Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Qalam 68:26–40
68:26–32Page 565
فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ٢٦
But when they saw it, they said, "Indeed, we are lost;
بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٢٧
Rather, we have been deprived."
قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨
The most moderate of them said, "Did I not say to you, 'Why do you not exalt [Allāh]?'"1
قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٩
They said, "Exalted is our Lord! Indeed, we were wrongdoers."
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠
Then they approached one another, blaming each other.
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١
They said, "O woe to us; indeed we were transgressors.
عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢
Perhaps our Lord will substitute for us [one] better than it. Indeed, we are toward our Lord desirous."1
﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسْبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيِ اسْتَفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ورَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى بَطَرِهِمْ وإهْمالِ شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم أُخِذُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . ومِن حِكَمِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ الإسْكَنْدَرِيِّ ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ .
وأفادَتْ (لَمّا) اقْتِرانَ جَوابِها بِشَرْطِها بِالفَوْرِ والبَداهَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّعْرِيضُ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ يَكُونَ حالُهم في تَدارُكِ أمْرَهِمْ وسُرْعَةِ إنابَتِهِمْ كَحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ إذْ بادَرُوا بِالنَّدَمِ وسَألُوا اللَّهَ عِوَضَ خَيْرٍ.
وإسْنادُ هَذِهِ المَقالَةِ إلى ضَمِيرِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] يَقْتَضِي أنَّهم قالُوهُ جَمِيعًا، أيِ اتَّفَقُوا عَلى إدْراكِ سَبَبِ ما أصابَهم.
ومَعْنى ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ أيْ عَنْ طَرِيقِ الشُّكْرِ، أيْ كانُوا غَيْرَ مُهْتَدِينَ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ما أصابَهم عِقابًا عَلى إهْمالِ الشُّكْرِ فالضَّلالُ مَجازٌ.
صفحة ٨٦
وأكَّدُوا الكَلامَ لِتَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّهم ضالُّونَ طَرِيقَ الخَيْرِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالغَفْلَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ، فَفِيهِ إيذانٌ بِالتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ.
و﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إضْرابٌ لِلْانْتِقالِ إلى ما هو أهَمُّ بِالنَّظَرِ لِحالِ تَبْيِينِهِمْ إذْ بَيَّتُوا حِرْمانَ المَساكِينَ مِن فُضُولِ ثَمَرَتِهِمْ فَكانُوا هُمُ المَحْرُومِينَ مِن جَمِيعِ الثِّمارِ، فالحِرْمانُ الأعْظَمُ قَدِ اخْتُصَّ بِهِمْ إذْ لَيْسَ حِرْمانُ المَساكِينِ بِشَيْءٍ في جانِبِ حِرْمانِهِمْ.
والكَلامُ يُفِيدُ ذَلِكَ إمّا بِطْرِيقِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِأنَّ أُتِيَ بِهِ ضَمِيرًا بارِزًا مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا في اسْمِ المَفْعُولِ مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ سَماعِ مُتَحَمَّلِهِ. فَلَمّا أُبْرِزَ الضَّمِيرُ وقُدِّمَ كانَ تَقْدِيمُهُ مُؤَذِّنًا بِمَعْنى الاخْتِصاصِ، أيِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى القَرائِنِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ حَقِيقِيًّا، أيْ ضَلالُ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ قالُوا إنّا أخْطَأْنا الطَّرِيقَ في السَّيْرِ إلى جَنَّتِنا؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم شاهَدُوا جَنَّةً أُخْرى غَيْرَ جَنَّتِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها، قالُوا ذَلِكَ تَحَيُّرًا في أمْرِهِمْ.
ويَكُونُ الإضْرابُ إبْطالِيًّا، أيْ أبْطَلُوا أنْ يَكُونُوا ضَلُّوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ، وأثْبَتُوا أنَّهم مَحْرُومُونَ مِن خَيْرِ جَنَّتِهِمْ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّها هي جَنَّتُهم ولَكِنَّها هَلَكَتْ فَحُرِمُوا خَيْراتِها بِأنْ أتْلَفَها اللَّهُ.
و(أوْسَطُهم) أفْضَلُهم وأقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وهو أحَدُ الإخْوَةِ الثَّلاثَةِ. والوَسَطُ: يُطْلَقُ عَلى الأخِيرِ الأفْضَلِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقالَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ويُقالُ هو مِن سِطَةِ قَوْمِهِ، وأعْطِنِي مِن سِطَةِ مالِكِ.
وحُكِيَ هَذا القَوْلُ بِدُونِ عاطِفٍ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ في مَجْرى المُحاوَرَةِ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالَهُ لَهم عَلى وجْهِ تَوْقِيفِهِمْ عَلى تَصْوِيبِ رَأْيِهِ وخَطَلِ رَأْيِهِمْ. والاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ. والمُرادُ بِ (تُسَبِّحُونَ) تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في شَأْنِ إعْطاءِ زَكاةِ ثِمارِهِمْ.
وكانَ جَوابُهم يَتَضَمَّنُ إقْرارًا بِأنَّهُ وعَظَهم فَعَصَوْهُ ودَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ حِينَ
صفحة ٨٧
نَدَمِهِمْ عَلى عَدَمِ الأخْذِ بِنَصِيحَتِهِ فَقالُوا ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أرادُوا إجابَةَ تَقْرِيرِهِ بِإقْرارِ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في إعْطاءِ حَقِّ المَساكِينِ فَإنَّ مِن أصُولِ التَّوْبَةِ تَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ، واعْتِرافُهم بِظُلْمِ المَساكِينِ مِن أُصُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنَدُّمِ، والتَّسْبِيحُ مُقَدِّمَةُ الاسْتِغْفارِ مِنَ الذَّنْبِ قالَ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] .
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ قَرارٌ بِالذَّنْبِ، والتَّأْكِيدُ لِتَحْقِيقِ الإقْرارِ والاهْتِمامِ بِهِ. ويُفِيدُ حَرْفُ (إنَّ) مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (ظالِمِينَ) لِيَعُمَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم بِما جَرُّوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن سَلْبِ النِّعْمَةِ، وظُلْمِ المَساكِينِ بِمَنعِهِمْ مِن حَقِّهِمْ في المالِ.
وجَرَتْ حِكايَةُ جَوابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ فَلَمْ تُعْطَفْ وهي الطَّرِيقَةُ الَّتِي نُبِّهْنا عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولَمّا اسْتَقَرَّ حالُهم عَلى المُشارَكَةِ في مَنعِ المَساكِينِ حَقَّهم أخَذَ بَعْضُهم يَلُومُ بَعْضًا عَلى ما فَرَطَ مِن فِعْلِهِمْ، كُلٌّ يَلُومُ غَيْرَهُ بِما كانَ قَدْ تَلَبَّسَ بِهِ في هَذا الشَّأْنِ مِنِ ابْتِكارِ فِكْرَةِ مَنعِ المَساكِينَ ما كانَ حَقًّا لَهم مِن حَياةِ الأبِ، ومِنَ المُمالاةِ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الاقْتِناعِ بِتَصْمِيمِ البَقِيَّةِ، ومِن تَنْفِيذِ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ العَزْمِ الذَّمِيمِ، فَصَوَّرَ قَوْلُهُ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ هَذِهِ الحالَةَ والتَّقاذُفَ الواقِعَ بَيْنَهم بِهَذا الإجْمالِ البالِغِ غايَةَ الإيجازِ، ألا تَرى أنَّ إقْبالَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ يُصَوِّرُ حالَةٍ تُشْبِهُ المُهاجَمَةَ والتَّقْرِيعَ، وأنَّ صِيغَةَ التَّلاوُمِ مَعَ حَذْفِ مُتَعَلَّقِ التَّلاوُمِ تُصَوِّرُ في ذِهْنِ السّامِعِ صُوَرًا مِن لَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ.
وقَدْ تَلَقّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَوْمَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِإحْقاقِ نَفْسِهِ بِالمَلامَةِ وإشْراكِ بَقِيَّتِهِمْ فِيها فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِهِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ لِذَلِكَ.
فَجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (يَتَلاوَمُونَ) أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا الكَلامِ فَتَكُونُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّقْرِيعِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِغَيْرِهِ والإقْرارِ عَلى نَفْسِهِ، مَعَ التَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ بِما أفادَهُ (يا ويْلَنا) . وذَلِكَ كَلامٌ جامِعٌ لِلْمَلامَةِ كُلِّها ولَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ.
صفحة ٨٨
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَوابَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ لَوْمِهِ غَيْرِهِ، فَكَما أجْمَعُوا عَلى لَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى إجابَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ المَلامِ فَقالَ كُلُّ مَلُومٍ لِلائِمِهِ (﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾) إلَخْ جَوابًا بِتَقْرِيرِ مَلامِهِ والاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ ورَجاءِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ وتَعْوِيضِهِمْ عَنْ جَنَّتِهِمْ خَيْرًا مِنها إذْ قَبِلَ تَوْبَتَهم وجَعَلَ لَهم ثَوابَ الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ تَرْكُ العَطْفِ؛ لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ جَرى في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ.
والإقْبالُ: حَقِيقَةُ المَجِيءِ إلى الغَيْرِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ القُبُلِ وهو ما يَبْدُو مِنَ الإنْسانِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ ضِدَّ الإدْبارِ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ العِنايَةِ بِاللَّوْمِ.
واللَّوْمُ: إنْكارٌ مُتَوَسِّطٌ عَلى فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ وهو دُونَ التَّوْبِيخِ وفَوْقَ العِتابِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ المُتَعارَفِ في الكِبَرِ والتَّعاظُمِ والمَعْنى: إنّا كُنّا طاغِينَ عَلى حُدُودِ اللَّهِ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا عَنْ نَدامَتِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ رَجاءَهم مِنَ اللَّهِ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَلا يُؤاخِذُهم بِذَنْبِهِمْ في الآخِرَةِ ولا في الدُّنْيا فَيَمْحُو عِقابَهُ في الدُّنْيا مَحْوًا كامِلًا بِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ جَنَّتِهِمُ الَّتِي قُدِّرَ إتْلافُها بِجَنَّةٍ أُخْرى خَيْرًا مِنها.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ الرَّجاءِ، أيْ هو رَجاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلى رَغْبَةٍ إلَيْهِ بِالقَبُولِ والاسْتِجابَةِ.
والتَّأْكِيدُ في (إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ) لِلْاهْتِمامِ بِهَذا التَّوَجُّهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الإطْنابِ في قَوْلِهِمْ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ تَلْقِينُ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهم هَذا المَثَلُ بِأنَّ في مُكْنَتِهِمُ الإنابَةَ إلى اللَّهِ بِنَبْذِ الكُفْرانِ لِنِعْمَتِهِ إذْ أشْرَكُوا بِهِ مَن لا إنْعامَ لَهم عَلَيْهِ.
رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهم أخْلَصُوا وعَرَفَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَأبْدَّلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها: الحَيَوانُ، ذاتَ عِنَبٍ يُحْمَلُ العُنْقُودُ الواحِدُ مِنهُ عَلى بَغْلٍ.
صفحة ٨٩
وعَنْ أبِي خالِدٍ اليَمانِيِّ أنَّهُ قالَ: دَخَلَتُ تِلْكَ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ كُلَّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أنْ يُبْدِلَنا﴾ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يُبَدِّلَنا) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ.
قالَ ابْنُ الفَرْسِ في أحْكامِ القُرْآنِ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ عَلى أنَّ مَن تَعْمَّدَ إلى نَقْصِ النِّصابِ قَبْلَ الحَوْلِ قَصْدًا لِلْفِرارِ مِنَ الزَّكاةِ أوْ خالَطَ غَيْرَهُ، أوْ فارَقَهُ بَعْدَ الخِلْطَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُ الزَّكاةَ عَنْهُ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.
ووَجْهُ الاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ قَصَدُوا بِجَذِّ الثِّمارِ إسْقاطَ حَقِّ المَساكِينِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإتْلافِ ثِمارِهِمْ.
68:33Page 565
كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣
Such is the punishment [of this world]. And the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
﴿كَذَلِكَ العَذابُ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ رُجُوعٌ إلى تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المَبْدُوءِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] فالكَلامُ فَذْلَكَةٌ وخُلاصَةٌ لِما قَبْلَهُ وهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.
والمُشارُ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ مِن تَلَفِ جَنَّتِهِمْ وما أحَسُّوا بِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِها عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وتَنَدُّمِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ المَذْكُورِ يَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، فَقَوْلُهُ (كَذَلِكَ) مُسْنَدٌ مُقَدَّمٌ و(العَذابُ) مُسْنَدٌ إلَيْهِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ لِلْاهْتِمامِ بِإحْضارِ صُورَتِهِ في ذِهْنِ السّامِعِ.
والتَّعْرِيفُ في (العَذابُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ وفِيهِ تَوْجِيهٌ بِالعَهْدِ الذِّهْنِيُّ، أيْ عَذابُكُمُ المَوْعِدُ مِثْلُ عَذابِ أُولَئِكَ والمُماثَلَةُ في إتْلافِ الأرْزاقِ والإصابَةِ بِقَطْعِ الثَّمَراتِ.
ولَيْسَ التَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ مِثْلَ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، ونَحْوِهِ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَلْ ما هُنا مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ
صفحة ٩٠
المُتَعارَفِ، لِوُجُودِ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِهِ العَذابُ وهو كَوْنُ المُشَبَّهِ بِهِ غَيْرِ المُشَبَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] بِخِلافِ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنَّ المُشَبَّهَ بِهِ هو عَيْنُ المُشْبَّهِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في بُلُوغِ المُشَبَّهِ غايَةَ ما يَكُونُ فِيهِ وجْهُ الشَّبَهِ بِحَيْثُ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ لا يَلْجَأُ إلّا إلى تَشْبِيهِهِ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ بُلُوغِهِ أقْصى مَراتِبَ وجْهِ الشَّبَهِ.
والمُماثَلَةُ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ مُماثَلَةٌ في النَّوْعِ وإلّا فَإنَّ ما تُوُعِّدُوا بِهِ مِنَ القَحْطِ أشَدُّ مِمّا أصابَ أصْحابَ الجَنَّةِ وأطْوَلُ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ عَذابُ الدُّنْيا.
وضَمِيرُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الغائِبِ في قَوْلِهِ (بَلَوْناهم)، وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ عَذابَ الآخِرَةِ فَهُدِّدُوا بِعَذابِ الدُّنْيا، ولا يَصِحُّ عَوْدُهُ إلى ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِعَذابِ الآخِرَةِ وشِدَّتِهِ.
68:34Page 565
إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤
Indeed, for the righteous with their Lord are the Gardens of Pleasure.
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَتِ النَّعِيمِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ مِن شَأْنِ ما ذُكِرَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ لِلْمُجْرِمِينَ أنْ يَنْشَأ عَنْهُ سُؤالٌ في نَفْسِ السّامِعِ بِقَوْلِ: فَما جَزاءُ المُتَّقِينَ ؟ وهو كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ أجْزاءِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] وقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ [القلم: ٣٣] . وقَدْ أشْعَرَ بِتَوَقُّعِ هَذا السُّؤالِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] كَما سَيَأْتِي.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ لِلْاهْتِمامِ بِشَأْنِ المُتَّقِينَ لِيَسْبِقَ ذِكْرُ صِفَتِهِمُ العَظِيمَةِ ذِكْرَ جَزائِها.
واللّامُ لِلْاسْتِحْقاقِ. و(عِنْدَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الكَوْنِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَرْفُ الجَرِّ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ مُتَعَلَّقُهُ مَعَهُ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِأجْلِ ذَلِكَ الاهْتِمامِ. وقَدْ حَصَلَ مِن تَقْدِيمِ المُسْنَدِ بِما مَعَهُ طُوُلٌ يُثِيرُ تَشْوِيقَ السّامِعِ إلى المُسْنَدِ إلَيْهِ. والعِنْدِيَّةُ هُنا عِنْدِيَّةُ كَرامَةٍ واعْتِناءٍ.
صفحة ٩١
وإضافَةُ جَنّاتٍ إلى النَّعِيمِ تُفِيدُ أنَّها عُرِّفَتْ بِهِ فَيُشارُ بِذَلِكَ إلى مُلازَمَةِ النَّعِيمِ لَها؛ لِأنَّ أصْلَ الإضافَةِ أنَّها بِتَقْدِيرِ لامِ الاسْتِحْقاقِ فَ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُفِيدٌ أنَّها اسْتَحَقَّها النَّعِيمُ؛ لِأنَّها لَيْسَ في أحْوالِها إلّا حالَ نَعِيمِ أهْلِها، فَلا يَكُونُ فِيها ما يَكُونُ مِن جَنّاتِ الدُّنْيا مِنَ المَتاعِبِ مِثْلُ الحَرِّ في بَعْضِ الأوْقاتِ أوْ شِدَّةِ البَرْدِ أوْ مِثْلُ الحَشَراتِ والزَّنابِيرِ، أوْ ما يُؤْذِي مِثْلُ شَوْكِ الأزْهارِ والأشْجارِ ورَوَثِ الدَّوابِّ وذَرْقِ الطَّيْرِ.
68:35–36Page 565
أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥
Then will We treat the Muslims like the criminals?
مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦
What is [the matter] with you? How do you judge?
﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فاءُ التَّفْرِيعِ تَقْتَضِي أنَّ هَذا الكَلامَ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُتَّقِينَ جَنّاتِ النَّعِيمِ، ومُقابَلَتِهِ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُصَرَّحٍ فِيهِ بِما يُناسِبُ أنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذا الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ إنْكارٍ مِنَ المُعَرَّضِ بِهِمْ لِيَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ هَذا الاسْتِفْهامُ المُفَرَّعُ، وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا مِن تَوَقُّعٍ أوْ وُقُوعِ سُؤالٍ.
والاسْتِفْهامُ وما بَعْدَهُ مِنَ التَّوْبِيخِ، والتَّخْطِئَةِ، والتَّهَكُّمِ عَلى إدْلالِهِمُ الكاذِبِ، مُؤْذِنٌ بِأنَّ ما أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ووُبِّخُوا عَلَيْهِ وسُفِّهُوا عَلى اعْتِقادِهِ كانَ حَدِيثًا قَدْ جَرى في نَوادِيهِمْ أوِ اسْتَسْخَرُوا بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ في مَعْرِضِ جُحُودِ أنْ يَكُونَ بَعْثٌ، وفَرْضِهِمْ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ لا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ مَزْيَةٌ وفَضْلٌ عِنْدَ وُقُوعِهِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤] قالَتْ قُرَيْشٌ: إنْ كانَ ثَمَّةَ جَنَّةِ نَعِيمٍ فَلَنا فِيها مِثْلُ حَظِّنا وحَظِّهِمْ في الدُّنْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: إنّا نُعْطى يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِمّا تُعْطَوْنَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ الآيَةَ.
والهَمْزَةُ لِلْاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، فُرِّعَ إنْكارُ التَّساوِي بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ عَلى ما سَبَقَ مِنِ اخْتِلافِ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ فالإنْكارُ مُتَسَلِّطٌ عَلى ما دارَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ السّابِقَةِ أوْ عِنْدَ نُزُولِ ما سَبَقَها مِن آيِ القُرْآنِ الَّتِي قابَلَتْ بَيْنَ جَزاءِ المُؤْمِنِينَ وجَزاءِ المُشْرِكِينَ كَما يَقْتَضِيهِ صَرِيحًا قَوْلُهُ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] .
صفحة ٩٢
وإنْكارُ جَعْلِ الفَرِيقَيْنِ مُتَشابِهَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ إعْطاءِ المُسْلِمِينَ جَزاءَ الخَيْرِ في الآخِرَةِ وحِرْمانِ المُشْرِكِينَ مِنهُ؛ لِأنَّ نَفْيَ التَّساوِي وارِدٌ في مَعْنى التَّضادِّ في الخَيْرِ والشَّرِّ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ قالَ تَعالى ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]، وقالَ ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، وقالَ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] وقالَ السَّمَوْألُ أوِ الحارِثِيُّ:
سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنّا وعَنْهم فَلَيْسَ سَواءً عالِـمٌ وجَـهُـولُ
وإذا انْتَفى أنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ حَظٌّ في جَزاءِ الخَيْرِ انْتَفى ما قالُوهُ مِن أنَّهم أفْضَلُ حَظًّا في الآخِرَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ كَما هو حالُهم في الدُّنْيا بِطَرِيقِ فَحْوى الخِطابِ.
وقَوْلُهُ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ كَلامٌ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ وهُمُ المَقْصُودُ بِـ (المُجْرِمِينَ)، عَبَّرَ عَنْهم بِطَرِيقِ الإظْهارِ دُونَ ضَمِيرِ الخِطابِ لِما في وصْفِ (المُجْرِمِينَ) مِنَ المُقابَلَةِ لِيَكُونَ في الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى سَبَبِ نَفْيِ المُماثَلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ التِفاتًا عَنْ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] وقَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] .
وإنَّما تَغَيَّرَ الضَّمِيرُ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ تَبَعًا لِتَغَيُّرِ تَوْجِيهِ الكَلامِ؛ لِأنَّ شَرْطَ الالتِفاتِ أنْ يَتَغَيَّرَ الضَّمِيرُ في سِياقٍ واحِدٍ.
و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِحالَةِ حُكْمِهِمْ، (فَما لَكم) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا وما لَنا أنْ لا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ ثانٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (لَكم)، أيِ انْتَفى أنْ يَكُونَ لَكم شَيْءٌ في حالِ حُكْمِكم، أيْ فَإنْ ثَبَتَ لَهم كانَ مُنْكَرًا بِاعْتِبارِ حالَةِ حُكْمِهِمْ.
والمَعْنى: لا تَحْكُمُونَ أنَّكم مُساوُونَ لِلْمُسْلِمِينَ في جَزاءِ الآخِرَةِ أوْ مُفَضَّلُونَ عَلَيْهِمْ.
68:37–38Page 565
أَمۡ لَكُمۡ كِتَٰبٞ فِيهِ تَدۡرُسُونَ ٣٧
Or do you have a scripture in which you learn
إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ٣٨
That indeed for you is whatever you choose?
صفحة ٩٣
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ إضْرابُ انْتِقالٍ مِن تَوْبِيخٍ إلى احْتِجاجٍ عَلى كَذِبِهِمْ.
والاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ مَعَ (أمْ) إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم كِتابٌ إنْكارًا مَبْنِيًّا عَلى الفَرْضِ وإنْ كانُوا لَمْ يَدَّعُوهُ.
وحاصِلُ هَذا الانْتِقالِ والانْتِقالاتِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ وهي ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] إلَخْ، ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] إلَخْ أنَّ حُكْمَكم هَذا لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ سَنَدُهُ كِتابًا سَماوِيًّا نَزَلَ مِن لَدُنّا، وإمّا أنْ يَكُونَ سَنَدُهُ عَهْدًا مِنّا بِأنّا نُعْطِيكم ما تَقْتَرِحُونَ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَكم كَفِيلٌ عَلَيْنا، وإمّا أنْ يَكُونَ تَعْوِيلًا عَلى نَصْرِ شُرَكائِكم.
وتَقْدِيمُ (لَكم) عَلى المُبْتَدَإ وهو كِتابٌ؛ لِأنَّ المُبْتَدَأ نَكِرَةٌ وتَنْكِيرُهُ مَقْصُودٌ لِلنَّوْعِيَّةِ فَكانَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ لازِمًا.
وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ إلى الحُكْمِ المُفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦]، أيْ كِتابٌ في الحُكْمِ.
و(في) لِلتَّعْلِيلِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ كَما تَقُولُ ورَدَ كِتابٌ في الأمْرِ بِكَذا أوْ في النَّهْيِ عَنْ كَذا فَيَكُونُ (فِيهِ) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا صِفَةً لِـ (كِتابٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى (كِتابٌ) ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِفِعْلِ (تَدْرُسُونَ) . جُعِلَتِ الدِّراسَةُ العَمِيقَةُ بِمَزِيدِ التَّبَصُّرِ في ما يَتَضَمَّنُهُ الكِتابُ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ في الكِتابِ كَما تَقُولُ: لَنا دَرْسٌ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ.
وفِي هَذا إدْماجٌ بِالتَّعْرِيضِ بِأنَّهم أُمِّيُّونَ لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ وأنَّهم لَمّا جاءَهم كِتابٌ لِهَدْيِهِمْ وإلْحاقِهِمْ بِالأُمَمِ ذاتِ الكِتابِ كَفَرُوا نِعْمَتَهُ وكَذَّبُوهُ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] وقالَ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (تَدْرُسُونَ) عَلى أنَّها
صفحة ٩٤
مَحْكِيٌّ لَفْظُها، أيْ تَدْرُسُونَ هَذِهِ العِبارَةَ كَما جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، أيْ تَدْرُسُونَ جُمْلَةَ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ .
ويَكُونُ (فِيهِ) تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِنَظِيرِها مِن قَوْلِهِ ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾، قَصَدَ مِن إعادَتِها مَزِيدَ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَها كَما أُعِيدَتْ كَلِمَةُ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] وأصْلُهُ: تَتَّخِذُونَ سَكَرًا.
و(تَخَيَّرُونَ) أصْلُهُ تَتَخَيَّرُونَ بِتاءَيْنِ، حُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا. والتَّخَيُّرُ: تَكَلُّفُ الخَيْرِ، أيْ تَطَلُّبُ ما هو في أخْيَرِ. والمَعْنى: إنَّ في ذَلِكَ الكِتابِ لَكم ما تَخْتارُونَ مِن خَيْرِ الجَزاءِ.
68:39Page 565
أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ٣٩
Or do you have oaths [binding] upon Us, extending until the Day of Resurrection, that indeed for you is whatever you judge?
﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾
(أمْ) لِلْانْتِقالِ إلى دَلِيلٍ آخَرَ وهو نَفْيُ أنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ زَعْمِهِمْ عَهْدًا أخَذُوهُ عَلى اللَّهِ لِأنْفُسِهِمْ أنْ يُعامِلَهم يَوْمَ القِيامَةِ بِما يَحْكُمُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ، فالاسْتِفْهامُ اللّازِمُ تَقْدِيرَهُ بَعْدَ (أمْ) إنْكارِيٌّ و(بالِغَةٌ) مُؤَكَّدَةٌ. وأصْلُ البالِغَةِ: الواصِلَةُ إلى ما يُطْلَبُ بِها، وذَلِكَ اسْتِعارَةٌ لِمَعْنى مُغْلِظَةٍ، شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ البالِغِ إلى نِهايَةِ سَيْرِهِ. وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] .
وقَوْلُهُ (عَلَيْنا) صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (أيْمانٌ) أيْ أقْسَمْناها لَكم لِإثْباتِ حَقِّكم عَلَيْنا.
و﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِ (أيْمانٌ)، أيْ أيْمانٌ مُؤَبَّدَةٌ لا تَحِلَّةَ مِنها فَحَصَلَ مِنَ الوَصْفَيْنِ أنَّها عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ ومُسْتَمِرَّةٌ طُولَ الدَّهْرِ، فَلَيْسَ يَوْمُ القِيامَةِ مُنْتَهى الأخْذِ بِتِلْكَ الأيْمانِ بَلْ هو تَنْصِيصٌ عَلى التَّأْيِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] في سُورَةِ الأحْقافِ.
ويَتَعَلَّقُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِالاسْتِقْرارِ الَّذِي في الخَبَرِ في قَوْلِهِ ﴿لَكم أيْمانٌ﴾ ولا
صفحة ٩٥
يَحْسُنُ تَعَلُّقُهُ بِـ (بالِغَةٌ) تَعَلُّقَ الظَّرْفِ اللَّغْوِ؛ لِأنَّهُ يُصَيِّرُ (بالِغَةٌ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مَشْهُورٍ قَرِيبٍ مِنَ الحَقِيقَةِ، ومَحْمَلُ (بالِغَةٌ) عَلى الاسْتِعارَةِ الَّتِي ذَكَرْنا أجْزَلُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ بَيانٌ لِ (أيْمانٌ)، أيْ أيْمانٌ بِهَذا اللَّفْظِ.
ومَعْنى ما تَحْكُمُونَ تَأْمُرُونَ بِهِ دُونَ مُراجَعَةٍ، يُقالُ: نَزَلُوا عَلى حُكْمِ فُلانٍ، أيْ لَمْ يُعَيِّنُوا طِلْبَةً خاصَّةً ولَكِنَّهم وكَّلُوا تَعْيِينَ حَقِّهِمْ إلى فُلانٍ، قالَ خَطّابٌ أوْ حِطّانُ بْنُ المُعَلّى:
أنْزَلَنِيَ الدَّهْرُ عَلى حُكْمِـهِ مِن شامِخٍ عالٍ إلى خَفْضِ
أيْ دُونِ اخْتِيارٍ لِي ولا عَمَلٍ عَمِلْتُهُ فَكَأنَّنِي حَكَّمْتُ الدَّهْرَ فَأنْزَلَنِي مِن مَعاقِلِي وتَصَرَّفَ فِيَّ كَما شاءَ.
ومِن أقْوالِهِمُ السّائِرَةِ مِسْرى الأمْثالِ ”حُكْمُكَ مُسَمَّطًا“ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ مُشَدَّدَةً أيْ لَكَ حُكْمُكُ نافِذًا لا اعْتِراضَ عَلَيْكَ فِيهِ.
وقالَ ابْنُ عَثْمَةَ:
لَكَ المِرْباعُ مِنها والصَّفَـايا ∗∗∗ وحُكْمُكَ والنَّشِيطَةُ والفُضُولُ
68:40Page 565
سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠
Ask them which of them, for that [claim], is responsible.
﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ عَنْ جُمْلَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ [القلم: ٣٩]، لِأنَّ الأيْمانَ وهي العُهُودُ تَقْتَضِي الكُفَلاءَ عادَةً، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
واذْكُرُوا حِلْفَ ذِي المَجازِ وما قُدِّمَ فِيهِ العُـهُـودُ وُالـكُـفَـلاءُ
فَلَمّا ذُكِرَ إنْكارٌ أنْ يَكُونَ لَهم عُهُودٌ، كُمِّلَ ذَلِكَ بِأنْ يَطْلُبَ مِنهم أنْ يُعَيِّنُوا مَن هُمُ الزُّعَماءُ بِتِلْكَ الأيْمانِ.
فالاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ زِيادَةً عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ.
والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ، وقَدْ جُعِلَ الزَّعِيمُ أحَدًا مِنهم زِيادَةً في التَّهَكُّمِ وهو أنْ جَعَلَ الزَّعِيمَ لَهم واحِدًا مِنهم لِعِزَّتِهِمْ ومُناغاتِهِمْ لِكِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences