Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:120–128
7:120–126Page 164
وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ١٢٠
And the magicians fell down in prostration [to Allāh].
قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢١
They said, "We have believed in the Lord of the worlds,
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٢
The Lord of Moses and Aaron."
قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ١٢٣
Said Pharaoh, "You believed in him1 before I gave you permission. Indeed, this is a conspiracy which you conspired in the city to expel therefrom its people. But you are going to know.
لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٢٤
I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides; then I will surely crucify you all."
قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ١٢٥
They said, "Indeed, to our Lord we will return.
وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ ١٢٦
And you do not resent us except because we believed in the signs of our Lord when they came to us. Our Lord, pour upon us patience1 and let us die as Muslims [in submission to You]."
صفحة ٥٢
﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى فَغُلِبُوا وانْقَلَبُوا، فَهو في حَيِّزِ فاءِ التَّعْقِيبِ، أيْ: حَصَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَقِبَ تَلَقُّفِ العَصا ما يَأْفِكُونَ، أيْ: بِدُونِ مُهْلَةٍ، وتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَسُجُودُ السَّحَرَةِ مُتَأخِّرٌ عَنْ مَصِيرِهِمْ صاغِرِينَ، ولَكِنَّهُ مُتَأخِّرٌ بِزَمَنٍ قَلِيلٍ وهو زَمَنُ انْقِداحِ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِ مُوسى في نُفُوسِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا أعْلَمَ النّاسِ بِالسِّحْرِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِمْ ما هو خارِجٌ عَنِ الأعْمالِ السِّحْرِيَّةِ، ولِذَلِكَ لَمّا رَأوْا تَلَقُّفَ عَصا مُوسى لِحِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ جَزَمُوا بِأنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ السّاحِرِ، فَعَلِمُوا أنَّهُ تَأْيِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِمُوسى وأيْقَنُوا أنَّ ما دَعاهم إلَيْهِ مُوسى حَقٌّ، فَلِذَلِكَ سَجَدُوا، وكانَ هَذا خاصًّا بِهِمْ دُونَ بَقِيَّةِ الحاضِرِينَ، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالضَّمِيرِ الَّذِي قَبْلَهُ الَّذِي هو شامِلٌ لِلسَّحَرَةِ وغَيْرِهِمْ.
والإلْقاءُ: مُسْتَعْمَلٌ في سُرْعَةِ الهُوِيِّ إلى الأرْضِ، أيْ: لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ سَجَدُوا بِدُونِ تَرَيُّثٍ ولا تَرَدُّدٍ.
وبُنِيَ فِعْلُ الإلْقاءِ لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ الفاعِلِ، وهو أنْفُسُهم، والتَّقْدِيرُ: وألْقَوْا أنْفُسَهم عَلى الأرْضِ.
و(ساجِدِينَ) حالٌ، والسُّجُودُ هَيْئَةٌ خاصَّةٌ لِإلْقاءِ المَرْءِ نَفْسَهُ عَلى الأرْضِ يُقْصَدُ مِنها الإفْراطُ في التَّعْظِيمِ، وسُجُودُهم كانَ لِلَّهِ الَّذِي عَرَفُوهُ حِينَئِذٍ بِظُهُورِ مُعْجِزَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والدّاعِي إلَيْهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّ العالَمِينَ.
صفحة ٥٣
وجُمْلَةُ قالُوا بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ لِأنَّ الهُوِيَّ لِلسُّجُودِ اشْتَمَلَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، وهم قَصَدُوا مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ الإعْلانَ بِإيمانِهِمْ بِاللَّهِ لِئَلّا يَظُنَّ النّاسُ أنَّهم سَجَدُوا لِفِرْعَوْنَ، إذْ كانَتْ عادَةُ القِبْطِ السُّجُودَ لِفِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ وصَفُوا اللَّهَ بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ بِالعُنْوانِ الَّذِي دَعا بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَعَلَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ اسْمًا عَلَمًا لِلَّهِ - تَعالى -، إذْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ اسْمٌ عِنْدَهم، وقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهم كَفَرُوا بِإلاهِيَّةِ فِرْعَوْنَ.
وزادُوا هَذا القَصْدَ بَيانًا بِالإبْدالِ مِن رَبِّ العالَمِينَ قَوْلَهم رَبِّ مُوسى وهارُونَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ المُبالَغَةُ في وصْفِ فِرْعَوْنَ بِأنَّهُ رَبُّ جَمِيعِ العالَمِينَ، وتَعَيَّنَ في تَعْرِيفِ البَدَلِ طَرِيقُ تَعْرِيفِ الإضافَةِ لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ، وأوْضَحُهُ هُنا، لا سِيَّما إذا لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ اسْمًا عَلَمًا عَلى الذّاتِ العَلِيَّةِ. وهَذا ما يَقْتَضِيهِ تَعْلِيمُ اللَّهِ اسْمَهُ لِمُوسى حِينَ كَلَّمَهُ فَقالَ ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] في سُورَةِ (طه) . وفي سِفْرِ الخُرُوجِ: وقالَ اللَّهُ لِمُوسى هَكَذا تَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ (يَهْوَهُ) إلَهُ آبائِكم، إلَخِ الِاصْحاحِ الثّالِثِ.
وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ فِرْعَوْنُ لِوُقُوعِها في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ.
وقَوْلُهُ أآمَنتُمْ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ فَمِنهم مَن حَقَّقَها، وهم: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٍ، ومِنهم مَن سَهَّلَ الثّانِيَةَ مَدَّةً، فَصارَ بَعْدَ الهَمْزَةِ الأُولى مَدَّتانِ، وهَؤُلاءِ هم: نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةً وما ذَلِكَ بِبِدْعٍ.
والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّهْدِيدِ مَجازًا مُرْسَلًا مُرَكَّبًا، والإخْبارُ مُسْتَعْمَلٌ كَذَلِكَ أيْضًا لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَقْصِدُ حَقِيقَةَ الِاسْتِفْهامِ ولا حَقِيقَةَ الإخْبارِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ صَرَّحُوا بِذَلِكَ وعَلِمُوهُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ إلى مُوسى. أيْ: آمَنتُمْ بِما قالَهُ، أوْ إلى رَبِّ مُوسى.
وجُمْلَةُ إنَّ هَذا لَمَكْرٌ إلَخْ. . . خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ لازِمُ الفائِدَةِ أيْ: ولَقَدْ عَلِمْتُ مُرادَكم لِأنَّ المُخاطَبَ لا يُخْبَرُ بِشَيْءٍ صَدَرَ مِنهُ. كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
إنْ كُنْتِ أزْمَعْتِ الفِراقِ فَإنَّما زُمَّتْ رِكابُكُمُ بِلَيْلٍ مُظْـلِـمِ
أيْ: إنْ كُنْتِ أخْفَيْتِ عَنِّي عَزْمَكِ عَلى الفِراقِ فَقَدْ عَلِمْتُ أنَّكم شَدَدْتُمْ رِحالَكم بِلَيْلٍ لِتَرْحَلُوا خُفْيَةً.
صفحة ٥٤
وقَوْلُهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم تَرَقٍّ في مُوجِبِ التَّوْبِيخِ، أيْ لَمْ يَكْفِكم أنَّكم آمَنتُمْ بِغَيْرِي حَتّى فَعَلْتُمْ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ اسْتِئْذانٍ، وفَصْلُها عَمّا قَبْلَها لِأنَّها تِعْدادٌ لِلتَّوْبِيخِ.
والمَكْرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] .
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في مَكَرْتُمُوهُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِفِعْلِهِ.
وفِي: ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ: جُعِلَ مَكْرُهم كَأنَّهُ مَوْضُوعٌ في المَدِينَةِ كَما يُوضَعُ العُنْصُرُ المُفْسِدُ، أيْ: أرَدْتُمْ إضْرارَ أهْلِها، ولَيْسَتْ ظَرْفِيَّةً حَقِيقِيَّةً لِأنَّها لا جَدْوى لَها إذْ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ أنَّ مَكْرَهم وقَعَ في تِلْكَ المَدِينَةِ. وفَسَّرَهُ في الكَشّافِ بِأنَّهم دَبَّرُوهُ في المَدِينَةِ حِينَ كانُوا بِها قَبْلَ الحُضُورِ إلى الصَّحْراءِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها المُحاوَرَةُ، وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالظَّرْفِيَّةِ ما ذَكَرْناهُ بِالتَّعْلِيلِ الَّذِي بَعْدَها في قَوْلِهِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها والمُرادُ - هُنا - بَعْضُ أهْلِها، وهم بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ مُوسى جاءَ طَلَبًا لِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ كَما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُ فِرْعَوْنَ هَذا يُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَهُ مُوافِقًا لِظَنِّهِ عَلى سَبِيلِ التُّهْمَةِ لَهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِدَقائِقِ عِلْمِ السِّحْرِ حَتّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، فَظَنَّ أنَّها مَكِيدَةٌ دَبَّرَها مُوسى مَعَ السَّحَرَةِ، وأنَّهُ لِكَوْنِهِ أعْلَمَهم أوْ مُعَلِّمَهم أمْرَهم فَأْتَمَرُوا بِأمْرِهِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى إنَّهُ لِكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ.
ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَهُ تَمْوِيهًا وبُهْتانًا لِيَصْرِفَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ السَّحَرَةِ، وعَنِ التَّأثُّرِ بِغَلَبَةِ مُوسى إيّاهم فَيُدْخِلُ عَلَيْهِمْ شَكًّا في دَلالَةِ الغَلَبَةِ واعْتِرافِ السَّحَرَةِ بِها، وأنَّ ذَلِكَ مُواطَأةٌ بَيْنَ الغالِبِ والمَغْلُوبِ لِغايَةٍ مَقْصُودَةٍ، وهو مُوافِقٌ في قَوْلِهِ هَذا لِما كانَ أشارَ بِهِ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ حِينَ قالُوا يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ وأيًّا ما كانَ فَعَزْمُهُ عَلى تَعْذِيبِهِمْ مَصِيرٌ إلى الظُّلْمِ والغَشْمِ؛ لِأنَّهُ ما كانَ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَأْخُذَهم بِالتُّهْمَةِ، بَلْ لَهُ أنْ يُعاقِبَهم عَلى المَصِيرِ إلى الحُجَّةِ، ولَكِنَّهُ لَمّا أعْجَزَتْهُ الحُجَّةُ صارَ إلى الجَبَرُوتِ.
وفَرَّعَ عَلى الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ الوَعِيدَ بِقَوْلِهِ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، وحَذَفَ مَفْعُولَ تَعْلَمُونَ لِقَصْدِ الإجْمالِ في الوَعِيدِ لِإدْخالِ الرُّعْبِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِجُمْلَةِ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ. ووُقُوعُ الجَمْعِ مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ يُكْسِبُهُ العُمُومَ فَيَعُمُّ
صفحة ٥٥
كُلَّ يَدٍ وكُلَّ رِجْلٍ مِن أيْدِي وأرْجُلِ السَّحَرَةِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن خِلافٍ ابْتِدائِيَّةٌ لِبَيانِ مَوْضِعِ القَطْعِ بِالنِّسْبَةِ إلى العُضْوِ الثّانِي، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ نَظِيرِها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ في سُورَةِ المائِدَةِ. فالمَعْنى: أنَّهُ يَقْطَعُ مِن كُلِّ ساحِرٍ يَدًا ورِجْلًا مُتَخالِفَتِيِ الجِهَةِ غَيْرَ مُتَقابِلَتَيْها، أيْ: إنْ قَطَعَ يَدَهُ اليُمْنى قَطَعَ رِجْلَهُ اليُسْرى والعَكْسُ، وإنَّما لَمْ يَقْطَعِ القَوائِمَ الأرْبَعَ لِأنَّ المَقْصُودَ بَقاءُ الشَّخْصِ مُتَمَكِّنًا مِنَ المَشْيِ مُتَوَكِّئًا عَلى عُودٍ تَحْتَ اليَدِ مِن جِهَةِ الرِّجْلِ المَقْطُوعَةِ.
ودَلَّتْ (ثُمَّ) عَلى الِارْتِقاءِ في الوَعِيدِ بِالصَّلْبِ، والمَعْرُوفُ أنَّ الصَّلْبَ أنْ يُقْتَلَ المَرْءُ مَشْدُودًا عَلى خَشَبَةٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧] في سُورَةِ النِّساءِ، وعَلى هَذا يَكُونُ تَوَعَّدَهم بِنَوْعَيْنِ مِنَ العَذابِ، والوَعِيدُ مُوَجَّهٌ إلى جَماعَتِهِمْ فَعُلِمَ أنَّهُ جَعَلَهم فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٌ يُعَذَّبُ بِالقَطْعِ مِن خِلافٍ، وفَرِيقٌ يُعَذَّبُ بِالصَّلْبِ والقَتْلِ، فَعَلى هَذا لَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّهُ يَصْلُبُهم بَعْدَ أنْ يُقَطِّعَهم، إذْ لا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ القَطْعِ بِكَوْنِهِ مِن خِلافٍ حِينَئِذٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالصَّلْبِ: الصَّلْبُ دُونَ قَتْلٍ، فَيَكُونُ أرادَ صَلْبَهم بَعْدَ القَطْعِ لِيَجْعَلَهم نَكالًا يَنْذَعِرُ بِهِمُ النّاسُ، كَيْلا يَقْدَمَ أحَدٌ عَلى عِصْيانِ أمْرِهِ مِن بَعْدُ، فَتَكُونُ ثُمَّ دالَّةً عَلى التَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ، ولَعَلَّ المُهْلَةَ قَصَدَ مِنها مُدَّةَ كَيِّ وانْدِمالِ مَوْضِعِ القَطْعِ، وهَذا هو المُناسِبُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ أجْمَعِينَ المُفِيدِ أنَّ الصَّلْبَ يَنالُهم كُلَّهم.
وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وهَذا جَوابٌ عَنْ وعِيدِ فِرْعَوْنَ بِأنَّهُ وعِيدٌ لا يُضِيرُهم، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلى اللَّهِ رَبِّ الجَمِيعِ، وقَدْ جاءَ هَذا الجَوابُ مُوجَزًا إيجازًا بَدِيعًا؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّهم يَرْجُونَ ثَوابَ اللَّهِ عَلى ما يَنالُهم مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ، ويَرْجُونَ مِنهُ مَغْفِرَةَ ذُنُوبِهِمْ، ويَرْجُونَ العِقابَ لِفِرْعَوْنَ عَلى ذَلِكَ، وإذا كانَ المُرادُ بِالصَّلْبِ القَتْلَ وكانَ المُرادُ تَهْدِيدَ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، كانَ قَوْلُهم إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ تَشَوُّقًا إلى حُلُولِ ذَلِكَ بِهِمْ مَحَبَّةً لِلِقاءِ اللَّهِ - تَعالى -، فَإنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمّا هَداهم إلى الإيمانِ أكْسَبَهم مَحَبَّةَ لِقائِهِ، ثُمَّ بَيَّنُوا أنَّ عِقابَ فِرْعَوْنَ لا غَضاضَةَ عَلَيْهِمْ مِنهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ جِنايَةٍ تَصِمُهم بَلْ كانَ عَلى الإيمانِ بِآياتِ اللَّهِ لَمّا ظَهَرَتْ لَهم. أيْ: فَإنَّكَ لا
صفحة ٥٦
تَعْرِفُ لَنا سَبَبًا يُوجِبُ العُقُوبَةَ غَيْرَ ذَلِكَ.
والنَّقْمُ: بِسُكُونِ القافِ وبِفَتْحِها، الإنْكارُ عَلى الفِعْلِ، وكَراهَةُ صُدُورِهِ، وحِقْدٌ عَلى فاعِلِهِ، ويَكُونُ بِاللِّسانِ وبِالعَمَلِ، وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ وتَعِبَ، والأوَّلُ أفْصَحُ، ولِذَلِكَ قَرَأهُ الجَمِيعُ وما تَنْقِمُ بِكَسْرِ القافِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِمْ إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ الإيمانَ يَنْقِمُهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ في الكَلامِ تَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ.
وجُمْلَةُ رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا مِن تَمامِ كَلامِهِمْ، وهي انْتِقالٌ مِن خِطابِهِمْ فِرْعَوْنَ إلى التَّوَجُّهِ إلى دُعاءِ اللَّهِ - تَعالى -، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.
ومَعْنى قَوْلِهِ رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا اجْعَلْ لَنا طاقَةً لِتَحَمُّلِ ما تَوَعَّدَنا بِهِ فِرْعَوْنُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ الوَعِيدُ مِمّا لا تُطِيقُهُ النُّفُوسُ سَألُوا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لِنُفُوسِهِمْ صَبْرًا قَوِيًّا، يَفُوقُ المُتَعارَفَ، فَشُبِّهَ الصَّبْرُ بِماءٍ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وشُبِّهَ خَلْقُهُ في نُفُوسِهِمْ بِإفْراغِ الماءِ مِنَ الإناءِ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ، فَإنَّ الإفْراغَ صَبُّ جَمِيعِ ما في الإناءِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الكِنايَةُ عَنْ قُوَّةِ الصَّبْرِ لِأنَّ إفْراغَ الإناءِ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا حَواهُ، فاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى مَكْنِيَّةٍ وتَخْيِيلِيَّةٍ وكِنايَةٍ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى - قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ودَعَوْا لِأنْفُسِهِمْ بِالوَفاةِ عَلى الإسْلامِ إيذانًا بِأنَّهم غَيْرُ راغِبِينَ في الحَياةِ، ولا مُبالِينَ بِوَعِيدِ فِرْعَوْنَ، وأنَّ هِمَّتَهم لا تَرْجُو إلّا النَّجاةَ في الآخِرَةِ، والفَوْزَ بِما عِنْدَ اللَّهِ، وقَدِ انْخَذَلَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، وذَهَبَ وعِيدُهُ باطِلًا، ولَعَلَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ ما تَوَعَّدَهم بِهِ لِأنَّ اللَّهَ أكْرَمَهم فَنَجّاهم مِن خِزْيِ الدُّنْيا كَما نَجّاهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ.
والقُرْآنُ لَمْ يَتَعَرَّضْ هُنا، ولا في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ولا في سُورَةِ طَهَ، لِلْإخْبارِ عَنْ وُقُوعِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ لِأنَّ غَرَضَ القَصَصِ القُرْآنِيَّةِ هو الِاعْتِبارُ بِمَحَلِّ العِبْرَةِ وهو تَأْيِيدُ اللَّهِ مُوسى وهِدايَةُ السَّحَرَةِ وتَصَلُبُهم في إيمانِهِمْ بَعْدَ تَعَرُّضِهِمْ لِلْوَعِيدِ بِنُفُوسٍ مُطْمَئِنَّةٍ.
صفحة ٥٧
ولَيْسَ مِن غَرَضِ القُرْآنِ مَعْرِفَةُ الحَوادِثِ كَما قالَ في سُورَةِ النّازِعاتِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]، فاخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ في البَحْثِ عَنْ تَحْقِيقِ وعِيدِ فِرْعَوْنَ زِيادَةٌ في تَفْسِيرِ الآيَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ أُفْحِمَ لَمّا رَأى قِلَّةَ مُبالاتِهِمْ بِوَعِيدِهِ فَلَمْ يَرُدَّ جَوابًا.
وذِكْرُهُمُ الإسْلامَ في دُعائِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم حَقِيقَتَهُ الَّتِي كانَ عَلَيْها النَّبِيُّونَ والصِّدِّيقُونَ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والظّاهِرُ أنَّ كَلِمَةَ مُسْلِمِينَ تَعْبِيرُ القُرْآنِ عَنْ دُعائِهِمْ بِأنْ يَتَوَفّاهُمُ اللَّهُ عَلى حالَةِ الصِّدِّيقِينَ، وهي الَّتِي يَجْمَعُ لَفْظُ الإسْلامِ تَفْصِيلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَعْنى كَوْنِ الإسْلامِ وهو دِينُ الأنْبِياءِ عِنْدَ قَوْلِهِ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
7:127–128Page 165
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ ١٢٧
And the eminent among the people of Pharaoh said, "Will you leave Moses and his people to cause corruption in the land and abandon you and your gods?" [Pharaoh] said, "We will kill their sons and keep their women alive; and indeed, we are subjugators over them."
قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ١٢٨
Said Moses to his people, "Seek help through Allāh and be patient. Indeed, the earth belongs to Allāh. He causes to inherit it whom He wills of His servants. And the [best] outcome is for the righteous."
﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنَقْتُلُ أبْناءَهم ونَسْتَحِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
جُمْلَةُ وقالَ المَلَأُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ أوْ عَلى جُمْلَةِ قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ وإنَّما عُطِفَتْ ولَمْ تُفْصَلْ لِأنَّها خارِجَةٌ عَنِ المُحاوَرَةِ الَّتِي بَيْنَ فِرْعَوْنَ ومَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ بِمُوسى وآياتِهِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ لَمْ يُعَرِّجُوا عَلى ذِكْرِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ، بَلْ هي مُحاوَرَةٌ بَيْنَ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وبَيْنَهُ في وقْتٍ غَيْرِ وقْتِ المُحاوَرَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ فِرْعَوْنَ والسَّحَرَةِ، فَإنَّهم لَمّا رَأوْا قِلَّةَ اكْتِراثِ المُؤْمِنِينَ بِوَعِيدِ فِرْعَوْنَ، ورَأوْا نُهُوضَ حُجَّتِهِمْ عَلى فِرْعَوْنَ وإفْحامَهُ، وأنَّهُ لَمْ يُحِرْ جَوابًا، رامُوا إيقاظَ ذِهْنِهِ، وإسْعارَ حَمِيَّتِهِ، فَجاءُوا بِهَذا الكَلامِ المُثِيرِ لِغَضَبِ فِرْعَوْنَ، ولَعَلَّهم رَأوْا مِنهُ تَأثُّرًا بِمُعْجِزَةِ مُوسى ومَوْعِظَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِهِ
صفحة ٥٨
وتَوَقَّعُوا عُدُولَهُ عَنْ تَحْقِيقِ وعِيدِهِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وبَيْنَ جُمْلَةِ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ أتَذَرُ مُوسى مُسْتَعْمَلٌ في الإغْراءِ بِإهْلاكِ مُوسى وقَوْمِهِ، والإنْكارِ عَلى الإبْطاءِ بِإتْلافِهِمْ. ومُوسى مَفْعُولُ تَذَرُ أيْ تَتْرُكُهُ مُتَصَرِّفًا ولا تَأْخُذُ عَلى يَدِهِ.
والكَلامُ عَلى فِعْلِ (تَذَرُ) تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا في الأنْعامِ.
وقَوْمُ مُوسى هم مَن آمَنَ بِهِ. وأُولَئِكَ هم بَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم ومَن آمَنَ مِنَ القِبْطِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِيُفْسِدُوا لامُ التَّعْلِيلِ وهو مُبالَغَةٌ في الإنْكارِ إذْ جَعَلُوا تَرْكَ مُوسى وقَوْمِهِ مُعَلَّلًا بِالفَسادِ، وهَذِهِ اللّامُ تُسَمّى لامَ العاقِبَةِ. ولَيْسَتِ العاقِبَةُ مَعْنًى مِن مَعانِي اللّامِ حَقِيقَةً ولَكِنَّها مَجازٌ: شُبِّهَ الحاصِلُ عَقِبَ الفِعْلِ لا مَحالَةَ بِالغَرَضِ الَّذِي يُفْعَلُ الفِعْلُ لِتَحْصِيلِهِ، واسْتُعِيرَ لِذَلِكَ المَعْنى حَرْفُ اللّامِ عِوَضًا عَنْ فاءِ التَّعْقِيبِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا.
والإفْسادُ عِنْدَهم هو إبْطالُ أُصُولِ دِيانَتِهِمْ وما يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِن تَفْرِيقِ الجَماعَةِ وحَثِّ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى الحُرِّيَّةِ ومُغادَرَةِ أرْضِ الِاسْتِعْبادِ.
(والأرْضُ) مَمْلَكَةُ فِرْعَوْنَ وهي قُطْرُ مِصْرَ.
وقَوْلُهُ (ويَذَرَكَ) عَطْفٌ عَلى لِيُفْسِدُوا فَهو داخِلٌ في التَّعْلِيلِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ هَذا حاصِلٌ في بَقائِهِمْ دُونَ شَكٍّ، ومَعْنى تَرْكِهِمْ فِرْعَوْنَ، تَرْكُهم تَأْلِيهَهُ وتَعْظِيمَهُ، ومَعْنى تَرْكِ آلِهَتِهِ نَبْذُهم عِبادَتَها ونَهْيُهُمُ النّاسَ عَنْ عِبادَتِها.
والآلِهَةُ جَمْعُ إلَهٍ، ووَزْنُهُ أفْعِلَةٌ. وكانَ القِبْطُ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ آلِهَةً مُتَنَوِّعَةً مِنَ الكَواكِبِ والعَناصِرِ وصَوَّرُوا لَها صُوَرًا عَدِيدَةً مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلافِ العُصُورِ والأقْطارِ، أشْهَرُها (فِتاحُ) وهو أعْظَمُها عِنْدَهم وكانَ يُعْبَدُ بِمَدِينَةِ (مَنفِيسَ)، ومِنها (رَعْ) وهو الشَّمْسُ وتَتَفَرَّعُ عَنْهُ آلِهَةٌ بِاعْتِبارِ أوْقاتِ شُعاعِ الشَّمْسِ. ومِنها (أُزُرِيسُ) و(إزِيسُ) و(هُورُوسُ) وهَذا عِنْدَهم ثالُوثٌ مَجْمُوعٌ مِن أبٍ وأُمٍّ وابْنٍ. ومِنها (تُوتْ) وهو القَمَرُ وكانَ عِنْدَهم رَبَّ الحِكْمَةِ. ومِنها (أمُونْ رَعْ) فَهَذِهِ الأصْنامُ المَشْهُورَةُ عِنْدَهم وهي أصْلُ إضْلالِ عُقُولِهِمْ.
وكانَتْ لَهم أصْنامٌ فَرْعِيَّةٌ صُغْرى عَدِيدَةٌ مِثْلَ العِجْلِ (إيبِيسَ) ومِثْلَ الجِعْرانِ وهو الجُعَلُ.
صفحة ٥٩
وكانَ أعْظَمَ هَذِهِ الأصْنامِ هو الَّذِي يَنْتَسِبُ فِرْعَوْنُ إلى بُنُوَّتِهِ وخِدْمَتِهِ، وكانَ فِرْعَوْنُ مَعْدُودًا ابْنَ الآلِهَةِ وقَدْ حَلَّتْ فِيهِ الإلَهِيَّةُ عَلى نَحْوِ عَقِيدَةِ الحُلُولِ، فَفِرْعَوْنُ هو المُنَفِّذُ لِلدِّينِ، وكانَ يُعَدُّ إلَهَ مِصْرَ، وكانَتْ طاعَتُهُ طاعَةً لِلْآلِهَةِ كَما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْهُ فَقالَ ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهِ غَيْرِي. وتَوَعَّدَ فِرْعَوْنُ مُوسى وقَوْمَهُ بِالِاسْتِئْصالِ بِقَتْلِ الأبْناءِ والمُرادُ الرِّجالُ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالنِّساءِ، والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ عَلى مُوسى وقَوْمِهِ، فالإضافَةُ عَلى مَعْنى مِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: (سَنَقْتُلُ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ القافِ وضَمِّ التّاءِ وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ القافِ وتَشْدِيدِ التّاءِ لِلْمُبالَغَةِ في القَتْلِ مُبالَغَةَ كَثْرَةٍ واسْتِيعابٍ.
والِاسْتِحْياءُ: مُبالَغَةٌ في الإحْياءِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، وإخْبارُهُ مَلَأهُ بِاسْتِحْياءِ النِّساءِ تَتْمِيمٌ لا أثَرَ لَهُ في إجابَةِ مُقْتَرَحِ مَلَئِهِ، لِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ أنْ لا يُبْقِيَ مُوسى وقَوْمَهُ فَأجابَهم بِما عَزَمَ عَلَيْهِ في هَذا الشَّأْنِ، والغَرَضُ مِنَ اسْتِبْقاءِ النِّساءِ أنْ يَتَّخِذُوهُنَّ سِرارِيَ وخَدَمًا.
وجُمْلَةُ وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ اعْتِذارٌ مِن فِرْعَوْنَ لِلْمَلَإ مِن قَوْمِهِ عَنْ إبْطائِهِ بِاسْتِئْصالِ مُوسى وقَوْمِهِ، أيْ: هم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُفْسِدُوا في البِلادِ ولا أنْ يَخْرُجُوا عَنْ طاعَتِي. والقاهِرُ: الغالِبُ بِإذْلالٍ.
و(فَوْقَهم) مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التَّمَكُّنِ مِنَ الشَّيْءِ وكَلِمَةُ فَوْقَهم مُسْتَعارَةٌ لِاسْتِطاعَةِ قَهْرِهِمْ لِأنَّ الِاعْتِلاءَ عَلى الشَّيْءِ أقْوى أحْوالِ التَّمَكُّنِ مِن قَهْرِهِ، فَهي تَمْثِيلِيَّةٌ.
وجُمْلَةُ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ واقِعَةٌ جَوابًا لِقَوْلِ قَوْمِهِ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ إلى آخِرِها الَّذِي أجابُوا بِهِ عَنْ وعِيدِ فِرْعَوْنَ، فَكانَ مُوسى مَعْدُودًا في المُحاوَرَةِ، ولِذَلِكَ نَزَلَ كَلامُهُ الَّذِي خاطَبَ بِهِ قَوْمَهُ مَنزِلَةَ جَوابٍ مِنهُ لِفِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ في قُوَّةِ التَّصْرِيحِ بِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِالوَعِيدِ، وبِدَفْعِ ذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ.
والتَّوَكُّلُ هو جِماعُ قَوْلِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا وقَدْ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِلَفْظِ التَّوَكُّلِ في قَوْلِهِ وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ في سُورَةِ يُونُسَ، فَإنَّ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ أنَّهُ طَلَبُ نَصْرِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ في الأمْرِ الَّذِي يُرْغَبُ حُصُولُهُ، وذَلِكَ داخِلٌ في الِاسْتِعانَةِ وهو يَسْتَلْزِمُ الصَّبْرَ عَلى الضُّرِّ لِاعْتِقادِ أنَّهُ زائِلٌ بِإذْنِ اللَّهِ.
صفحة ٦٠
وخاطَبَ مُوسى قَوْمَهُ بِذَلِكَ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ، وتَعْلِيمًا لَهم بِنَصْرِ اللَّهِ إيّاهم لِأنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيِ اللَّهِ إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ تَذْيِيلٌ وتَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ والصَّبْرِ، أيِ: افْعَلُوا ذَلِكَ لِأنَّ حُكْمَ الظُّلْمِ لا يَدُومُ، ولِأجْلِ هَذا المَعْنى فُصِلَتِ الجُمْلَةُ.
وقَوْلُهُ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ كِنايَةٌ عَنْ تَرَقُّبِ زَوالِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، قُصِدَ مِنها صَرْفُ اليَأْسِ عَنْ أنْفُسِهِمُ النّاشِئِ عَنْ مُشاهَدَةِ قُوَّةِ فِرْعَوْنَ وسُلْطانِهِ، بِأنَّ اللَّهَ الَّذِي خَوَّلَهُ ذَلِكَ السُّلْطانَ قادِرٌ عَلى نَزْعِهِ مِنهُ لِأنَّ مُلْكَ الأرْضِ كُلِّها لِلَّهِ فَهو الَّذِي يُقَدِّرُ لِمَن يَشاءُ مُلْكَ شَيْءٍ مِنها وهو الَّذِي يُقَدِّرُ نَزْعَهُ.
فالمُرادُ مِنَ الأرْضِ هُنا الدُّنْيا لِأنَّهُ ألْيَقُ بِالتَّذْيِيلِ وأقْوى في التَّعْلِيلِ، فَهَذا إيماءٌ إلى أنَّهم خارِجُونَ مِن مِصْرَ وسَيَمْلِكُونَ أرْضًا أُخْرى.
وجُمْلَةُ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ تَذْيِيلٌ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، أيْ: عاطِفَةً عَلى ما في قَوْلِهِ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ، فَيَكُونُ هَذا تَعْلِيلًا ثانِيًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعانَةِ والصَّبْرِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ أُوثِرَ العَطْفُ بِالواوِ عَلى فَصْلِ الجُمْلَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى التَّذْيِيلِ أنْ تَكُونَ مَفْصُولَةً.
والعاقِبَةُ حَقِيقَتُها نِهايَةُ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وآخِرُهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ، فَإذا عُرِّفَتِ العاقِبَةُ بِاللّامِ كانَ المُرادُ مِنها انْتِهاءَ أمْرِ الشَّيْءِ بِأحْسَنَ مِن أوَّلِهِ ولَعَلَّ التَّعْرِيفَ فِيها مِن قَبِيلِ العِلْمِ بِالغَلَبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَوَدُّ أنْ يَكُونَ آخِرُ أحْوالِهِ خَيْرًا مِن أوَّلِها لِكَراهَةِ مُفارَقَةِ المُلائِمِ، أوْ لِلرَّغْبَةِ في زَوالِ المُنافِرِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَتِ العاقِبَةُ مُعَرَّفَةً عَلى انْتِهاءِ الحالِ بِما يَسُرُّ ويُلائِمُ، كَما قالَ - تَعالى - والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى. وفي حَدِيثِ أبى سُفْيانَ قَوْلُ هِرَقْلَ ”وكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ“ فَلا تُطْلَقُ المُعَرَّفَةُ عَلى عاقِبَةِ السُّوءِ. فالمُرادُ بِالعاقِبَةِ هُنا عاقِبَةُ أُمُورِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا لِيُناسِبَ قَوْلَهُ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ
صفحة ٦١
وتَشْمَلُ عاقِبَةَ الخَيْرِ في الآخِرَةِ لِأنَّها أهَمُّ ما يُلاحِظُهُ المُؤْمِنُونَ.
والمُتَّقُونَ: المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ.
وجِيءَ في جُمْلَتَيْ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بِلَفْظَيْنِ عامَّيْنِ، وهُما: مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والمُتَّقِينَ، لِتَكُونَ الجُمْلَتانِ تَذْيِيلًا لِلْكَلامِ ولِيَحْرِصَ السّامِعُونَ عَلى أنْ يَكُونُوا مِنَ المُتَّقِينَ.
وقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ أنَّ مَن يَشاءُ اللَّهُ أنْ يُورِثَهُمُ الأرْضَ هُمُ المُتَّقُونَ إذا كانَ في النّاسِ مُتَّقُونَ وغَيْرُهم، وأنَّ تَمْلِيكَ الأرْضِ لِغَيْرِهِمْ إمّا عارِضٌ وإمّا لِاسْتِواءِ أهْلِ الأرْضِ في عَدَمِ التَّقْوى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences