Ibn 'AshurAl‑An'am · 6:136–137

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:136–137

6:136Page 145

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦

And they [i.e., the polytheists] assign to Allāh from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allāh," by their claim, "and this is for our 'partners' [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allāh, while what is for Allāh - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

صفحة ٩٤

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهْوَ يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى نَظائِرِهِ مِمّا حُكِيَتْ فِيهِ أقْوالُهم وأعْمالُهم مِن قَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ [الأنعام: ١٠٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ فَهو إبْطالٌ لِأقْوالِهِمْ، ورَدٌّ لِمَذاهِبِهِمْ، وتَمْثِيلاتٌ ونَظائِرُ، فَضَمِيرُ الجَماعَةِ يَعُودُ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم غَرَضُ الكَلامِ مَن أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وهَذا ابْتِداءُ بَيانِ تَشْرِيعاتِهِمِ الباطِلَةِ، وأوَّلُها ما جَعَلُوهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ في أمْوالِهِمْ لِلْأصْنامِ مِمّا يُشْبِهُ الصَّدَقاتِ الواجِبَةِ، وإنَّما كانُوا يُوجِبُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ بِالِالتِزامِ مِثْلَ النُّذُورِ، أوْ بَتَعْيِينٍ مِنَ الَّذِينَ يُشَرِّعُونَ لَهم كَما سَيَأْتِي.

والجَعْلُ هُنا مَعْناهُ الصَّرْفُ والتَّقْسِيمُ، كَما في قَوْلِ عُمَرَ في قَضِيَّةِ: ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ، المُخْتَصِمُ فِيها العَبّاسُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، فَيَجْعَلُهُ رَسُولُ اللَّهِ مَجْعَلَ مالِ اللَّهِ؛ أيْ: يَضَعُهُ ويَصْرِفُهُ، وحَقِيقَةُ مَعْنى الجَعْلِ هو التَّصْيِيرُ، فَكَما جاءَ صَيَّرَ لِمَعانٍ مَجازِيَّةٍ، كَذَلِكَ جاءَ ”جَعَلَ“ فَمَعْنى (جَعَلُوا لِلَّهِ) صَرَفُوا ووَضَعُوا لِلَّهِ؛ أيْ: عَيَّنُوا لَهُ نَصِيبًا؛ لِأنَّ في التَّعْيِينِ تَصْيِيرًا تَقْدِيرِيًّا ونَقْلًا، وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي طَلْحَةَ: «أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ» أيْ: أنْ تَصْرِفَها إلَيْهِمْ، و”جَعَلَ“ هَذا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهَذِهِ التَّعْدِيَةُ هي أكْثَرُ أحْوالِ تَعْدِيَتِهِ، حَتّى أنَّ تَعْدِيَتَهُ إلى مَفْعُولَيْنِ إنَّما هُما في الحَقِيقَةِ مَفْعُولٌ وحالٌ مِنهُ.

صفحة ٩٥

ومَعْنى: ذَرَأ أنْشَأ شَيْئًا وكَثَّرَهُ، فَأُطْلِقَ عَلى الإنْماءِ؛ لِأنَّ إنْشاءَ شَيْءٍ تَكْثِيرٌ وإنْماءٌ.

﴿مِمّا ذَرَأ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلُوا) و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، فَهو في مَعْنى المَفْعُولِ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ لِأجْلِ دَلالَةِ صِلَتِهِ عَلى تَسْفِيهِ آرائِهِمْ؛ إذْ مَلَّكُوا اللَّهَ بَعْضَ مِلْكِهِ؛ لِأنَّ ما ذَرَأهُ هو مِلْكُهُ، وهو حَقِيقٌ بِهِ بِلا جَعْلٍ مِنهم.

واخْتِيارُ فِعْلِ (ذَرَأ) هُنا؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى المَعْنى المُرادِ؛ إذِ المَقْصُودُ بَيانُ شَرائِعِهِمِ الفاسِدَةِ في نَتائِجِ أمْوالِهِمْ، ثُمَّ سَيُبَيِّنُ شَرْعَهم في أُصُولِ أمْوالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] الآيَةَ.

و﴿مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ بَيانُ ”ما“ المَوْصُولَةِ.

والحَرْثُ مُرادٌ بِهِ الزَّرْعُ والشَّجَرُ، وهو في الأصْلِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ الإطْلاقُ حَتّى صارَ الحَرْثُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في الجَنّاتِ والمَزارِعِ، قالَ تَعالى: ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] .

والنَّصِيبُ: الحَظُّ والقِسْمُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والتَّقْدِيرُ: جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا ولِغَيْرِهِ نَصِيبًا آخَرَ، وفُهِمَ مِنَ السِّياقِ أنَّ النَّصِيبَ الآخَرَ لِآلِهَتِهِمْ، وقَدْ أفْصَحَ عَنْهُ في التَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ .

والإشارَتانِ إلى النَّصِيبِ المُعَيَّنِ لِلَّهِ والنَّصِيبِ المُعَيَّنِ لِلشُّرَكاءِ، واسْما الإشارَةِ مُشارٌ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى أحَدِ النَّصِيبَيْنِ عَلى الإجْمالِ؛ إذْ لا غَرَضَ في المَقامِ في تَعْيِينِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ وما جَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ.

والزَّعْمُ: الِاعْتِقادُ الفاسِدُ، أوِ القَرِيبُ مِنَ الخَطَأِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠]

صفحة ٩٦

فِي سُورَةِ النِّساءِ، وهو مُثَلَّثُ الزّايِ، والمَشْهُورُ فِيهِ بِفَتْحِ الزّايِ، ومِثْلُهُ الزَّعْمُ بِالرّاءِ مُثَلَّثُ الرّاءِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الزّايِ وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِضَمِّ الزّايِ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهم (بِزَعْمِهِمْ) بِـ (قالُوا) وجُعِلَ قَوْلُهُ: (بِزَعْمِهِمْ) مُوالِيًا لِبَعْضِ مَقُولِ القَوْلِ لِيَكُونَ مُتَّصِلًا بِما جَعَلُوهُ لِلَّهِ، فَيُرَتَّبُ التَّعْجِيبُ مِن حُكْمِهِمْ بِأنَّ ما كانَ لِلَّهِ يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ؛ أيْ: ما اكْتَفَوْا بِزَعْمِهِمُ الباطِلِ حَتّى نَكَلُوا عَنْهُ وأشْرَكُوا شُرَكاءَهم فِيما جَعَلُوهُ لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ.

والباءُ الدّاخِلَةُ عَلى زَعْمِهِمْ إمّا بِمَعْنى ”مِن“ أيْ: قالُوا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ، وأعْلَنُوا بِهِ قَوْلًا ناشِئًا عَنِ الزَّعْمِ؛ أيِ: الِاعْتِقادِ الباطِلِ، وإمّا لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم زَعَمُوا.

ومَحَلُّ الزَّعْمِ هو ما اقْتَضَتْهُ القِسْمَةُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الآلِهَةِ، وإلّا فَإنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ مِلْكٌ لِلَّهِ قَوْلٌ حَقٌّ، لَكِنَّهم لَمّا قالُوهُ عَلى مَعْنى تَعْيِينِ حَقِّ اللَّهِ في ذَلِكَ النَّصِيبِ دُونَ نَصِيبٍ آخَرَ كانَ قَوْلُهم زَعْمًا باطِلًا.

والشُّرَكاءُ هُنا جَمْعُ شَرِيكٍ؛ أيْ: شَرِيكُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في الإلَهِيَّةِ، ولَمّا شاعَ ذَلِكَ عِنْدَهم صارَ كالعِلْمِ بِالغَلَبَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنى عَنِ الإضافَةِ إلى ما فِيهِ المَعْنى المُشْتَقِّ مِنهُ - أعْنِي الشَّرِكَةَ - ثُمَّ لِأجْلِ غَلَبَتِهِ في هَذا المَعْنى صارَ بِمَنزِلَةِ اللَّقَبِ، فَلِذَلِكَ أضافُوهُ إلى ضَمِيرِهِمْ، فَقالُوا: لِشُرَكائِنا، إضافَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ لا لَفْظِيَّةٌ؛ أيْ: لِلشُّرَكاءِ الَّذِينَ يُعْرَفُونَ بِنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأصْحابُهُ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِن حُرُوثِهِمْ - يَعْنِي زَرْعَهم وشَجَرَهم وأنْعامَهم - نَصِيبًا ولِلْأوْثانِ نَصِيبًا، فَما كانَ لِلْأصْنامِ أنْفَقُوهُ عَلَيْها وما كانَ لِلَّهِ أطْعَمُوهُ الضِّيفانَ والمَساكِينَ ولا يَأْكُلُونَ مِنهُ ألْبَتَّةَ.

وكانُوا يَجْعَلُونَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِيَ لِلْأصْنامِ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنَّ (خَوْلانَ) كانَ لَهم صَنَمٌ اسْمُهُ (عَمَّ أنَسٍ) يَقْسِمُونَ لَهُ مِن

صفحة ٩٧

أنْعامِهِمْ وحُرُوثِهِمْ قِسَمًا بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، فَما دَخَلَ في حَقِّ (عَمِّ أنَسٍ) مِن حَقِّ اللَّهِ الَّذِي سَمَّوْهُ لَهُ تَرَكُوهُ لِلصَّنَمِ، وما دَخَلَ في حَقِّ اللَّهِ مَن حَقِّ (عَمِّ أنَسٍ) رَدُّوهُ عَلَيْهِ، ومِنهم بَطْنٌ يُقالُ لَهُمُ الأدِيمُ قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: كانُوا إذا جَمَعُوا الزَّرْعَ فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَحَمَلَتْ مِنَ الَّذِي لِلَّهِ إلى الَّذِي لِشُرَكائِهِمْ أقَرُّوهُ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ، وإذا حَمَلَتْ مِنَ الَّذِي لِشُرَكائِهِمْ إلى الَّذِي لِلَّهِ رَدُّوهُ، وإذا هَلَكَ ما لِأصْنامِهِمْ بِقَحْطٍ أخَذُوا بَدَلَهُ مِمّا لِلَّهِ، ولا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِيما لِلَّهِ، وإذا انْفَجَرَ مِن سُقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ فَساحَ إلى ما لِلَّذِي لِلْأصْنامِ تَرَكُوهُ، وإذا انْفَجَرَ مَن سُقْيِ ما لِلْأصْنامِ فَدَخَلَ في زَرْعِ الَّذِي لِلَّهِ سَدُّوهُ.

وكانُوا إذا أصابَتْهم سَنَةٌ اسْتَعانُوا بِما جَعَلُوهُ لِلَّهِ فَأنْفَقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وأقَرُّوا ما جَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ لِلشُّرَكاءِ، وإذا هَلَكَ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ قالُوا: لَيْسَ لِآلِهَتِنا بُدٌّ مِن نَفَقَةٍ وأخَذُوا الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ فَأنْفَقُوهُ عَلَيْها، وإذا أجْدَبَ الَّذِي لِلَّهِ وكَثُرَ الَّذِي لِآلِهَتِهِمْ قالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ أزْكى الَّذِي لَهُ فَلا يَرُدُّونَ عَلى ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ شَيْئًا مِمّا لِآلِهَتِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ مُبالَغَةٌ في صَوْنِهِ مِن أنْ يُعْطى لِما لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَصِلُ فَهو لا يُتْرَكُ إذا وصَلَ بِالأوْلى.

وعُدِّيَ (يَصِلُ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ وإلى اسْمِ شُرَكائِهِمْ، والمُرادُ لا يَصِلُ إلى النَّصِيبِ المَجْعُولِ لِلَّهِ أوْ إلى لِشُرَكائِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا جَعَلُوا نَصِيبًا لِلَّهِ ونَصِيبًا لِشُرَكائِهِمْ فَقَدِ اسْتَشْعَرُوا ذَلِكَ النَّصِيبَ مَحُوزًا لِمَن جُعِلَ إلَيْهِ وفي حِرْزِهِ فَكَأنَّهُ وصَلَ إلى ذاتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِإنْشاءِ ذَمِّ شَرائِعِهِمْ، وساءَ هُنا بِمَعْنى بِئْسَ، و(ما) هي فاعِلُ ساءَ وهي مَوْصُولَةٌ وصِلَتُها (يَحْكُمُونَ) وحُذِفَ العائِدُ المَنصُوبُ، وحُذِفَ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ لِدَلالَةِ (جَعَلُوا)

صفحة ٩٨

عَلَيْهِ؛ أيْ: ساءَ ما يَحْكُمُونَ جَعْلُهم، وسَمّاهُ حُكْمًا تَهَكُّمًا؛ لِأنَّهم نَصَبُوا أنْفُسَهم لِتَعْيِينِ الحُقُوقِ، فَفَصَلُوا بِحُكْمِهِمْ حَقَّ اللَّهِ مِن حَقِّ الأصْنامِ، ثُمَّ أباحُوا أنْ تَأْخُذَ الأصْنامُ حَقَّ اللَّهِ ولا يَأْخُذَ اللَّهُ حَقَّ الأصْنامِ، فَكانَ حُكْمًا باطِلًا كَقَوْلِهِ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] .

6:137Page 145

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧

And likewise, to many of the polytheists their partners1 have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allāh had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاءُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] والتَّقْدِيرُ: (جَعَلُوا) وزَيَّنَ لَهم شُرَكاؤُهم قَتْلَ أوْلادِهِمْ، فَقَتَلُوا أوْلادَهم، فَهَذِهِ حِكايَةُ نَوْعٍ مِن أنْواعِ تَشْرِيعاتِهِمُ الباطِلَةِ، وهي راجِعَةٌ إلى تَصَرُّفِهِمْ في ذُرِّيّاتِهِمْ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَصَرُّفاتِهِمْ في نَتائِجِ أمْوالِهِمْ، ولَقَدْ أعْظَمَ اللَّهُ هَذا التَّزْيِينَ العَجِيبَ في الفَسادِ الَّذِي حَسَّنَ أقْبَحَ الأشْياءِ، وهو قَتْلُهم أحَبَّ النّاسِ إلَيْهِمْ وهم أبْناؤُهم، فَشُبِّهَ بِنَفْسِ التَّزْيِينِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يُمَثِّلَهُ بِشَيْءٍ في الفَظاعَةِ والشَّناعَةِ لَمْ يَسَعْهُ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَبْلُغُ شَيْءٌ مَبْلَغَ أنْ يَكُونَ أظْهَرَ مِنهُ في بابِهِ، فَيَلْجَأْ إلى تَشْبِيهِهِ بِنَفْسِهِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ (والسَّفاهَةُ كاسْمِها) والتَّقْدِيرُ: وزَيَّنَ شُرَكاءُ المُشْرِكِينَ لِكَثِيرٍ فِيهِمْ تَزْيِينًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ الَّذِي زَيَّنُوهُ لَهم، وهو هو نَفْسُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومَعْنى التَّزْيِينِ التَّحْسِينُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ٩٩

ومَعْنى تَزْيِينِ ذَلِكَ هُنا أنَّهم خَيَّلُوا لَهم فَوائِدَ وقُرَبًا في هَذا القَتْلِ، بِأنْ يُلْقُوا إلَيْهِمْ مَضَرَّةَ الِاسْتِجْداءِ والعارِ في النِّساءِ، وأنَّ النِّساءَ لا يُرْجى مِنهُنَّ نَفْعٌ لِلْقَبِيلَةِ، وأنَّهُنَّ يُجَبِّنَّ الآباءَ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، ويُؤْثِرْنَ أزْواجَهُنَّ عَلى آبائِهِنَّ، فَيَأْتُونَهم مِنَ المَعانِي الَّتِي تَرُوجُ عِنْدَهم، فَإنَّ العَرَبَ كانُوا مُفْرِطِينَ في الغَيْرَةِ، والجُمُوحِ مِنَ الغَلَبِ والعارِ كَما قالَ النّابِغَةُ

حِذارًا عَلى أنْ لا تُنالَ مَقادَتِي ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرا

وإنَّما قالَ: ﴿لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ لِأنَّ قَتْلَ الأوْلادِ لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِ جَمِيعُ القَبائِلِ، وكانَ في رَبِيعَةَ ومُضَرَ، وهُما جَمْهَرَةُ العَرَبِ. ولَيْسَ كُلُّ الآباءِ مِن هاتَيْنِ القَبِيلَتَيْنِ يَفْعَلُهُ.

وأسْنَدَ التَّزْيِينَ إلى الشُّرَكاءِ: إمّا لِإرادَةِ الشَّياطِينِ الشُّرَكاءِ، فالتَّزْيِينُ تَزْيِينُ الشَّياطِينِ بِالوَسْوَسَةِ، فَيَكُونُ الإسْنادُ حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً، وإمّا لِأنَّ التَّزْيِينَ نَشَأ لَهم عَنْ إشاعَةِ كُبَرائِهِمْ فِيهِمْ، أوْ بِشَرْعٍ وضَعَهُ لَهم مَن وضَعَ عِبادَةَ الأصْنامِ وفَرَضَ لَها حُقُوقًا في أمْوالِهِمْ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَيَكُونُ إسْنادُ التَّزْيِينِ إلى الشُّرَكاءِ مَجازًا عَقْلِيًّا لِأنَّ الأصْنامَ سَبَبُ ذَلِكَ بِواسِطَةٍ أوْ بِواسِطَتَيْنِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] .

والمَعْنِيُّ بِقَتْلِ الأوْلادِ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها هو الوَأْدُ، وهو دَفْنُ البَناتِ الصَّغِيراتِ أحْياءً فَيَمُتْنَ بِغُمَّةِ التُّرابِ، كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ خَشْيَةَ الفَقْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] وخَشْيَةَ أنْ تُفْتَضَحَ الأُنْثى بِالحاجَةِ إذا هَلَكَ أبُوها، أوْ مَخافَةَ السِّباءِ، وذَكَرَ في الرَّوْضِ الأُنُفِ عَنِ النَّقّاشِ في تَفْسِيرِهِ: أنَّهم كانُوا يَئِدُونَ مِنَ البَناتِ مَن

صفحة ١٠٠

كانَتْ زَرْقاءَ أوْ بَرْشاءَ، أوْ شَيْماءَ، أوْ رَسْحاءَ، تَشاؤُمًا بِهِنَّ - وهَذا مِن خَوَرِ أوْهامِهِمْ - وأنَّ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩] وقِيلَ: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ الغِيرَةِ خَشْيَةَ أنْ يَأْتِينَ ما يَتَعَيَّرَ مِنهُ أهْلُهُنَّ. وقَدْ ذَكَرَ المُبَرِّدُ في الكامِلِ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّ تَمِيمًا مَنَعَتِ النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ الإتاوَةَ فَوَجَّهَ إلَيْهِمْ أخاهُ الرَّيّانَ بْنَ المُنْذِرِ فاسْتاقَ النِّعَمَ وسَبى الذَّرارِيَّ، فَوَفَدَتْ إلَيْهِ بَنُو تَمِيمٍ فَأنابُوا وسَألُوهُ النِّساءَ فَقالَ النُّعْمانُ: كُلُّ امْرَأةٍ اخْتارَتْ أباها رُدَّتْ إلَيْهِ وإنِ اخْتارَتْ صاحِبَها - أيِ: الَّذِي صارَتْ إلَيْهِ بِالسَّبْيِ - تُرِكَتْ عَلَيْهِ فَكُلُّهُنَّ اخْتارَتْ أباها إلّا ابْنَةٌ لِقَيْسِ بْنِ عاصِمٍ اخْتارَتْ صاحِبَها عَمْرَو بْنَ المُشَمْرَجِ، فَنَذَرَ قَيْسٌ أنْ لا تُولَدَ لَهُ ابْنَةٌ إلّا قَتَلَها فَهَذا شَيْءٌ يَعْتَلُّ بِهِ مَن وأدُوا، يَقُولُونَ: فَعَلْناهُ أنَفَةً، وقَدْ أكْذَبَ اللَّهُ ذَلِكَ في القُرْآنِ؛ أيْ: بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا﴾ [الأنعام: ١٤٠] .

وذَكَرَ البُخارِيُّ، أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ، قالَتْ: كانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يُحْيِيَ المَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا أرادَ أنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ لا تَقْتُلْها أنا أكْفِيكَ مَؤُونَتَها، فَيَأْخُذُها فَإذا تَرَعْرَعَتْ قالَ لِأبِيها: إنْ شِئْتَ دَفَعْتُها إلَيْكَ، وإنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَؤُونَتَها. والمَعْرُوفُ أنَّهم كانُوا يَئِدُونَ البِنْتَ وقْتَ وِلادَتِها قَبْلَ أنْ تَراها أُمَّها، قالَ تَعالى: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] .

وكانَ صَعْصَعَةُ بْنُ مُعاوِيَةَ مِن مُجاشِعٍ، وهو جَدُّ الفَرَزْدَقِ، يَفْدِي المَوْءُودَةَ، يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَدِ افْتَخَرَ الفَرَزْدَقُ بِذَلِكَ في شِعْرِهِ في قَوْلِهِ:

ومِنّا الَّذِي مَنَعَ الوائِداتِ ∗∗∗ وأحْيا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوءَدِ

وقَدْ أدْرَكَ جَدُّهُ الإسْلامَ فَأسْلَمَ، ولا يُعْرَفُ في تارِيخِ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ قَتْلُ أوْلادِهِمْ غَيْرَ هَذا الوَأْدِ إلّا ما ورَدَ مِن نَذْرِ عَبْدِ المُطَّلِبِ الَّذِي

صفحة ١٠١

سَنَذْكُرُهُ ولا نَدْرِي هَلْ كانَ مِثْلَ ذَلِكَ يَقَعُ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ عَبْدِ المُطَّلِبِ أوْ أنَّهُ هو الَّذِي ابْتَكَرَ ذَلِكَ ولَمْ يُتابَعْ عَلَيْهِ، ولا شَكَّ أنَّ الوَأْدَ طَرِيقَةٌ سَنَّها أيِّمَةُ الشِّرْكِ لِقَوْمِهِمْ، إذْ لَمْ يَكُونُوا يَصْدُرُونَ إلّا عَنْ رَأْيِهِمْ، فَهي ضَلالَةٌ ابْتَدَعُوها لِقَوْمِهِمْ بِعِلَّةِ التَّخَلُّصِ مِن عَوائِقِ غَزْوِهِمْ أعْداءَهم، ومِن مَعَرَّةِ الفاقَةِ والسِّباءِ، ورُبَّما كانَ سَدَنَةُ الأصْنامِ يُحَرِّضُونَهم عَلى إنْجازِ أمْرِ المَوْءُودَةِ إذا رَأوْا مِن بَعْضِهِمْ تَثاقُلًا، كَما أشارَ إلَيْهِ الكَشّافُ إذْ قالَ: والمَعْنى أنَّ شُرَكاءَهم مِنَ الشَّياطِينِ أوْ مِن سَدَنَةِ الأصْنامِ زَيَّنُوا لَهم قَتْلَ أوْلادِهِمْ بِالوَأْدِ أوِ النَّحْرِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والشُّرَكاءُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ هُمُ الَّذِينَ يَتَناوَلُونَ وأْدَ بَناتِ الغَيْرِ فَهُمُ القاتِلُونَ.

وفِي قِصَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ما يَشْهَدُ لِذَلِكَ فَإنَّهُ نَذَرَ إنْ رَزَقَهُ اللَّهُ عَشَرَةَ أوْلادٍ ذُكُورٍ، ثُمَّ بَلَغُوا مَعَهُ أنْ يَمْنَعُوهُ مِن عَدُوِّهِ، لِيَنْحَرَنَّ أحَدَهم عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَلَمّا بَلَغَ بَنُوهُ عَشَرَةً بِهَذا المَبْلَغِ دَعاهم إلى الوَفاءِ بِنَذْرِهِ فَأطاعُوهُ واسْتَقْسَمَ بِالأزْلامِ عِنْدَ هُبَلَ - الصَّنَمِ - وكانَ هُبَلُ في جَوْفِ الكَعْبَةِ، فَخَرَجَ الزَّلَمُ عَلى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فَأخَذَهُ لِيَذْبَحَهُ بَيْنَ إسافٍ ونائِلَةَ فَقالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: لا تَذْبَحُهُ حَتّى تُعْذَرَ فِيهِ، فَإنْ كانَ لَهُ فِداءٌ فَدَيْناهُ، وأشارُوا عَلَيْهِ بِاسْتِفْتاءِ عَرّافَةٍ بِخَيْبَرَ فَرَكِبُوا إلَيْها فَسَألُوها وقَصُّوا عَلَيْها الخَبَرَ فَقالَتْ: قَرِّبُوا صاحِبَكم وقَرِّبُوا عَشْرًا مِنَ الإبِلِ ثُمَّ اضْرِبُوا عَلَيْها وعَلَيْهِ بِالقِداحِ فَإنْ خَرَجَتْ عَلى صاحِبِكم فَزِيدُوا مِنَ الإبِلِ حَتّى يَرْضى رَبُّكم، وكَذَلِكَ فَعَلُوا فَخَرَجَ القَدَحُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ المُطَّلِبِ يَزِيدُ عَشْرًا مِنَ الإبِلِ ويَضْرِبُ عَلَيْها بِالقِداحِ ويَخْرُجُ القَدَحُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ حَتّى بَلَغَتِ الإبِلُ مِائَةً فَضَرَبَ عَلَيْها فَخَرَجَ القَدَحُ عَلى الإبِلِ فَنَحَرَها.

ولَعَلَّ سَدَنَةَ الأصْنامِ كانُوا يَخْلِطُونَ أمْرَ المَوْءُودَةِ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إلى أصْنامِ بَعْضِ القَبائِلِ كَما كانَتْ سُنَّةً مَوْرُوثَةً في الكَنْعانِيِّينَ مِن نَبَطِ الشّامِ يُقَرِّبُونَ صِبْيانَهم إلى الصَّنَمِ مَلُوكَ، فَتَكُونُ إضافَةُ القَتْلِ إلى الشُّرَكاءِ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها ومَجازِها.

صفحة ١٠٢

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (زَيَّنَ) بِفَتْحِ الزّايِ ونَصْبِ (قَتْلَ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ (زَيَّنَ) ورَفْعِ (شُرَكاؤُهم) عَلى أنَّهُ فاعِلُ (زَيَّنَ) وجَرِّ (أوْلادِهِمْ) بِإضافَةِ (قَتْلَ) إلَيْهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ.

وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: ”زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ“ بِبِناءِ فِعْلِ ”زُيِّنَ“ لِلنّائِبِ، ورَفْعِ ”قَتْلُ“ عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلٍ، ونَصْبِ ”أوْلادَهم“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”قَتْلُ“، وجَرِّ ”شُرَكائِهِمْ“ عَلى إضافَةِ ”قَتْلُ“ إلَيْهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، وكَذَلِكَ رُسِمَتْ كَلِمَةُ ”شُرَكائِهِمْ“ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ الَّذِي بِبِلادِ الشّامِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّذِينَ رَسَمُوا تِلْكَ الكَلِمَةِ راعَوْا قِراءَةَ ”شُرَكائِهِمْ“ بِالكَسْرِ، وهم مِن أهْلِ الفَصاحَةِ والتَّثَبُّتِ في سَنَدِ قِراءاتِ القُرْآنِ، إذْ كُتِبَ كَلِمَةُ (شُرَكائِهِمْ) بِصُورَةِ الياءِ بَعْدَ الألِفِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: أنْ مُزَيِّنًا زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَقْتُلَ شُرَكاؤُهم أوْلادَهم، فَإسْنادُ القَتْلِ إلى الشُّرَكاءِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ إمّا لِأنَّ الشُّرَكاءَ سَبَبُ القَتْلِ إذا كانَ القَتْلُ قُرْبانًا لِلْأصْنامِ، وإمّا لِأنَّ الَّذِينَ شَرَّعُوا لَهُمُ القَتْلَ هُمُ القائِمُونَ بِدِيانَةِ الشِّرْكِ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ومَن بَعْدَهُ، وإذا كانَ المُرادُ بِالقَتْلِ الوَأْدَ، فالشُّرَكاءُ سَبَبٌ، وإنْ كانَ الوَأْدُ قُرْبانًا لِلْأصْنامِ وإنْ لَمْ يَكُنْ قُرْبانًا لَهم وهو المَعْرُوفُ فالشُّرَكاءُ سَبَبُ السَّبَبِ؛ لِأنَّهُ مِن شَرائِعِ الشِّرْكِ.

وهَذِهِ القِراءَةُ لَيْسَ فِيها ما يُناكِدُ فَصاحَةَ الكَلامِ؛ لِأنَّ الإعْرابَ يُبَيِّنُ مَعانِيَ الكَلِماتِ ومَوْقِعِها، وإعْرابُها مُخْتَلِفٌ مِن رَفْعٍ ونَصْبٍ وجَرٍّ بِحَيْثُ لا لَبْسَ فِيهِ، وكَلِماتُها ظاهِرٌ إعْرابُها عَلَيْها، فَلا يُعَدُّ تَرْتِيبُ كَلِماتِها عَلى هَذا الوَصْفِ مِنَ التَّعْقِيدِ المُخِلِّ بِالفَصاحَةِ، مِثْلُ التَّعْقِيدِ الَّذِي في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

وما مِثْلُهُ في النّاسِ إلّا مُمَلَّكًا ∗∗∗ أبُو أُمِّهِ حَيٌّ أبُوهُ يُقَـارِبُهْ

لِأنَّهُ ضَمَّ إلى خَلَلِ تَرْتِيبِ الكَلامِ أنَّهُ خَلَلٌ في أرْكانِ الجُمْلَةِ وما حَفَّ بِهِ مِن تَعَدُّدِ الضَّمائِرِ المُتَشابِهَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ مِمّا يُخالِفُ مُتَعارَفَ الِاسْتِعْمالِ إلّا الفَصْلُ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، والخَطْبُ فِيهِ

صفحة ١٠٣

سَهْلٌ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ لَيْسَ أجْنَبِيًّا عَنِ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ، وجاءَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ بِالتَّهْوِيلِ والضَّجِيجِ والعَوِيلِ، كَيْفَ يُفْصَلُ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ وزادَ طُنْبُورُ الإنْكارِ نَغْمَةً، فَقالَ: والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ: ”شُرَكائِهِمْ“ مَكْتُوبًا بِالياءِ، وهَذا جَرْيٌ عَلى عادَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَوْهِينِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، إذا خالَفَتْ ما دُوِّنَ عَلَيْهِ عِلْمُ النَّحْوِ؛ لِتَوَهُّمِهِ أنَّ القِراءاتِ اخْتِياراتٌ وأقْيِسَةٌ مِنَ القُرّاءِ، وإنَّما هي رِواياتٌ صَحِيحَةٌ مُتَواتِرَةٌ، وفي الإعْرابِ دَلالَةٌ عَلى المَقْصُودِ لا تُناكِدَ الفَصاحَةَ.

ومُدَوَّناتُ النَّحْوِ ما قُصِدَ بِها إلّا ضَبْطُ قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ الغالِبَةِ لِيَجْرِيَ عَلَيْها النّاشِئُونَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولَيْسَتْ حاصِرَةً لِاسْتِعْمالِ فُصَحاءِ العَرَبِ، والقُرّاءُ حُجَّةٌ عَلى النُّحاةِ دُونَ العَكْسِ، وقَواعِدُ النَّحْوِ لا تَمْنَعُ إلّا قِياسَ المُوَلَّدِينَ عَلى ما ورَدَ نادِرًا في الكَلامِ الفَصِيحِ، والنُّدْرَةُ لا تُنافِي الفَصاحَةَ، وهَلْ يُظَنُّ بِمِثْلِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ يَقْرَأُ القُرْآنَ مُتابَعَةً لِصُورَةِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في الكِتابَةِ، ومِثْلُ هَذا لا يَرُوجُ عَلى المُبْتَدِئِينَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، وهَلّا كانَ رَسْمُ المُصْحَفِ عَلى ذَلِكَ الشَّكْلِ هادِيًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَتَفَطَّنَ إلى سَبَبِ ذَلِكَ الرَّسْمِ، أمّا ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: هي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ الفَصْلَ نادِرٌ، وهَذا لا يُثْبِتُ ضَعْفَ القِراءَةِ؛ لِأنَّ النُّدُورَ لا يُنافِي الفَصاحَةَ.

وبَعَّدَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ بِعَدَمِ مُناسَبَتِها لِلتَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ وتَبْعِيدُ ابْنِ عَطِيَّةَ لَها تَوَهُّمٌ؛ إذْ لا مُنافاةَ بَيْنَ أنْ يُزَيِّنُوا لَهم قَتْلَ أوْلادِهِمْ وبَيْنَ التَّعْلِيلِ، فَإنَّ التَّعْلِيلَ يُسْتَعْمَلُ في العاقِبَةِ مَجازًا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ: والقِراءَةُ الَّتِي لا أسْتَجِيزُ غَيْرَها بِفَتْحِ الزّايِ ونَصْبِ ”القَتْلِ“ وخَفْضِ (أوْلادِهِمْ) ورَفْعِ (شُرَكاؤُهم) وذَلِكَ عَلى عادَتِهِ في نَصْبِ نَفْسِهِ حَكَمًا في التَّرْجِيحِ بَيْنَ القِراءاتِ.

صفحة ١٠٤

واللّامُ في (لِيُرْدُوهم) لامُ العاقِبَةِ إنْ كانَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأصْنامَ، أيْ: زَيَّنُوا لَهم ذَلِكَ قَصْدًا لِنَفْعِهِمْ، فانْكَشَفَ عَنْ أضْرارٍ جَهِلُوها، وإنْ كانَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ الجِنَّ، أيِ: الشَّياطِينَ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ الإيقاعَ في الشَّرِّ مِن طَبِيعَةِ الوَسْواسِ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحْسِنُ الشَّرَّ ويَنْساقُ إلَيْهِ انْسِياقَ العَقْرَبِ لِلَّسْعِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى كَوْنِ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ مُرْدِيًا ومُلْبِسًا، فَإنَّهم أوْلِياؤُهم لا يَقْصِدُونَ إضْرارَهم، ولَكِنَّهم لَمّا دَعَوْهم إلى أشْياءَ هي في نَفْسِ الأمْرِ مَضارُّ كانَ تَزْيِينُهم مُعَلَّلًا بِالإرْداءِ والإلْباسِ، وإنْ لَمْ يَفْقَهُوهُ بِخِلافِ مَن دَعا لِسَبَبٍ فَتَبَيَّنَ خِلافُهُ، والضَّمِيرُ لِلشُّرَكاءِ، والتَّعْلِيلُ لِلتَّزْيِينِ.

والإرْداءُ: الإيقاعُ في الرَّدى، والرَّدى: المَوْتُ، ويُسْتَعْمَلُ في الضُّرِّ الشَّدِيدِ مَجازًا أوِ اسْتِعارَةً وذَلِكَ المُرادُ هُنا.

ولَبَّسَ عَلَيْهِ أوْقَعَهُ في اللَّبْسِ، وهو الخَلْطُ والِاشْتِباهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] في هَذِهِ السُّورَةِ؛ أيْ: أنْ يَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم فَيُوهِمُوهُمُ الضَّلالَ رُشْدًا وأنَّهُ مُرادُ اللَّهِ مِنهم، فَهم يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ وإلى الأصْنامِ لِتُقَرِّبَهم إلى اللَّهِ، ولا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما يَرْضاهُ اللَّهُ وما لا يَرْضاهُ، ويُخَيِّلُونَ إلَيْهِمْ أنَّ وأْدَ البَناتِ مَصْلَحَةٌ، ومِن أقْوالِهِمْ: (دَفْنُ البُناهْ مِنَ المَكْرُماهْ) (البُناهْ، والمَكْرُماهْ بِالهاءِ ساكِنَةً في آخِرِهِما) وأصْلُها تاءُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ فَغُيِّرَتْ لِتَخْفِيفِ المَثَلِ، وهَكَذا شَأْنُ الشُّبَهِ والأدِلَّةِ المَوْهُومَةِ الَّتِي لا تَسْتَنِدُ إلى دَلِيلٍ، فَمَعْنى ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أنَّهم يُحْدِثُونَ لَهم دِينًا مُخْتَلِطًا مِن أصْنافِ الباطِلِ، كَما يُقالُ: وسِّعِ الجُبَّةَ، أيِ اجْعَلْها واسِعَةً، وقِيلَ: المُرادُ لِيُدْخِلُوا عَلَيْهِمُ اللَّبْسَ في الدِّينِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وهو دِينُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيِ: الحَنِيفِيَّةُ، فَيَجْعَلُوا فِيهِ أشْياءَ مِنَ الباطِلِ تَخْتَلِطُ مَعَ الحَقِّ.

والقَوْلُ في مَعْنى ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ آنِفًا: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] وضَمِيرُ الرَّفْعِ في

صفحة ١٠٥

(فَعَلُوهُ) يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ؛ أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَعَصَمَهم مِن تَزْيِينِ شُرَكائِهِمْ، أوْ يَعُودُ إلى الشُّرَكاءِ؛ أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَصَدَّهم عَنْ إغْواءِ أتْباعِهِمْ، وضَمِيرُ النَّصْبِ يَعُودُ إلى القَتْلِ أوْ إلى التَّزْيِينِ عَلى التَّوْزِيعِ، عَلى الوَجْهَيْنِ في ضَمِيرِ الرَّفْعِ.

والمُرادُ: بِما يَفْتَرُونَ ما يَفْتَرُونَهُ عَلى اللَّهِ بِنِسْبَةِ أنَّهُ أمَرَهم بِما اقْتَرَفُوهُ، وكانَ افْتِراؤُهُمُ اتِّباعًا لِافْتِراءِ شُرَكائِهِمْ، فَسَمّاهُ افْتِراءً؛ لِأنَّهم تَقَلَّدُوهُ عَنْ غَيْرِ نَظَرٍ ولا اسْتِدْلالٍ، فَكَأنَّهم شارَكُوا الَّذِينَ افْتَرَوْهُ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ سَدَنَةِ الأصْنامِ، وقادَةِ دِينِ الشِّرْكِ، وقَدْ كانُوا يُمَوِّهُونَ عَلى النّاسِ أنَّ هَذا مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ بَعْدَ هَذِهِ: (افْتِراءً عَلَيْهِ) وقَوْلُهُ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском