ونَتِيجَةٍ، وتَأْنِيثُهُ عَلى تَأْوِيلِ الحالَةِ، فَلا يُقالُ: عاقِبُ الأمْرِ، ولَكِنْ عاقِبَةُ وعُقْبى.
وقَدْ خَصَّصَ الِاسْتِعْمالُ لَفْظَ العاقِبَةِ بِآخِرَةِ الأمْرِ الحَسَنَةِ، قالَ الرّاغِبُ: العاقِبَةُ والعُقْبى يَخْتَصّانِ بِالثَّوابِ نَحْوُ ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وبِالإضافَةِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في العُقُوبَةِ نَحْوُ ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى﴾ [الروم: ١٠] وقَلَّ مَن نَبَّهَ عَلى هَذا، وهو مِن تَدْقِيقِهِ، وشَواهِدُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
والدّارُ المَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ النّاسُ مِن أرْضٍ أوْ بِناءٍ، وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] وتَعْرِيفُ الدّارِ هُنا تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ الدّارِ مُطْلَقًا، عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ، فَإضافَةُ (عاقِبَةُ) إلى (الدّارِ) إضافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ؛ أيْ: حُسْنُ الأُخارَةِ الحاصِلُ في الدّارِ، وهي الفَوْزُ بِالدّارِ، والفَلَجُ في النِّزاعِ عَلَيْها، تَشْبِيهًا بِما كانَ العَرَبُ يَتَنازَعُونَ عَلى المَنازِلِ والمَراعِي، وبِذَلِكَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾
صفحة ٩٣
اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً، شُبِّهَتْ حالَةُ المُؤْمِنِينَ الفائِزِينَ في عَمَلِهِمْ، مَعَ حالَةِ المُشْرِكِينَ، بِحالَةِ الغالِبِ عَلى امْتِلاكِ دارِ عَدُوِّهِ، وطُوِيَ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، ورُمِزَ إلَيْهِ بِذِكْرِ ما هو مِن رَوادِفِهِ، وهو ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ فَإنَّ التَّمْثِيلِيَّةَ تَكُونُ مُصَرَّحَةً، وتَكُونُ مَكْنِيَّةً، وإنْ لَمْ يُقَسِّمُوها إلَيْهِما، لَكِنَّهُ تَقْسِيمٌ لا مَحِيصَ مِنهُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الدّارُ مُسْتَعارَةً لِلْحالَةِ الَّتِي اسْتَقَرَّ فِيها أحَدٌ، تَشْبِيهًا لِلْحالِ بِالمَكانِ في الِاحْتِواءِ، فَتَكُونُ إضافَةُ (عاقِبَةُ) إلى (الدّارِ) إضافَةً بَيانِيَّةً؛ أيِ: العاقِبَةُ الحُسْنى الَّتِي هي حالُهُ، فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِعارَةً مُصَرَّحَةً.
ومِن مَحاسِنِها هُنا أنَّها بَنَتْ عَلى اسْتِعارَةِ المَكانَةِ لِلْحالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ فَصارَ المَعْنى: اعْمَلُوا في دارِكم ما أنْتُمْ عامِلُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ.
وفِي الكَلامِ مَعَ ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ عاقِبَةَ تِلْكَ الدّارِ؛ أيْ: بَلَدِ مَكَّةَ، أنْ تَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ: ﴿مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ بِغَيْرِ هَذا المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَن تَكُونُ) بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَحْتِيَّةٍ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ (عاقِبَةُ) غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَلَمّا وقَعَ فاعِلًا فَيَجُوزُ فِيهِ أنْ يُقْرَنَ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ وبِدُونِها.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْوَعِيدِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ؛ أيْ: لِأنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ، سَتَكُونُ عُقْبى الدّارِ لِلْمُسْلِمِينَ، لا لَكم؛ لِأنَّكم ظالِمُونَ.
والتَّعْرِيفُ في الظّالِمُونَ لِلِاسْتِغْراقِ، فَيَشْمَلُ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ ابْتِداءً، والضَّمِيرُ المَجْعُولُ اسْمَ (إنَّ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ تَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences