Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:109–119

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:109–119

7:109–112Page 164

قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ١٠٩

Said the eminent among the people of Pharaoh, "Indeed, this is a learned magician

يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ١١٠

Who wants to expel you from your land [through magic], so what do you instruct?"

قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ١١١

They said,1 "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers

يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ ١١٢

Who will bring you every learned magician."

﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهِ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ جَرَتْ جُمْلَةُ قالَ المَلَأُ عَلى طَرِيقَةِ الفَصْلِ لِأنَّها جَرَتْ في طَرِيقِ المُجاوَرَةِ الجارِيَةِ بَيْنَ مُوسى وبَيْنَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَإنَّهُ حِوارٌ واحِدٌ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المَلَأِ آنِفًا في القَصَصِ الماضِيَةِ. فَمَلَأُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ هم سادَتُهم وهم أهْلُ مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ ومَشُورَتِهِ، وقَدْ كانَتْ دَعْوَةُ مُوسى أوَّلَ الأمْرِ قاصِرَةً عَلى

صفحة ٤٢

فِرْعَوْنَ في مَجْلِسِهِ فَلَمْ يَكُنْ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ العامَّةِ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣] وإنَّما أُشْهِرَتْ دَعْوَتُهُ في المَرَّةِ الآتِيَةِ بَعْدَ اجْتِماعِ السَّحَرَةِ.

وإنَّما قالُوا هَذا الكَلامَ عَلى وجْهِ الشُّورى مَعَ فِرْعَوْنَ واسْتِنْباطِ الِاعْتِذارِ لِأنْفُسِهِمْ عَنْ قِيامِ حُجَّةِ مُوسى في وُجُوهِهِمْ فاعْتَلُّوا لِأنْفُسِهِمْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ بِأنَّ مُوسى إنَّما هو ساحِرٌ عَلِيمٌ بِالسِّحْرِ أظْهَرَ لَهم ما لا عَهْدَ لَهم بِمِثْلِهِ مِن أعْمالِ السَّحَرَةِ، وهَذا القَوْلُ قَدْ أعْرَبَ عَنْ رَأْيِ جَمِيعِ أهْلِ مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ، فَفِرْعَوْنُ كانَ مُشارِكًا لَهم في هَذا لِأنَّ القُرْآنَ حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، وهَذِهِ المَعْذِرَةُ قَدِ انْتَحَلُوها وتَواطَئُوا عَلَيْها تَبِعُوا فِيها مَلِكَهم أوْ تَبِعَهم فِيها، فَكُلُّ واحِدٍ مِن أهْلِ ذَلِكَ المَجْلِسِ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى هَذا الِاعْتِذارِ ولِذَلِكَ فالخِطابُ في قَوْلِهِ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ خِطابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وهو حاصِلٌ مِن طَوائِفِ ذَلِكَ المَلَأِ لِطَوائِفَ يُرَدِّدُونَهُ بَيْنَهم ويَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

ووَجْهُ اسْتِفادَتِهِمْ أنَّ مُوسى يُرِيدُ إخْراجَهم مِن أرْضِهِمْ، إمّا أنَّهم قاسُوا ذَلِكَ عَنْ قَوْلِ مُوسى فَأرْسِلْ مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ بِقاعِدَةِ ما جازَ عَلى المِثْلِ يَجُوزُ عَلى المُماثِلِ، يَعْنُونَ أنَّهُ ما أظْهَرَ إخْراجَ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا ذَرِيعَةً لِإخْراجِ كُلِّ مَن يُؤْمِنُ بِهِ لِيَتَّخِذَهم تَبَعًا ويُقِيمَ بِهِمْ مُلْكًا خارِجَ مِصْرَ، فَزَعَمُوا أنَّ تِلْكَ مَكِيدَةٌ مِن مُوسى لِثَلْمِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ.

وإمّا أنْ يَكُونَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ مُحْتَوِيًا عَلى رِجالٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُقَرَّبِينَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ ومِن أهْلِ الرَّأْيِ في المَمْلَكَةِ، فَهُمُ المَقْصُودُ بِالخِطابِ، أيْ: يُرِيدُ إخْراجَ قَوْمِكم مِن أرْضِكُمُ الَّتِي اسْتَوْطَنْتُمُوها أرْبَعَةَ قُرُونٍ وصارَتْ لَكم مَوْطِنًا كَما هي لِلْمِصْرِيِّينَ، ومَقْصِدُهم مِن ذَلِكَ تَذْكِيرُهم بِحُبِّ وطَنِهِمْ، وتَقْرِيبُهم مِن أنْفُسِهِمْ، وإنْساؤُهم ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ اضْطِهادِ القِبْطِ واسْتِذْلالِهِمْ، شُعُورًا مِنهم بِحَراجَةِ المَوْقِفِ.

وإمّا أنَّهم عَلِمُوا أنَّهُ إذا شاعَ في الأُمَّةِ ظُهُورُ حُجَّةِ مُوسى وعَجْزُ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ أدْخَلَ ذَلِكَ فِتْنَةً في عامَّةِ الأُمَّةِ فَآمَنُوا بِمُوسى وأصْبَحَ هو المَلِكَ عَلى مِصْرَ فَأخْرَجَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ مِنها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَلَأُ خاطَبُوا بِذَلِكَ فِرْعَوْنَ. فَجَرَتْ ضَمائِرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِلْمَلِكِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -

صفحة ٤٣

﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] وهَذا اسْتِعْمالٌ مُطَّرِدٌ.

والأمْرُ حَقِيقَتُهُ طَلَبُ الفِعْلِ، فَمَعْنى فَماذا تَأْمُرُونَ ماذا تَطْلُبُونَ أنْ نَفْعَلَ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: غَلَبَ اسْتِعْمالُ الأمْرِ في الطَّلَبِ الصّادِرِ مِنَ العَلِيِّ إلى مَن دُونَهُ فَإذا التُزِمَ هَذا كانَ إطْلاقُهُ هُنا عَلى وجْهِ التَّلَطُّفِ مَعَ المُخاطَبِينَ، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ مِنهُ الطَّلَبُ عَلى وجْهِ الإفْتاءِ والِاشْتِوارِ لِأنَّ أمْرَهم لا يَتَعَيَّنُ العَمَلُ بِهِ، فَإذا كانَ المُخاطَبُ فِرْعَوْنَ عَلى ما تَقَدَّمَ، كانَ مُرادًا مِنَ الأمْرِ الطَّلَبُ الَّذِي يَجِبُ امْتِثالُهُ كَما قالَ مَلَأُ بِلْقِيسَ: فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ.

والسّاحِرُ فاعِلُ السِّحْرِ: وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى السِّحْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ قالُوا أرْجِهِ جَوابُ القَوْمِ المُسْتَشارِينَ، فَتَجْرِيدُها مِن حَرْفِ العَطْفِ لِجَرَيانِها في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ، أيْ: فَأجابَ بَعْضُ المَلَأِ بِإبْداءِ رَأْيٍ لِفِرْعَوْنَ فِيما يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ اتِّخاذُهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (قالُوا أرْجِهِ) بَدَلًا مِن جُمْلَةِ قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِإعادَةِ فِعْلِ القَوْلِ وهو العامِلُ في المُبْدَلِ مِنهُ إذا كانَ فِرْعَوْنُ هو المَقْصُودَ بِقَوْلِهِمْ فَماذا تَأْمُرُونَ.

وفِعْلُ (أرْجِهِ) أمْرٌ مِنَ الإرْجاءِ وهو التَّأْخِيرُ. قَرَأهُ نافِعٌ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: أرْجِهِ بِجِيمٍ ثُمَّ هاءٍ وأصْلُهُ ”أرْجِئْهُ“ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الجِيمِ فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا، فَصارَتْ ياءً ساكِنَةً، وعُومِلَتْ مُعامَلَةَ حَرْفِ العِلَّةِ في حالَةِ الأمْرِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالهَمْزِ ساكِنًا عَلى الأصْلِ، ولَهم في حَرَكاتِ هاءِ الغَيْبَةِ وإشْباعِها وُجُوهٌ مُقَرَّرَةٌ في عِلْمِ القِراءاتِ.

والمَعْنى: أخِّرْ المُجادَلَةَ مَعَ مُوسى إلى إحْضارِ السَّحَرَةِ الَّذِينَ يُدافِعُونَ سِحْرَهُ. وحَكى القُرْآنُ ذِكْرَ الأخِ هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ طُوِيَ ذِكْرُهُ في أوَّلِ القِصَّةِ، وقَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ القِصَّةِ ابْتِداءً.

وعُدِّيَ فِعْلُ الإرْسالِ بـِـ (في) دُونَ (إلى) لِأنَّ الفِعْلَ هُنا غَيْرُ مَقْصُودٍ تَعْدِيَتُهُ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ المُرْسَلُونَ خاصَّةً، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، إذِ المَعْنى: وأرْسِلْ حاشِرِينَ في المَدائِنِ يَأْتُوكَ بِالسَّحَرَةِ، فَعُلِمَ أنَّهم مُرْسَلُونَ لِلْبَحْثِ والجَلْبِ، لا لِلْإبْلاغِ

صفحة ٤٤

وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٢] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. قالَ في الكَشّافِ هُنالِكَ لَمْ يُعَدَّ الفِعْلُ بِفي مِثْلَ ما يُعَدّى بِإلى، ولَكِنَّ الأُمَّةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ:

أرْسَلْتَ فِيها مُصْعَبًا ذا إقْحامٍ

وقَدْ جاءَ (بَعَثَ) عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا. وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَرِيبٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - (ما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ)

والمَدائِنُ: جَمْعُ مَدِينَةٍ، وهي بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ، مُشْتَقَّةٌ مِن مَدَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ، ولَعَلَّ ”مَدَنَ“ هو المُشْتَقُّ مِنَ المَدِينَةِ لا العَكْسُ، وأيًّا ما كانَ فالأظْهَرُ أنَّ مِيمَ مَدِينَةٍ أصْلِيَّةٌ ولِذَلِكَ جُمِعَتْ عَلى مَدائِنَ بِالهَمْزَةِ كَما قالُوا ”صَحائِفُ“ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، ولَوْ كانَتْ مَفْعَلَةً مِن دانَهُ لَقالُوا في الجَمْعِ مَدايِنَ بِالياءِ مِثْلَ مَعايِشَ.

ومُدايِنُ مِصْرَ في ذَلِكَ الزَّمَنِ كَثِيرَةٌ وسَنَذْكُرُ بَعْضَها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

قِيلَ أرادُوا مَدائِنَ الصَّعِيدِ وكانَتْ مَقَرَّ العُلَماءِ بِالسِّحْرِ.

والحاشِرُونَ الَّذِينَ يَحْشُرُونَ النّاسَ ويَجْمَعُونَهم.

والشَّأْنُ أنْ يَكُونَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ عُقَلاءَ أهْلَ سِياسَةٍ، فَعَلِمُوا أنَّ أمْرَ دَعْوَةِ مُوسى لا يَكادُ يَخْفى، وأنَّ فِرْعَوْنَ إنْ سَجَنَهُ أوْ عانَدَ، تَحَقَّقَ النّاسُ أنَّ حُجَّةَ مُوسى غَلَبَتْ، فَصارَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِلشَّكِّ في دِينِ فِرْعَوْنَ، فَرَأوْا أنْ يُلايِنُوا مُوسى، وطَمِعُوا أنْ يُوجَدَ في سَحَرَةِ مِصْرَ مَن يُدافِعُ آياتِ مُوسى، فَتَكُونُ الحُجَّةُ عَلَيْهِ ظاهِرَةً لِلنّاسِ.

وجَزْمُ (يَأْتُوكَ) عَلى جَوابِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ اتِّصالِ السَّبَبِيَّةِ بَيْنَ الإرْسالِ والإتْيانِ، فالتَّقْدِيرُ: إنْ تُرْسِلْ يَأْتُوكَ، وقَدْ قِيلَ: في مِثْلِهِ إنَّهُ مَجْزُومٌ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةٍ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن أرْسَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ: أرْسِلْهم آمِرًا لَهم فَلْيَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، وهَذا الِاسْتِعْمالُ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ فِعْلِ القَوْلِ نَحْوَ

صفحة ٤٥

قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ فَكَذَلِكَ ما كانَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ كَما هُنا.

وكُلُّ مُسْتَعْمَلٍ في مَعْنى الكَثْرَةِ، أيْ: بِجَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ السَّحَرَةِ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ النَّوْعِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِكُلِّ ساحِرٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ”بِكُلِّ سَحّارٍ“، عَلى المُبالَغَةِ في مَعْرِفَةِ السِّحْرِ، فَيَكُونُ وصْفُ عَلِيمٍ تَأْكِيدًا لِمَعْنى المُبالَغَةِ لِأنَّ وصْفَ عَلِيمٍ الَّذِي هو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةٍ المَعْرِفَةِ بِالسِّحْرِ، وحُذِفُ مُتَعَلِّقِ عَلِيمٍ لِأنَّهُ صارَ بِمَنزِلَةِ أفْعالِ السَّجايا. والمَقامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ قُوَّةُ عِلْمِ السِّحْرِ لَهُ.

7:113–116Page 164

وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٣

And the magicians came to Pharaoh. They said, "Indeed for us is a reward if we are the predominant."

قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ١١٤

He said, "Yes, and, [moreover], you will be among those made near [to me]."

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ ١١٥

They said, "O Moses, either you throw [your staff], or we will be the ones to throw [first]."

قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ ١١٦

He said, "Throw," and when they threw, they bewitched the eyes of the people and struck terror into them, and they presented a great [feat of] magic.1

﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾

عُطِفَتْ جُمْلَةُ وجاءَ السَّحَرَةُ عَلى جُمْلَةِ قالُوا أرْجِهِ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ وفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ، والتَّقْدِيرُ: قالُوا أرْجِهِ وأخاهُ وأرْسِلْ إلَخْ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ فَحَشَرُوا وجاءَ السَّحَرَةُ مِنَ المَدائِنِ فَحَضَرُوا عِنْدَ فِرْعَوْنَ.

فالتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ (السَّحَرَةُ) تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ السَّحَرَةُ المَذْكُورُونَ، وكانَ حُضُورُ السَّحَرَةِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في اليَوْمِ الَّذِي عَيَّنَهُ مُوسى لِلِقاءِ السَّحَرَةِ وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ طَهَ.

وجُمْلَةُ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِتَقْدِيرِ سُؤالِ مَن يَسْألُ: ماذا صَدَرَ مِنَ السَّحَرَةِ حِينَ مَثُلُوا بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ ؟

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وأبُو جَعْفَرٍ إنَّ لَنا لَأجْرًا ابْتِداءً بِحَرْفِ إنَّ دُونَ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ قَبْلَ إنَّ.

صفحة ٤٦

وعَلى القِرائَتَيْنِ فالمَعْنى عَلى الِاسْتِفْهامِ، كَما هو ظاهِرُ الجَوابِ بِـ نَعَمْ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ تَخْفِيفًا عَلى القِراءَةِ الأُولى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلَيْها أيْضًا عَلى الخَبَرِيَّةِ لِأنَّهم وثِقُوا بِحُصُولِ الأجْرِ لَهم، حَتّى صَيَّرُوهُ في حَيِّزِ المُخْبَرِ بِهِ عَنْ فِرْعَوْنَ، ويَكُونُ جَوابُ فِرْعَوْنَ بـِـ (نَعَمْ) تَقْرِيرًا لِما أخْبَرُوا بِهِ عَنْهُ.

وتَنْكِيرُ (أجْرًا) تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ بِقَرِينَةِ مَقامِ المَلِكِ وعِظَمِ العَمَلِ، وضَمِيرُ نَحْنُ تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ كُنّا إشْعارًا بِجَدارَتِهِمْ بِالغَلَبِ، وثِقَتِهِمْ بِأنَّهم أعْلَمُ النّاسِ بِالسِّحْرِ، فَأكَّدُوا ضَمِيرَهم لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَدْلُولِهِ، ولَيْسَ هو بِضَمِيرِ فَصْلٍ إذْ لا يُقْصَدُ إرادَةُ القَصْرِ؛ لِأنَّ إخْبارَهم عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالغالِبِينَ يُغْنِي عَنِ القَصْرِ، إذْ يَتَعَيَّنُ أنَّ المَغْلُوبَ في زَعْمِهِمْ هو مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وقَوْلُ فِرْعَوْنَ (نَعَمْ) إجابَةً عَمّا اسْتَفْهَمُوا، أوْ تَقْرِيرًا لِما تَوَسَّمُوا: عَلى الِاحْتِمالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ إنْ لَنا لَأجْرًا آنِفًا، فَحَرْفُ نَعَمْ يُقَرِّرُ مَضْمُونَ الكَلامِ الَّذِي يُجابُ بِهِ، فَهو تَصْدِيقٌ بَعْدَ الخَبَرِ، وإعْلامٌ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ، بِحُصُولِ الجانِبِ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ، والمَعْنَيانِ مُحْتَمَلانِ هُنا عَلى قِراءَةِ نافِعٍ ومَن وافَقَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ فَيَتَعَيَّنُ المَعْنى الثّانِي.

وعَطْفُ جُمْلَةِ إنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ عَلى ما تَضَمَّنَهُ حَرْفُ الجَوابِ إذِ التَّقْدِيرُ: نَعَمْ لَكم أجْرٌ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ، ولَيْسَ هو مِن عَطْفِ التَّلْقِينِ: لِأنَّ التَّلْقِينَ إنَّما يُعْتَبَرُ في كَلامَيْنِ مِن مُتَكَلِّمَيْنِ لا مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ.

وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالُوا يا مُوسى لِوُقُوعِها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ فِرْعَوْنَ ومُوسى، لِأنَّ هَؤُلاءِ هم أهْلُ الكَلامِ في ذَلِكَ المَجْمَعِ.

و(إمّا) حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى التَّرْدِيدِ بَيْنَ أحَدِ شَيْئَيْنِ أوْ أشْياءَ، ولا عَمَلَ لَهُ ولا هو مَعْمُولٌ، وما بَعْدَهُ يَكُونُ مَعْمُولًا لِلْعامِلِ الَّذِي في الكَلامِ. ويَكُونُ إمّا بِمَنزِلَةِ جُزْءِ كَلِمَةٍ مِثْلَ ألِ المُعَرِّفَةِ، كَقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:

هُما خُطَّتا إمّا إسَـارٍ ومِـنَّةٍ وإمّا دَمٍ والمَوْتُ بِالحُرِّ أجْدَرُ

وقَوْلُهُ أنْ تُلْقِيَ وقَوْلُهُ أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ يَجُوزُ كَوْنُهُما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ إمّا إلْقاؤُكَ مُقَدَّمٌ وإمّا كَوْنُنا مُلْقِينَ مُقَدَّمٌ، وقَدْ دَلَّ عَلى

صفحة ٤٧

الخَبَرِ المَقامُ لِأنَّهم جاءُوا لِإلْقاءِ آلاتِ سِحْرِهِمْ، وزَعَمُوا أنَّ مُوسى مِثْلُهم. وفي الكَشّافِ في سُورَةِ طه، جَعَلَ إمّا أنْ تُلْقِيَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الأمْرُ إلْقاؤُكُ أوْ إلْقاؤُنا، ولَمّا كانَ الواقِعُ لا يَخْلُو عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ بِالخَبَرِ الفائِدَةَ لِأنَّها ضَرُورِيَّةٌ، فَلا يَحْسُنُ الإخْبارُ بِها مِثْلَ: السَّماءُ فَوْقَنا، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنًى غَيْرِ الإخْبارِ، وذَلِكَ هو التَّخْيِيرُ أيْ: إمّا أنْ تَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ آلاتِ سِحْرِكَ وإمّا أنْ نَبْتَدِئَ، فاخْتَرْ أنْتَ أحَدَ أمْرَيْنِ ومِن هُنا جازَ جَعْلُ المَصْدَرَيْنِ المُنْسَبِكَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلِ تَخْيِيرٍ مَحْذُوفٍ، كَما قَدَّرَهُ الفَرّاءُ وجَوَّزَهُ في الكَشّافِ في سُورَةِ طه، أيِ: اخْتَرْ أنْ تُلْقِيَ أوْ كَوْنَنا المُلْقِينَ، أيْ: في الأوَّلِيَّةِ، ابْتَدَأ السَّحَرَةُ مُوسى بِالتَّخْيِيرِ في التَّقَدُّمِ إظْهارًا لِثِقَتِهِمْ بِمَقْدِرَتِهِمْ وأنَّهُمُ الغالِبُونَ، سَواءٌ ابْتَدَأ مُوسى بِالأعْمالِ أمْ كانُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ، ووَجْهُ دَلالَةِ التَّخْيِيرِ عَلى ذَلِكَ أنَّ التَّقَدُّمَ في التَّخْيِيلاتِ والشَّعْوَذَةِ أنَجَحُ لِلْبادِئِ لِأنَّ بَدِيهَتَها تَمْضِي في النُّفُوسِ وتَسْتَقِرُّ فِيها، فَتَكُونُ النُّفُوسُ أشَدَّ تَأثُّرًا بِها مِن تَأثُّرِها بِما يَأْتِي بَعْدَها، ولَعَلَّهم مَعَ ذَلِكَ أرادُوا أنْ يَسْبُرُوا مِقْدارَ ثِقَةِ مُوسى بِمَعْرِفَتِهِ مِمّا يَبْدُو مِنهُ مِنَ اسْتِواءِ الأمْرَيْنِ عِنْدَهُ أوْ مِنَ الحِرْصِ عَلى أنْ يَكُونَ هو المُقَدَّمَ، فَإنَّ لِاسْتِضْعافِ النَّفْسِ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في اسْتِرْهابِها وإبْطالِ حِيلَتِها، وقَدْ جاءُوا في جانِبِهِمْ بِكَلامٍ يَسْتَرْهِبُ مُوسى ويُهَوِّلُ شَأْنَهم في نَفْسِهِ، إذِ اعْتَنَوْا بِما يَدُلُّ عَلى ذَواتِهِمْ بِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الدَّلالَةِ في نَفْسِ السّامِعِ المُعَبَّرِ عَنْها في حِكايَةِ كَلامِهِمْ بِتَأْكِيدِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ.

وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ المَقامَ لا يَصْلُحُ لِاحْتِمالِ أنَّهم دَلُّوا عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يُلْقُوا سِحْرَهم قَبْلَ مُوسى؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِى إظْهارَ اسْتِواءِ الأمْرَيْنِ عِنْدَهم، خِلافًا لِما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ كانَ في جَوابِ مُوسى إيّاهم بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اسْتِخْفافٌ بِأمْرِهِمْ إذْ مَكَّنَهم مِن مُباداةِ إظْهارِ تَخْيِيلاتِهِمْ وسِحْرِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَوّى نَفْسَ مُوسى بِذَلِكَ الجَوابِ لِتَكُونَ غَلَبَتُهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ أوْقَعَ حُجَّةٍ وأقْطَعَ مَعْذِرَةٍ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنْ لَيْسَ في أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِالتَّقَدُّمِ ما يَقْتَضِي تَسْوِيغَ مُعارَضَةِ دَعْوَةِ الحَقِّ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مَعْرُوفِينَ بِالكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى فَلَيْسَ في مُعارَضَتِهِمْ إيّاهُ تَجْدِيدُ كُفْرٍ، ولِأنَّهم جاءُوا مُصَمِّمِينَ عَلى مُعارَضَتِهِ فَلَيْسَ الإذْنُ لَهم تَسْوِيغًا، ولَكِنَّهم خَيَّرُوهُ في التَّقَدُّمِ أوْ يَتَقَدَّمُوا فاخْتارَ أنْ يَتَقَدَّمُوا

صفحة ٤٨

لِحِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ تَزِيدُ المُعْجِزَةَ ظُهُورًا، ولِأنَّ في تَقْدِيمِهِ إيّاهم إبْلاغًا في إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ اللَّهَ ألْقى في نَفْسِهِ ذَلِكَ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِابْتِداءِ بِتَقْرِيرِ الشُّبْهَةِ لِلَّذِي يَثِقُ بِأنَّهُ سَيَدْفَعُها.

وقَوْلُهُ فَلَمّا ألْقَوْا عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ لِلْإيجازِ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقَوْا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ فَلَمّا ألْقَوْا يُؤْذِنُ بِهَذا المَحْذُوفِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ ألْقَوْا لِظُهُورِهِ، أيْ: ألْقَوْا آلاتِ سِحْرِهِمْ.

ومَعْنى سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ: جَعَلُوها مُتَأثِّرَةً بِالسِّحْرِ بِما ألْقَوْا مِنَ التَّخْيِيلاتِ والشَّعْوَذَةِ.

وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (سَحَرُوا) إلى (أعْيُنَ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الأعْيُنَ آلَةُ إيصالِ التَّخْيِيلاتِ إلى الإدْراكِ، وهم إنَّما سَحَرُوا العُقُولَ، ولِذَلِكَ لَوْ قِيلَ: سَحَرُوا النّاسَ لَأفادَ ذَلِكَ، ولَكِنْ تَفُوتُ نُكْتَةُ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ السِّحْرَ إنَّما هو تَخَيُّلاتٌ مَرْئِيَّةٌ، ومِثْلُ هَذِهِ الزِّيادَةِ زِيادَةُ الأعْيُنِ في قَوْلِ الأعْشى:

كَذَلِكَ فافْعَلْ ما حَيِيتَ إذا شَتَوْا ∗∗∗ وأقْدِمْ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ

أيْ إذا ما النّاسُ تَفْرَقُ فَرَقًا يَحْصُلُ مِن رُؤْيَةِ الأخْطارِ المُخْتَلِفَةِ.

والِاسْتِرْهابُ: طَلَبُ الرَّهْبِ أيِ الخَوْفِ، وذَلِكَ أنَّهم عَزَّزُوا تَخَيُّلاتِ السِّحْرِ بِأُمُورٍ أُخْرى تُثِيرُ خَوْفَ النّاظِرِينَ، لِيَزْدادَ تَمَكُّنُ التَّخَيُّلاتِ مِن قُلُوبِهِمْ، وتِلْكَ الأُمُورُ أقْوالٌ وأفْعالٌ تُوهِمُ أنْ سَيَقَعَ شَيْءٌ مُخِيفٌ كَأنْ يَقُولُوا لِلنّاسِ: خُذُوا حِذْرَكم، وحاذِرُوا، ولا تَقْتَرِبُوا، وسَيَقَعُ شَيْءٌ عَظِيمٌ، وسَيَحْضُرُ كَبِيرُ السَّحَرَةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ التَّمْوِيهاتِ، والخُزَعْبَلاتِ، والصِّياحِ، والتَّعْجِيبِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ السِّينَ والتّاءَ في واسْتَرْهَبُوهم لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أرْهَبُوهم رَهَبًا شَدِيدًا، كَما يُقالُ اسْتَكْبَرَ واسْتَجابَ.

وقَدْ بَيَّنْتُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعالى - يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ مَبْنى السِّحْرِ عَلى التَّخْيِيلِ والتَّخْوِيفِ.

صفحة ٤٩

ووُصِفَ السِّحْرُ بِالعَظِيمِ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ ما يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ إذْ كانَ مَجْمُوعًا مِمّا تَفَرَّقَ بَيْنَ سَحَرَةِ المَمْلَكَةِ مِنَ الخَصائِصِ المَسْتُورَةِ بِالتَّوْهِيمِ الخَفِيَّةِ أسْبابُها عَنِ العامَّةِ.

7:117–119Page 164

۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ١١٧

And We inspired to Moses, "Throw your staff," and at once it devoured what they were falsifying.

فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٨

So the truth was established, and abolished was what they were doing.

فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ ١١٩

And they [i.e., Pharaoh and his people] were overcome right there and became debased.

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلَقَّفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾

جُمْلَةُ وأوْحَيْنا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ، واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. فَهي في حَيِّزِ جَوابِ لَمّا، أيْ: لَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا، وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ لَهم عَصاكَ.

و (أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ أوْحَيْنا، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ الدّالِّ عَلى سُرْعَةِ مُفاجَأةِ شُرُوعِها في التَّلَقُّفِ بِمُجَرَّدِ إلْقائِها، وقَدْ دَلَّ السِّياقُ عَلى جُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفَتَيْنِ، إذِ التَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَدَبَّتْ فِيها الحَياةُ وانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا فَإذا هي تَلْقَفُ، دَلَّ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى الأمْرُ بِالإلْقاءِ، وعَلى الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ التَّلَقُّفُ لِأنَّهُ مِن شَأْنِ الحَيَوانِ، والعَصا إذا دَبَّتْ فِيها الحَياةُ صارَتْ ثُعْبانًا بِدُونِ تَبْدِيلِ شَكْلٍ.

والتَّلَقُّفُ: مُبالَغَةٌ في اللَّقْفِ وهو الِابْتِلاعُ والِازْدِرادُ.

و(ما) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ما يَأْفِكُونَهُ.

والإفْكُ: الصَّرْفُ عَنِ الشَّيْءِ ويُسَمّى الزُّورُ إفْكًا، والكَذِبُ المَصْنُوعَ إفْكًا؛ لِأنَّ فِيهِ صَرْفًا عَنِ الحَقِّ وإخْفاءً لِلْواقِعِ، فَلا يُسَمّى إفْكًا إلّا الكَذِبُ المُصْطَنَعُ المُمَوَّهُ، وإنَّما جُعِلَ السِّحْرُ إفْكًا لِأنَّ ما يَظْهَرُ مِنهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ فَشُبِّهَ بِالخَبَرِ الكاذِبِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَلَقَّفَ بِقافٍ مُشَدَّدَةٍ، وأصْلُهُ تَتَلَقَّفُ، أيْ تُبالِغُ وتَتَكَلَّفُ اللَّقْفَ ما اسْتَطاعَتْ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ عَلى صِيغَةِ المُجَرَّدِ.

والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَلَقَّفُ) و(يَأْفِكُونَ) لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجْدِيدِ والتَّكْرِيرِ، مَعَ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ، أيْ: فَإذا هي يَتَجَدَّدُ تَلَقُّفُها لِما يَتَجَدَّدُ ويَتَكَرَّرُ مِن إفْكِهِمْ. وتَسْمِيَةُ سِحْرِهِمْ إفْكًا دَلِيلٌ عَلى أنَّ السِّحْرَ لا مَعْمُولَ لَهُ وأنَّهُ مُجَرَّدُ تَخْيِيلاتٍ وتَمْوِيهاتٍ.

صفحة ٥٠

وقَوْلُهُ فَوَقَعَ الحَقُّ تَفْرِيعٌ عَلى (تَلَقَّفُ ما يَأْفِكُونَ) . والوُقُوعُ حَقِيقَتُهُ سُقُوطُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى الأرْضِ، ومِنهُ: وقَعَ الطّائِرُ، إذا نَزَلَ إلى الأرْضِ، واسْتُعِيرَ الوُقُوعُ لِظُهُورِ أمْرٍ رَفِيعِ القَدْرِ؛ لِأنَّ ظُهُورَهُ كانَ بِتَأْيِيدٍ إلَهِيٍّ فَشُبِّهَ بِشَيْءٍ نَزَلَ مِن عُلُوٍّ، وقَدْ يُطْلَقُ الوُقُوعُ عَلى الحُصُولِ لِأنَّ الشَّيْءَ الحاصِلَ يُشْبِهُ النّازِلَ عَلى الأرْضِ، وهي اسْتِعارَةٌ شائِعَةٌ قالَ - تَعالى - ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] أيْ: حاصِلٌ وكائِنٌ، والمَعْنى فَظَهَرَ الحَقُّ وحَصَلَ.

ولَعَلَّ في اخْتِيارِ لَفْظِ ”وقَعَ“، هُنا دُونَ ”نَزَلَ“ مُراعاةً لِفِعْلِ الإلْقاءِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُلْقى يَقَعُ عَلى الأرْضِ فَكانَ وُقُوعُ العَصا عَلى الأرْضِ وظُهُورُ الحَقِّ مُقْتَرِنَيْنِ.

والحَقُّ: هو الأمْرُ الثّابِتُ المُوافِقُ لِلْبُرْهانِ، وضِدُّهُ الباطِلُ، والحَقُّ هُنا أُرِيدَ بِهِ صِدْقُ مُوسى وصِحَّةُ مُعْجِزَتِهِ وكَوْنُ ما فَعَلَتْهُ العَصا هو مِن صُنْعِ اللَّهِ - تَعالى -، وأثَرِ قُدْرَتِهِ.

وبَطَلَ: حَقِيقَتُهُ اضْمَحَلَّ. والمُرادُ: اضْمِحْلالُ المَقْصُودِ مِنهُ وانْتِفاءُ أثَرٍ مَزْعُومٍ لِشَيْءٍ يُقالُ: بَطَلَ سَعْيُهُ، أيْ: لَمْ يَأْتِ بِفائِدَةٍ، ويُقالُ: بَطَلَ عَمَلُهُ، أيْ: ذَهَبَ ضَياعًا وخَسِرَ بِلا أجْرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ويُبْطِلُ الباطِلَ أيْ: يُزِيلُ مَفْعُولَهُ وما قَصَدُوهُ مِنهُ، فالباطِلُ هو الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، أوْ لا خَيْرَ فِيهِ، ومِنهُ سُمِّيَ ضِدُّ الحَقِّ باطِلًا لِأنَّهُ شَيْءٌ لا يَحْصُلُ مِنهُ الأثَرُ المَرْجُوُّ، وهو القَبُولُ لَدى العُقُولِ المُسْتَقِيمَةِ. وشاعَ هَذا الإطْلاقُ حَتّى صارَ الباطِلُ كالِاسْمِ الجامِدِ، مَدْلُولُهُ هو ضِدُّ الحَقِّ، ويُطْلَقُ الباطِلُ اسْمَ فاعِلٍ مِن بَطَلَ، فَيُساوِي المَصْدَرَ في اللَّفْظِ، ويَتَعَيَّنُ المُرادُ مِنهُما بِالقَرِينَةِ، فَصَوْغُ فِعْلِ (بَطَلَ) يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ المَصْدَرِ وهو البُطْلانُ، وقَدْ يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الِاسْمِ وهو الباطِلُ. فَمَعْنى بَطَلَ حِينَئِذٍ وُصِفَ بِأنَّهُ باطِلٌ مِثْلُ فَهِدٍ وأسَدٍ، ويَصِحُّ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالمَعْنَيَيْنِ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: وانْتَفَتْ حِينَئِذٍ آثارُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: واتَّصَفَ ما يَعْمَلُونَ بِأنَّهُ باطِلٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِعْلِ مَعْنى الظُّهُورِ لا الحُدُوثِ؛ لِأنَّ كَوْنَ ما يَعْمَلُونَهُ باطِلًا وصْفٌ ثابِتٌ لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يُلْقِيَ مُوسى عَصاهُ، ولَكِنْ عِنْدَ إلْقاءِ العَصا ظَهَرَ كَوْنُهُ باطِلًا، ويُبْعِدُ هَذا أنَّ اسْتِعْمالَ صِيغَةِ الفِعْلِ في مَعْنى ظُهُورِ حَدَثِهِ لا في مَعْنى وُجُودِهِ وحُدُوثِهِ، خِلافُ الأصْلِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ بِلا داعٍ.

صفحة ٥١

وأمّا مَن فَسَّرَ بَطَلَ بِمَعْنى: انْعَدَمَ، وفَسَّرَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ بِحِبالِ السَّحَرَةِ وعِصِيِّهِمْ فَفي تَفْسِيرِهِ نُبُوٌّ عَنِ الِاسْتِعْمالِ، وعَنِ المَقامِ.

وزِيادَةُ قَوْلِهِ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَوَقَعَ الحَقُّ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ فَوَقَعَ الحَقُّ لِتَسْجِيلِ ذَمِّ عَمَلِهِمْ، ونِداءٌ بِخَيْبَتِهِمْ، تَأْنِيسًا لِلْمُسْلِمِينَ وتَهْدِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها.

و(ما كانُوا يَعْمَلُونَ) هو السِّحْرُ، أيْ: بَطَلَتْ تَخَيُّلاتُ النّاسِ أنَّ عِصِيَّ السَّحَرَةِ وحِبالَهم تَسْعى كالحَيّاتِ، ولَمْ يُعَبَّرْ عَنْهُ بِالسِّحْرِ إشارَةً إلى أنَّهُ كانَ سِحْرًا عَجِيبًا تَكَلَّفُوا لَهُ وأتَوْا بِمُنْتَهى ما يَعْرِفُونَهُ.

وقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ فَغُلِبُوا بِالفاءِ لِحُصُولِ المَغْلُوبِيَّةِ إثْرَ تَلَقُّفِ العَصا لِإفْكِهِمْ.

و(هُنالِكَ) اسْمُ إشارَةِ المَكانِ أيْ غُلِبُوا في ذَلِكَ المَكانِ فَأفادَ بَداهَةَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ وظُهُورَها لِكُلِّ حاضِرٍ.

والِانْقِلابُ: مُطاوِعُ قَلَبَ والقَلْبُ تَغْيِيرُ الحالِ وتَبَدُّلُهُ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ تَغْيِيرًا مِنَ الحالِ المُعْتادَةِ إلى حالٍ غَرِيبَةٍ.

ويُطْلَقُ الِانْقِلابُ شائِعًا عَلى الرُّجُوعِ إلى المَكانِ الَّذِي يُخْرَجُ مِنهُ، لِأنَّ الرّاجِعَ قَدْ عَكَسَ حالَ خُرُوجِهِ.

وانْقَلَبَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَجِيءُ بِمَعْنى صارَ وهو المُرادُ هُنا أيْ: صارُوا صاغِرِينَ، واخْتِيارُ لَفْظِ انْقَلَبُوا دُونَ ”رَجَعُوا“ أوْ ”صارُوا“ لِمُناسَبَتِهِ لِلَّفْظِ غُلِبُوا في الصِّيغَةِ، ولِما يُشْعِرُ بِهِ أصْلُ اشْتِقاقِهِ مِنَ الرُّجُوعِ إلى حالٍ أدْوَنَ، فَكانَ لَفْظُ انْقَلَبُوا أدْخَلَ في الفَصاحَةِ.

والصَّغارُ: المَذَلَّةُ، وتِلْكَ المَذَلَّةُ هي مَذَلَّةُ ظُهُورِ عَجْزِهِمْ، ومَذَلَّةُ خَيْبَةِ رَجائِهِمْ ما أمَّلُوهُ مِنَ الأجْرِ والقُرْبِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском