Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:160–163
6:160Page 150
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦٠
Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.1
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
مِن عادَةِ القُرْآنِ أنَّهُ إذا أنْذَرَ أعْقَبَ الإنْذارَ لِمَن لا يَحِقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الإنْذارُ، وإذا بَشَّرَ أعْقَبَ البِشارَةَ لِمَن يَتَّصِفُ بِضِدِّ ما بُشِّرَ عَلَيْهِ، وقَدْ جَرى عَلى ذَلِكَ هاهُنا: فَإنَّهُ لَمّا أنْذَرَ المُؤْمِنِينَ وحَذَّرَهم مِنَ التَّرَيُّثِ في اكْتِسابِ الخَيْرِ، قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ اللَّهِ القاهِرَةِ، بِقَوْلِهِ:
صفحة ١٩٥
”﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]“ فَحَدَّ لَهم بِذَلِكَ حَدًّا هو مِن مَظْهَرِ عَدْلِهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِبُشْرى مِن مَظاهِرِ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ. وهي الجَزاءُ عَلى الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها والجَزاءُ عَلى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها، فَقَوْلُهُ: ”﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾“ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جَرى عَلى عُرْفِ القُرْآنِ في الأنْفالِ بَيْنَ الأغْراضِ.
فالكَلامُ تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ اقْتَضاهُما قَوْلُهُ: ”﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]“ الآيَةَ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وجاءَ بِالحَسَنَةِ مَعْناهُ عَمِلَ الحَسَنَةَ: شَبَّهَ عَمَلَهُ الحَسَنَ بِحالِ المُكْتَسِبِ، إذْ يَخْرُجُ يَطْلُبُ رِزْقًا مِن وُجُوهِهِ أوِ احْتِطابٍ أوْ صَيْدٍ فَيَجِيءُ أهْلُهُ بِشَيْءٍ. وهَذا كَما اسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ التِّجارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] .
فالباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ، ويَجُوزُ حَمْلُ المَجِيءِ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ مَجِيءٌ إلى الحِسابِ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَسَنَةِ أنْ يَجِيءَ بِكِتابِها في صَحِيفَةِ أعْمالِهِ.
وأمْثالُ الحَسَنَةِ ثَوابُ أمْثالِها، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾، أوْ مَعْناهُ تُحْسَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ مِثْلَ الَّتِي جاءَ بِها كَما في الحَدِيثِ: «كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ» ويُعْرَفُ مِن ذَلِكَ أنَّ الثَّوابَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ الحِسابِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ .
والأمْثالُ: جَمْعُ مِثْلٍ وهو المُماثِلُ المُساوِي، وجِيءَ لَهُ بِاسْمِ عَدَدِ المُؤَنَّثِ وهو عَشْرُ اعْتِبارًا بِأنَّ الأمْثالَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ
صفحة ١٩٦
أيْ فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها، فَرُوعِيَ في اسْمِ العَدَدِ مَعْنى مُمَيِّزِهِ دُونَ لَفْظِهِ وهو أمْثالٌ. والجَزاءُ عَلى الحَسَنَةِ بِعَشْرَةِ أضْعافٍ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، وهو جَزاءُ غالِبِ الحَسَناتِ. وقَدْ زادَ اللَّهُ في بَعْضِ الحَسَناتِ أنْ ضاعَفَها سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] فَذَلِكَ خاصٌّ بِالإنْفاقِ في الجِهادِ. وفي الحَدِيثِ: «مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً وإنْ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ» .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَشْرُ أمْثالِها بِإضافَةِ عَشْرُ إلى أمْثالِها وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِتَنْوِينِ عَشْرُ ورَفْعِ أمْثالُها، عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَشْرٍ، أيْ فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ مُماثِلَةٍ لِلْحَسَنَةِ الَّتِي جاءَ بِها.
ومُماثَلَةُ الجَزاءِ لِلْحَسَنَةِ مَوْكُولَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ.
وإنَّما قالَ في جانِبِ السَّيِّئَةِ“ ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ ”بِصِيغَةِ الحَصْرِ لِأجْلِ ما في صِيغَتِهِ مِن تَقْدِيمِ جانِبِ النَّفْيِ، اهْتِمامًا بِهِ، لِإظْهارِ العَدْلِ الإلَهِيِّ، فالحَصْرُ حَقِيقِيٌّ، ولَيْسَ في الحَصْرِ الحَقِيقِيِّ رَدُّ اعْتِقادٍ بَلْ هو إخْبارٌ عَمّا في نَفْسِ الأمْرِ، ولِذَلِكَ كانَ يُساوِيهِ أنْ يُقالَ: ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَيُجْزى مِثْلَها، لَوْلا الِاهْتِمامُ بِجانِبِ نَفْيِ الزِّيادَةِ عَلى المُماثَلَةِ. ونَظِيرُهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ سَألَتْهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقالَتْ: إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيالَنا، فَقالَ لَها: لا إلّا بِالمَعْرُوفِ» ولَمْ يَقُلْ لَها: أطْعِمِيهِمْ بِالمَعْرُوفِ. وقَدْ جاءَ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «ومَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً وإنْ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ سَيِّئَةً واحِدَةً»؛ فَأكَّدَها بِواحِدَةٍ تَحْقِيقًا لِعَدَمِ الزِّيادَةِ في جَزاءِ السَّيِّئَةِ.
صفحة ١٩٧
ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ:“ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ " والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ، إظْهارًا لِلْعَدْلِ، فَلِذَلِكَ سَجَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ هَذا لا ظُلْمَ فِيهِ لِيُنْصِفُوا مِن أنْفُسِهِمْ. وأمّا عَدُّ عَوْدِ الضَّمِيرَيْنِ إلى الفَرِيقَيْنِ فَلا يُناسِبُهُ فَرِيقُ أصْحابِ الحَسَناتِ، لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لِلَّذِي أُكْرِمَ وأُفِيضَ عَلَيْهِ الخَيْرُ إنَّهُ غَيْرُ مَظْلُومٍ.
6:161Page 150
قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٦١
Say, "Indeed, my Lord has guided me to a straight path - a correct religion - the way of Abraham, inclining toward truth. And he was not among those who associated others with Allāh."
﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قَيِّمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ، وما تَخَلَّلَها، إلى فَذْلَكَةِ ما أُمِرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في هَذا الشَّأْنِ، غَلْقًا لِبابِ المُجادَلَةِ مَعَ المُعْرِضِينَ، وإعْلانًا بِأنَّهُ قَدْ تَقَلَّدَ لِنَفْسِهِ ما كانَ يُجادِلُهم فِيهِ لِيَتَقَلَّدُوهُ وأنَّهُ ثابِتٌ عَلى ما جاءَهم بِهِ، وأنَّ إعْراضَهم لا يُزَلْزِلُهُ عَنِ الحَقِّ.
وفِيهِ إيذانٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ لِأنَّ الواعِظَ والمُناظِرَ إذا ما أشْبَعَ الكَلامَ في غَرَضِهِ، ثُمَّ أخَذَ يُبَيِّنُ ما رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ وما قَرَّ عَلَيْهِ قَرارُهُ، عَلِمَ السّامِعُ أنَّهُ قَدْ أخَذَ يَطْوِي سِجِلَّ المُحاجَّةِ، ولِذَلِكَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ. فَأمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِأنْ يَقُولَ أشْياءَ يُعْلِنُ بِها أُصُولَ دِينِهِ، وتَكَرَّرَ الأمْرُ بِالقَوْلِ ثَلاثَ مَرّاتٍ تَنْوِيهًا بِالمَقُولِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الَّذِي بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] فَزادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ هَذا قُلْ ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، لِيُبَيِّنَ أنَّ هَذا الدِّينَ إنَّما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بِهَدْيٍ
صفحة ١٩٨
مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ جَعَلَهُ دِينًا قَيِّمًا عَلى قَواعِدِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّهُ زائِدٌ بِما تَضَمَّنَهُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ إذْ هَداهُ إلى ذَلِكَ الصِّراطِ الَّذِي هو سَبِيلُ النَّجاةِ.
وافْتُتِحَ الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ لِلِاعْتِزازِ بِمَرْبُوبِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ لِلَّهِ تَعالى، وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أضَلَّهم أرْبابُهم، ولَوْ وحَّدُوا الرَّبَّ الحَقِيقَ بِالعِبادَةِ لَهَداهم.
وقَوْلُهُ: ﴿هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَمْثِيلِيَّةٌ: شَبَّهَتْ هَيْئَةَ الإرْشادِ إلى الحَقِّ المُبَلَّغِ بِالنَّجاةِ بِهَيْئَةِ مَن يَدُلُّ السّائِرَ عَلى الطَّرِيقِ المُبَلِّغَةِ لِلْمَقْصُودِ.
والمُناسَبَةُ بَيْنَ الهِدايَةِ وبَيْنَ الصِّراطِ تامَّةٌ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الهِدايَةِ التَّعَرُّفُ بِالطَّرِيقِ، يُقالُ: هو هادٍ خِرِّيتٌ، وحَقِيقَةُ الصِّراطِ الطَّرِيقُ الواسِعَةُ. وقَدْ صَحَّ أنْ تُسْتَعارَ الهِدايَةُ لِلْإرْشادِ والتَّعْلِيمِ، والصِّراطُ لِلدِّينِ القَوِيمِ، فَكانَ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا قابِلًا لِلتَّفْكِيكِ وهو أكْمَلُ أحْوالِ التَّمْثِيلِيَّةِ.
ووُصِفَ الصِّراطُ بِالمُسْتَقِيمِ، أيِ الَّذِي لا خَطَأ فِيهِ ولا فَسادَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، والمَقْصُودُ إتْمامُ هَيْئَةِ التَّشْبِيهِ بِأنَّهُ دِينٌ لا يَتَطَرَّقُ مُتَّبِعَهُ شَكٌّ في نَفْعِهِ كَما لا يَتَرَدَّدُ سالِكُ الطَّرِيقِ الواسِعَةِ الَّتِي لا انْعِطافَ فِيها ولا يَتَحَيَّرُ في أمْرِهِ.
وفِي قَوْلِهِ: دِينًا تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ مُؤْذِنٌ بِالمُشَبَّهِ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ مِن: ”صِّراطَ“ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ.
والدِّينُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وهو السِّيرَةُ الَّتِي يَتَّبِعُها النّاسُ.
صفحة ١٩٩
والقَيِّمُ بِفَتْحِ القافِ وتَشْدِيدِ الياءِ كَما قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ: وصْفُ مُبالَغَةٍ قائِمٌ بِمَعْنى مُعْتَدِلٍ غَيْرِ مُعْوَجٍّ، وإطْلاقُ القِيامِ عَلى الِاعْتِدالِ والِاسْتِقامَةِ مَجازٌ، لِأنَّ المَرْءَ إذا قامَ اعْتَدَلَتْ قامَتُهُ، فَيَلْزَمُ الِاعْتِدالُ القِيامَ. والأحْسَنُ أنْ نَجْعَلَ القَيِّمَ لِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ، وهو مُرادِفُ القَيُّومِ، فَيُسْتَعارُ القِيامُ لِلْكِفايَةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ والوَفاءُ بِما فِيهِ صَلاحُ المُقَوَّمِ عَلَيْهِ، فالإسْلامُ قَيِّمٌ بِالأُمَّةِ وحاجَتِها، يُقالُ: فُلانٌ قَيِّمٌ عَلى كَذا، بِمَعْنى مُدَبِّرٌ لَهُ ومُصْلِحٌ، ومِنهُ وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِالقَيُّومِ، وهَذا أحْسَنُ لِأنَّ فِيهِ زِيادَةً عَلى مُفادِ مُسْتَقِيمٍ الَّذِي أخَذَ جُزْءًا مِنَ التَّمْثِيلِيَّةِ، فَلا تَكُونُ إعادَةً لِبَعْضِ التَّشْبِيهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ”قِيَمًا“ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ مُخَفَّفَةً وهو مِن صِيَغِ مَصادِرِ قامَ، فَهو وصْفٌ لِلدِّينِ بِمَصْدَرِ القِيامِ المَقْصُودِ بِهِ كِفايَةُ المَصْلَحَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وهَذِهِ زِنَةٌ قَلِيلَةٌ في المَصادِرِ، وقَلْبُ واوِهِ ياءً بَعْدَ الكَسْرَةِ عَلى غَيْرِ الغالِبِ، لِأنَّ الغالِبَ فِيهِ تَصْحِيحُ لامِهِ لِأنَّها مَفْتُوحَةٌ، فَسَواءٌ في خِفَّتِها وُقُوعُها عَلى الواوِ أوْ عَلى الياءِ، مِثْلَ عِوَضٍ وحِوَلٍ، وهَذا كَشُذُوذِ جِيادٍ جَمْعِ جَوادٍ، وانْتَصَبَ ”قَيِّمًا“ عَلى الوَصْفِ لِـ ”دِينًا“ وقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ حالٌ مِن: دِينًا أوْ مِن: صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِن: دِينًا. المِلَّةُ، الدِّينُ: مُرادِفَةُ الدِّينِ، فالتَّعْبِيرُ بِها هُنا لِلتَّفَنُّنِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
و”مِلَّةَ“ فِعْلَةٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَمْلُولِ، مِن أمْلَلْتُ الكِتابَ إذا لَقَّنْتُ الكاتِبَ ما يَكْتُبُ، وكانَ حَقُّها أنْ لا تَقْتَرِنَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ زِنَةَ فِعْلٍ بِمَعْنى المَفْعُولِ تَلْزَمُ التَّذْكِيرَ، كالذَّبْحِ، إلّا أنَّهم
صفحة ٢٠٠
قَرَنُوها بَهاءِ التَّأْنِيثِ لَمّا صَيَّرُوها اسْمًا لِلدِّينِ، ولِذَلِكَ قالَ الرّاغِبُ: المِلَّةُ كالدِّينِ، ثُمَّ قالَ: والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الدِّينِ أنَّ المِلَّةَ لا تُضافُ إلّا إلى النَّبِيءِ الَّذِي تُسْنَدُ إلَيْهِ نَحْوَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، مِلَّةِ آبائِي، ولا تُوجَدُ مُضافَةً إلى اللَّهِ ولا إلى الأُمَّةِ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ دُونَ آحادِها لا يُقالُ الصَّلاةُ مِلَّةُ اللَّهِ، أيْ ويُقالُ: الصَّلاةُ دِينُ اللَّهِ ذَلِكَ أنَّهُ يُراعى في لَفْظِ المِلَّةِ أنَّها مَمْلُولَةٌ مِنَ اللَّهِ فَهي تُضافُ لِلَّذِي أُمِلَّتْ عَلَيْهِ.
ومَعْنى كَوْنِ الإسْلامِ مِلَّةَ إبْراهِيمَ: أنَّهُ جاءَ بِالأُصُولِ الَّتِي هي شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ وهي: التَّوْحِيدُ، ومُسايَرَةُ الفِطْرَةِ، والشُّكْرُ، والسَّماحَةُ، وإعْلانُ الحَقِّ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والحَنِيفُ: المُجانِبُ لِلْباطِلِ، فَهو بِمَعْنى المُهْتَدِي، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
وجُمْلَةُ ”﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾“ عَطْفٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُضافِ إلَيْهِ، لِأنَّ المُضافَ هُنا كالجَزاءِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
6:162–163Page 150
قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢
Say, "Indeed, my prayer, my rites of sacrifice, my living and my dying are for Allāh, Lord of the worlds.
لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٦٣
No partner has He. And this I have been commanded, and I am the first [among you] of the Muslims."1
﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايْ ومَماتِيَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ، أيْضًا، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّفْرِيعِ عَنِ الأوَّلِ، إلّا أنَّهُ اسْتُؤْنِفَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَرَضٌ مُسْتَقِلٌّ مُهِمٌّ في ذاتِهِ، وإنْ كانَ مُتَفَرِّعًا عَنْ غَيْرِهِ، وحاصِلُ ما تَضَمَّنَهُ هو الإخْلاصُ لِلَّهِ في العِبادَةِ، وهو مُتَفَرِّعٌ عَنِ التَّوْحِيدِ،
صفحة ٢٠١
ولِذَلِكَ قِيلَ: الرِّياءُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ. عُلِّمَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ عَقِبَ ما عُلِّمَهُ بِما ذُكِرَ قَبْلَهُ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّهُ هَداهُ ثُمَّ ألْهَمَهُ الشُّكْرَ عَلى الهِدايَةِ بِأنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ لِلَّهِ تَعالى. وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا.
وافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ المَقُولِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِتَحْقِيقِهِ، أوْ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُرائِي بِصَلاتِهِ، فَقَدْ «قالَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ: ألا تَنْظُرُونَ إلى هَذا المُرائِي أيُّكم يَقُومُ إلى جَزُورِ بَنِي فُلانٍ فَيَعْمِدُ إلى فَرْثِها وسَلاها فَإذا سَجَدَ وضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» . فَتَكُونُ إنَّ عَلى هَذا لِرَدِّ الشَّكِّ.
واللّامُ في لِلَّهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمِلْكِ، أيْ هي بِتَيْسِيرِ اللَّهِ فَيَكُونُ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٦١] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ اللَّهِ جَعَلَ صَلاتَهُ لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ. ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِجُمْلَةِ لا شَرِيكَ لَهُ.
والنُّسُكُ حَقِيقَتُهُ العِبادَةُ ومِنهُ يُسَمّى العابِدُ النّاسِكُ.
والمَحْيا والمَماتُ يُسْتَعْمَلانِ مَصْدَرَيْنِ مِيمِيَّيْنِ، ويُسْتَعْمَلانِ اسْمَيْ زَمانٍ، مِن حَيِيَ وماتَ، والمَعْنَيانِ مُحْتَمَلانِ فَإذا كانَ المُرادُ مِنَ المَحْيا والمَماتِ المَعْنى المَصْدَرِيَّ، كانَ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: أعْمالُ المَحْيا وأعْمالُ المَماتِ، أيِ الأعْمالُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَتَلَبَّسَ بِها المَرْءُ مَعَ حَياتِهِ، ومَعَ وقْتِ مَماتِهِ. وإذْ كانَ المُرادُ مِنهُما المَعْنى الزَّمَنِيَّ كانَ المَعْنى ما يَعْتَرِيهِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَماتِ.
صفحة ٢٠٢
ثُمَّ إنَّ أعْمالَ الحَياةِ كَثِيرَةٌ وفِيرَةٌ، وأمّا الأعْمالُ عِنْدَ المَوْتِ فَهي ما كانَ عَلَيْهِ في مُدَّةِ الحَياةِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ، لِأنَّ حالَةَ المَوْتِ أوْ مَدَّتَهُ هي الحالَةُ أوِ المَدَّةُ الَّتِي يَنْقَلِبُ فِيها أحْوالُ الجِسْمِ إلى صِفَةٍ تُؤْذِنُ بِقُرْبِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الحَياةِ وتِلْكَ حالَةُ الِاحْتِضارِ، وتِلْكَ الحالَةُ قَدْ تُؤَثِّرُ انْقِلابًا في الفِكْرِ أوِ اسْتِعْجالًا بِما لَمْ يَكُنْ يُسْتَعْجَلُ بِهِ الحَيُّ، فَرُبَّما صَدَرَتْ عَنْ صاحِبِها أعْمالٌ لَمْ يَكُنْ يُصْدِرُها في مُدَّةِ الصِّحَّةِ، اتِّقاءً أوْ حَياءً أوْ جَلْبًا لِنَفْعٍ، فَيُرى أنَّهُ قَدْ يَئِسَ مِمّا كانَ يُراعِيهِ، فَيَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ، وأيْضًا لِتِلْكَ الحالَةِ شُئُونٌ خاصَّةٌ تَقَعُ عِنْدَها في العادَةِ مِثْلَ الوَصِيَّةِ، وهَذِهِ كُلُّها مِن أحْوالِ آخِرِ الحَياةِ. ولَكِنَّها تُضافُ إلى المَوْتِ لِوُقُوعِها بِقُرْبِهِ، وبِهَذا يَكُونُ ذِكْرُ المَماتِ مَقْصُودًا مِنهُ اسْتِيعابُ جَمِيعِ مُدَّةِ الحَياةِ حَتّى زَمَنِ الإشْرافِ عَلى المَوْتِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَماتِ ما يَحْصُلُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَعْدَ وفاتِهِ مِن تَوَجُّهاتِهِ الرُّوحِيَّةِ نَحْوَ أُمَّتِهِ بِالدُّعاءِ لَهم والتَّسْلِيمِ عَلى مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنهم والظُّهُورِ لِخاصَّةِ أُمَّتِهِ في المَنامِ، فَإنَّ لِلرَّسُولِ بَعْدَ مَماتِهِ أحْكامَ الحَياةِ الرُّوحِيَّةِ الكامِلَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «إذا سَلَّمَ عَلَيَّ أحَدٌ مِن أُمَّتِي رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ السَّلامَ» وكَذَلِكَ أعْمالُهُ في الحَشْرِ مِنَ الشَّفاعَةِ العامَّةِ والسُّجُودِ لِلَّهِ في عَرَصاتِ القِيامَةِ فَتِلْكَ أعْمالٌ خاصَّةٌ بِهِ ﷺ وهي كُلُّها لِلَّهِ تَعالى لِأنَّها لِنَفْعِ عَبِيدِهِ أوْ لِنَفْعِ أتْباعِ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضاهُ لَهم، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ومَماتِي هُنا ناظِرًا إلى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «حَياتِي خَيْرٌ لَكم ومَماتِي خَيْرٌ لَكم» .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى مَماتِهِ لِلَّهِ الشَّهادَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّتْهُ اليَهُودِيَّةُ بِخَيْبَرَ في لَحْمِ شاةٍ أطْعَمُوهُ إيّاهُ حَصَلَ بَعْضٌ مِنهُ في أمْعاءِهِ. فَفي الحَدِيثِ
صفحة ٢٠٣
ما زالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تَعْتادُنِي كُلَّ عامٍ حَتّى كانَ هَذا أوانَ قَطْعِ أبْهَرِي.
وبِقَوْلِهِ: ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ تَحَقَّقَ مَعْنى الإسْلامِ الَّذِي أصْلُهُ الإلْقاءُ بِالنَّفْسِ إلى المُسْلَمِ لَهُ، وهو المَعْنى الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وهو مَعْنى الحَنِيفِيَّةِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ: وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ صِفَةٌ تُشِيرُ إلى سَبَبِ اسْتِحْقاقِهِ أنْ يَكُونَ عَمَلُ مَخْلُوقاتِهِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، لِأنَّ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ نِعْمَةُ الإيجادِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] .
وجُمْلَةُ: ”﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾“ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ مُصَرِّحَةٌ بِما أفادَ جَمْعُ التَّوْكِيدِ مَعَ لامِ المِلْكِ مِن إفادَةِ القَصْرِ. والمَقْصُودُ مِنَ الصِّفَةِ والحالِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّهم ما أخْلَصُوا عَمَلَهم لِلَّذِي خَلَقَهم. وبِأنَّهم أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ: ”ومَحْيايْ“ بِسُكُونِ الياءِ الثّانِيَةِ إجْراءً لِلْوُصُولِ مَجْرى الوَقْفِ وهو نادِرٌ في النَّثْرِ، والرِّوايَةُ عَنْ نافِعٍ أثْبَتَتْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّدْرَةَ لا تُناكِدُ الفَصاحَةِ ولا يَرِيبُكَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: أنَّها شاذَّةٌ عَنِ القِياسِ لِأنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ساكِنَيْنِ؛ لِأنَّ سُكُونَ الألِفِ قَبْلَ حَرْفٍ ساكِنٍ لَيْسَ مِمّا يَثْقُلُ في النُّطْقِ نَحْوَ عَصايْ ورُؤْيايْ. ووَجْهُ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ هُنا إرادَةُ التَّخْفِيفِ لِأنَّ تَوالِيَ يائَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ
صفحة ٢٠٤
فِيهِ ثِقَلٌ، والألِفُ النّاشِئَةُ عَنِ الفَتْحَةِ الأُولى لا تُعَدُّ حاجِزًا فَعَدَلَ عَنْ فَتْحِ الياءِ الثّانِيَةِ إلى إسْكانِها. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِفَتْحِ الياءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ورْشٍ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ القِراءَةِ أنَّ نافِعًا رَجَعَ عَنِ الإسْكانِ إلى الفَتْحِ.
وجُمْلَةُ ”﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنَّ صَلاتِي. . . إلَخْ. فَهَذا مِمّا أُمِرَ بِأنْ يَقُولَهُ، وحَرْفُ العَطْفِ لَيْسَ مِنَ المَقُولِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ”وبِذَلِكَ“ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ: ”﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾“ . . . إلَخْ، أيْ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِلَّهِ بِهَدْيٍ مِنَ اللَّهِ وأمْرٍ مِنهُ، فَرَجَعَ إلى قَوْلِهِ: ”﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٦١]“ يَعْنِي أنَّهُ كَما هَداهُ أمَرَهُ بِما هو شُكْرٌ عَلى تِلْكَ الهِدايَةِ، وإنَّما أُعِيدَ هُنا لِأنَّهُ لَمّا أضافَ الصَّلاةَ وما عَطَفَ عَلَيْها لِنَفْسِهِ وجَعَلَها لِلَّهِ تَعالى أعْقَبَها بِأنَّهُ هُدًى مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] .
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُشارِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ، وهو لازِمُ مَعْناهُ، يَعْنِي قَبُولَ الإسْلامِ والثَّباتَ عَلَيْهِ والِاغْتِباطَ بِهِ، لِأنَّ مَن أحَبَّ شَيْئًا أسْرَعَ إلَيْهِ فَجاءَهُ أوَّلُ النّاسِ، وهَذا بِمَنزِلَةِ فِعْلِ السَّبْقِ إذْ يُطْلَقُ في كَلامِهِمْ عَلى التَّمَكُّنِ والتَّرَجُّحِ، كَما قالَ النّابِغَةُ:
سَبَقْتَ الرِّجالَ الباهِشِينَ إلى العُلا كَسَبْقِ الجَوادِ اصْطادَ قَبْلَ الطَّوارِدِ
لا يُرِيدُ أنَّهُ كانَ في المَعالِي أقْدَمَ مَن غَيْرِهِ لِأنَّ في أهْلِ المَعالِي مَن هو أكْبَرُ مِنهُ سِنًّا، ومَن نالَ العُلا قَبْلَ أنْ يُولَدَ المَمْدُوحُ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنَّهُ تَمَكَّنَ مِن نَوالِ العُلا وأصْبَحَ الحائِزَ لَهُ والثّابِتَ عَلَيْهِ.
وفِي الحَدِيثِ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ» . وهَذا المَعْنى تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ الطَّمَعِ في التَّنازُلِ لَهم في دِينِهِمْ ولَوْ أقَلَّ تَنازُلٍ. ومِنِ اسْتِعْمالِ ”أوَّلُ“
صفحة ٢٠٥
فِي مِثْلِ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَيْسَ المُرادُ مَعْناهُ الصَّرِيحَ لِقِلَّةِ جَدْوى الخَبَرِ بِذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ داعٍ إلى شَيْءٍ فَهو أوَّلُ أصْحابِهِ لا مَحالَةَ، فَماذا يُفِيدُ ذَلِكَ الأعْداءَ والأتْباعَ، فَإنْ أُرِيدَ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا حَقِيقَةَ الإسْلامِ بِمَعْنى إسْلامِ الوَجْهِ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَسْتَقِمْ، لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُسْلِمًا وكانَ بَنُوهُ مُسْلِمِينَ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم إذْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِإثْباتِ ألِفِ أنا إذا وقَعَتْ بَعْدَها هَمْزَةٌ ويَجْرِي مَدُّها عَلى قاعِدَةِ المَدِّ، وحَذْفُها تَخْفِيفًا جَرى عَلَيْهِ العَرَبُ في الفَصِيحِ مِن كَلامِهِمْ نَحْوَ: ﴿أنا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠] واخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْلَ الهَمْزَةِ نَحْوَ أنا أفْعَلُ، وأحْسَبُ أنَّ الأفْصَحَ إثْباتُها مَعَ الهَمْزِ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ المَدِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences