Ibn 'AshurAl‑Mulk · 67:19–23

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mulk 67:19–23

67:19Page 563

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءِۭ بَصِيرٌ ١٩

Do they not see the birds above them with wings outspread and [sometimes] folded in? None holds them [aloft] except the Most Merciful. Indeed He is, of all things, Seeing.

﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] اسْتِرْسالًا في الدَّلائِلِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في المَوْجُوداتِ، وقَدِ انْتَقَلَ مِن دَلالَةِ أحْوالِ البَشَرِ وعالَمِهِمْ، إلى دَلالَةِ أعْجَبِ أحْوالِ العَجْماواتِ وهي أحْوالُ الطَّيْرِ في نِظامِ حَرَكاتِها في حالِ طَيَرانِها؛ إذْ لا تَمْشِي عَلى الأرْضِ كَما هو في حَرَكاتِ غَيْرِها عَلى الأرْضِ، فَحالُها أقْوى دَلالَةً عَلى عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ المُنْفَرِدِ بِهِ.

واشْتَمَلَ التَّذْكِيرُ بِعَجِيبِ خَلْقِةِ الطَّيْرَ في طَيَرانِها عَلى ضَرْبٍ مِنَ الإطْنابِ لِأنَّ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ المُسْتَفادَةَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ تُصَوِّرُ صُورَةَ حَرَكاتِ الطَّيَرانِ لِلسّامِعِينَ فَتُنَبِّهُهم لِدَقائِقَ رُبَّما أغْفَلَهم عَنْ تَدْقِيقِ النَّظَرِ فِيها نَشْأتُهم بَيْنَها مِن وقْتِ ذُهُولِ الإدْراكِ في زَمَنِ الصِّبا، فَإنَّ المَرْءَ التُّونِسِيَّ أوِ المَغْرِبِيَّ مَثَلًا إذا سافَرَ إلى بِلادِ الهِنْدِ أوْ إلى بِلادِ السُّودانِ فَرَأى الفِيَلَةَ وهو مُكْتَمِلُ العَقْلِ دَقِيقُ التَّمْيِيزِ أدْرَكَ مِن دَقائِقِ خِلْقَةِ الفِيلِ ما لا يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الهِنْدِ النّاشِئِ بَيْنَ الفِيَلَةِ، وكَمْ غَفَلَ النّاسُ عَنْ دَقائِقَ في المَخْلُوقاتِ مِنَ الحَيَوانِ والجَمادِ ما لَوْ تَتَبَّعُوهُ لَتَجَلّى لَهم مِنها ما يَمْلَأُ وصْفُهُ الصُّحُفَ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]، وقالَ ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .

صفحة ٣٨

وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ مَن شاهَدَ البَحْرَ وهو كَبِيرٌ، ولَمْ يَكُنْ شاهَدَهُ مِن قَبْلُ، كَيْفَ امْتَلَكَهُ مِنَ العَجَبِ ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِمَّنْ ألِفُوهُ مِعْشارَهُ.

وهَذا الإطْنابُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُخالِفٌ لِما في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ النَّحْلِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩] . وذَلِكَ بِحَسَبِ مااقْتَضاهُ اخْتِلافُ المَقامَيْنِ فَسُورَةُ النَّحْلِ رابِعَةٌ قَبْلَ سُورَةِ المُلْكِ، فَلَمّا أوْقَظَتْ عُقُولَهم فِيها لِلنَّظَرِ إلى ما في خِلْقَةِ الطَّيْرِ مِنَ الدَّلائِلِ فَلَمْ يَتَفَطَّنُوا وسُلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَسْلَكُ الإطْنابِ بِزِيادَةِ ذِكْرِ أوْصافٍ ثَلاثَةٍ: فالوَصْفُ الأوَّلُ: ما أفادَهُ قَوْلُهُ فَوْقَهم فَإنَّ جَمِيعَ الدَّوابِّ تَمْشِي عَلى الأرْضِ والطَّيْرَ كَذَلِكَ، فَإذا طارَ الطّائِرُ انْتَقَلَ إلى حالَةٍ عَجِيبَةٍ مُخالِفَةٍ لِبَقِيَّةِ المَخْلُوقاتِ وهي السَّيْرُ في الجَوِّ بِواسِطَةِ تَحْرِيكِ جَناحَيْهِ وذَلِكَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا طائِرٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ لِقَصْدِ تَصْوِيرِ تِلْكَ الحالَةِ.

والوَصْفُ الثّانِي: صافّاتٍ وهو وصْفٌ بِوَزْنِ اسْمِ الفاعِلِ مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّفِّ، وهو كَوْنُ أشْياءَ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَقارِبَةِ الأمْكِنَةِ وبِاسْتِواءَ، وهو قاصِرٌ ومُتَعَدٍّ، يُقالُ: صَفُّوا بِمَعْنى اصْطَفُّوا كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المَلائِكَةِ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] وقالَ تَعالى في البُدْنِ ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] . ويُقالُ: صَفَّهم إذا جَعَلَهم مُسْتَوِينَ في المَوْقِفِ، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في الجَنائِزِ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرٍ مَنبُوذٍ إلى قَوْلِهِ فَصَفَّنا خَلْفَهُ وكَبَّرَ.

والمُرادُ هُنا أنَّ الطَّيْرَ صافَّةٌ أجْنِحَتِها فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِعِلْمِهِ مِنَ الوَصْفِ الجارِي عَلى الطَّيْرِ إذْ لا تُجْعَلُ الطَّيْرُ أشْياءَ مَصْفُوفَةً إلّا رِيشَ أجْنِحَتِها عِنْدَ الطَّيَرانِ فالطّائِرُ إذا طارَ بَسَطَ جَناحَيْهِ، أيْ مَدَّها فَصَفَّ رِيشَ الجَناحِ فَإذا تَمَدَّدَ الجَناحُ ظَهَرَ رِيشُهُ مُصْطَفًّا فَكانَ ذَلِكَ الاصْطِفافُ مِن أثَرِ فِعْلِ الطَّيْرِ فَوُصِفَتْ بِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] في سُورَةِ النُّورِ. وبَسْطُ الجَناحَيْنِ يُمَكِّنُ الطّائِرَ مِنَ الطَّيَرانِ فَهو كَمَدِ اليَدَيْنِ لِلسّابِحِ في الماءِ.

الوَصْفُ الثّالِثُ: ويَقْبِضْنَ وهو عَطْفٌ عَلى صافّاتٍ مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الاسْمِ الشَّبِيهِ بِالفِعْلِ في الاشْتِقاقِ وإفادَةُ الاتِّصافِ بِحُدُوثِ المَصْدَرِ في فاعِلِهِ، فَلَمْ يَفُتْ بِعَطْفِهِ تَماثُلُ المَعْطُوفَيْنِ في الاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ الَّذِي هو مِن مُحَسِّناتِ الوَصْلِ.

صفحة ٣٩

والقَبْضُ: ضِدُّ البَسْطِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ضِدُّ الصَّفِّ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، إذْ كانَ ذَلِكَ الصَّفُّ صادِقًا عَلى مَعْنى البَسْطِ ومَفْعُولُهُ المَحْذُوفُ هُنا هو عَيْنُ المَحْذُوفِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ قابِضاتِ أجْنِحَتِهِنَّ حِينَ يُدْنِينَها مِن جُنُوبِهِنَّ لِلْازْدِيادِ مِن تَحْرِيكِ الهَواءِ لِلْاسْتِمْرارِ في الطَّيَرانِ.

وأُوثِرَ الفِعْلُ المُضارِعُ في يَقْبِضْنَ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ وهي حالَةُ عَكْسِ بَسْطِ الجَناحَيْنِ إذْ بِذَلِكَ العَكْسِ يَزْدادُ الطَّيَرانُ قُوَّةً امْتِدادَ زَمانٍ.

وجِيءَ في وصْفِ الطَّيْرِ بِ (صافّاتٍ) بِصِيغَةِ الاسْمِ لِأنَّ الصَّفَّ هو أكْثَرُ أحْوالِها عِنْدَ الطَّيَرانِ فَناسَبَهُ الاسْمُ الدّالُّ عَلى الثَّباتِ، وجِيءَ في وصْفِهِنَّ بِالقَبْضِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلى التَّجَدُّدِ، أيْ ويُجَدِّدْنَ قَبْضَ أجْنِحَتِهِنَّ في خِلالِ الطَّيَرانِ لِلْاسْتِعانَةِ بِقَبْضِ الأجْنِحَةِ عَلى زِيادَةِ التَّحَرُّكِ عِنْدَما يَحْسُسْنَ بِتَغَلُّبِ جاذِبِيَّةِ الأرْضِ عَلى حَرَكاتِ الطَّيَرانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في الجِبالِ والطَّيْرِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ [ص: ١٨] ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩] لِأنَّ التَّسْبِيحَ في وقْتَيْنِ والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ دَوْمًا.

وانْتَصَبَ فَوْقَهم عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ وكَذَلِكَ انْتَصَبَ صافّاتٍ.

وجُمْلَةُ ويَقْبِضْنَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ لِعَطْفِها عَلى الوَصْفِ الَّذِي هو حالٌ فالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ مُضَمِّنَةٌ مَعْنى النَّظَرِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَتْ إلى المَرْئِيِّ بِ (إلى) .

والاسْتِفْهامُ في أوَلَمْ يَرَوْا إنْكارِيٌّ، نَزَلُواْ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَرَ هاتِهِ الأحْوالَ في الطَّيْرِ لِأنَّهم لَمْ يَعْتَبِرُواْ بِها ولَمْ يَهْتَدُواْ إلى دَلالَتِها عَلى انْفِرادِ خالِقِها بِالإُلُهِيَّةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ وما فِيها مِنِ اسْتِفْهامٍ إنْكارٍ، أيْ كانَ حَقُّهم أنْ يَعْلَمُواْ أنَّهُنَّ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إذْ لا مُمْسِكَ لَها تَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] .

وفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ الَّذِي أمْسَكَ الطَّيْرَ عَنِ الهُوِيِّ المُفْضِي إلى الهَلاكِ هو الَّذِي أهْلَكَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ فَلَوْ لَمْ يُشْرِكُواْ بِهِ ولَوِ اسْتَعْصَمُواْ بِطاعَتِهِ لَأنْجاهم مِنَ الهَلاكِ كَما أنْجى الطَّيْرَ مِنَ الهُوِيِّ.

ومَعْنى إمْساكِ اللَّهِ إيّاها: حِفْظُها مِنَ السُّقُوطِ عَلى الأرْضِ بِما أوْدَعَ في خِلْقَتِها

صفحة ٤٠

مِنَ الخَصائِصِ في خِفَّةِ عِظامِها وقُوَّةِ حَرَكَةِ الجَوانِحِ وما جَعَلَ لَهُنَّ مِنَ القَوادِمِ، وهي رِيشاتٌ عَشْرٌ هي مَقادِيمُ رِيشِ الجَناحِ، وفي الخَوافِي وهي ما دُونَها مِنَ الجَناحِ إلى مُنْتَهى رِيشِهِ، وما خَلَقَهُ مِن شَكْلِ أجْسادِها المُعِينِ عَلى نُفُوذِها في الهَواءِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ إيّاها مانِعًا لَها مِنَ السُّقُوطِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَعالِيقَ يُعَلِّقُها بِها أحَدٌ كَما يُعَلِّقُ المُشَعْوِذُ بَعْضَ الصُّوَرِ بِخُيُوطٍ دَقِيقَةٍ لا تَبْدُو لِلنّاظِرِينَ.

وإيثارُ اسْمِ الرَّحْمَنِ هُنا دُونَ الاسْمِ العَلَمِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩] لَعَلَّهُ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا في خِطابِهِمْ بِطَرِيقَةِ الإطْنابِ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ الآيَةَ.

فَمِن جُمْلَةِ عِنادِهِمْ إنْكارُهُمُ اسْمَ الرَّحْمَنِ فَلَمّا لَمْ يَرْعَوَوْا عَمّا هم عَلَيْهِ ذُكِرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ السُّورَةِ أرْبَعُ مَرّاتٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ أيْ أمْسَكَهُنَّ الرَّحْمَنُ لِعُمُومِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ولا يُمْسِكُهُنَّ غَيْرُهُ لِقُصُورِ عِلْمِهِمْ أوِ انْتِفائِهِ.

والبَصِيرُ: العَلِيمُ، مُشْتَقٌّ مِنَ البَصِيرَةِ، فَهو هُنا غَيْرُ الوَصْفِ الَّذِي هو مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى في نَحْوِ: السَّمِيعُ البَصِيرُ، وإنَّما هو هُنا مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ بَصِيرٌ بِالأُمُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤]، فَهو خَبَرٌ لا وصْفٌ ولا مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ الاسْمِ. وتَقْدِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِإفادَةِ القَصْرِ الإضافِيِّ وهو قَصْرُ قَلَبٍ رَدًّا عَلى مَن يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ كالَّذِينَ قِيلَ لَهم ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: ١٣] .

67:20Page 563

أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٞ لَّكُمۡ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ إِنِ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ٢٠

Or who is it that could be an army for you to aid you other than the Most Merciful? The disbelievers are not but in delusion.

﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ وهي لِلْاضْطِرابِ الانْتِقالِيِّ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ فَبَعْدَ اسْتِيفاءِ غَرَضِ إثْباتِ الإلِهِيَّةِ الحَقِّ لِلَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ وتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم مُفْتَقِرُونَ إلَيْهِ، انْتَقَلَ إلى إبْطالِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَوُجِّهَ إلَيْهِمُ اسْتِفْهامٌ

صفحة ٤١

أنْ يَدُلُّواْ عَلى أحَدٍ مِن أصْنامِهِمْ أوْ غَيْرِها يُقالُ فِيهِ هَذا هو الَّذِي يَنْصُرُ مِن دُونِ اللَّهِ، فَإنَّهم غَيْرُ مُسْتَطِيعِينَ تَعْيِينَ أحَدٍ لِذَلِكَ إلّا إذا سَلَكُواْ طَرِيقَ البُهْتانِ وما هم بِسالِكِيهِ في مِثْلِ هَذا لِافْتِضاحِ أمْرِهِ.

وهَذا الكَلامُ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [الملك: ١٦] الآيَةَ، فَهو مِثْلُهُ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ حُجَجِ الاسْتِدْلالِ.

و(أمْ) المُنْقَطِعَةُ لا يُفارِقُها مَعْنى الاسْتِفْهامِ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ مِقْدارًا فَإذا صُرِّحَ بِهِ كَما هُنا فَأوْضَحُ ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ الاسْتِفْهامَ يُقَدَّرُ بَعْدَها ولَوْ كانَ يَلِيها اسْتِفْهامٌ مُصَرَّحٌ بِهِ فَيُشْكِلُ اجْتِماعُ اسْتِفْهامَيْنِ.

والاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ عَنِ التَّعْيِينِ فَيُؤَوَّلُ إلى الانْتِفاءِ، والإشارَةُ مُشارٌ بِها إلى مَفْهُومِ جُنْدٍ مَفْرُوضٍ في الأذْهانِ اسْتُحْضِرَ لِلْمُخاطِبِينَ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ حاضِرٌ في الخارِجِ يُشاهِدُهُ المُخاطَبُونَ، فَيَطْلُبُ المُتَكَلِّمُ مِنهم تَعْيِينَ قَبِيلَةٍ بِأنْ يَقُولُواْ: بَنُو فُلانٍ. ولَمّا كانَ الاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيزِ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أنَّ هَذا الجُنْدَ المَفْرُوضَ غَيْرُ كائِنٍ.

وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ونَحْوُهُ.

و(مَن) في مَوْضِعِ مُبْتَدَإٍ واسْمُ الإشارَةِ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَإ.

وكُتِبَ في المُصْحَفِ (أمَّنْ) بِمِيمٍ واحِدَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وهُما مِيمُ (أمْ) ومِيمُ (مَن) المُدْغَمَتَيْنِ بِجَعْلِهِما كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ كَما كُتِبَ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] بِمِيمٍ واحِدَةٍ بَعْدَ العَيْنِ، ولا تُقْرَأُ إلّا بِمِيمٍ مُشَدَّدَةٍ؛ إذِ المُعْتَبَرُ في قِراءَةِ القُرْآنِ الرِّوايَةُ دُونَ الكِتابَةِ وإنَّما يُكْتَبُ القُرْآنُ لِلْإعانَةِ عَلى مُراجَعَتِهِ.

و﴿الَّذِي هو جُنْدٌ﴾ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، و(لَكم) صِفَةٌ لِ (جُنْدٌ) و(يَنْصُرُكم) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن جُنْدٌ أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ (جُنْدٌ) .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُشارًا بِهِ إلى جَماعَةِ الأصْنامِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمُ المَوْضُوعَةِ في الكَعْبَةِ وحَوْلَها الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ جُنْدًا فَمَن هو حَتّى يَنْصُرَكم مِن دُونِ اللَّهِ.

فَتَكُونُ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْقِيرِ مِثْلُ قَوْلِهِ مِن فِرْعَوْنُ في

صفحة ٤٢

قِراءَةِ فَتْحِ مِيمِ (مَن) ورَفْعِ فِرْعَوْنَ، أيْ مَن هَذا الجُنْدُ فَإنَّهُ أحْقَرُ مِن أنْ يُعْرَفَ، واسْمُ الإشارَةِ صِفَةٌ لِاسْمِ الاسْتِفْهامِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، و﴿الَّذِي هو جُنْدٌ لَكُمْ﴾ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ. وجُمْلَةُ يَنْصُرُكم خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الاسْتِفْهامِ، أيْ هو أقَلُّ مِن أنْ يَنْصُرَكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم لِدَلالَتِها عَلى الدَّوامِ والثُّبُوتِ؛ لِأنَّ الجُنْدَ يَكُونُواْ عَلى اسْتِعْدادٍ لِلنَّصْرِ إذا دُعِيَ إلَيْهِ سَواءٌ قاتَلَ أمْ لَمْ يُقاتِلْ؛ لِأنَّ النَّصْرَ يَحْتاجُ إلى اسْتِعْدادٍ وتَهَيُّؤٍ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «خَيْرُ النّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنانِ فَرَسِهِ كُلَّما سَمِعَ هَيْعَةً طارَ إلَيْها» أيْ هَيْعَةُ جِهادٍ.

فالمَعْنى: يَنْصُرُكم عِنْدَ احْتِياجِكم إلى نَصْرِهِ، فَهَذا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ جُمْلَةِ هو جُنْدٌ لَكم وجُمْلَةِ يَنْصُرُكم ولَمْ يَسْتَغْنِ بِالثّانِيَةِ عَنِ الأُولى.

ودُونَ أصْلِهِ ظَرْفٌ لِلْمَكانِ الأسْفَلِ ضِدُّ (فَوْقَ)، ويُطْلَقُ عَلى المُغايِرِ فَيَكُونُ بِمَعْنى غَيْرٍ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ.

فَقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في يَنْصُرُكم. أيْ حالَةُ كَوْنِ النّاصِرِ مِن جانِبٍ غَيْرَ جانِبِ اللَّهِ، أيْ مَن مُسْتَطِيعٌ غَيْرَ اللَّهِ يَدْفَعُ عَنْكُمُ السُّوءَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ [الأنبياء: ٤٣] فَتَكُونُ (مِن) زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلظَّرْفِ وهي تُزادُ مَعَ الظُّرُوفِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، ولا تُجَرُّ تِلْكَ الظُّرُوفُ بِغَيْرِ (مِن)، قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الرّابِعَةِ والعِشْرِينَ: ”وما مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ لا يُخْفِضُهُ سِوى حَرْفٌ“ وفَسَّرَهُ بِظَرْفِ ”عِنْدَ“ ولا خُصُوصِيَّةَ لِـ ”عِنْدَ“ بَلْ ذَلِكَ في جَمِيعِ الظُّرُوفِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ.

وتَكْرِيرُ وصْفِ الرَّحْمَنِ عَقِبَ الآيَةِ السّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا في إيثارِ هَذا الوَصْفِ في الآيَةِ السّابِقَةِ.

وذُيِّلَ هَذا الاعْتِراضُ بِقَوْلِهِ ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾، أيْ ذَلِكَ شَأْنُ الكافِرِينَ كُلِّهِمْ وهم أهْلُ الشِّرْكِ مِنَ المُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ، أيْ في غُرُورٍ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ تَوَقُّعِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى، أوْ في غُرُورٍ مِنِ اعْتِمادِهِمْ عَلى الأصْنامِ كَما غَرَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ دِينُهم بِأنَّ الأوْثانَ تَنْفَعُهم وتَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ فَلَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ مِنهم وقْتَ الحاجَةِ فَكَذَلِكَ سَيَقَعُ لِأمْثالِهِمْ قالَ تَعالى ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] وقالَ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] فَتَعْرِيفُ (الكافِرُونَ) لِلْاسْتِغْراقِ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ كافِرُونَ مَعْهُودُونَ حَتّى يَكُونَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ.

صفحة ٤٣

والغُرُورُ: ظَنُّ النَّفْسِ وُقُوعِ أمْرٍ نافِعٍ لَها بِمَخائِلِ تَتَوَهُّمِها، وهو بِخِلافِ ذَلِكَ أوْ هو غَيْرُ واقِعٍ.

وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] في آخِرِ آلِ عِمْرانَ وقَوْلِهِ ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [فاطر: ٥] في سُورَةِ فاطِرٍ.

والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في شِدَّةِ التَّلَبُّسِ بِالغُرُورِ حَتّى كَأنَّ الغُرُورَ مُحِيطٌ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ.

والمَعْنى: ما الكافِرُونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الغُرُورِ، وهَذا قَصْرٌ إضافِيٌّ لِقَلْبِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم في مَأْمَنٍ مِنَ الكَوارِثِ بِحِمايَةِ آلِهَتِهِمْ.

67:21Page 563

أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي يَرۡزُقُكُمۡ إِنۡ أَمۡسَكَ رِزۡقَهُۥۚ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ ٢١

Or who is it that could provide for you if He withheld His provision? But they have persisted in insolence and aversion.

﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ انْتِقالٌ آخَرُ، والكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿أمْ مَن هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكُمْ﴾ [الملك: ٢٠]، وهَذا الكَلامُ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ.

والرِّزْقُ: ما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ، ويُطْلَقُ عَلى المَطَرِ، وعَلى الطَّعامِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] .

وضَمِيرُ (أمْسَكَ) وضَمِيرُ (رِزْقَهُ) عائِدانِ إلى لَفْظِ (الرَّحْمانِ) الواقِعِ في قَوْلِهِ ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠] .

وجِيءَ بِالصِّلَةِ فِعْلًا مُضارِعًا لِدَلالَتِهِ عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ الرِّزْقَ يَقْتَضِي التِّكْرارَ؛ إذْ حاجَةُ البَشَرِ إلَيْهِ مُسْتَمِرَّةٌ. وكُتِبَ (أمَّنْ) في المُصْحَفِ بِصُورَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ كَما كُتِبَ نَظِيرَتُها المُتَقَدِّمَةُ آنِفًا.

* * *

﴿بَلْ لَجُّواْ في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ناشِئٍ عَنِ الدَّلائِلِ والقَوارِعِ والزَّواجِرِ والعِظاتِ والعِبَرِ المُتَقَدِّمَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] إلى هُنا، فَيَتَّجِهُ لِلسّائِلِ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّهم نَفَعَتْ عِنْدَهم الآياتُ والنُّذُرُ، واعْتَبَرُواْ بِالآياتِ والعِبَرِ، فَأُجِيبَ بِإبْطالِ ظَنِّهِ بِأنَّهم لَجُّواْ في عُتُوٍّ ونُفُورٍ.

صفحة ٤٤

و(بَلْ) لِلْاضْرابِ أوِ الإبْطالِ عَمّا تَضْمَّنَهُ الاسْتِفْهامانِ السّابِقانِ أوْ لِلْانْتِقالِ مِن غَرَضِ التَّعْجِيزِ إلى الإخْبارِ عَنْ عِنادِهِمْ.

يُقالُ: لَجَّ في الخُصُومَةِ مِن بابِ سَمَّعَ، أيِ اشْتَدَّ في النِّزاعِ والخِصامِ، أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى العِنادِ يَكْتَنِفُهُمُ العُتُوُّ والنُّفُورُ، أيْ لا يَتْرُكُ مَخْلَصًا لِلْحَقِّ إلَيْهِمْ، فالظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، والعُتُوُّ: التَّكَبُّرُ والطُّغْيانُ.

والنُّفُورُ: هو الاشْمِئْزازُ مِنَ الشَّيْءِ والهُرُوبُ مِنهُ.

والمَعْنى: اشْتَدُّواْ في الخِصامِ مُتَلَبِّسٌ بِالكِبْرِ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ حِرْصًا عَلى بَقاءِ سِيادَتِهِمْ وبِالنُّفُورِ عَنِ الحَقِّ لِكَراهِيَةِ ما يُخالِفُ أهْواءَهم وما ألِفُوهُ مِنَ الباطِلِ.

67:22Page 563

أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٢

Then is one who walks fallen on his face better guided or one who walks erect on a straight path?

﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ أوْ لِرَجُلَيْنِ: كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، لِأنَّهُ جاءَ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١] وما اتَّصَلَ ذَلِكَ بِهِ مِنَ الكَلامِ الَّذِي سِيقَ مَساقَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكُمْ﴾ [الملك: ٢٠] ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١]، وذَلِكَ مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ عَلى اخْتِلافِ مَناحِيهِمْ ولَكِنْ لَمْ يُعَرِّجْ أحَدٌ مِنهم عَلى بَيانِ كَيْفَ يَتَعَيَّنُ التَّمْثِيلُ الأوَّلُ لِلْكافِرِينَ والثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ حَتّى يَظْهَرَ وجْهُ إلْزامِ اللَّهِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم أهْلُ المَثَلِ الأوَّلِ مَثَلِ السَّوْءِ، فَإذا لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ مِنَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ لَمْ يَتَّضِحْ إلْزامُ المُشْرِكِينَ بِأنَّ حالَهم حالُ التَّمْثِيلِ الأوَّلِ، فَيَخالُ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أنَّ خَصْمَهُ هو مَضْرِبُ المَثَلِ السُّوءِ. ويَتَوَهَّمُ أنَّ الكَلامَ ورَدَ عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ المُنْصِفِ نَحْوُ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] بِذَلِكَ يَنْبُو عَنْهُ المَقامُ هُنا؛ لِأنَّ الكَلامَ هُنا وارِدٌ في مَقامِ المُحاجَّةِ والاسْتِدْلالِ وهُنالِكَ في مَقامِ المُتارَكَةِ أوِ الاسْتِنْزالِ.

والَّذِي انْقَدَحَ لِي: أنَّ التَّمْثِيلَ جَرى عَلى تَشْبِيهِ حالِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ بِحالَةِ مَشْيِ إنْسانٍ مُخْتَلِفَةٍ وعَلى تَشْبِيهِ الدِّينِ بِالطَّرِيقِ المَسْلُوكَةِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَلا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِ مَشْيِ المُكِبِّ عَلى وجْهِهِ مَشْيًا عَلى صِراطٍ مُعْوَجٍّ، وتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ ﴿مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ﴾ اسْتِعارَةٌ أُخْرى بِتَشْبِيهِ حالِ السّالِكِ

صفحة ٤٥

صِراطًا مُعْوَجًّا في تَأمُّلِهِ وتَرَسُّمِهِ آثارَ السَّيْرِ في الطَّرِيقِ غَيْرِ المُسْتَقِيمِ خَشْيَةَ أنْ يَضِلَّ فِيهِ، بِحالِ المُكِبِّ عَلى وجْهِهِ يَتَوَسَّمُ حالَ الطَّرِيقِ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ سَوِيًّا المُشْعِرِ بِأنَّ مُكِبًّا أُطْلِقَ عَلى غَيْرِ السَّوِيِّ وهو المُنْحَنِي المُطاطِىءُ يَتَوَسَّمُ الآثارَ اللّائِحَةَ مِن آثارِ السّائِرِينَ لَعَلَّهُ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ المُوَصِّلَةَ إلى المَقْصُودِ.

فالمُشْرِكُ يَتَوَجَّهُ بِعِبادَتِهِ إلى آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا يَدْرِي لَعَلَّ بَعْضَها أقْوى مِن بَعْضٍ وأعْطَفَ عَلى بَعْضِ القَبائِلِ مِن بَعْضٍ، فَقَدْ كانَتْ ثَقِيفٌ يَعْبُدُونَ اللّاتَ، وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ يَعْبُدُونَ مَناةَ ولِكُلِّ قَبِيلَةٍ إلَهٌ أوْ آلِهَةٌ فَتَقَّسَمُوا الحاجاتِ عِنْدَها واسْتَنْصَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِآلِهَتِهِمْ وطَمِعُوا في غَنائِها عَنْهم وهَذِهِ حالَةٌ يَعْرِفُونَها فَلا يَمْتَرُونَ في أنَهم مَضْرَبُ المَثَلِ الأوَّلِ، وكَذَلِكَ حالُ أهْلِ الإشْراكِ في كُلِّ زَمانٍ. ألا تَسْمَعُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِ ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] . ويُنَوِّرُ هَذا التَّفْسِيرَ أنَّهُ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقَوْلُهُ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، فَقابَلَ في الآيَةِ الأُولى الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ المُشَبَّهَ بِهِ الإسْلامُ بِالسُّبُلِ المُتَفَرِّقَةِ المُشَبَّهِ بِها تَعْدادُ الأصْنامِ، وجَعَلَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ الإسْلامَ مُشَبَّهًا بِالسَّبِيلِ وسالِكُهُ يَدْعُو بِبَصِيرَةٍ ثُمَّ قابَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] .

فالآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلى ثَلاثِ اسْتِعاراتٍ تَمْثِيلِيَّةٍ فَقَوْلُهُ ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ﴾ تَشْبِيهٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ في تَقَسُّمِ أمْرِهِ بَيْنَ الآلِهَةِ طَلَبًا لِلَّذِي يَنْفَعُهُ مِنها الشّاكِّ في انْتِفاعِهِ بِها، بِحالِ السّائِرِ قاصِدًا أرْضًا مُعَيَّنَةً لَيْسَتْ لَها طَرِيقٌ جادَّةٌ فَهو يَتَتَبَّعُ بِنْياتِ الطَّرِيقِ المُلْتَوِيَةِ وتَلْتَبِسُ عَلَيْهِ ولا يُوقِنُ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُبَلِّغُ إلى مَقْصِدِهِ فَيَبْقى حائِرًا مُتَوَسِّمًا يَتَعَرَّفُ آثارَ أقْدامِ النّاسِ وأخْفافِ الإبِلِ فَيَعْلَمُ بِها أنَّ الطَّرِيقَ مَسْلُوكَةٌ أوْ مَتْرُوكَةٌ.

وفِي ضِمْنِ هَذِهِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَمْثِيلِيَّةٌ أُخْرى مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ﴾ بِتَشْبِيهِ حالِ المُتَحَيِّرِ المُتَطَلَّبِ لِلْآثارِ في الأرْضِ بِحالِ المُكِبِّ عَلى وجْهِهِ في شِدَّةِ اقْتِرابِهِ مِنَ الأرْضِ.

وقَوْلُهُ ﴿مَن يَمْشِي سَوِيًّا﴾ تَشْبِيهٌ لِحالِ الَّذِي آمَنَ بِرَبٍّ واحِدٍ الواثِقُ بِنَصْرِ رَبِّهِ وتَأْيِيدِهِ وبِأنَّهُ مُصادِفٌ لِلْحَقِّ، بِحالِ الماشِي في طَرِيقٍ جادَّةٍ واضِحَةٍ لا يَنْظُرُ إلّا إلى اتِّجاهِ وجْهِهِ فَهو مُسْتَوٍ في سَيْرِهِ.

صفحة ٤٦

وقَدْ حَصَلَ في الآيَةِ إيجازُ حَذْفٍ إذِ اسْتُغْنِيَ عَنْ وصْفِ الطَّرِيقِ بِالالتِواءِ في التَّمْثِيلِ الأوَّلِ لِدَلالَةِ مُقابَلَتِهِ بِالاسْتِقامَةِ في التَّمْثِيلِ الثّانِي.

والفاءُ في صَدْرِ الجُمْلَةِ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ والعِبَرِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، والاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ.

والمُكِبُّ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أكَبَّ، إذا صارَ ذا كَبٍّ، فالهَمْزَةُ فِيهِ أصْلُها لِإفادَةِ المَصِيرِ في الشَّيْءِ مِثْلُ هَمْزَةِ: أقْشَعَ السَّحابُ، إذا دَخَلَ في حالَةِ القَشْعِ، ومِنهُ قَوْلُهم: أنْفَضَ القَوْمُ إذا هَلَكَتْ مَواشِيهِمْ، وأرْمَلُواْ إذا فَنِيَ زادُهم، وهي أفْعالٌ قَلِيلَةٌ فِيما جاءَ فِيهِ المُجَرَّدُ مُتَعَدِّيًا والمَهْمُوزُ قاصِرًا.

و(أهْدى) مُشْتَقٌّ مِنَ الهُدى، وهو مَعْرِفَةُ الطَّرِيقِ وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ لا شَيْءَ عِنْدَهُ مِنَ الاهْتِداءِ فَهو مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] في قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الأيِمَةِ. ومِثْلُ هَذا لا يَخْلُو مِن تَهَكُّمٍ أوْ تَمْلِيحٍ بِحَسَبِ المَقامِ.

والسَّوِيُّ: الشَّدِيدُ الاسْتِواءِ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ قالَ تَعالى ﴿أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] . و(أمْ) في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ حَرْفُ عَطْفٍ وهي (أمْ) المُعادِلَةُ لِهَمْزَةِ الاسْتِفْهامِ. و(مَن) الأُولى والثّانِيَةُ في قَوْلِهِ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا﴾ أوْ قَوْلِهِ أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا مَوْصُولَتانِ ومَحْمَلَهُما أنَّ المُرادَ مِنهُما فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: أُرِيدَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أُرِيدَ بِالأُولى أبُو جَهْلٍ، وبِالثّانِيَةِ النَّبِيءُ ﷺ وأبُو بَكْرٍ أوْ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

67:23Page 563

قُلۡ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُمۡ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٢٣

Say, "It is He who has produced you and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful."

﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ هَذا انْتِقالٌ مِن تَوْجِيهِ اللَّهِ تَعالى الخِطابَ إلى المُشْرِكِينَ لِلتَّبْصِيرِ بِالحُجَجِ والدَّلائِلِ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الوَعِيدِ أوِ التَّهْدِيدِ إلى خِطابِهِمْ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما سَيُذْكَرُ؛ تَفَنُّنًا في البَيانِ وتَنْشِيطًا لِلْأذْهانِ حَتّى كَأنَّ الكَلامَ صَدَرَ مِن قائِلَيْنِ وتَرْفِيعًا لِقَدْرِ نَبِيهِ ﷺ بِإعْطائِهِ حَظًّا مِنَ التَّذْكِيرِ مَعَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] .

صفحة ٤٧

والانْتِقالُ هُنا إلى الاسْتِدْلالِ بِفُرُوعِ المَخْلُوقاتِ بَعْدَ الاسْتِدْلالِ بِأُصُولِها، ومِنَ الاسْتِدْلالِ بِفُرُوعِ أعْراضِ الإنْسانِ بَعْدَ أصْلِها، فَمِنَ الاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والمَوْتِ والحَياةِ، إلى الاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الإنْسانِ ومَدارِكِهِ، وقَدِ أُتْبِعَ الأمْرُ بِالقَوْلِ بِخَمْسَةٍ مِثْلِهِ بِطَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ بِدُونِ عاطِفٍ اهْتِمامًا بِما بَعْدَ كُلِّ أمْرٍ مِن مَقالَةٍ يُبَلِّغُها إلَيْهِمُ الرَّسُولَ ﷺ قالَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ الَخْ.

والضَّمِيرُ هو إلى الرَّحْمَنِ مِن قَوْلِهِ ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠] .

والإنْشاءُ: الإيجادُ.

وإفْرادُ السَّمْعِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ مُصْدَرٌ، أيْ جَعَلَ لَكم حالَةَ السَّمْعِ، وأمّا الأبْصارُ فَهو جَمْعُ البَصَرِ بِمَعْنى العَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والأفْئِدَةُ القُلُوبُ، والمُرادُ بِها العُقُولُ، وهو إطْلاقٌ شائِعٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ إلى آخِرِهِ قَصْرُ إفْرادٍ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ لِشِرْكِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ الأصْنامَ شارَكَتِ اللَّهَ في الإنْشاءِ وإعْطاءِ الإحْساسِ والإدْراكِ.

و﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ في حالِ إهْمالِكم شُكْرَها.

و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ في مَوْضِعِ فاعِلِ (قَلِيلًا) لِاعْتِمادِ (قَلِيلًا) عَلى صاحِبِ حالٍ. و(قَلِيلًا) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ.

وقَدِ اسْتُعْمِلَ قَلِيلًا في مَعْنى النَّفْيِ والعَدَمِ. وهَذا الإطْلاقٌ مِن ضُرُوبِ الكِنايَةِ والاقْتِصادِ في الحُكْمِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْلِيحِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] في البَقَرَةِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] في سُورَةِ النِّساءِ، وتَقُولُ العَرَبُ: هَذِهِ أرْضٌ قَلَّما تَنْبُتُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском