Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:35–37
6:35Page 131
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥
And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allāh had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.
﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهِمْ بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيُحْزِنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُحْزِنُهُ ما يَقُولُونَهُ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِهِ وبِالقُرْآنِ حُزْنًا عَلى جَهْلِ قَوْمِهِ بِقَدْرِ النَّصِيحَةِ وإنْكارِهِمْ فَضِيلَةَ صاحِبِها، وحُزْنًا مِن جَرّاءِ الأسَفِ عَلَيْهِمْ مِن دَوامِ ضَلالِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، وقَدْ سَلّاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وسَلّاهُ عَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ الآيَةَ.
و(كَبُرَ) كَكَرُمَ، كِبَرًا كَعِنَبٍ: عَظُمَتْ جُثَّتُهُ. ومَعْنى كَبُرَ هُنا شَقَّ عَلَيْكَ. وأصْلُهُ عِظَمُ الجُثَّةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في الأُمُورِ العَظِيمَةِ الثَّقِيلَةِ لِأنَّ عِظَمَ الجُثَّةِ يَسْتَلْزِمُ الثِّقَلَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في مَعْنى (شَقَّ) لِأنَّ الثَّقِيلَ يَشُقُّ حَمْلُهُ. فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِلُزُومَيْنِ.
وجِيءَ في هَذا الشَّرْطِ بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي يَكْثُرُ وُرُودُهُ في الشَّرْطِ الَّذِي لا يُظَنُّ
صفحة ٢٠٤
حُصُولُهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِمَظِنَّةِ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ.
وزِيدَتْ كانَ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما هو فِعْلُ الشَّرْطِ في المَعْنى لِيَبْقى فِعْلُ الشَّرْطِ عَلى مَعْنى المُضِيِّ فَلا تُخَلِّصُهُ (إنِ) الشَّرْطِيَّةُ إلى الِاسْتِقْبالِ، كَما هو شَأْنُ أفْعالِ الشُّرُوطِ بَعْدَ (إنْ)، فَإنْ (كانَ) لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى المُضِيِّ لا تَقْبَلُهُ أداةُ الشَّرْطِ إلى الِاسْتِقْبالِ.
والإعْراضُ المُعَرَّفُ بِالإضافَةِ هو الَّذِي مَضى ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] . وهو حالَةٌ أُخْرى غَيْرُ حالَةِ التَّكْذِيبِ، وكِلْتاهُما مِن أسْبابِ اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ﴾ جَوابُ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ﴾ [يونس: ٧١]، وهو شَرْطٌ ثانٍ وقَعَ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ. والِاسْتِطاعَةُ: القُدْرَةُ. والسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ في طاعَ، أيِ انْقادَ.
والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ أنْ تَطْلُبَ نَفَقًا أوْ سُلَّمًا لِتَبْلُغَ إلى خَبايا الأرْضِ وعَجائِبِها وإلى خَبايا السَّماءِ. ومَعْنى الطَّلَبِ هُنا: البَحْثُ.
وانْتَصَبَ نَفَقًا وسُلَّمًا عَلى المَفْعُولَيْنِ لِـ (تَبْتَغِيَ) .
والنَّفَقُ: سِرْبٌ في الأرْضِ عَمِيقٌ.
والسُّلَّمُ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مَعَ تَشْدِيدِ اللّامِ آلَةٌ لِلِارْتِقاءِ تُتَّخَذُ مِن حَبْلَيْنِ غَلِيظَيْنِ مُتَوازِيَيْنِ تَصِلُ بَيْنَهُما أعْوادٌ أوْ حِبالٌ أُخْرى مُتَفَرِّقَةٌ في عَرْضِ الفَضاءِ الَّذِي بَيْنَ الحَبْلَيْنِ مِن مِساحَةِ ما بَيْنَ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأعْوادِ بِمِقْدارِ ما يَرْفَعُ المُرْتَقِي إحْدى رِجْلَيْهِ إلى العُودِ الَّذِي فَوْقَ ذَلِكَ، وتُسَمّى تِلْكَ الأعْوادُ دَرَجاتٌ. ويُجْعَلُ طُولُ الحَبْلَيْنِ بِمِقْدارِ الِارْتِفاعِ الَّذِي يُرادُ الِارْتِقاءُ إلَيْهِ. ويُسَمّى السُّلَّمُ مِرْقاةً ومِدْرَجَةً.
وقَدْ سَمَّوُا الغَرْزَ الَّذِي يَرْتَقِي بِهِ الرّاكِبُ عَلى رَحْلِ ناقَتِهِ سُلَّمًا. وكانُوا يَرْتَقُونَ
صفحة ٢٠٥
بِالسُّلَّمِ إلى النَّخِيلِ لِلْجِذاذِ. ورُبَّما كانَتِ السَّلالِيمُ في الدُّورِ تُتَّخَذُ مِنَ العُودِ فَتُسَمّى المِرْقاةَ. فَأمّا الدُّرُجُ المَبْنِيَّةُ في العَلالِيِّ فَإنَّها تُسَمّى سُلَّمًا وتُسَمّى الدَّرَجَةُ كَما ورَدَ في حَدِيثِ مَقْتَلِ أبِي رافِعٍ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ في إحْدى الرِّواياتِ: «حَتّى انْتَهَيْتُ إلى دَرَجَةٍ لَهُ»، وفي رِوايَةٍ «حَتّى أتَيْتُ السُّلَّمِ أُرِيدُ أنْ أنْزِلَ فَأسْقُطُ مِنهُ» .
وقَوْلُهُ في الأرْضِ صِفَةُ نَفَقًا أيْ مُتَغَلْغِلًا، أيْ عَمِيقًا. فَذَكَرَ هَذا المَجْرُورَ لِإفادَةِ المُبالِغَةِ في العُمْقِ مَعَ اسْتِحْضارِ الحالَةِ وتَصْوِيرِ حالَةِ الِاسْتِطاعَةِ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ النَّفَقَ لا يَكُونُ إلّا في الأرْضِ.
وأمّا قَوْلُهُ في السَّماءِ فَوَصَفَ بِهِ سُلَّمًا، أيْ كائِنًا في السَّماءِ، أيْ واصِلًا إلى السَّماءِ. والمَعْنى تَبْلُغُ بِهِ إلى السَّماءِ. كَقَوْلِ الأعْشى:
ورُقِّيتُ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمٍ
والمَعْنى: فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَطْلُبَ آيَةً مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لِلْكائِناتِ. ولَعَلَّ اخْتِيارَ الِابْتِغاءِ في الأرْضِ والسَّماءِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَألُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ مَن جِنْسِ ما في الأرْضِ، كَقَوْلِهِمْ ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، ومِن جِنْسِ ما في السَّماءِ، كَقَوْلِهِمْ ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] .
وقَوْلُهُ (بِآيَةٍ) أيْ بِآيَةٍ يُسَلِّمُونَ بِها، فَهُنالِكَ وصْفٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إعْراضُهم، أيْ عَنِ الآياتِ الَّتِي جِئْتَهم بِها.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ الشَّرْطِ، وهو اسْتَطَعْتَ.
والشَّرْطُ وجَوابُهُ مُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في التَّأْيِيسِ مِن إيمانِهِمْ وإقْناعِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها.
ويَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ جَوابِ الشَّرْطِ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ، أيْ فَأْتِهِمْ بِآيَةٍ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، كَما يَقُولُ القائِلُ لِلرّاغِبِ في إرْضاءِ مُلِحٍّ: إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَجْلِبَ ما في بَيْتِكَ، أيْ فَهو لا يَرْضى بِما تَقْصُرُ عَنْهُ الِاسْتِطاعَةُ بَلْهَ ما في الِاسْتِطاعَةِ. وهو
صفحة ٢٠٦
اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّوْمِ ولا مِنَ التَّوْبِيخِ، كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ شَرْطٌ امْتِناعِيٌّ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَجْمَعَهم عَلى الهُدى لِجَمَعَهم عَلَيْهِ؛ فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لَقَصْدِ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ عَلى الطَّرِيقَةِ المَسْلُوكَةِ في فِعْلِ المَشِيئَةِ إذا كانَ تَعَلُّقُهُ بِمَفْعُولِهِ غَيْرَ غَرِيبٍ وكانَ شَرْطًا لِإحْدى أدَواتِ الشَّرْطِ كَما هُنا، وكَقَوْلِهِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: ١٣٣] .
ومَعْنى ﴿لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ لَهَداهم أجْمَعِينَ. فَوَقَعَ تَفَنُّنٌ في أُسْلُوبِ التَّعْبِيرِ فَصارَ تَرْكِيبًا خاصِّيًّا عَدَلَ بِهِ عَنِ التَّرْكِيبِ المَشْهُورِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] لِلْإشارَةِ إلى تَمْيِيزِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى مَن بَقِيَ فِيها مِنَ المُشْرِكِينَ، أيْ لَوْ شاءَ لِجَمَعَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما هَدى إلَيْهِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِهِمْ.
والمَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَهم بِعُقُولٍ قابِلَةٍ لِلْحَقِّ لِخَلَقَهم بِها فَلَقَبِلُوا الهُدى، ولَكِنَّهُ خَلَقَهم عَلى ما وصَفَ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] الآيَةَ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ مَشِيئَةٌ كُلِّيَّةٌ تَكْوِينِيَّةٌ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] الآيَةَ. فَهَذا مِنَ المَشِيئَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالخَلْقِ والتَّكْوِينِ لا مِنَ المَشِيئَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْرِ والتَّشْرِيعِ. وبَيْنَهُما بَوْنٌ، سَقَطَ في مِهْواتِهِ مَن لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ صَوْنٌ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُفَرَّعٌ عَلى ما سَبَقَ.
والمُرادُ بِـ (الجاهِلِينَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَهْلِ الَّذِي هو ضِدَّ العِلْمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى خِطابًا لِنُوحٍ ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]، وهو ما حَمَلَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ هُنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَهْلِ ضِدَّ الحِلْمِ، أيْ لا تَضِقْ صَدْرًا بِإعْراضِهِمْ. وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ . وإرادَةُ كِلا المَعْنَيَيْنِ يَنْتَظِمُ مَعَ مُفادِ الجُمْلَتَيْنِ: جُمْلَةِ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ وجُمْلَةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ . ومَعَ كَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْيِيلًا لِلْكَلامِ السّابِقِ فالمَعْنى: فَلا يَكْبُرْ عَلَيْكَ إعْراضُهم
صفحة ٢٠٧
ولا تَضِقْ بِهِ صَدْرًا، وأيْضًا فَكُنْ عالِمًا بِأنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لِجَمَعَهم عَلى الهُدى. وهَذا إنْباءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ بِأمْرٍ مِن عِلْمِ الحَقِيقَةِ يَخْتَصُّ بِحالَةٍ خاصَّةٍ فَلا يُطْرَدُ في غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَواقِفِ التَّشْرِيعِ.
وإنَّما عَدَلَ عَنِ الأمْرِ بِالعِلْمِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الجَهْلِ يَتَضَمَّنُهُ فَيَتَقَرَّرُ في الذِّهْنِ مَرَّتَيْنِ، ولِأنَّ في النَّهْيِ عَنِ الجَهْلِ بِذَلِكَ تَحْرِيضًا عَلى اسْتِحْضارِ العِلْمِ بِهِ، كَما يُقالُ لِلْمُتَعَلِّمِ: لا تَنْسَ هَذِهِ المَسْألَةَ. ولَيْسَ في الكَلامِ نَهْيٌ عَنْ شَيْءٍ تَلَبَّسَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ كَما تَوَهَّمَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وذَهَبُوا فِيهِ مَذاهِبَ لا تَسْتَبِينُ.
6:36Page 132
۞ إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٣٦
Only those who hear will respond. But the dead1 - Allāh will resurrect them; then to Him they will be returned.
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ .
تَعْلِيلٌ لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] مِن تَأْيِيسٍ مِن وُلُوجِ الدَّعْوَةِ إلى أنْفُسِهِمْ، أيْ لا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ دُونَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَرَمَهم فائِدَةَ السَّمْعِ وفَهْمِ المَسْمُوعِ.
ومَفْهُومُ الحَصْرِ مُؤْذِنٌ بِإعْمالِ مَنطُوقِهِ الَّذِي يُومِئُ إلى إرْجاءٍ بَعْدَ تَأْيِيسٍ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ قُلُوبًا يَفْقَهُونَ بِها وآذانًا يَسْمَعُونَ بِها فَأُولَئِكَ يَسْتَجِيبُونَ.
وقَوْلُهُ يَسْتَجِيبُ بِمَعْنى يُجِيبُ، فالسِّينُ والتّاءُ زائِدانِ لِلتَّأْكِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ يَسْتَجِيبُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ.
ومَعْنى يَسْمَعُونَ، أنَّهم يَفْقَهُونَ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الإرْشادِ لِأنَّ الضّالِّينَ كَمَن لا يَسْمَعُ. فالمَقْصُودُ سَمْعٌ خاصٌّ وهو سَمْعُ الِاعْتِبارِ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فالوَجْهُ أنَّهُ مُقابِلٌ لِـ ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ولِذَلِكَ حَسُنَ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ . فَمَعْنى الكَلامِ: وأمّا المُعْرِضُونَ
صفحة ٢٠٨
عَنْكَ فَهم مِثْلَ المَوْتى فَلا يَسْتَجِيبُونَ، كَقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] . فَحَذَفَ مِنَ الكَلامِ ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، فَإنَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ قَدْ يَكُونُ فُقْدانُ سَمْعِهِ مِن عِلَّةٍ كالصَّمَمِ، وقَدْ يَكُونُ مِن عَدَمِ الحَياةِ، كَما قالَ عَبْدُ الرَّحِمَنِ بْنُ الحَكَمِ الثَّقَفِيُّ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
فَتَضَمَّنَ عَطْفُ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضًا بِأنَّ هَؤُلاءِ كالأمْواتِ لا تُرْجى مِنهُمُ اسْتِجابَةٌ. وتَخَلَّصَ إلى وعِيدِهِمْ بِأنَّهُ يَبْعَثُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ، أيْ لا يُرْجى مِنهم رُجُوعٌ إلى الحَقِّ إلى أنْ يُبْعَثُوا، وحِينَئِذٍ يُلاقُونَ جَزاءَ كُفْرِهِمْ. والمَوْتى اسْتِعارَةٌ لِمَن لا يَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ ومَواهِبِهِمْ في أهَمِّ الأشْياءِ، وهو ما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى. و(يَبْعَثُهم) عَلى هَذا حَقِيقَةٌ، وهو تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ، لِأنَّ البَعْثَ مِن مُلائِماتِ المُشَبَّهِ بِهِ في العُرْفِ وإنْ كانَ الحَيُّ يُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ، أيْ بَعْدَ مَوْتِهِ، ولَكِنَّ العُرْفَ لا يَذْكُرُ البَعْثَ إلّا بِاعْتِبارِ وصْفِ المَبْعُوثِ بِأنَّهُ مَيِّتٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَعْثُ اسْتِعارَةً أيْضًا لِلْهِدايَةِ بَعْدَ الضَّلالِ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ المَوْتِ لِعَدَمِ قَبُولِ الهُدى عَلى الوَجْهَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ في التَّرْشِيحِ في فَنِّ البَيانِ مِن كَوْنِهِ تارَةً يَبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ لا يَقْصِدُ مِنهُ إلّا تَقْوِيَةَ الِاسْتِعارَةِ، وتارَةً يُسْتَعارُ مِن مُلائِمِ المُشَبَّهِ بِهِ إلى شِبْهِهِ مِن مُلائِمِ المُشَبَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . فَيَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ في الكَلامِ وعْدٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ المُكَذِّبِينَ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإسْلامِ، وهم مَن لَمْ يَسْبِقْ في عِلْمِهِ حِرْمانُهم مِنَ الإيمانِ.
فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ زِيادَةً في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ تَحْرِيضًا لَهم عَلى الإيمانِ لِيَلْقَوْا جَزاءَهُ حِينَ يُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ. وتَمَّ التَّمْثِيلُ هُنالِكَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ اسْتِطْرادًا تَخَلَّصَ بِهِ إلى قَرْعِ أسْمائِهِمْ بِإثْباتِ الحَشْرِ الَّذِي يَقَعُ بَعْدَ البَعْثِ الحَقِيقِيِّ، فَيَكُونُ البَعْثُ في قَوْلِهِ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وقَرِيبٌ مِنهُ في التَّخَلُّصِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ [البقرة: ٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
6:37Page 132
وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧
And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allāh is Able to send down a sign, but most of them do not know."
صفحة ٢٠٩
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] الآياتِ، وهَذا عَوْدٌ إلى ما جاءَ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن ذِكْرِ إعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] . ثُمَّ ذَكَرَ ما تَفَنَّنُوا بِهِ مِنَ المَعاذِيرِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] أيْ وقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ، أيْ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ، وقَدِ اقْتَرَحُوا آياتٍ مُخْتَلِفَةً في مُجادَلاتٍ عَدِيدَةٍ. ولِذَلِكَ أجْمَلَها اللَّهُ تَعالى هُنا اعْتِمادًا عَلى عِلْمِها عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ .
فَجُمْلَةُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ وقَعَ عَطْفُها مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] وجُمْلَةِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] إلَخْ. وفي الإتْيانِ بِفِعْلِ النُّزُولِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المَسْئُولَةَ مِن قَبِيلِ ما يَأْتِي مِنَ السَّماءِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وقَوْلِهِمْ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وشَبَّهَ ذَلِكَ.
وجَرَّدَ نُزِّلَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ المُؤَنَّثَ الَّذِي تَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ بَحْتٌ يَجُوزُ تَجْرِيدُ فِعْلِهِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ؛ فَإذا وقَعَ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ فاصِلٌ اجْتَمَعَ مُسَوِّغانِ لِتَجْرِيدِ الفِعْلِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، فَإنَّ الفَصْلَ بِوَحْدِهِ مُسَوِّغٌ لِتَجْرِيدِ الفِعْلِ مِنَ العَلامَةِ. وقَدْ صَرَّحَ في الكَشّافِ بِأنَّ تَجْرِيدَ الفِعْلِ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ حِينَئِذٍ حَسَنٌ.
و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ بِمَعْنى (هَلّا) . والتَّحْضِيضُ هُنا لِقَطْعِ الخَصْمِ وتَعْجِيزِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اشْتِقاقِ آيَةٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢١٠
وفُصِلَ فِعْلُ (قُلْ) فَلَمْ يُعْطَفْ لِأنَّهُ وقَعَ مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ فَجاءَ عَلى طَرِيقَةِ الفَصْلِ الَّتِي بَيَّنّاها في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ آيَةً عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِها الحُجَّةُ في تَصْدِيقِ الرَّسُولِ، ولَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها؛ فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ وهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ، ولِذَلِكَ سَألُوا الآيَةَ، ولَكِنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَثْبُتُ صِدْقُهُ إلّا إذا أيَّدَهُ اللَّهُ بِآيَةٍ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ. فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ، وهو انْتِفاءُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ تَعالى إجابَةَ مُقْتَرَحِهِمْ، لِأنَّهُ لَمّا أرْسَلَ رَسُولَهُ بِآياتٍ بَيِّناتٍ حَصَلَ المَقْصُودُ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَوْ شاءَ لَزادَهم مِنَ الآياتِ لِأنَّهُ قادِرٌ.
فَفِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنَ الجَوابِ إثْباتٌ لِلرَّدِّ بِالدَّلِيلِ، وبِهَذا يَظْهَرُ مَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُ راجِعٌ إلى المَدْلُولِ الِالتِزامِيِّ، أيْ ولَكِنَّ أكْثَرَ المُعانِدِينَ لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَفَعَلَهُ، ويَحْسَبُونَ أنَّ عَدَمَ الإجابَةِ إلى مُقْتَرَحِهِمْ بَدَلٌ عَلى عَدَمِ صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ مِن ظُلْمَةِ عُقُولِهِمْ، فَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ.
فَيَكُونُ المَعْنى الَّذِي أفادَهُ هَذا الرَّدُّ غَيْرَ المَعْنى الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] فَإنَّ ذَلِكَ نُبِّهُوا فِيهِ عَلى أنَّ عَدَمَ إجابَتِهِمْ فِيهِ فائِدَةٌ لَهم وهو اسْتِبْقاؤُهم، وهَذا نُبِّهُوا فِيهِ عَلى سُوءِ نَظَرِهِمْ في اسْتِدْلالِهِمْ.
وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَبَ الآياتِ دَلائِلَ مُناسِبَةً لِلْغَرَضِ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ كَما يَقُولُ المَنطِقِيُّونَ: إنَّ المُقَدِّماتِ والنَّتِيجَةَ تَدُلُّ عَقْلًا عَلى المَطْلُوبِ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ، وإنَّ النَّتِيجَةَ هي عَيْنُ المَطْلُوبِ في الواقِعِ وإنْ كانَتْ غَيْرَهُ في الِاعْتِبارِ؛ فَلِذَلِكَ نَجِدُ القُرْآنَ يَذْكُرُ الحُجَجَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى خَلْقِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ، كَإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وإخْراجِ
صفحة ٢١١
المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ والحَشْرِ. ويُسَمِّي تِلْكَ الحُجَجَ آياتًا كَقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨]، وكَما سَيَجِيءُ في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] . وذَكَرَ في خِلالِ ذَلِكَ تَفْصِيلَ الآياتِ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] . وكَذَلِكَ ذِكْرُ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ بِاسْتِقْلالِهِ بِالخَلْقِ، كَقَوْلِهِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] إلَخْ، وكَقَوْلِهِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ بِأنْواعِ الهِدايَةِ، ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] . ولَمّا كانَ نُزُولُ القُرْآنِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حُجَّةً عَلى صِدْقِهِ في إخْبارِهِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ وتَفاصِيلِ المَواعِظِ وأحْوالِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ وشَرْعِ الأحْكامِ مَعَ كَوْنِ الَّذِي جاءَ بِهِ مَعْلُومَ الأُمِّيَّةِ بَيْنَهم قَدْ قَضى شَبابَهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، جَعَلَهُ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَسَمّاهُ آياتٍ في قَوْلِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢] فَلَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ الدَّلائِلَ عَلى الأشْياءِ مِن غَيْرِ ما يُناسِبُها.
أمّا الجَهَلَةُ والضّالُّونَ فَهم يَرُومُونَ آياتٍ مِن عَجائِبِ التَّصارِيفِ الخارِقَةِ لِنِظامِ العالَمِ يُرِيدُونَ أنْ تَكُونَ عَلامَةً بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ بِأنْ يُجِيبَهم إلَيْها إشارَةً مِنهُ إلى أنَّهُ صَدَقَ الرَّسُولُ فِيما بَلَّغَ عَنْهُ، فَهَذا لَيْسَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ ولَكِنَّهُ مِن قَبِيلِ المُخاطَرَةِ لِيَزْعُمُوا أنَّ عَدَمُ إجابَتِهِمْ لِما اقْتَرَحُوهُ عَلامَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُصَدِّقِ الرَّسُولَ ﷺ في دَعْوى الرِّسالَةِ. ومِن أيْنَ لَهم أنَّ اللَّهَ يَرْضى بِالنُّزُولِ مَعَهم إلى هَذا المَجالِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ لا يَعْلَمُونَ ما وجْهُ الِارْتِباطِ بَيْنَ دَلالَةِ الآيَةِ ومَدْلُولِها. ولِذَلِكَ قالَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] فَهم جَعَلُوا إيمانَهم مَوْقُوفًا عَلى أنْ تُنَزَّلَ آيَةٌ مِنَ السَّماءِ. وهم يَعْنُونَ أنَّ تَنْزِيلَ آيَةٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً واحِدَةً. فَقَدْ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقالُوا
صفحة ٢١٢
﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ، أيْ لا عَلاقَةَ بَيْنَ الإنْذارِ وبَيْنَ اشْتِراطِ كَوْنِ الإنْذارِ في كِتابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، لِأنَّ الإنْذارَ حاصِلٌ بِكَوْنِهِ إنْذارًا مُفَصَّلًا بَلِيغًا دالًّا عَلى أنَّ المُنْذِرَ بِهِ ما اخْتَرَعَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ ولِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِما يُبَيِّنُ هَذا في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذَنْ لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، أيْ فَما فائِدَةُ كَوْنِهِ يَنْزِلُ في قِرْطاسٍ مِنَ السَّماءِ مَعَ أنَّ المَضْمُونَ واحِدٌ.
وقالَ في رَدِّ قَوْلِهِمْ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] . نَعَمْ إنَّ اللَّهَ قَدْ يُقِيمُ آياتٍ مِن هَذا القَبِيلِ مِن تِلْقاءِ اخْتِيارِهِ بِدُونِ اقْتِراحٍ عَلَيْهِ، وهو ما يُسَمّى بِالمُعْجِزَةِ مِثْلَ ما سَمّى بَعْضَ ذَلِكَ بِالآياتِ في قَوْلِهِ ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، فَذَلِكَ أمْرٌ أُنُفٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَقْتَرِحْهُ عَلَيْهِ أحَدٌ. وقَدْ أعْطى نَبِيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ مِن ذَلِكَ كَثِيرًا في غَيْرِ مَقامِ اقْتِراحٍ مِنَ المُعْرِضِينَ، مِثْلَ انْشِقاقِ القَمَرِ، ونَبْعِ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ، وتَكْثِيرِ الطَّعامِ القَلِيلِ، ونَبْعِ الماءِ مِنَ الأرْضِ بِسَهْمٍ رَشَقَهُ في الأرْضِ. هَذا هو البَيانُ الَّذِي وعَدَتْ بِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] في هَذِهِ السُّورَةِ.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ إنْزالَ الآيَةِ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ يَعْقُبُها الِاسْتِئْصالُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وهم لِعِنادِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ. إلّا أنَّ ما فَسَّرْتُها بِهِ أوْلى لِئَلّا يَكُونَ مَعْناها إعادَةً لِمَعْنى الآيَةِ الَّتِي سَبَقَتْها، وبِهِ يَنْدَفِعُ التَّوَقُّفُ في وجْهِ مُطابَقَةِ الجَوابِ لِمُقْتَضى السُّؤالِ حَسْبَما تَوَقَّفَ فِيهِ التَّفْتَزانِيُّ في تَقْرِيرِ كَلامِ الكَشّافِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يُكابِرُ ويُظْهِرُ أنَّهُ لا يَتِمُّ عِنْدَهُ الِاسْتِدْلالُ إلّا عَلى نَحْوِ ما اقْتَرَحُوهُ.
وإعادَةُ لَفْظِ آيَةٍ بِالتَّنْكِيرِ في قَوْلِهِ (أنْ يُنَزِّلَ آيَةً) مِن إعادَةِ النَّكِرَةِ نَكِرَةً وهي عَيْنُ
صفحة ٢١٣
الأُولى. وهَذا يُبْطِلُ القاعِدَةَ المُتَداوَلَةَ بَيْنَ المُعَرَّبِينَ مِن أنَّ اللَّفْظَ المُنَكَّرَ إذا أُعِيدَ في الكَلامِ مُنَكَّرًا كانَ الثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ. وقَدْ ذَكَرَها ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ السّادِسِ ونَقَضَها. ومِمّا مَثَّلَ بِهِ لِإعادَةِ النَّكِرَةِ نَكِرَةً وهي عَيْنُ الأُولى لا غَيْرُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم: ٥٤] . وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] في سُورَةِ النِّساءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences