Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Qalam 68:48–52
68:48–50Page 566
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ ٤٨
Then be patient for the decision of your Lord, [O Muḥammad], and be not like the companion of the fish [i.e., Jonah] when he called out while he was distressed.
لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ ٤٩
If not that a favor [i.e., mercy] from his Lord overtook him, he would have been thrown onto the naked shore while he was censured.1
فَٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٥٠
And his Lord chose him and made him of the righteous.
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهْوَ مَكْظُومٌ﴾ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهْوَ مَذْمُومٌ﴾ ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن إبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ ومَطاعِنِهِمْ في القُرْآنِ والرَّسُولِ ﷺ، وما تَبِعَهُ مِن تَكَفُّلِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ بِعاقِبَةِ النَّصْرِ، وذَلِكَ أنَّ شِدَّتَهُ عَلى نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِن شَأْنِها أنْ تُدْخِلَ عَلَيْهِ يَأْسًا مِن حُصُولِ رَغْبَتِهِ ونَجاحِ سَعْيِهِ، فَفَرَّعَ عَلَيْهِ تَثْبِيتَهُ وحَثَّهُ عَلى المُصابَرَةِ واسْتِمْرارَهُ عَلى الهَدْيِ. وتَعْرِيفَهُ بِأنَّ ذَلِكَ التَّثْبِيتَ يَرْفَعُ دَرَجَتَهُ في مَقامِ الرِّسالَةِ لِيَكُونَ مِن أُولِي العَزْمِ، فَذَكَّرَهُ بِمَثَلِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذِ اسْتَعْجَلَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، فَأدَّبَهُ اللَّهُ ثُمَّ اجْتَباهُ وتابَ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ تَذْكِيرًا مُرادًا بِهِ التَّحْذِيرُ.
والمُرادُ بِحُكْمِ الرَّبِّ هُنا أمَرُهُ وهو ما حَمَّلَهُ إيّاهُ مِنَ الإرْسالِ والاضْطِلاعِ بِأعْباءِ الدَّعْوَةِ. وهَذا الحُكْمُ هو المُسْتَقْرَأُ مِن آياتِ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ الَّتِي أوَّلِها ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] فَهَذا هو الصَّبْرُ المَأْمُورُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا. ولا جَرَمَ أنَّ الصَّبْرَ لِذَلِكَ يَسْتَدْعِي انْتِظارَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ وعَدَمَ الضَّجَرِ مِن تَأخُّرِهِ إلى أمَدِهِ المُقَدَّرِ في عِلْمِ اللَّهِ.
وصاحِبُ الحُوتِ: هو يُونُسُ بْنُ مَتّى، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ (﴿ويُونُسَ﴾ [الأنعام: ٨٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
والصّاحِبُ: الَّذِي يَصْحَبُ غَيْرَهُ، أيْ يَكُونُ مَعَهُ في بَعْضِ الأحْوالِ أوْ في
صفحة ١٠٥
مُعْظَمِها، وإطْلاقُهُ عَلى يُونُسَ لِأنَّ الحُوتَ التَقَمَهُ ثُمَّ قَذَفَهُ فَصارَ (صاحِبُ الحُوتِ) لَقَبًا لَهُ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ مَعِيَّةٌ قَوِيَّةٌ.
وقَدْ كانَتْ مُؤاخَذَةُ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ضَجَرِهِ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وهم أهْلُ نِينَوى كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
و(إذْ) ظَرْفُ زَمانٍ وهو وجُمْلَتُهُ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِقْرارٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ أيْ في حالَةِ وقْتِ نِدائِهِ رَبَّهُ، فَإنَّهُ ما نادى رَبَّهُ إلّا لِإنْقاذِهِ مِن كَرْبِهِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ بِسَبَبِ مُغاضَبَتِهِ وضَجَرِهِ مِن قَوْمِهِ، أيْ لا يَكُنْ مِنكَ ما يُلْجِئُكَ إلى مِثْلِ نِدائِهِ.
والمَكْظُومُ: المَحْبُوسُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ. يُقالُ: كَظَمَ البابَ أغْلَقَهُ، وكَظَمَ النَّهْرَ إذا سَدَّهُ. والمَعْنى: نادى في حالِ حَبْسِهِ في بَطْنِ الحُوتِ.
وجِيءَ بِهَذِهِ الحالِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِدَلالَتِها عَلى الثَّباتِ، أيْ هو في حَبْسٍ لا يُرْجى لِمِثْلِهِ سَراحٌ، وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْامْتِنانِ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الحَبْسِ.
وقَوْلُهُ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ النَّهْيِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى﴾ إلَخْ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّحْذِيرَ مِنَ الوُقُوعِ في كَرْبٍ مِن قَبِيلِ كَرْبِ يُونُسَ ثُمَّ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ انْفِراجُهُ.
و(أنْ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِن (أنَّ)، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، وجُمْلَةُ ﴿تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ خَبَرُها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ لَوْلا تَدارَكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّهِ.
والتَّدارُكُ: تَفاعُلُ مِنَ الدَّرَكِ بِالتَّحْرِيكِ وهو اللَّحاقُ، أيْ أنْ يَلْحَقَ بَعْضُ السّائِرِينَ بَعْضًا وهو يَقْتَضِي تَسابُقَهم وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مُبالَغَةِ إدْراكِ نِعْمَةِ اللَّهِ إيّاهُ.
والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والتَّرْكُ. والعَراءُ مَمْدُودًا: الفَضاءُ مِنَ الأرْضِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ولا بِناءَ.
والمَعْنى: لَنَبَذَهُ الحُوتُ أوِ البَحْرُ بِالفَضاءِ الخالِي؛ لِأنَّ الحُوتَ الَّذِي ابْتَلَعَهُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُرْضِعُ فِراخَهُ فَهو يَقْتَرِبُ مِنَ السَّواحِلِ الخالِيَةِ المُتَرامِيَةِ الأطْرافِ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ وفِراخِهِ.
صفحة ١٠٦
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِأنْ أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةَ اليَقْطِينِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ فَضْلُ التَّوْبَةِ والضَّراعَةِ إلى اللَّهِ، وأنَّهُ لَوْلا تَوْبَتُهُ وضَراعَتُهُ إلى اللَّهِ وإنْعامُ اللَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً بَعْدَ نِعْمَةٍ لَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ مَيِّتًا فَأخْرَجَهُ المَوْجُ إلى الشّاطِئِ فَلَكانَ مُثْلَةً لِلنّاظِرِينَ أوْ حَيًّا مَنبُوذًا بِالعَراءِ لا يَجِدُ إسْعافًا، أوْ لَنَجا بَعْدَ لَأْيٍّ واللَّهُ غاضِبٌ عَلَيْهِ فَهو مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ. وهي نِعَمٌ كَثِيرَةٌ عَلَيْهِ إذْ أنْقَذَهُ مِن هَذِهِ الوَرَطاتِ كُلِّها إنْقاذًا خارِقًا لِلْعادَةِ.
وهَذا المَعْنى طُوِيَ طَيًّا بَدِيعًا وأُشِيرَ إلَيْهِ إشارَةً بَلِيغَةً بِجُمْلَةِ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ .
وطَرِيقَةُ المُفَسِّرِينَ في نَشْرِ هَذا المَطْوِيِّ أنَّ جُمْلَةَ ﴿وهُوَ مَذْمُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وأنَّ تِلْكَ الحالَ قَيْدٌ في جَوابِ (لَوْلا)، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ نَبْذًا ذَمِيمًا، أيْ ولَكِنَّ يُونُسَ نُبِذَ بِالعَراءِ غَيْرَ مَذْمُومٍ.
والَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ نَبْذَهُ بِالعَراءِ واقِعٌ فَلا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ لِأنَّ (لَوْلا) تَقْتَضِي امْتِناعًا لِوُجُودٍ، فَلا يَكُونُ جَوابُها واقِعًا فَتَعَيَّنَ اعْتِبارُ تَقْيِيدِ الجَوابِ بِجُمْلَةِ الحالِ، أيِ انْتَفى ذَمُّهُ عِنْدَ نَبْذِهِ بِالعَراءِ.
ويَلُوحُ لِي في تَفْصِيلِ النَّظَمِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ جَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مَعَ ما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ مِن تَمَكُّنِ الكَظْمِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، فَتِلْكَ الحالَةُ إذا اسْتَمَرَّتْ لَمْ يَحْصُلْ نَبْذُهُ بِالعَراءِ، ويَكُونُ الشَّرْطُ بِ (لَوْلا) لاحِقًا لِجُمْلَةِ ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾، أيْ لَبَقِيَ مَكْظُومًا، أيْ مَحْبُوسًا في بَطْنِ الحُوتِ أبَدًا وهو مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤]، وتَجْعَلُ جُمْلَةَ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ الإجْمالِ الحاصِلِ مِن مَوْقِعِ (لَوْلا) .
واللّامُ فِيها لامُ القَسَمِ لِلتَّحْقِيقِ؛ لِأنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَتَأْكِيدُهُ لِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ. والمَعْنى: لَقَدْ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ. والمَذْمُومُ: إمّا بِمَعْنى المُذْنِبِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَقْتَضِي الذَّمَّ في العاجِلِ والعِقابَ في الآجِلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ في آيَةِ الصّافّاتِ
صفحة ١٠٧
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] وإمّا بِمَعْنى العَيْبِ وهو كَوْنُهُ عارِيًا جائِعًا فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] فَإنَّ السُّقْمَ عَيْبٌ أيْضًا.
وتَنْكِيرُ (نِعْمَةٌ) لِلتَّعْظِيمِ لِأنَّها نِعْمَةٌ مُضاعَفَةٌ مُكَرَّرَةٌ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا النَّفْيِ الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ اجْتَباهُ وجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ.
والمُرادُ بِ (الصّالِحِينَ) المُفَضَّلُونَ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ الصَّلاحَ هو أصْلُ الخَيْرِ ورَفْعُ الدَّرَجاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ [التحريم: ١٠] في سُورَةِ التَّحْرِيمِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَدَّ اللَّهُ إلى يُونُسَ الوَحْيَ وشَفَّعَهُ في نَفْسِهِ وفي قَوْمِهِ.
68:51–52Page 566
وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ ٥١
And indeed, those who disbelieve would almost make you slip with their eyes [i.e., looks] when they hear the message, and they say, "Indeed, he is mad."
وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٥٢
But it is not except a reminder to the worlds.
﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيَزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤]، عَرَّفَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بَعْضَ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسُ المُشْرِكِينَ نَحْوَ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الحِقْدِ والغَيْظِ وإضْمارِ الشَّرِّ عِنْدَما يَسْمَعُونَ القُرْآنَ.
والزَّلَقُ: بِفَتْحَتَيْنِ زَلَلُ الرِّجْلِ مِن مُلاسَةِ الأرْضِ مِن طِينِ عَليْها أوْ دُهْنٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] في سُورَةِ الكَهْفِ.
ولَمّا كانَ الزَّلَقُ يُفْضِي إلى السُّقُوطِ غالِبًا أُطْلِقَ الزَّلَقُ وما يُشْتَقُّ مِنهُ عَلى السُّقُوطِ والانْدِحاضِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾، أيْ يُسْقِطُونَكَ ويَصْرَعُونَكَ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أنْ يَنْفِذُونَكَ بِنَظَرِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: يُقالُ زَلَقَ السَّهْمُ وزَهَقَ، إذا نَفِذَ، ولَمْ أراهُ لِغَيْرِهِ، قالَ الرّاغِبُ قالَ يُونُسُ: لَمْ يُسْمَعِ الزَّلَقُ والإزْلاقُ إلّا في القُرْآنِ اهـ.
صفحة ١٠٨
قُلْتُ: وعَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَقَدْ جَعَلَ الإزْلاقَ بِأبْصارِهِمْ عَلى وجْهِ الاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، شُبِّهَتِ الأبْصارُ بِالسِّهامِ ورُمِزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ بِما هو مِن رَوادِفِهِ وهو فِعْلُ (يَزْلِقُونَكَ) . وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] .
وقَرَأ نافِعُ وأبُو جَعْفَرٍ (يَزْلِقُونَكَ) بِفَتْحِ المُثَنّاةِ مُضارِعُ زَلَقَ بِفَتْحِ اللّامِ يَزْلَقُ مُتَعَدِّيًا، إذا نَحّاهُ عَنْ مَكانِهِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّ المُثَنّاةِ.
وجاءَ يَكادُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ وجاءَ فِعْلُ (سَمِعُوا) ماضِيًا لِوُقُوعِهِ مَعَ (لَمّا) ولِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ مِنهم ذَلِكَ ولَيْسَ مُجَرَّدَ فَرْضٍ.
واللّامُ في ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لامُ الابْتِداءِ الَّتِي تَدْخُلُ كَثِيرًا في خَبَرِ (إنَّ) المَكْسُورَةِ وهي أيْضًا تُفَرِّقُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ وبَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ.
وضَمِيرُ ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ بَيْنَهم، فَمَعادُ الضَّمِيرِ كائِنٌ في كَلامِ بَعْضِهِمْ، أوْ لَيْسَ لِلضَّمِيرِ مَعادٌ في كَلامِهِمْ لِأنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلى مَن يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ في غالِبِ مَجالِسِهِمْ.
والمَعْنى: يَقُولُونَ ذَلِكَ اعْتِلالًا لِأنْفُسِهِمْ إذْ لَمْ يَجِدُوا في الذِّكْرِ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ مَدْخَلًا لِلطَّعْنِ فِيهِ فانْصَرَفُوا إلى الطَّعْنِ في صاحِبِهِ ﷺ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ لِيَنْتَقِلُوا مِن ذَلِكَ إلى أنَّ الكَلامَ الجارِيَ عَلى لِسانِهِ لا يُوثَقُ بِهِ؛ لِيَصْرِفُوا دَهْماءَهم عَنْ سَماعِهِ، فَلِذَلِكَ أبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَهم (إنَّهُ لِمَجْنُونٌ) بِقَوْلِهِ ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، أيْ ما القُرْآنُ إلّا ذِكْرٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ ولَيْسَ بِكَلامِ المَجانِينِ، ويَنْتَقِلُ مِن ذَلِكَ إلى أنَّ النّاطِقَ بِهِ لَيْسَ مِنَ المَجانِينِ في شَيْءٍ.
والذِّكْرُ: التَّذْكِيرُ بِاللَّهِ، والجَزاءُ هو أشْرَفُ أنْواعِ الكَلامِ لِأنَّ فِيهِ صَلاحَ النّاسِ.
فَضَمِيرُ (هو) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ بَلْ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، وقَرِينَةُ السِّياقِ تُرْجِعُ كُلَّ ضَمِيرٍ مِن ضَمِيرِيِ الغَيْبَةِ إلى مَعادِهِ، كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا
أيْ لَأحْرَزَ الكُفّارُ ما جَمَّعَهُ المُسْلِمُونَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] مُحْسِّنٌ رَدَّ العَجُزَ عَلى الصَّدْرِ.
صفحة ١٠٩
وقَوْلُهُ ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ لِأنَّهم قالُوهُ في سِياقِ تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ بَطَلَ أنْ يَكُونَ مُبَلِّغُهُ مَجْنُونًا. وهَذا مِن قَبِيلِ الاحْتِباكِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ وإنَّ القُرْآنَ كَلامُ مَجْنُونٍ، وما القُرْآنُ إلّا ذِكْرٌ وما أنْتَ إلّا مُذَكِّرٌ.
* * *
صفحة ١١٠
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحاقَّةِ
سُمِّيَتْ (سُورَةُ الحاقَّةِ) في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ . ورَوى أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: «خَرَجْتُ يَوْمًا بِمَكَّةَ أتَعَرَّضُ لِرَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إلى المَسْجِدِ الحَرامِ فَوَقَفْتُ خَلْفَهُ فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الحاقَّةِ فَجَعَلْتُ أعْجَبُ مِن تَأْلِيفِ القُرْآنِ فَقُلْتُ: هَذا واللَّهِ شاعِرٌ - أيْ قُلْتُ في خاطِرِي - فَقَرَأ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] قُلْتُ: كاهِنٌ، فَقَرَأ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] إلى آخَرِ السُّورَةِ، فَوَقَعَ الإسْلامُ في قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ» .
وبِاسْمِ (الحاقَّةِ) عُنْوِنَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ. وقالَ الفَيْرُوزَآبادِيُّ في بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ: إنَّها تُسَمّى أيْضًا ”سُورَةُ السِّلْسِلَةِ“ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] وسَمّاها الجَعْبَرِيُّ في مَنظُومَتِهِ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ ”الواعِيَةَ“ ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن وُقُوعِ قَوْلِهِ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] ولَمْ أرَ لَهُ سَلَفًا في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ.
صفحة ١١١
ووَجْهُ تَسْمِيَتِها (سُورَةَ الحاقَّةِ) وُقُوعُ هَذِهِ الكَلِمَةِ في أوَّلِها ولَمْ تَقَعْ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. ومُقْتَضى الخَبَرِ المَذْكُورِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ في السَّنَةِ الخامِسَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَإنَّ عُمَرَ أسْلَمَ بَعْدَ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ إلى الحَبَشَةِ، وكانَتْ الهِجْرَةُ إلى الحَبَشَةِ سَنَةَ خَمْسٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ.
وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ السّابِعَةُ والسَّبْعِينَ في عِدادِ تَرْتِيبِ النُّزُولِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ تَبارَكَ وقَبْلَ سُورَةِ المَعارِجِ.
واتَّفَقَ العادُّونَ مِن أهْلِ الأمْصارِ عَلى عَدِّ آيِها إحْدى وخَمْسِينَ آيَةً.
* * *
أغْراضُها:
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى تَهْوِيلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وتَهْدِيدِ المُكَذِّبِينَ بِوُقُوعِهِ. وتَذْكِيرِهِمْ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ بِهِ مِن عَذابٍ في الدُّنْيا ثُمَّ عَذابِ الآخِرَةِ وتَهْدِيدِ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِ اللَّهِ تَعالى بِالأُمَمِ الَّتِي أشْرَكَتْ وكَذَّبَتْ.
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ نَجّى المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ، وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى البَشَرِ إذْ أبْقى نَوْعَهم بِالإنْجاءِ مِنَ الطُّوفانِ.
ووَصْفِ أهْوالٍ مِنَ الجَزاءِ وتَفاوُتِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ فِيهِ، ووَصْفِ فَظاعَةِ حالِ العِقابِ عَلى الكُفْرِ وعَلى نَبْذِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، والتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ، وتَنْزِيهِ الرَّسُولِ ﷺ وعَنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَ رَسُولٍ، وتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يُقِرَّ مَن يَتَقَوَّلُ عَلَيْهِ، وتَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ، وإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ الَّذِي في القُرْآنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences