Ibn 'AshurAl‑Qalam · 68:41–47

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Qalam 68:41–47

68:41Page 565

أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٤١

Or do they have partners?1 Then let them bring their partners, if they should be truthful.

﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾

صفحة ٩٦

(أمْ) إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ ثالِثٌ إلى إبْطالِ مُسْتَنَدٍ آخَرَ مَفْرُوضٍ لَهم في سَنَدِ قَوْلِهِمْ: إنّا نُعْطى مِثْلَ ما يُعْطى المُسْلِمُونَ أوْ خَيْرًا مِمّا يُعْطَوْنَهُ، وهو أنْ يُفْرَضَ أنَّ أصْنامَهم تَنْصُرُهم وتَجْعَلُ لَهم حَظًّا مِن جَزاءِ الخَيْرِ في الآخِرَةِ.

والمَعْنى: بَلْ أثْبَتَتْ لَهم، أيْ لِأجْلِهِمْ ونَفْعِهِمْ شُرَكاءَ، أيْ شُرَكاءَ لَنا في الإلَهِيَّةِ في زَعْمِهِمْ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (شُرَكاءُ) لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهم فَصارَ شُرَكاءُ بِمَنزِلَةِ اللَّقَبِ، أيْ أمْ آلِهَتُهم لَهم فَلْيَأْتُوا بِهِمْ لِيَنْفَعُوهم يَوْمَ القِيامَةِ.

واللّامُ في (لَهم) لامُ الأجْلِ، أيْ لِأجْلِهِمْ بِتَقْدِيرٍ مُضافٍ، أيْ لِأجْلِ نَصْرِهِمْ، فاللّامُ كاللّامِ في قَوْلِ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ ”لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم“ .

وتَنْكِيرُ (شُرَكاءُ) في حَيِّزِ الاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في الإنْكارِ يُفِيدُ انْتِفاءَ أنْ يَكُونَ أحَدٌ مِنَ الشُّرَكاءِ، أيِ الأصْنامِ لَهم، أيْ لِنَفْعِهِمْ فَيَعُمُّ أصْنامَ جَمِيعِ قَبائِلِ العَرَبِ المُشْتَرَكِ في عِبادَتِها بَيْنَ القَبائِلِ، والمَخْصُوصَةَ بِبَعْضِ القَبائِلِ.

وقَدْ نُقِلَ أُسْلُوبُ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِمُناسَبَةِ وُقُوعِهِ بَعْدَ (﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠])؛ لِأنَّ أخَصَّ النّاسِ بِمَعْرِفَةِ أحَقِّيَّةِ هَذا الإبْطالِ هو النَّبِيءُ ﷺ وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ تَوْجِيهَ هَذا الإبْطالِ إلَيْهِمْ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ.

والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى نَفْيِ أنْ تَنْفَعَهم آلِهَتُهم، فَتَعَيَّنَ أنَّ أمْرَ (فَلْيَأْتُوا) أمْرُ تَعْجِيزٍ.

وإضافَةُ (شُرَكاءُ) إلى ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ (﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾) لِإبْطالِ صِفَةِ الشِّرْكَةِ في الإلَهِيَّةِ عَنْهم، أيْ لَيْسُوا شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ إلّا عِنْدَ هَؤُلاءِ فَإنَّ الإلَهِيَّةَ الحَقِّ لا تَكُونُ نِسْبِيَّةً بِالنِّسْبَةِ إلى فَرِيقٍ أوْ قَبِيلَةٍ.

ومِثْلُ هَذا الإطْلاقِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] .

68:42–43Page 565

يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٤٢

The Day the shin will be uncovered1 and they are invited to prostration but they [i.e., the disbelievers] will not be able,

خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ ٤٣

Their eyes humbled, humiliation will cover them. And they used to be invited to prostration while they were sound.1

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصَرُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةً وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾

صفحة ٩٧

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ [القلم: ٤١] أيْ فَلْيَأْتُوا بِالمَزْعُومِينَ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا مِن حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِ أهْوالِ القِيامَةِ عَلَيْهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ إلَخْ لِلتَّذْكِيرِ بِأهْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في تَعَلُّقِ (يَوْمَ) فالمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ.

والكَشْفُ عَنْ ساقٍ: مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحالِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ والهَوْلِ، وأصْلُهُ أنَّ المَرْءَ إذا هَلَعَ أنْ يُسْرِعَ في المَشْيِ ويُشَمِّرَ ثِيابَهُ فَيَكْشِفَ عَنْ ساقِهِ كَما يُقالُ: شَمِّرْ عَنْ ساعِدِ الجِدِّ، وأيْضًا كانُوا في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ تُشَمِّرُ الحَرائِرُ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ أوْ في العَمَلِ فَتَنْكَشِفُ سُوقُهُنَّ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُنَّ هَوْلُ الأمْرِ عَنِ الاحْتِرازِ مِن إبْداءِ ما لا تُبْدِينَهُ عادَةً، فَيُقالُ: كَشَفَتْ عَنْ ساقِها أوْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها، أوْ أبْدَتْ عَنْ ساقِها. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتُ:

كَيْفَ نَوْمِي عَلى الفِراشِ ولَمّا تَشْمَلِ الشّامَ غارَةٌ شَـعْـواءُ

تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْـدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ الـعَـذْراءِ

وفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ أُحُدٍ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «انْهَزَمَ النّاسُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ ولَقَدْ رَأيْتُ عائِشَةَ وأُمَّ سُلَيْمٍ وإنَّهُما لَمُشَمِّرَتانِ أرى خَدَمَ سُوقِهِما تَنْقُلانِ القِرَبَ عَلى مُتُونِهِما ثُمَّ تُفْرِغانِها في أفْواهِ القَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعانِ فَتَمْلَآنِها»، إلَخْ، فَإذا قالُوا: كَشَفَ المَرْءُ عَنْ ساقِهِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ هَوْلٍ أصابَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَشَفَ ساقٍ. وإذا قالُوا: كَشَفَ الأمْرُ عَنْ ساقٍ، فَقَدْ مَثَّلُوهُ بِالمَرْأةِ المُرَوَّعَةِ، وكَذَلِكَ كَشَفَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها، كُلُّ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ ساقٍ قالَ حاتِمٌ:

فَتى الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَـرْبُ شَـمَّـرا

وقالَ جَدُّ طَرَفَةٍ مِنَ الحَماسَةِ:

كَشَفَتْ لَهم عَنْ ساقِها ∗∗∗ وبَدا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (يَوْمَ تَكْشِفُ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وبِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى تَقْدِيرِ

صفحة ٩٨

تَكْشِفُ الشِّدَّةُ عَنْ ساقِها أوْ تَكْشِفُ القِيامَةُ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ.

والمَعْنى: يَوْمَ تَبْلُغُ أحْوالُ النّاسِ مُنْتَهى الشِّدَّةِ والرَّوْعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ: عَنْ كَرْبٍ وشِدَّةٍ، وهي أشَدُّ ساعَةٍ في يَوْمِ القِيامَةِ.

ورَوى عَبَدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذا، فَقالَ: إذا خَفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أمّا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ:

صَبْرًا عَنَـاقُ إنَّـهُ لَـشِـرْبَـاقْ

قَدْ سَنَّ لِي قَوْمُكِ ضَرْبَ الأعْناقْ ∗∗∗ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقٍ

وقالَ مُجاهِدٌ: يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ: شِدَّةُ الأمْرِ.

وجُمْلَةُ (ويُدْعَوْنَ) لَيْسَ عائِدًا إلى المُشْرِكِينَ مِثْلُ ضَمِيرِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] إذْ لا يُساعِدُ قَوْلَهُ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا في الدُّنْيا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ. فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، أيْ ويُدْعى مَدْعُوُّونَ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ مَعَ المُسْلِمِينَ ويُمْتَحَنُ النّاسُ بِدُعائِهِمْ إلى السُّجُودِ لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ عَنْ غَيْرِهِمْ تَمَيُّزَ تَشْرِيفٍ فَلا يَسْتَطِيعُ المُنافِقُونَ السُّجُودَ فَيُفْتَضَحُ كُفْرُهم. قالَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: فَمَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مُخْلِصًا يَخِرُّ ساجِدًا لَهُ ويَبْقى المُنافِقُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ كَأنَّ في ظُهُورِهِمُ السَّفافِيدَ اهـ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ إدْماجًا لِذِكْرِ بَعْضِ ما يَحْصُلُ مِن أحْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ وحَدِيثِ الشَّفاعَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «فَيُكْشَفُ عَنْ ساقٍ فَلا يَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إلّا أذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، ولا يَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ رِياءً إلّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً واحِدَةً كُلَّما أرادَ أنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلى قَفاهُ» الحَدِيثَ، فَيَصْلُحُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ.

صفحة ٩٩

وقَدِ اتَّبَعَ فَرِيقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الرِّوايَةَ وقالُوا يَكْشِفُ اللَّهُ عَنْ ساقِهِ، أيْ عَنْ مِثْلِ الرِّجْلِ لِيَراها النّاسُ ثُمَّ قالُوا هَذا مِنَ المُتَشابِهِ، عَلى أنَّهُ رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى (عَنْ ساقٍ) قالَ يَكْشِفُ عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ يَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا.

ورُوِيَتْ أخْبارٌ أُخْرى ضَعِيفَةٌ لا جَدْوى في ذِكْرِها.

والسُّجُودُ الَّذِي يُدْعَوْنَ إلَيْهِ: سُجُودُ الضَّراعَةِ والخُضُوعِ لِأجْلِ الخَلاصِ مِن أهْوالِ المَوْقِفِ.

وعَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمُ السُّجُودَ لِسَلْبِ اللَّهِ مِنهُمُ الاسْتِطاعَةَ عَلى السُّجُودِ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا رَجاءَ لَهم في النَّجاةِ.

والَّذِي يَدْعُوهم إلى السُّجُودِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالمَحْشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨]، أوْ يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو نَظِيرُ الدَّعْوَةِ إلى الشَّفاعَةِ في الأثَرِ المَرْوِيِّ ”فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا حَتّى يُرِيحَنا مِن مَوْقِفِنا هَذا“ .

وخُشُوعُ الأبْصارِ: هَيْئَةُ النَّظَرِ بِالعَيْنِ بِذِلَّةٍ وخَوْفٍ، اسْتُعِيرَ لَهُ وصْفُ (خاشِعَةً)؛ لِأنَّ الخاشِعَ يَكُونُ مُطَأْطِئًا مُخْتَفِيًا.

وتَرْهَقُهم: تَحِلُّ بِهِمْ وتَقْتَرِبُ مِنهم بِحِرْصٍ عَلى التَّمَكُّنِ مِنهم، رَهِقَ مِن بابِ فَرِحَ قالَ تَعالى (تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) .

وجُمْلَةُ ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ (يَسْتَطِيعُونَ) .

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وما تَفَرَّعَ عَنْها، أيْ كانُوا في الدُّنْيا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ لِلَّهِ وحْدَهُ وهم سالِمُونَ مِن مِثْلِ الحالَةِ الَّتِي هم عَلَيْها في يَوْمِ الحَشْرِ. والواوُ لِلْحالِ ولِلْاعْتِراضِ.

وجُمْلَةُ (وهم سالِمُونَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُدْعَوْنَ)، أيْ وهم قادِرُونَ لا عِلَّةَ تَعُوقُهم عَنْهُ في أجْسادِهِمْ. والسَّلامَةُ: انْتِفاءُ العِلَلِ والأمْراضِ بِخِلافِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّهم مُلْجَأُونَ لِعَدَمِ السُّجُودِ.

68:44–45Page 566

فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤

So leave Me, [O Muḥammad], with [the matter of] whoever denies this statement [i.e., the Qur’ān]. We will progressively lead them [to punishment] from where they do not know.1

وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ٤٥

And I will give them time. Indeed, My plan is firm.

صفحة ١٠٠

﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ الَّذِي عَطَفَتْهُ عَلى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ لِكَوْنِ الكَلامِ الأوَّلِ سَبَبًا في ذِكْرِ ما بَعْدَهُ، فَبَعْدَ أنِ اسْتُوفِيَ الغَرَضُ مِن مَوْعِظَتِهِمْ ووَعِيدِهِمْ وتَزْيِيفِ أوْهامِهِمْ أعْقَبَ بِهَذا الاعْتِراضِ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِالانْتِصافِ مِنَ المُكَذِّبِينَ ونَصْرِهِ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ﴾ ونَحْوُهُ يُفِيدُ تَمْثِيلًا لِحالِ مَفْعُولِ (ذَرْ) في تَعَهُّدِهِ بِأنْ يَكْفِيَ مَئُونَةَ شَيْءٍ دُونَ اسْتِعانَةٍ بِصاحِبِ المَئُونَةِ بِحالِ مَن يَرى المُخاطَبَ قَدْ شَرَعَ في الانْتِصارِ لِنَفْسِهِ ورَأى أنَّهُ لا يَبْلُغُ بِذَلِكَ مَبْلَغَ مَفْعُولِ (ذَرْ) لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنَ المُعْتَدى عَلَيْهِ في الانْتِصافِ مِنَ المُعْتَدِي فَيَتَفَرَّغُ لَهُ ولا يَطْلُبُ مِن صاحِبِ الحَقِّ إعانَةً لَهُ عَلى أخْذِ حَقِّهِ، ولِذَلِكَ يُؤْتى بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ التَّرْكِ ويُؤْتى بَعْدَهُ بِمَفْعُولٍ مَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنْفِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]): فِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، أيْ دَعْنِي وإيّاهُ فَسَتَرى ما أصْنَعُ، وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها المُغْتاظُ إذا اشْتَدَّ غَيْظُهُ وغَضَبُهُ وكَرِهَ أنْ يَشْفَعَ لِمَنِ اغْتاظَ عَلَيْهِ، فَمَعْنى الكَلامِ لا شَفاعَةَ في هَذا الكافِرِ.

والواوُ واوُ المَعِيَّةِ، وما بَعْدَها مَفْعُولٌ مَعَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً؛ لِأنَّ المَقْصُودَ: اتْرُكْنِي مَعَهم.

والحَدِيثُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وتَسْمِيَتُهُ حَدِيثًا لِما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وما فِيهِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ وأخْبارِ المُغَيَّباتِ، وقَدْ سُمِّيَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] الآيَةَ في سُورَةِ النَّجْمِ، وقَوْلِهِ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] في سُورَةِ الواقِعَةِ.

واسْمُ الإشارَةِ عَلى هَذا لِلْإشارَةِ إلى مُقَدَّرٍ في الذِّهْنِ مِمّا سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَدِيثِ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] الآيَةَ.

صفحة ١٠١

ويَكُونُ اسْمُ الإشارَةِ إشارَةً إلى ذَلِكَ الكَلامِ والمَعْنى: حَسْبُكَ إيقاعًا بِهِمْ أنْ تَكِلَ أمْرَهم إلَيَّ فَأنا أعْلَمُ كَيْفَ أنْتَصِفُ مِنهم فَلا تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِهِمْ وتَوَكَّلْ عَلَيَّ.

ويَتَضَمَّنُ هَذا تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ لِأنَّهم يَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ.

وهَذا وعْدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِالنَّصْرِ ووَعِيدٌ لَهم بِانْتِقامٍ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعْجِيلٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ.

وجُمْلَةُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾، بَيانٌ لِمَضْمُونِ ﴿ذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّ الاسْتِدْراجَ والإمْلاءَ يَعْقُبُهُما الانْتِقامُ فَكَأنَّهُ قالَ: سَنَأْخُذُهم بِأعْمالِهِمْ فَلا تَسْتَبْطِئِ الانْتِقامَ فَإنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ ولَكِنْ يُؤَخَّرُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي تَأْخِيرَهُ.

والاسْتِدْراجُ: اسْتِنْزالُ الشَّيْءِ مِن دَرَجَةٍ إلى أُخْرى في مِثْلِ السُّلَّمِ، وكانَ أصْلُ السِّينِ والتّاءِ فِيهِ لِلطَّلَبِ أيْ مُحاوَلَةُ التَّدَرُّجِ، أيِ التَّنَقُّلِ في الدَّرَجِ، والقَرِينَةُ تَدُلُّ عَلى إرادَةِ النُّزُولِ إذِ التَّنَقُّلُ في الدَّرَجِ يَكُونُ صُعُودًا ونُزُولًا، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى مُعامَلَةٍ حَسَنَةٍ لِمُسِيءٍ إلى إبّانٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ حُلُولِهِ عِقابُهُ، ومَعْنى ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اسْتِدْراجَهُمُ المُفْضِيَ إلى حُلُولِ العِقابِ بِهِمْ يَأْتِيهِمْ مِن أحْوالٍ وأسْبابٍ لا يَتَفَطَّنُونَ إلى أنَّها مُفْضِيَةٌ بِهِمْ إلى الهَلاكِ، وذَلِكَ أجْلَبُ لِقُوَّةِ حَسْرَتِهِمْ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ، فَ (مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، و(حَيْثُ) لِلْمَكانِ المَجازِيِّ، أيِ الأسْبابِ والأفْعالِ والأحْوالِ الَّتِي يَحْسَبُونَها تَأْتِيهِمْ بِخَيْرٍ فَتَنْكَشِفُ لَهم عَنِ الضُّرِّ. ومَفْعُولُ (لا يَعْلَمُونَ) ضَمِيرُ مَحْذُوفٍ عائِدٌ إلى (حَيْثُ) .

وأُمْلِي: مُضارِعُ أمْلى، مَقْصُورًا بِمَعْنى أمْهَلَ وأخَّرَ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المَلا مَقْصُورًا، وهو الحِينُ والزَّمَنُ، ومِنهُ قِيلَ لِلَّيْلِ والنَّهارِ، المَلَوانِ، فَيَكُونُ أمْلى بِمَعْنى طَوَّلَ في الزَّمانِ، ومَصْدَرُهُ إمْلاءٌ.

ولامُ (لَهم) هي اللّامُ المُسَمّاةُ لامَ التَّبْيِينِ، وهي الَّتِي تُبَيِّنُ اتِّصالَ مَدْخُولِها بِعامِلِهِ لِخَفاءٍ فِيهِ، فَإنَّ اشْتِقاقَ فِعْلِ أمْلى مِنَ المَلْوِ وهو الزَّمانُ؛ اشْتِقاقٌ غَيْرُ بَيِّنٍ لِخَفاءِ مَعْنى الحَدَثِ فِيهِ.

ونُونُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، والمُرادُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ المُوَكَّلُونَ

صفحة ١٠٢

بِتَسْخِيرِ المَوْجُوداتِ ورَبْطِ أحْوالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ عَلى وجْهٍ يَتِمُّ بِهِ مُرادُ اللَّهِ فَلِذَلِكَ جِيءَ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، فالاسْتِدْراجُ تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ لِقُدْرَةِ اللَّهِ فَيَحْصُلُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] الآيَةَ.

وأمّا الإمْلاءُ فَهو عِلْمُ اللَّهِ بِتَأْجِيلِ أخْذِهِمْ. وتَعَلُّقُ العِلْمِ يَنْفَرِدُ بِهِ اللَّهُ فَلِذَلِكَ جِيءَ مَعَهُ بِضَمِيرِ المُفْرَدِ. وحَصَلَ في هَذا الاخْتِلافِ تَفَنُّنٌ في الضَّمِيرَيْنِ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في الأعْرافِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] بِاعْتِبارِ أنَّهُما وعَدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِالنَّصْرِ وتَثْبِيتٌ لَهُ بِأنَّ اسْتِمْرارَ الكافِرِينَ في نِعْمَةٍ إنَّما هو اسْتِدْراجٌ وإمْلاءٌ وضَرْبٌ يُشْبِهُ الكَيْدَ وأنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ فِيهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] .

ومَوْقِعُ (إنَّ) مَوْقِعُ التَّسَبُّبِ والتَّعْلِيلِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وإطْلاقُ الكَيْدِ عَلى إحْسانِ اللَّهِ لِقَوْمٍ مَعَ إرادَةِ إلْحاقِ السُّوءِ بِهِمْ إطْلاقٌ عَلى وجْهِ الاسْتِعارَةِ لِمُشابَهَتِهِ فِعْلَ الكائِدِ مِن حَيْثُ تَعْجِيلُ الإحْسانِ وتَعْقِيبُهُ بِالإساءَةِ.

68:46Page 566

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦

Or do you ask of them a payment, so they are by debt burdened down?

﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ إضْرابٌ آخَرُ لِلْانْتِقالِ إلى إبْطالٍ آخَرَ مِن إبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ في إعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ المُبْتَدِئِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ نَفى أنْ تَكُونَ لَهم حُجَّةٌ تُؤَيِّدُ صَلاحَ حالِهِمْ. أوْ وعْدٌ لَهم بِإعْطاءِ ما يَرْغَبُونَ، أوْ أوْلِياءٌ يَنْصُرُونَهم، عَطَفَ الكَلامَ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ ضُرٌّ في إجابَةِ دَعْوَةِ الإسْلامِ، اسْتِقْصاءً لِقَطْعِ ما يُحْتَمَلُ مِنَ المَعاذِيرِ بِافْتِراضِ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ سَألَهم أجْرًا عَلى هَدْيِهِ إيّاهم فَصَدَّهم عَنْ إجابَتِهِ ثِقَلُ غُرْمِ المالِ عَلى نُفُوسِهِمْ.

فالاسْتِفْهامُ الَّذِي تُؤْذِنُ بِهِ (أمْ) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِفَرْضِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُخامِرُ نُفُوسَهم فَرْضًا اقْتَضاهُ اسْتِقْراءُ نَواياهم مِن مَواقِعِ الإقْبالِ عَلى دَعْوَةِ الخَيْرِ والرُّشْدِ.

صفحة ١٠٣

والمَغْرَمُ: ما يُفْرَضُ عَلى المَرْءِ أداؤُهُ مِن مالِهِ لِغَيْرِ عِوَضٍ ولا جِنايَةٍ.

والمُثْقَلُ: الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ، وهو هُنا مَجازٌ في الإشْفاقِ.

والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ، أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَلى ذَلِكَ أنَّكَ شَقَقْتَ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ اعْتِذارًا مِنهم عَنْ عَدَمِ قَبُولِ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ.

و﴿مِن مَغْرَمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (مُثْقَلُونَ) و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وهو ابْتِداءٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلى عامِلِهِ لِلْاهْتِمامِ بِمُوجِبِ المَشَقَّةِ قَبْلَ ذِكْرِها مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

68:47Page 566

أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧

Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?

﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ إضْرابٌ آخَرُ انْتَقَلَ بِهِ مِن مَدارِجِ إبْطالِ مَعاذِيرَ مَفْرُوضَةٍ لَهم أنْ يَتَمَسَّكُوا بِها تَعِلَّةً لِإعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ القُرْآنِ، قَطْعًا لِما عَسى أنْ يَنْتَحِلُوهُ مِنَ المَعاذِيرِ عَلى طَرِيقَةِ الاسْتِقْراءِ ومَنعِ الخُلُوِّ.

وقَدْ جاءَتِ الإبْطالاتُ السّالِفَةُ مُتَعَلِّقَةً بِما يُفْرَضُ لَهم مِنَ المَعاذِيرِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ مُسْتَنَداتٍ مِنَ المُشاهَداتِ، وانْتُقِلَ الآنَ إلى إبْطالٍ مِن نَوْعٍ آخَرَ، وهو إبْطالُ حُجَّةٍ مَفْرُوضَةٍ يَسْتَنِدُونَ فِيها إلى عِلْمِ شَيْءٍ مِنَ المَعْلُوماتِ المُغَيَّباتِ عَنِ النّاسِ. وهي مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالغَيْبِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَ النّاسِ كُلِّهِمْ أنَّ أُمُورَ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ أوْ مَن أطْلَعَ مِن عِبادِهِ عَلى بَعْضِها.

والكَلامُ هُنا عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ أعِنْدَهم عِلْمُ الغَيْبِ ؟ كَما قالَ تَعالى ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] في سُورَةِ النَّجْمِ.

فالمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ أنَّهُ حَصَلَ في عِلْمِهِمْ ومُكْنَتِهِمْ، أيْ بِاطِّلاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَيْهِ أوْ بِإبْلاغِ كُبَرائِهِمْ إلَيْهِمْ وتَلَقِّيهِمْ ذَلِكَ مِنهم.

وتَقْدِيمُ (عِنْدَهُمُ) عَلى المُبْتَدَإ وهو مَعْرِفَةٌ لِإفادَةِ الاخْتِصاصِ، أيْ صارَ عِلْمُ الغَيْبِ عِنْدَهم لا عِنْدَ اللَّهِ.

ومَعْنى يَكْتُبُونَ: يَفْرِضُونَ ويُعَيِّنُونَ كَقَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨]

صفحة ١٠٤

وقَوْلُهُ ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أيْ فَهم يَفْرِضُونَ لِأنْفُسِهِمْ أنَّ السَّعادَةَ في النُّفُورِ مِن دَعْوَةِ الإسْلامِ ويَفْرِضُونَ ذَلِكَ عَلى الدَّهْماءِ مِن أتْباعِهِمْ.

ومَجِيءُ جُمْلَةِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾، بِناءً عَلى أنَّ ما في الغَيْبِ مَفْرُوضٌ كَوْنِهِ شاهِدًا عَلى حُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمُ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском