Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:138–140
6:138Page 146
وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨
And they say, "These animals1 and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them]2 and those upon which the name of Allāh is not mentioned3 - [all of this] an invention of untruth about Him.4 He will punish them for what they were inventing.
﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وهَذا ضَرْبٌ آخَرُ مِن دِينِهِمُ الباطِلِ، وهو راجِعٌ إلى تَحْجِيرِ التَّصَرُّفِ عَلى أنْفُسِهِمْ في بَعْضِ أمْوالِهِمْ، وتَعْيِينِ مَصارِفِهِ، وفي هَذا العَطْفِ إيماءٌ إلى أنَّ ما قالُوهُ هو مِن تَلْقِينِ شُرَكائِهِمْ وسَدَنَةِ أصْنامِهِمْ كَما قُلْنا في مَعْنى زَيَّنَ لَهم شُرَكاؤُهم.
والإشارَةُ بِهَذِهِ وهَذِهِ إلى حاضِرٍ في ذِهْنِ المُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ صُدُورِ ذَلِكَ القَوْلِ، وذَلِكَ أنْ يَقُولَ أحَدُهم: هَذِهِ الأصْنامُ مَصْرِفُها كَذا، وهَذِهِ مَصْرِفُها كَذا، فالإشارَةُ مِن مَحْكِيِّ قَوْلِهِمْ حِينَ يُشَرِّعُونَ في بَيانِ أحْكامِ
صفحة ١٠٦
دِينِهِمْ، كَما يَقُولُ القاسِمُ: هَذا لِفُلانٍ، وهَذا لِلْآخَرِ، وأجْمَلَ ذَلِكَ هُنا؛ إذْ لا غَرَضَ في بَيانِهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ التَّعْجِيبُ مِن فَسادِ شَرْعِهِمْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام: ١٣٦] وقَدْ صَنَّفُوا ذَلِكَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ:
صِنْفٌ مُحْجَرٌ عَلى مالِكِهِ انْتِفاعُهُ بِهِ، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ مَن يُعَيِّنُهُ المالِكُ، والَّذِي يُؤْخَذُ مِمّا رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ: أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ مِن أنْعامِهِمْ وزَرْعِهِمْ وثِمارِهِمْ شَيْئًا يَحْجُرُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِهِ، ويُعَيِّنُونَهُ لِمَن يَشاءُونَ مِن سَدَنَةِ بُيُوتِ الأصْنامِ وخَدَمَتِها، فَتُنْحَرُ أوْ تُذْبَحُ عِنْدَما يَرى مَن عُيِّنَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَتَكُونُ لِحاجَةِ النّاسِ والوافِدِينَ عَلى بُيُوتِ الأصْنامِ وإضافَتِهِمْ، وكَذَلِكَ الزَّرْعُ والثِّمارُ تُدْفَعُ إلى مَن عُيِّنَتْ لَهُ، يَصْرِفُها حَيْثُ يَتَعَيَّنُ، ومِن هَذا الصِّنْفِ أشْياءٌ مُعَيَّنَةٌ بِالِاسْمِ، لَها حُكْمٌ مُنْضَبِطٌ مِثْلُ البَحِيرَةِ، فَإنَّها لا تُنْحَرُ ولا تُؤَكَلُ إلّا إذا ماتَتْ حَتْفَ أنْفِها، فَيَحِلُّ أكْلُها لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، وإذا كانَ لَها دَرٌّ لا يَشْرَبُهُ إلّا سَدَنَةُ الأصْنامِ وضُيُوفُهم، وكَذَلِكَ السّائِبَةُ يَنْتَفِعُ بِدَرِّها أبْناءُ السَّبِيلِ والسَّدَنَةُ، فَإذا ماتَتْ فَأكْلُها كالبَحِيرَةِ، وكَذَلِكَ الحامِي، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ.
فَمَعْنى (لا يَطْعَمُها) لا يَأْكُلُ لَحْمَها؛ أيْ: يَحْرُمُ أكْلُ لَحْمِها، ونُونُ الجَماعَةِ في (نَشاءُ) مُرادٌ بِها القائِلُونَ؛ أيْ: يَقُولُونَ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ؛ أيْ: مَن نُعَيِّنُ أنْ يَطْعَمَها، قالَ في الكَشّافِ: يَعْنُونَ خَدَمَ الأوْثانِ والرِّجالَ دُونَ النِّساءِ.
والحَرْثُ أصْلُهُ شَقُّ الأرْضِ بِآلَةٍ حَدِيدِيَّةٍ لِيُزْرَعَ فِيها أوْ يُغْرَسَ، ويُطْلَقُ هَذا المَصْدَرُ عَلى المَكانِ المَحْرُوثِ وعَلى الأرْضِ المَزْرُوعَةِ والمَغْرُوسَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِها حَرْثٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] فَسَمّاهُ حَرْثًا في وقْتِ جُذاذِ الثِّمارِ.
صفحة ١٠٧
الحِجْرُ: اسْمٌ لِلْمُحْجَرِ المَمْنُوعِ، مِثْلُ ذَبْحٍ لِلْمَذْبُوحِ، فَمَنعُ الأنْعامِ مَنعُ أكْلِ لُحُومِها، ومَنعُ الحَرْثِ مَنعُ أكْلِ الحَبِّ والتَّمْرِ والثِّمارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ﴾ .
وقَوْلُهُ: (بِزَعْمِهِمْ) مُعْتَرِضٌ بَيْنَ ﴿لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ﴾ وبَيْنَ ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ .
والباءُ في (بِزَعْمِهِمْ) بِمَعْنى ”عَنْ“، أوْ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمُ الباطِلِ، لِأنَّهم لَمّا قالُوا: (لا يَطْعَمُها) لَمْ يُرِيدُوا أنَّهم مَنَعُوا النّاسَ أكْلَها إلّا مَن شاءُوهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ ولَيْسَ مِن زَعْمِهِمْ، وإنَّما أرادُوا بِالنَّفْيِ نَفْيَ الإباحَةِ؛ أيْ: لا يَحِلُّ أنْ يَطْعَمَها إلّا مَن نَشاءُ، فالمَعْنى: اعْتَقَدُوها حَرامًا لِغَيْرِ مَن عَيَّنُوهُ، حَتّى أنْفُسَهم، وما هي بِحَرامٍ، فَهَذا مَوْقِعُ قَوْلِهِ: بِزَعْمِهِمْ وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى الباءِ مِن قَوْلِهِ: بِزَعْمِهِمْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦] .
والصِّنْفُ الثّانِي: أنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها؛ أيْ: حُرِّمَ رُكُوبُها، مِنها الحامِي: لا يَرْكَبُهُ أحَدٌ، ولَهُ ضابِطٌ مُتَّبَعٌ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ، ومِنها أنْعامٌ يُحَرِّمُونَ ظُهُورَها بِالنَّذْرِ، يَقُولُ أحَدُهم: إذا فَعَلَتِ النّاقَةُ كَذا مِن نَسْلٍ أوْ مُواصَلَةٍ بَيْنَ عِدَّةٍ مِن إناثٍ، وإذا فَعَلَ الفَحْلُ كَذا وكَذا، حَرُمَ ظَهْرُهُ، وهَذا أشارَ إلَيْهِ أبُو نُواسٍ في قَوْلِهِ مادِحًا الأمِينَ:
وإذا المَطِيُّ بِنا بَلَغَّنَ مُحَمَّدًا فَظُهُورُهُنَّ عَلى الرِّجالِ حَرامٌ
فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ فَهو كَخَبَرٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وعُلِمَ أنَّهُ عَطْفُ صِنْفٍ؛ لِوُرُودِهِ بَعْدَ اسْتِيفاءِ الأوْصافِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى خَبَرِ اسْمِ الإشارَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَقِبَهُ، والتَّقْدِيرُ: وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ وهَذِهِ أنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها.
صفحة ١٠٨
وبُنِيَ فِعْلُ (حُرِّمَتْ) لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ الفاعِلِ؛ أيْ: حَرَّمَ اللَّهُ ظُهُورَها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ .
والصِّنْفُ الثّالِثُ: أنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها؛ أيْ: لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ نَحْرِها أوْ ذَبْحِها، يَزْعُمُونَ أنَّ ما أُهْدِيَ لِلْجِنِّ أوْ لِلْأصْنامِ يُذْكَرُ عَلَيْهِ اسْمُ ما قُرِّبَ لَهُ، ويَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ لِتَكُونَ خالِصَةَ القُرْبانِ لِما عُيِّنَتْ لَهُ، فَلِأجْلِ هَذا الزَّعْمِ قالَ تَعالى: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ إذْ لا يُعْقَلُ أنْ يُنْسَبَ إلى اللَّهِ تَحْرِيمُ ذِكْرِ اسْمِهِ عَلى ما يُقَرَّبُ لِغَيْرِهِ لَوْلا أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ القُرْبانِ الَّذِي يَرْضى اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ لِشُرَكائِهِ، كَما كانُوا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.
وعَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهم أبُو وائِلٍ؛ الأنْعامُ الَّتِي لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها كانَتْ لَهم سُنَّةً في بَعْضِ الأنْعامِ أنْ لا يُحَجَّ عَلَيْها، فَكانَتْ تُرْكَبُ في كُلِّ وجْهٍ إلّا الحَجَّ، وأنَّها المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ لِأنَّ الحَجَّ لا يَخْلُو مِن ذِكْرِ اللَّهِ حِينَ الكَوْنِ عَلى الرّاحِلَةِ مِن تَلْبِيَةٍ وتَكْبِيرٍ، فَيَكُونُ ﴿لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ كِنايَةً عَنْ مَنعِ الحَجِّ عَلَيْها، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ هي الحامِي والبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا جَعَلُوا نَفْعَها لِلْأصْنامِ لَمْ يُجِيزُوا أنْ تُسْتَعْمَلَ في غَيْرِ خِدْمَةِ الأصْنامِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ:
صفحة ١٠٩
﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ وهو عَطْفُ صِنْفٍ عَلى صِنْفٍ، بِقَرِينَةِ اسْتِيفاءِ أوْصافِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ.
وانْتَصَبَ ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِـ (قالُوا) أيْ: قالُوا ذَلِكَ قَوْلَ افْتِراءٍ؛ لِأنَّ الِافْتِراءَ بَعْضُ أنْواعِ القَوْلِ، فَصَحَّ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ القَوْلِ، والِافْتِراءُ الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لِقائِلِهِ فِيهِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ، وإنَّما كانَ قَوْلُهُمِ افْتِراءً؛ لِأنَّهُمُ اسْتَنَدُوا فِيهِ لِشَيْءٍ لَيْسَ وارِدًا لَهم مِن جانِبِ اللَّهِ، بَلْ هو مِن ضَلالِ كُبَرائِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ الِافْتِراءَ عَلى الخالِقِ أمْرٌ شَنِيعٌ عِنْدَ جَمِيعِ الخَلْقِ، فالإخْبارُ بِهِ يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَمّا سَيَلْقَوْنَهُ مِن جَزاءِ افْتِرائِهِمْ، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ، وقَدْ أُبْهِمَ الجَزاءُ لِلتَّهْوِيلِ لِتَذْهَبَ النُّفُوسُ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ في أنْواعِ الجَزاءِ عَلى الإثْمِ، والباءُ بِمَعْنى ”عَنْ“، أوْ لِلْبَدَلِيَّةِ والعِوَضِ.
6:139Page 146
وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩
And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.
﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] وأُعِيدَ فِعْلُ (وقالُوا) لِاخْتِلافِ غَرَضِ المَقُولِ.
صفحة ١١٠
الإشارَةُ إلى أنْعامٍ مَعْرُوفَةٍ بَيْنَهم بِصِفاتِها، كَما تَقَدَّمَ، أوْ إلى الأنْعامِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ في هَذِهِ الآيَةِ بِأكْثَرِ مِن إجْمالِ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمُوها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّعْجِيبُ مِن فَسادِ شَرْعِهِمْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وهَذا خَبَرٌ عَنْ دِينِهِمْ في أجِنَّةِ الأنْعامِ الَّتِي حَجَرُوها أوْ حَرَّمُوا ظُهُورَها، فَكانُوا يَقُولُونَ في أجِنَّةِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ: إذا خَرَجَتْ أحْياءً يَحِلُّ أكْلُها لِلذُّكُورِ دُونَ النِّساءِ، وإذا خَرَجَتْ مَيْتَةً حَلَّ أكْلُها لِلذُّكُورِ والنِّساءِ، فالمُرادُ بِما في البُطُونِ أجِنَّةٌ لا مَحالَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ في ألْبانِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ: يَشْرَبُها الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، فَظَنَّ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِما في بُطُونِ الأنْعامِ ألْبانُها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو مَعْنى الآيَةِ ولَكِنَّ مَحْمَلَ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ما في البُطُونِ يَشْمَلُ الألْبانَ لِأنَّها تابِعَةٌ لِلْأجِنَّةِ وناشِئَةٌ عَنْ وِلادَتِها.
والخالِصَةُ: السّائِغَةُ؛ أيِ: المُباحَةُ؛ أيْ: لا شائِبَةَ حَرَجٍ فِيها؛ أيْ: في أكْلِها، ويُقابِلُهُ قَوْلُهُ: (ومُحَرَّمٌ) .
وتَأْنِيثُ خالِصَةٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ الأجِنَّةُ، فَرُوعِيَ مَعْنى (ما) ورُوعِيَ لَفْظُ (ما) في تَذْكِيرِ مُحَرَّمٍ.
والمُحَرَّمُ: المَمْنُوعُ؛ أيْ: مَمْنُوعٌ أكْلُهُ، فَإسْنادُ الخُلُوصِ والتَّحْرِيمِ إلى الذَّواتِ بِتَأْوِيلِ تَحْرِيمِ ما تُقْصَدُ لَهُ، وهو الأكْلُ أوْ هو والشُّرْبُ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ.
والأزْواجُ جَمْعُ زَوْجٍ، وهو وصْفٌ لِلشَّيْءِ الثّانِي لِغَيْرِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ هو زَوْجٌ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ حَلِيلُ المَرْأةِ زَوْجًا وسُمِّيَتِ المَرْأةُ حَلِيلَةُ الرَّجُلِ زَوْجًا، وهو وصْفٌ يُلازِمُ حالَةً واحِدَةً فَلا يُؤَنَّثُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١١١
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المُرادَ أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى النِّساءِ المُتَزَوِّجاتِ؛ لِأنَّهم سَمُّوهُنَّ أزْواجًا، وأضافُوهُنَّ إلى ضَمِيرِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُنَّ النِّساءُ المُتَزَوِّجاتُ بِهِمْ كَما يُقالُ: امْرَأةُ فُلانٍ، وإذا حَمَلْناهُ عَلى الظّاهِرِ وهو الأوْلى عِنْدِي كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّهم كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِأكْلِ الزَّوْجاتِ لِشَيْءٍ ذِي صِفَةٍ، كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ تُصِيبَ نِساءَهم: مِثْلُ العُقْمِ، أوْ سُوءِ المُعاشَرَةِ مَعَ أزْواجٍ، والنُّشُوزِ، أوِ الفِراقِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أوْهامِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وتَكاذِيبِهِمْ، أوْ لِأنَّهُ نِتاجُ أنْعامٍ مُقَدَّسَةٍ، فَلا تَحِلُّ لِلنِّساءِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ مَرْمُوقَةٌ عِنْدَ القُدَماءِ قَبْلَ الإسْلامِ بِالنَّجاسَةِ والخَباثَةِ، لِأجْلِ الحَيْضِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَمْنَعُونَ النِّساءَ دُخُولَ المَساجِدِ، وكانَ العَرَبُ لا يُؤاكِلُونَ الحائِضَ، وقالَتْ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِ يَكْرِبَ تُعَيِّرُ قَوْمَها:
ولا تَشْرَبُوا إلّا فُضُولَ نِسائِكم إذا ارْتَمَلَتْ أعْقابُهُنَّ مِنَ الدَّمِ
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أُطْلِقَ الأزْواجُ عَلى النِّساءِ مُطْلَقًا؛ أيْ: فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، فَيَشْمَلُ المَرْأةَ الأيِّمَ ولا يَشْمَلُ البَناتَ، وقالَ بَعْضُهم: أُرِيدَ بِهِ البَناتُ؛ أيْ: بِمَجازِ الأوَّلِ، فَلَعَلَّهم كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِأكْلِ البَناتِ مِنهُ أنْ يُصِيبَهُنَّ عُسْرُ التَّزَوُّجِ، أوْ ما يَتَعَيَّرُونَ مِنهُ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وكانَتِ الأحْوالُ الشّائِعَةُ بَيْنَهم دالَّةً عَلى المُرادِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ أيْ: إنْ يُولَدْ ما في بُطُونِ الأنْعامِ مَيِّتًا جازَ أكْلُهُ لِلرِّجالِ والأزْواجِ، أوْ لِلرِّجالِ والنِّساءِ، أوْ لِلرِّجالِ والنِّساءِ والبَناتِ، وذَلِكَ لِأنَّ خُرُوجَهُ مَيِّتًا يُبْطِلُ ما فِيهِ مِنَ الشُّؤْمِ عَلى المَرْأةِ، أوْ يُذْهِبُ قَداسَتَهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: وإنْ يَكُنْ بِالتَّحْتِيَّةِ ونَصْبِ (مَيْتَةً)، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِرَفْعِ (مَيْتَةً)، عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، وقَدْ أُجْرِيَ ضَمِيرُ (يَكُنْ) عَلى التَّذْكِيرِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ في الخَبَرِ عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ المُفْرَدِ اعْتِبارُ التَّذْكِيرِ
صفحة ١١٢
لِتَجَرُّدِ لَفْظِهِ عَنْ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ، وقَدْ يُراعى المَقْصُودُ مِنهُ فَيَجْرِي الإخْبارُ عَلى اعْتِبارِهِ، وقَدِ اجْتَمَعا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ [محمد: ١٦] .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى اتِّباعِ تَأْنِيثِ خالِصَةٍ؛ أيْ: إنْ تَكُنِ الأجِنَّةُ، وقَرَأ (مَيْتَةً) بِالنَّصْبِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّأْنِيثِ والنَّصْبِ.
وجُمْلَةُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَما قُلْتُ في جُمْلَةِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨] آنِفًا.
والوَصْفُ: ذِكْرُ حالاتِ الشَّيْءِ المَوْصُوفِ وما يَتَمَيَّزُ بِهِ لِمَن يُرِيدُ تَمْيِيزَهُ في غَرَضٍ ما، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والوَصْفُ هُنا: هو ما وصَفُوا بِهِ الأجِنَّةَ مِن حَلٍّ وحُرْمَةٍ لِفَرِيقٍ دُونَ فَرِيقٍ، فَذَلِكَ وصْفٌ في بَيانِ الحَرامِ والحَلالِ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ [النحل: ١١٦] .
وجَزاؤُهم عَنْهُ هو جَزاءُ سُوءٍ بِقَرِينَةِ المَقامِ؛ لِأنَّهُ سَمّى مَزاعِمَهُمُ السّابِقَةَ افْتِراءً عَلى اللَّهِ.
وجُعِلَ الجَزاءُ مُتَعَدِّيًا لِلْوَصْفِ بِنَفْسِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: سَيَجْزِيهِمْ جَزاءَ وصْفِهِمْ، ضَمَّنَ (يَجْزِيهِمْ) مَعْنى يُعْطِيهِمْ؛ أيْ: جَزاءً وِفاقًا لَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ الجَزاءِ مُوافِقًا لِجُرْمِ وصْفِهِمْ. وتُؤْذِنُ (إنْ) بِالرَّبْطِ والتَّعْلِيلِ، وتُغْنِي غَناءَ الفاءِ، فالحَكِيمُ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، والعَلِيمُ يَطَّلِعُ عَلى أفْعالِ المَجْزِيِّينَ، فَلا يُضَيِّعُ مِنها ما يَسْتَحِقُّ الجَزاءَ.
6:140Page 146
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠
They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.
صفحة ١١٣
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾
تَذْيِيلٌ جُعِلَ فَذْلَكَةً لِلْكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ ضَلالِهِمْ في قَتْلِ أوْلادِهِمْ، وتَحْجِيرِ بَعْضِ الحَلالِ عَلى بَعْضِ مَن أُحِلَّ لَهُ.
وتَحْقِيقُ الفِعْلِ بِـ (قَدْ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ خُسْرانَهم أمْرٌ ثابِتٌ، فَيُفِيدُ التَّحْقِيقُ التَّعْجِيبَ مِنهم كَيْفَ عَمُوا عَمّا هم فِيهِ مِن خُسْرانِهِمْ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعَلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَلاثِينَ ومِائَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] وجَعَلَها فَوْقَ الثَلاثِينَ ومِائَةٍ تَقْرِيبًا، وهي في العَدِّ السّادِسَةُ والثَلاثُونَ ومِائَةٌ.
ووَصَفَ فِعْلَهم بِالخُسْرانِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الخُسْرانِ نُقْصانُ مالِ التّاجِرِ، والتّاجِرُ قاصِدُ الرِّبْحِ وهو الزِّيادَةُ، فَإذا خَسِرَ فَقَدْ باءَ بِعَكْسِ ما عَمِلَ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ اسْتِعارَةُ الخُسْرانِ لِعَمَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ وثَوابِهِ فَيَقَعُونَ في غَضَبِهِ وعِقابِهِ؛ لِأنَّهم أتْعَبُوا أنْفُسَهم فَحَصَّلُوا عَكْسَ ما تَعِبُوا لِأجْلِهِ؛ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم قَدْ طَلَبُوا نَفْعَ أنْفُسِهِمْ بِالتَّخَلُّصِ مِن أضْرارٍ في الدُّنْيا مُحْتَمَلٍ لَحاقُها بِهِمْ مِن جَرّاءِ بَناتِهِمْ، فَوَقَعُوا في أضْرارٍ مُحَقَّقَةٍ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، فَإنَّ النَّسْلَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى الوالِدَيْنِ يَأْنَسُونَ بِهِ ويَجِدُونَهُ لِكِفايَةِ مُهِمّاتِهِمْ، ونِعْمَةٌ عَلى القَبِيلَةِ تَكْثُرُ وتَعْتَزُّ، وعَلى العالَمِ كُلِّهِ بِكَثْرَةِ مَن يُعَمِّرُهُ وبِما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ مِن مَواهِبِ النَّسْلِ وصَنائِعِهِ، ونِعْمَةٌ عَلى النَّسْلِ نَفْسِهِ بِما يَنالُهُ مِن نَعِيمِ الحَياةِ ومَلَذّاتِها.
ولِتِلْكَ الفَوائِدِ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ إيجادَ نِظامِ
صفحة ١١٤
التَّناسُلِ، حِفْظًا لِلنَّوْعِ، وتَعْمِيرًا لِلْعالَمِ، وإظْهارًا لِما في الإنْسانِ مِن مَواهِبَ تَنْفَعُهُ وتَنْفَعُ قَوْمَهُ، عَلى ما في عَمَلِهِمْ مِنِ اعْتِداءٍ عَلى حَقِّ البِنْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَها وهو حَقُّ الحَياةِ إلى انْقِضاءِ الأجَلِ المُقَدَّرِ لَها، وهو حَقٌّ فِطْرِيٌّ لا يَمْلِكُهُ الأبُ فَهو ظُلْمٌ بَيِّنٌ لِرَجاءِ صَلاحٍ لِغَيْرِ المَظْلُومِ، ولا يُضَرُّ بِأحَدٍ لِيَنْتَفِعَ غَيْرُهُ، فَلَمّا قَتَلَ بَعْضُ العَرَبِ بَناتَهم بِالوَأْدِ كانُوا قَدْ عَطَّلُوا مَصالِحَ عَظِيمَةً مُحَقَّقَةً، وارْتَكَبُوا بِهِ أضْرارًا حاصِلَةً، مِن حَيْثُ أرادُوا التَّخَلُّصَ مِن أضْرارٍ طَفِيفَةٍ غَيْرِ مُحَقَّقَةِ الوُقُوعِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانُوا في فِعْلِهِمْ كالتّاجِرِ الَّذِي أرادَ الرِّبْحَ فَباءَ بِضَياعِ أصْلِ مالِهِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ سَمّى اللَّهُ فِعْلَهم سَفَهًا؛ لِأنَّ السَّفَهَ هو خِفَّةُ العَقْلِ واضْطِرابُهُ، وفِعْلُهم ذَلِكَ سَفَهٌ مَحْضٌ؛ أيْ: سَفَهٌ أعْظَمُ مِن إضاعَةِ مَصالِحَ جَمَّةٍ، وارْتِكابِ أضْرارٍ عَظِيمَةٍ وجِنايَةٍ شَنِيعَةٍ، لِأجْلِ التَّخَلُّصِ مِن أضْرارٍ طَفِيفَةٍ قَدْ تَحْصُلُ وقَدْ لا تَحْصُلُ، وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في الخَبَرِ فَإنَّ خُسْرانَهم مُسَبَّبٌ عَنْ قَتْلِ أوْلادِهِمْ.
وقَوْلُهُ: (سَفَهًا) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ القَتْلِ، أنَّهُ قَتْلُ سَفَهٍ لا رَأْيَ لِصاحِبِهِ، بِخِلافِ قَتْلِ العَدُوِّ وقَتْلِ القاتِلِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ مِنَ ﴿الَّذِينَ قَتَلُوا﴾ وُصِفُوا بِالمَصْدَرِ؛ لِأنَّهم سُفَهاءُ بالِغُونَ أقْصى السَّفَهِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ إمّا مِن (سَفَهًا) فَتَكُونُ حالًا مُؤَكَّدَةً، إذِ السَّفَهُ لا يَكُونُ إلّا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وإمّا مِن فاعِلِ (قَتَلُوا) فَإنَّهم لَمّا فَعَلُوا القَتْلَ كانُوا جاهِلِينَ بِسَفاهَتِهِمْ وبِشَناعَةِ فِعْلِهِمْ وبِعاقِبَةِ ما قَدَّرُوا حُصُولَهُ لَهم مِنَ الضُّرِّ، إذْ قَدْ يَحْصُلُ خِلافُ ما قَدَّرُوهُ ولَوْ كانُوا يَزِنُونَ المَصالِحَ والمَفاسِدَ لَما أقْدَمُوا عَلى فِعْلَتِهِمُ الفَظِيعَةِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنْ كَوْنِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ
صفحة ١١٥
سَفَهٌ، التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم فَعَلُوا ما في العالَمِ مِنَ المَفاسِدِ، ويُنَظِّمُونَ حَياتَهم أحْسَنَ نِظامٍ، وهم في ذَلِكَ مَغْرُورُونَ بِأنْفُسِهِمْ، وجاهِلُونَ بِأنَّهم يَجْهَلُونَ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الوَأْدِ آنِفًا، ويَأْتِي في سُورَةِ الإسْراءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ لِأنَّهُ قَتْلٌ بِشِدَّةٍ، ولَيْسَتْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ مُفِيتَةً هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ تَسْلِيطَ فِعْلِ القَتْلِ عَلى الأوْلادِ يُفِيدُ أنَّهُ قَتْلٌ فَظِيعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ نَعى عَلَيْهِمْ خُسْرانَهم في أنْ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بَعْضَ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ، فَحُرِمُوا الِانْتِفاعَ بِهِ، وحَرَمُوا النّاسَ الِانْتِفاعَ بِهِ، وهَذا شامِلٌ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، بِخِلافِ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم، والمَوْصُولُ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَماعَةُ يَصِحُّ في العَطْفِ عَلى صِلَتِهِ أنْ تَكُونَ الجُمَلُ المُتَعاطِفَةُ مَعَ الصِّلَةِ مُوَزَّعَةً عَلى طَوائِفِ تِلْكَ الجَماعَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] .
وانْتَصَبَ (افْتِراءً) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ (حَرَّمُوا) لِبَيانِ نَوْعِ التَّحْرِيمِ بِأنَّهم نَسَبُوهُ لِلَّهِ كَذِبًا.
وجُمْلَةُ (قَدْ ضَلُّوا) اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِزِيادَةِ النِّداءِ عَلى تَحَقُّقِ ضَلالِهِمْ.
والضَّلالُ: خَطَأُ الطَّرِيقِ المُوصِّلِ إلى المَقْصُودِ، فَهم رامُوا البُلُوغَ إلى مَصالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ، والتَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ وإلى شُرَكائِهِمْ، فَوَقَعُوا في المَفاسِدِ العَظِيمَةِ، وأبْعَدَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلِذَلِكَ كانُوا كَمَن رامَ الوُصُولَ فَسَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ.
صفحة ١١٦
وعَطْفُ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ عَلى ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ضَلُّوا؛ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ يَنْفِي ضِدَّ الجُمْلَةِ الأُولى فَتَئُولُ إلى تَقْرِيرِ مَعْناها.
والعَرَبُ إذا أكَّدُوا بِمِثْلِ هَذا قَدْ يَأْتُونَ بِهِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ نَظَرًا لِمَآلِ مُفادِ الجُمْلَتَيْنِ، وأنَّهُما بِاعْتِبارِهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وذَلِكَ حَقُّ التَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]، وقَوْلِهِ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]، وقَوْلِ الأعْشى:
إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا
وقَدْ يَأْتُونَ بِهِ بِالعَطْفِ وهو عَطْفٌ صُورِيٌّ لِأنَّهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ مَفْهُومَ الجُمْلَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، ولا اعْتِدادَ بِمَآلِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩]، وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وقَوْلِ المُتَنَبِّي:
والبَيْنُ جارَ عَلى ضُعْفِي وما عَدَلا
وكَذَلِكَ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ لِيُفِيدَ، بِالعَطْفِ، أنَّهُما خَبَرانِ عَنْ مَساوِيهِمْ.
و(كانَ) هُنا في حُكْمِ الزّائِدَةِ؛ لِأنَّها زائِدَةٌ مَعْنًى، وإنْ كانَتْ عامِلَةً، والمُرادُ وما هم بِمُهْتَدِينَ، فَزِيادَةُ (كانَ) هُنا لِتَحْقِيقِ النَّفْيِ مِثْلُ مَوْقِعِها مَعَ لامِ الجُحُودِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ما كانُوا مُهْتَدِينَ قَبْلَ أنْ يَقْتُلُوا أوْلادَهم ويُحَرِّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ؛ لِأنَّ هَذا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ بَلِيغٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences