Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:129–133
7:129Page 165
قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٢٩
They said, "We have been harmed before you came to us and after you have come to us." He said, "Perhaps your Lord will destroy your enemy and grant you succession in the land and see how you will do."
﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
(قالُوا) حِكايَةُ جَوابِ قَوْمِ مُوسى إيّاهُ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ القَوْلِ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الشِّكايَةِ واسْتِثارَتِهِمْ مُوسى لِيَدْعُوَ رَبَّهُ أنْ يُفَرِّجَ كَرْبَهم.
والإيذاءُ: الإصابَةُ بِالأذى، والأذى ما يُؤْلِمُ ويُحْزِنُ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلِهِ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو يَكُونُ ضَعِيفًا وقَوِيًّا، ومُرادُهم هُنا القَوِيُّ مِنهُ، وهو ما لَحِقَهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ وتَكْلِيفِهِمُ الأعْمالَ الشّاقَّةَ عَلَيْهِمْ في خِدْمَةِ فِرْعَوْنَ وما تَوَعَّدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ بَعْدَ بَعْثَةِ مُوسى مِنَ القَطْعِ والصَّلْبِ وقَتْلِ الأبْناءِ، وكَأنَّهم أرادُوا التَّعْرِيضَ بِنَفادِ صَبْرِهِمْ وأنَّ الأذى الَّذِي مَسَّهم بَعْدَ بَعْثَةِ مُوسى لَمْ يَكُنْ بِدايَةَ الأذى، بَلْ جاءَ بَعْدَ طُولِ مُدَّةٍ في الأذى، فَلِذَلِكَ جَمَعُوا في كَلامِهِمْ ما لَحِقَهم قَبْلَ بَعْثَةِ مُوسى.
وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا امْتِعاضٌ مِنهم مِمّا لَحِقَهم بِسَبَبِ مُوسى وبِواسِطَتِهِ مُسْتَنِدًا إلى أنَّ قَتْلَ الذُّكُورِ مِنهم كانَ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى بِسَبَبِ تَوَقُّعِ وِلادَةِ مُوسى، وكانَ الوَعِيدُ بِمِثْلِهِ بَعْدَ مَجِيئِهِ بِسَبَبِ دَعْوَتِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُتَّجِهٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ هو المُرادَ لَما كانَ لِلتَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا مَوْقِعٌ، والإتْيانُ والمَجِيءُ مُتَرادِفانِ، فَذِكْرُ المَجِيءِ بَعْدَ الإتْيانِ لَيْسَ لِاخْتِلافِ المَعْنى، ولَكِنَّهُ لِلتَّفَنُّنِ وكَراهِيَةِ إعادَةِ اللَّفْظِ.
صفحة ٦٢
والإتْيانُ والمَجِيءُ مَدْلُولُهُما واحِدٌ، وهو بِعْثَةُ مُوسى بِالرِّسالَةِ، فَجُعِلَ الفِعْلُ المُعَبِّرُ عَنْهُ حِينَ عُلِّقَ بِهِ (قَبْلِ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُقْتَرِنِ بِـ أنِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ والمَصْدَرِيَّةِ لِمُناسَبَةِ لَفْظِ (قَبْلِ) لِأنَّ ما يُضافُ إلى (قَبْلِ) مُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَدْلُولِها، وجُعِلَ حِينَ عُلِّقَ بِهِ (بَعْدِ) بِصِيغَةِ الماضِي المُقْتَرِنِ بِحَرْفِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةَ لا تُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ لِيُناسِبَ لَفْظَ (بَعْدِ) لِأنَّ مُضافَ كَلِمَةِ (بَعْدِ) ماضٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَدْلُولِها.
فَأجابَهم مُوسى بِتَقْرِيبِ أنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَرِثُونَ مُلْكَ الأرْضِ والَّذِينَ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ.
وجاءَ بِفِعْلِ الرَّجاءِ دُونَ الجَزْمِ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ - تَعالى -، وإقْصاءً لِلِاتِّكالِ عَلى أعْمالِهِمْ لِيَزْدادُوا مِنَ التَّقْوى والتَّعَرُّضِ إلى رِضى اللَّهِ - تَعالى - ونَصْرِهِ. فَقَوْلُهُ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وقَوْلُهُ ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
والمُرادُ بِالعَدُوِّ، فِرْعَوْنُ وحِزْبُهُ، فَوَصْفُ عَدُوٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ قالَ - تَعالى - هُمُ العَدُوُّ.
والمُرادُ بِالِاسْتِخْلافِ: الِاسْتِخْلافُ عَنِ اللَّهِ في مُلْكِ الأرْضِ، والِاسْتِخْلافُ إقامَةُ الخَلِيفَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ مِثْلَ اسْتَجابَ لَهُ، أيْ جَعَلَهم أحْرارًا غالِبِينَ ومُؤَسِّسِينَ مُلْكًا في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ.
ومَعْنى فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَعْمَلُوا ما لا يُرْضِي اللَّهَ - تَعالى -، والتَّحْرِيضُ عَلى الِاسْتِكْثارِ مِنَ الطّاعَةِ لِيَسْتَحِقُّوا وصْفَ المُتَّقِينَ، تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَهُ.
فالنَّظَرُ مُسْتَعْمَلٌ في العِلْمِ بِالمَرْئِيّاتِ، والمَقْصُودُ بِما (تَعْمَلُونَ) عَمَلَهم مَعَ النّاسِ في سِياسَةِ ما اسْتُخْلِفُوا فِيهِ، وهو كُلُّهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُشاهَدُ إذْ لا دَخْلَ لِلنِّيّاتِ والضَّمائِرِ في السِّياسَةِ وتَدْبِيرِ المَمالِكِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَدْفَعُ إلَيْهِ النِّيّاتُ الصّالِحَةُ مِنَ الأعْمالِ المُناسِبَةِ لَها، فَإذا صَدَرَتِ الأعْمالُ صالِحَةً كَما يُرْضِي اللَّهَ، وما أوْصى بِهِ، حَصَلَ المَقْصُودُ، ولا يَضُرُّها ما تُكِنُّهُ نَفْسُ العامِلِ.
وكَيْفَ يَجُوزُ كَوْنُها اسْتِفْهامًا فَهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ (يَنْظُرَ) عَنِ المَفْعُولِ، فالتَّقْدِيرُ فَيَنْظُرَ جَوابَ السُّؤالِ بِـ (كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، ويَجُوزُ كَوْنُها مُجَرَّدَةً عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ دالَّةً عَلى مُجَرَّدِ الكَيْفِيَّةِ، فَهي مَفْعُولٌ بِهِ لِـ (يَنْظُرَ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ - تَعالى -
صفحة ٦٣
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ [المائدة: ٧٥] في سُورَةِ المائِدَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ.
7:130–131Page 165
وَلَقَدۡ أَخَذۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٣٠
And We certainly seized1 the people of Pharaoh with years of famine and a deficiency in fruits that perhaps they would be reminded.
فَإِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣١
But when good [i.e., provision] came to them, they said, "This is ours [by right]." And if a bad [condition] struck them, they saw an evil omen in Moses and those with him. Unquestionably, their fortune is with Allāh, but most of them do not know.
﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
هَذا انْتِقالٌ إلى ذِكْرِ المَصائِبِ الَّتِي أصابَ اللَّهُ بِها فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وجَعَلَها آياتٍ لِمُوسى، لِيُلْجِئَ فِرْعَوْنَ إلى الإذْنِ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ، وقَدْ وقَعَتْ تِلْكَ الآياتُ بَعْدَ المُعْجِزَةِ الكُبْرى الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ لِمُوسى في مَجْمَعِ السَّحَرَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ فِرْعَوْنَ أغْضى عَنْ تَحْقِيقِ وعِيدِهِ إبْقاءً عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُومُونَ بِالأشْغالِ العَظِيمَةِ لِفِرْعَوْنَ.
ويُؤْخَذُ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ مُوسى بَقِيَ في قَوْمِهِ مُدَّةً يُعِيدُ مُحاوَلَةَ فِرْعَوْنَ أنْ يُطْلِقَ بَنِي إسْرائِيلَ، وفِرْعَوْنُ يَعِدُ ويُخْلِفُ، ولَمْ تَضْبِطِ التَّوْراةُ مُدَّةَ مُقامِ مُوسى كَذَلِكَ، وظاهِرُها أنَّ المُدَّةَ لَمْ تَطُلْ، ولَيْسَ قَوْلُهُ - تَعالى - بِالسِّنِينَ دَلِيلًا عَلى أنَّها طالَتْ أعْوامًا لِأنَّ السِّنِينَ هُنا جُمَعُ سَنَةٍ بِمَعْنى الجَدْبِ لا بِمَعْنى الزَّمَنِ المُقَدَّرِ مِنَ الدَّهْرِ، فالسَّنَةُ في كَلامِ العَرَبِ إذا عُرِّفَتْ بِاللّامِ يُرادُ بِها سَنَةُ الجَدْبِ، والقَحْطِ، وهي حِينَئِذٍ عَلَمُ جِنْسٍ بِالغَلَبَةِ، ومِن ثَمَّ اشْتَقُّوا مِنها: أسْنَتَ القَوْمُ، إذا أصابَهُمُ الجَدْبُ والقَحْطُ، فالسِّنِينُ في الآيَةِ مُرادٌ بِها القُحُوطُ وجَمْعُها بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ مَواقِعِها أيْ: أصابَهُمُ القَحْطُ في جَمِيعِ الأرَضِينَ والبُلْدانِ، فالمَعْنى: ولَقَدْ أخَذْناهم بِالقُحُوطِ العامَّةِ في كُلِّ أرْضٍ.
والأخْذُ: هُنا مَجازٌ في القَهْرِ والغَلَبَةِ، كَقَوْلِهِ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ هُنا مَجازًا في الإصابَةِ بِالشَّدائِدِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الأخْذِ: تَناوُلُ الشَّيْءِ بِاليَدِ، وتَعَدَّدَتْ إطْلاقاتُهُ، فَأُطْلِقَ كِنايَةً عَنِ المُلْكِ.
وأُطْلِقَ اسْتِعارَةً لِلْقَهْرِ والغَلَبَةِ، ولِلْإهْلاكِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعانِيهِ مُتَفَرِّقَةً في السُّوَرِ الماضِيَةِ.
وجُمْلَةُ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ولَقَدْ أخَذْنا فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ.
صفحة ٦٤
ونَقْصٍ الثَّمَراتِ قِلَّةُ إنْتاجِها قِلَّةً غَيْرَ مُعْتادَةٍ لَهم، فَتَنْوِينُ (نَقْصٍ) لِلتَّكْثِيرِ ولِذَلِكَ نُكِّرَ (نَقْصٍ) ولَمْ يُضَفْ إلى (الثَّمَراتِ) لِئَلّا تَفُوتَ الدَّلالَةُ عَلى الكَثْرَةِ.
فالسِّنُونَ تَنْتابُ المَزارِعَ والحُقُولَ، ونَقْصُ الثَّمَراتِ يَنْتابُ الجَنّاتِ.
و(لَعَلَّ) لِلرَّجاءِ، أيْ مَرْجُوًّا تَذَكُّرُهم؛ لِأنَّ المَصائِبَ والأضْرارَ المُقارِنَةَ لِتَذْكِيرِ مُوسى إيّاهم بِرَبِّهِمْ، وتَسْرِيحِ عَبِيدِهِ، مِن شَأْنِها أنْ يَكُونَ أصْحابُها مَرْجُوًّا مِنهم أنْ يَتَذَكَّرُوا بِأنَّ ذَلِكَ عِقابٌ عَلى إعْراضِهِمْ وعَلى عَدَمِ تَذَكُّرِهم؛ لِأنَّ اللَّهَ نَصَبَ العَلاماتِ لِلِاهْتِداءِ إلى الخَفِيِّاتِ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿ما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ﴾ [الأعراف: ٩٤]) في هَذِهِ السُّورَةِ، فَشَأْنُ أهْلِ الألْبابِ أنْ يَتَذَكَّرُوا، فَإذا لَمْ يَتَذَكَّرُوا فَقَدْ خَيَّبُوا ظَنَّ مَن يَظُنُّ بِهِمْ ذَلِكَ مِثْلِ مُوسى وهارُونَ، أمّا اللَّهُ - تَعالى - فَهو يَعْلَمُ أنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ ولَكِنَّهُ أرادَ الإمْلاءَ لَهم، وقَطْعَ عُذْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يُنافِي ما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَعَلَّ مِنَ الرَّجاءِ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى الرّاجِي والمَرْجُوِّ مِنهُ دَلالَةٌ عُرْفِيَّةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى وُقُوعِ لَعَلَّ في كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ لِلْأُمَّةِ لِلنَّظَرِ فِيما يُحِيطُ بِها مِن دَلائِلِ غَضَبِ اللَّهِ فَإنَّ سَلْبَ النِّعْمَةِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ إعْراضَ اللَّهِ - تَعالى - عَنْهم.
والفاءُ في قَوْلِهِ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ لِتَفْرِيعِ هَذا الخَبَرِ عَلى جُمْلَةِ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أيْ: فَكانَ حالُهم إذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ إلَخْ. . . والمَعْنى: فَلَمْ يَتَذَكَّرُوا ولَكِنَّهم زادُوا كُفْرًا وغُرُورًا.
والمَجِيءُ: الحُصُولُ والإصابَةُ. وإنَّما عُبِّرَ في جانِبِ الحَسَنَةِ بِالمَجِيءِ لِأنَّ حُصُولَها مَرْغُوبٌ، فَهي بِحَيْثُ تُتَرَقَّبُ كَما يُتَرَقَّبُ الجائِي، وعُبِّرَ في جانِبِ السَّيِّئَةِ بِالإصابَةِ لِأنَّها تَحْصُلُ فَجْأةً عَنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ ولا تَرَقُّبٍ.
وجِيءَ في جانِبِ الحَسَنَةِ بِإذا الشَّرْطِيَّةِ لِأنَّ الغالِبَ في (إذا) الدَّلالَةُ عَلى اليَقِينِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ أوْ ما يَقْرُبُ مِنَ اليَقِينِ كَقَوْلِكَ: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَعَلْتُ كَذا، ولِذَلِكَ غَلَبَ أنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ مَعَ (إذا) فِعْلًا ماضِيًا لِكَوْنِ الماضِي أقْرَبَ إلى اليَقِينِ في الحُصُولِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، كَما في الآيَةِ، فالحَسَناتُ أيِ: النِّعَمُ كَثِيرَةُ الحُصُولِ
صفحة ٦٥
تَنْتابُهم مُتَوالِيَةً مِن صِحَّةٍ وخِصْبٍ ورَخاءٍ ورَفاهِيَةٍ. وجِيءَ في جانِبِ السَّيِّئَةِ بِحَرْفِ (إنْ) لِأنَّ الغالِبَ أنْ تَدُلَّ (إنْ) عَلى التَّرَدُّدِ في وُقُوعِ الشَّرْطِ، أوْ عَلى الشَّكِّ، ولِكَوْنِ الشَّيْءِ النّادِرِ الحُصُولِ غَيْرَ مَجْزُومٍ بِوُقُوعِهِ، ومَشْكُوكًا فِيهِ، جِيءَ في شَرْطِ إصابَةِ السَّيِّئَةِ بِحَرْفِ (إنْ) لِنُدْرَةِ وُقُوعِ السَّيِّئاتِ أيِ: المَكْرُوهاتِ عَلَيْهِمْ، بِالنِّسْبَةِ إلى الحَسَناتِ، أيِ: النِّعَمِ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ كانَتْ مُتَكاثِرَةً لَدَيْهِمْ وأنَّهم كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الشُّكْرِ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ إصابَتَهم بِالسَّيِّئاتِ نادِرَةٌ وهم يَعُدُّونَ السَّيِّئاتِ مِن جَرّاءِ مُوسى ومَن آمَنَ مَعَهُ، فَهم في كِلْتا الحالَتَيْنِ بَيْنَ كافِرِينَ بِالنِّعْمَةِ وظالِمِينَ لِمُوسى ومَن مَعَهُ، ولِهَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ عُرِّفَتِ (الحَسَنَةُ) تَعْرِيفَ الجِنْسِ المَعْرُوفَ في عِلْمِ المَعانِي بِالعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ: جاءَتْهُمُ الحَسَناتُ؛ لِأنَّ هَذا الجِنْسَ مَحْبُوبٌ مَأْلُوفٌ كَثِيرُ الحُصُولِ لَدَيْهِمْ، ونُكِّرَتْ (سَيِّئَةٌ) لِنُدْرَةِ وُقُوعِها عَلَيْهِمْ، ولِأنَّها شَيْءٌ غَيْرُ مَأْلُوفٍ حُلُولُهُ بِهِمْ، أيْ: وإنْ تُصِبْهم آيَةٌ سَيِّئَةٌ، كَذا في الكَشّافِ والمِفْتاحِ.
واعْلَمْ أنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ تَعْرِيفِ الجِنْسِ والتَّنْكِيرِ مِن لَطائِفِ الِاسْتِعْمالِ البَلاغِيِّ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - الحَمْدُ لِلَّهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، وأمّا مِن جِهَةِ مُفادِ اللَّفْظِ، فالمُعَرَّفُ بِلامِ الجِنْسِ والنَّكِرَةُ سَواءٌ، فَلا تَظُنَّ أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ لِحَسَنَةٍ مَعْهُودَةٍ، ووُقُوعُ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ والمُنَكَّرِ في سِياقِ الشَّرْطِ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ كُلَّ حَسَنَةٍ وكُلَّ سَيِّئَةٍ.
والحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هَنا مُرادٌ بِهِما الحالَةُ الحَسَنَةُ والحالَةُ السَّيِّئَةُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لَنا هَذِهِ لامُ الِاسْتِحْقاقِ أيْ: هَذِهِ الحَسَنَةُ حَقٌّ لَنا، لِأنَّهم بِغُرُورِهِمْ يَحْسَبُونَ أنَّهم أحْرِياءُ بِالنِّعَمِ، أيْ: فَلا يَرَوْنَ تِلْكَ الحَسَنَةَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً.
و(يَطَّيَّرُوا) أصْلُهُ يَتَطَيَّرُوا، وهو تَفَعُّلٌ، مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ الطَّيْرِ، كَأنَّهم صاغُوهُ عَلى وزْنِ التَّفَعُّلِ لِما فِيهِ مِن تَكَلُّفِ مَعْرِفَةِ حَظِّ المَرْءِ بِدَلالَةِ حَرَكاتِ الطَّيْرِ، أوْ هو مُطاوَعَةٌ سُمِّيَ بِها ما يَحْصُلُ مِنَ الِانْفِعالِ مِن إثْرِ طَيَرانِ الطَّيْرِ. وكانَ العَرَبُ إذا خَرَجُوا في سَفَرٍ لِحاجَةٍ، نَظَرُوا إلى ما يُلاقِيهِمْ أوَّلَ سِيَرِهِمْ مِن طائِرٍ، فَكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ في مُرُورِهِ عَلاماتِ يُمْنٍ وعَلاماتِ شُؤْمٍ، فالَّذِي في طَيَرانِهِ عَلّامَةُ يُمْنٍ - في اصْطِلاحِهِمْ - يُسَمُّونَهُ السّانِحَ، وهو الَّذِي يَنْهَضُ فَيَطِيرُ مِن جِهَةِ اليَمِينِ لِلسّائِرِ والَّذِي عَلامَتُهُ الشُّؤْمُ هو البارِحُ وهو الَّذِي يَمُرُّ عَلى اليَسارِ، وإذا وجَدَ السّائِرُ طَيْرًا جاثِمًا أثارَهُ لِيَنْظُرَ أيَّ جِهَةٍ يَطِيرُ، وتُسَمّى تِلْكَ الإثارَةُ زَجْرًا، فَمِنَ الطَّيْرِ مَيْمُونٌ ومِنهُ مَشْئُومٌ
صفحة ٦٦
والعَرَبُ يَدْعُونَ لِلْمُسافِرِ بِقَوْلِهِمْ ”عَلى الطّائِرِ المَيْمُونِ“، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمالُ لَفْظِ التَّطَيُّرِ في مَعْنى التَّشاؤُمِ خاصَّةً، يُقالُ الطِّيَرَةُ أيْضًا، كَما في الحَدِيثِ «لا طِيَرَةَ وإنَّما الطِّيَرَةُ عَلى مَن تَطَيَّرَ» أيْ: الشُّؤْمُ يَقَعُ عَلى مَن يَتَشاءَمُ، جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ في الدُّنْيا لِسُوءِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ، وإنَّما غَلَبَ لَفْظُ الطِّيَرَةِ عَلى التَّشاؤُمِ لِأنَّ لِلْأثَرِ الحاصِلِ مِن دَلالَةِ الطَّيَرانِ عَلى الشُّؤْمِ دَلالَةً أشُدَّ عَلى النَّفْسِ؛ لِأنَّ تَوَقُّعَ الضُّرِّ أدْخَلُ في النُّفُوسِ مِن رَجاءِ النَّفْعِ. والمُرادُ بِهِ في الآيَةِ لِأنَّهم يَتَشاءَمُونَ بِمُوسى ومَن مَعَهُ فاسْتُعْمِلَ التَّطَيُّرَ في التَّشاؤُمِ بِدُونِ دَلالَةٍ مِنَ الطَّيْرِ؛ لِأنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَزْجُرُ الطَّيْرَ فِيما عَلِمْنا مِن أحْوالِ تارِيخِهِمْ، ولَكِنَّهم زَعَمُوا أنَّ دَعْوَةَ مُوسى فِيهِمْ كانَتْ سَبَبَ مَصائِبَ حَلَّتْ بِهِمْ، فَعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّطَيُّرِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ العَرَبِيِّ.
والتَّشاؤُمُ: هو عَدُّ الشَّيْءِ مَشْئُومًا، أيْ: يَكُونُ وُجُودُهُ سَبَبًا في وُجُودِ ما يُحْزِنُ ويَضُرُّ، فَمَعْنى يَطَّيَّرُوا بِمُوسى يَحْسَبُونَ حُلُولَ ذَلِكَ بِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ وُجُودِ مُوسى ومَن آمَنَ بِهِ وذَلِكَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ كانُوا مُتَعَلِّقِينَ بِضَلالِ دِينِهِمْ، وكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم إذا حافَظُوا عَلى اتِّباعِهِ كانُوا في سَعادَةِ عَيْشٍ، فَحَسِبُوا وُجُودَ مَن يُخالِفُ دِينَهم بَيْنَهم سَبَبًا في حُلُولِ المَصائِبِ والإضْرارِ بِهِمْ فَتَشاءَمُوا بِهِمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ سَبَبَ المَصائِبِ هو كُفْرُهم وإعْراضُهم؛ لِأنَّ حُلُولَ المَصائِبِ بِهِمْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُسَبَّبًا عَنْ أسْبابٍ فِيهِمْ لا في غَيْرِهِمْ. وهَذا مِنَ العَمايَةِ في الضَّلالَةِ فَيَبْقَوْنَ مُنْصَرِفِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ الأسْبابِ الحَقِيقَيَّةِ، ولِذَلِكَ كانَ التَّطَيُّرُ مِن شِعارِ أهْلِ الشِّرْكِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى نِسْبَةِ المُسَبَّباتِ لِغَيْرِ أسْبابِها، وذَلِكَ مِن مُخْتَرَعاتِ الَّذِينَ وضَعُوا لَهم دِيانَةَ الشِّرْكِ وأوْهامَها.
فِي الحَدِيثِ «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» وتَأْوِيلُهُ أنَّها: مِن بَقايا دِينِ الشِّرْكِ، ويَقَعُ بَعْدَ فِعْلِ التَّطَيُّرِ باءٌ، وهي باءُ السَّبَبِيَّةِ تَدْخُلُ عَلى مُوجِبِ التَّطَيُّرِ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: تَطَيَّرَ مِن كَذا.
وعَطْفُ (ومَن مَعَهُ)، أيْ: مَن آمَنُوا بِهِ؛ لِأنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ يَعُدُّونَ مُوجِبَ شُؤْمِ مُوسى هو ما جاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ لِأنَّهُ لا يُرْضِي آلِهَتَهم ودِينَهم، ولَوْلا دِينُهُ لَمْ يَكُنْ مَشْئُومًا كَما قالَ ثَمُودُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا.
صفحة ٦٧
و(ألا) حَرْفُ اسْتِفْتاحٍ يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِالخَبَرِ الوارِدِ بَعْدَهُ. تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وتَعْرِيضًا بِمُشْرِكِي العَرَبِ.
والطّائِرُ: اسْمٌ لِلطَّيْرِ الَّذِي يُثارُ لِيُتَيَمَّنَ بِهِ أوْ يُتَشاءَمَ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلسَّبَبِ الحَقِّ لِحُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ بِعَلاقَةِ المُشاكَلَةِ لِقَوْلِهِ يَطَّيَّرُوا فَشُبِّهَ السَّبَبُ الحَقُّ، وهو ما اسْتَحَقُّوا بِهِ العَذابَ مِن غَضَبِ اللَّهِ بِالطّائِرِ.
و(عِنْدَ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّصَرُّفِ مَجازًا لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَصَرَّفَ فِيهِ كالمُسْتَقِرِّ في مَكانٍ، أيْ: سَبَبُ شُؤْمِهِمْ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ، وهَذا كَما وقَعَ في الحَدِيثِ «ولا طَيْرَ إلّا طَيْرُكَ»، فَعُبِّرَ عَمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ ”بِطَيْرٍ“ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِ «ولا طَيْرَ» ومَن فَسَّرَ الطّائِرَ بِالحَظِّ فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ السِّياقِ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن إنَّما إضافِيٌّ أيْ: سُوءُ حالِهِمْ عِقابٌ مِنَ اللَّهِ، لا مِن عِنْدِ مُوسى ومَن مَعَهُ، فَلا يُنافِي أنَّ المُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ سَبَبَ حُلُولِ المَصائِبِ بِأهْلِ الشِّرْكِ المُعانِدِينَ لِلرُّسُلِ، هو شِرْكُهم وتَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ: يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِأخْبارِ الرُّسُلِ، أوْ بِصِدْقِ الفِراسَةِ وحُسْنِ الِاسْتِدْلالِ، كَما قالَ أبُو سُفْيانَ لَيْلَةَ الفَتْحِ لَمّا هَداهُ اللَّهُ ”لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا“ . فَأمّا المُشْرِكُونَ وأضْرابُهم مِن أهْلِ العَقائِدِ الضّالَّةِ، فَيُسْنِدُونَ صُدُورَ الضَّرَرِ والنَّفْعِ إلى أشْياءَ تُقارِنُ حُصُولَ ضُرٍّ ونَفْعٍ، فَيَتَوَهَّمُونَ تِلْكَ المُقارَنَةَ تَسَبُّبًا، ولِذَلِكَ تَراهم يَتَطَلَّبُونَ مَعْرِفَةَ حُصُولِ الخَيْرِ والشَّرِّ مِن غَيْرِ أسْبابِها، ومِن ذَلِكَ الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ.
وجُمْلَةُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ مُعْتَرِضَةٌ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، والِاسْتِدْراكُ المُسْتَفادُ مِن (لَكِنَّ) ناشِئٌ عَمّا يُوهِمُهُ الِاهْتِمامُ بِالخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ لِقَرْنِهِ بِأداةِ الِاسْتِفْتاحِ، واشْتِمالِهِ عَلى صِيغَةِ القَصْرِ: مِن كَوْنِ شَأْنِهِ أنْ لا يَجْهَلَهُ العُقَلاءُ، فاسْتُدْرِكَ بِأنَّ أكْثَرَ أُولَئِكَ لا يَعْلَمُونَ.
فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (أكْثَرَهم) عائِدٌ إلى الَّذِينَ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنَّما نُفِيَ العِلْمُ عَنْ أكْثَرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ قَلِيلًا مِنهم يَعْلَمُونَ خِلافَ ذَلِكَ ولَكِنَّهم يُشايِعُونَ مَقالَةَ الأكْثَرِينَ.
7:132–133Page 166
وَقَالُواْ مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ١٣٢
And they said, "No matter what sign you bring us with which to bewitch us, we will not be believers in you."
فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٖ مُّفَصَّلَٰتٖ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ١٣٣
So We sent upon them the flood and locusts and lice and frogs and blood as distinct signs, but they were arrogant and were a criminal people.
صفحة ٦٨
﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾
جُمْلَةُ (وقالُوا) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ الآيَةَ فَهم قابَلُوا المَصائِبَ الَّتِي أصابَهُمُ اللَّهُ بِها لِيَذَّكَّرُوا، بِازْدِيادِ الغُرُورِ فَأيِسُوا مِنَ التَّذَكُّرِ بِها، وعانَدُوا مُوسى حِينَ تَحَدّاهم بِها فَقالُوا: مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن أعْمالِ سِحْرِكِ العَجِيبَةِ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، أيْ: فَلا تُتْعِبْ نَفْسَكَ في السِّحْرِ.
و(مَهْما) اسْمٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ (ما) المَوْصُولَةُ أوِ النَّكِرَةُ الدّالَّةُ عَلى العُمُومِ، فَرُكِّبَتْ مَعَها (ما) لِتَصْيِيرِها شَرْطِيَّةً كَما رُكِّبَتْ (ما) مَعَ (أيْ) و(مَتى) و(أيْنَ) فَصارَتْ أسْماءَ شَرْطٍ، وجُعِلَتِ الألِفُ الأُولى هاءً اسْتِثْقالًا لِتَكْرِيرِ المُتَجانِسَيْنِ، ولِقُرْبِ الهاءِ مِنَ الألِفِ فَصارَتْ مَهْما، ومَعْناها: شَيْءٌ ما، وهي مُبْهَمَةٌ فَيُؤْتى بَعْدَها بِمِنِ التَّبْيِينِيَّةِ، أيْ: إنْ تَأْتِنا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ.
و(مَهْما) في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والتَّقْدِيرُ: أيُّما شَيْءٍ تَأْتِينا بِهِ، وخَبَرُهُ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، ويَجُوزُ كَوْنُها في مَحَلِّ نَصْبٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَأْتِنا بِهِ) المَذْكُورُ. والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ تُحْضِرُنا تَأْتِينا بِهِ.
وذُكِّرَ ضَمِيرُ (بِهِ) رَعْيًا لِلَفْظِ (مَهْما) الَّذِي هو في مَعْنى أيِّ شَيْءٍ، وأُنِّثَ ضَمِيرُ بِها رَعْيًا لِوُقُوعِهِ بَعْدَ بَيانِ مَهْما بِاسْمٍ مُؤَنَّثٍ هو (آيَةٍ) .
ومِن (آيَةٍ) بَيانٌ لِإبْهامِ (مَهْما) .
والآيَةُ: العَلامَةُ الدّالَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِهِ - تَعالى - وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وسَمَّوْا ما جاءَ بِهِ مُوسى آيَةً بِاعْتِبارِ الغَرَضِ الَّذِي تَحَدّاهم بِهِ مُوسى حِينَ الإتْيانِ بِها؛ لِأنَّ مُوسى يَأْتِيهِمْ بِها اسْتِدْلالًا عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، وهم لا يَعُدُّونَها آيَةً ولَكِنَّهم جارُوا مُوسى في التَّسْمِيَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ لِتَسْحَرَنا بِها، وفي ذَلِكَ
صفحة ٦٩
اسْتِهْزاءٌ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وقالُوا يَأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ: إنَّكَ لَمَجْنُونٌ.
وجُمْلَةُ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ مُفِيدَةٌ المُبالِغَةَ في القَطْعِ بِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ بِمُوسى لِأنَّهم جاءُوا في كَلامِهِمْ بِما حَوَتْهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الَّتِي حَكَتْهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِ هَذا الِانْتِفاءِ ودَوامِهِ، وبِما تُفِيدُهُ الباءُ مِن تَوْكِيدِ النَّفْيِ، وما يُفِيدُهُ تَقْدِيمُ مُتَعَلِّقِ مُؤْمِنِينَ مِنَ اهْتِمامِهِمْ بِمُوسى في تَعْلِيقِ الإيمانِ بِهِ المَنفِيِّ بِاسْمِهِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ (فَأرْسَلْنا) لِتَفْرِيعِ إصابَتِهِمْ بِهَذِهِ المَصائِبِ عَلى عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ.
والإرْسالُ: حَقِيقَتُهُ تَوْجِيهُ رَسُولٍ أوْ رِسالَةٍ فَيُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِإلى ويُضَمَّنُ مَعْنى الإرْسالِ مِن فَوْقَ، فَيُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِعَلى، قالَ - تَعالى - وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ وفي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ فَحَرْفُ (عَلى) دَلَّ عَلى أنَّ جُمْلَةَ أرْسَلْنا مُفَرَّعَةٌ تَفْرِيعَ العِقابِ لا تَفْرِيعَ زِيادَةِ الآياتِ.
والطُّوفانُ: السَّيْحُ الغالِبُ مِنَ الماءِ الَّذِي يَغْمُرُ جِهاتٍ كَثِيرَةً ويَطْغى عَلى المَنازِلِ والمَزارِعِ. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّوافِ لِأنَّ الماءَ يَطُوفُ بِالمَنازِلِ، أيْ: تَتَكَرَّرُ جَرْيَتُهُ حَوْلَها. ولَمْ يَدْخُلِ الطُّوفانُ الأرْضَ الَّتِي كانَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ وهي أرْضُ ”(جاسانَ)“ .
والجَرادُ: الحَشَرَةُ الطّائِرَةُ مِن فَصِيلَةِ الصُّرْصُرِ والخَنافِسِ لَهُ أجْنِحَةٌ سِتَّةٌ ذاتُ ألْوانٍ صُفْرٍ وحُمْرٍ تَنْتَشِرُ عِنْدَ طَيَرانِهِ، يَكُونُ جُنُودًا كَثِيرَةً يُسَمّى الجُنْدُ مِنها رِجْلًا. وهو مُهْلِكٌ لِلزَّرْعِ والشَّجَرِ، يَأْكُلُ الوَرَقَ والسُّنْبُلَ ووَرَقَ الشَّجَرِ وقِشْرَهُ، فَهو مِن أسْبابِ القَحْطِ. أصابَ أرْضَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ولَمْ يُصِبْ أرْضَ بَنِي إسْرائِيلَ.
والقُمَّلُ: - بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ المِيمِ المَفْتُوحَةِ في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ - اسْمُ نَوْعٍ مِنَ القُرادِ عَظِيمٍ يُسَمّى الحُمْنانُ - بِضَمِّ الحاءِ المُهْمَلَةِ ومِيمٍ ساكِنَةٍ ونُونَيْنِ واحِدَتُهُ حَمْنانَةٌ - وهو يَمْتَصُّ دَمَ الإنْسانِ وهو غَيْرُ القَمْلِ - بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ الَّذِي هو مِنَ الحَشَراتِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي تَكُونُ في شَعْرِ الرَّأْسِ وفي جِلْدِ الجَسَدِ يَتَكَوَّنُ مِن تَعَفُّنِ الجَلْدِ لِوَسَخِهِ ودُسُومَتِهِ ومِن تَعَفُّنِ جِلْدِ الرَّأْسِ كَثِيرًا -، أصابَ القِبْطَ جُنْدٌ كَثِيرٌ مِنَ الحُمْنانِ عَسُرَ الِاحْتِرازُ عَنْهُ ولَعَلَّهُ أصابَ مَواشِيَهم.
والضَّفادِعُ جَمْعُ ضِفْدَعٍ وهو حَيَوانٌ يَمْشِي عَلى أرْجُلٍ أرْبَعٍ ويَسْحَبُ بَطْنَهُ عَلى
صفحة ٧٠
الأرْضِ ويَسْبَحُ في المِياهِ، ويَكُونُ في الغُدْرانِ ومَناقِعِ المِياهِ، صَوْتُهُ مِثْلُ القُراقِرِ يُسَمّى نَقِيقًا. أصابَهم جُنْدٌ كَثِيرٌ مِنهُ يَقَعُ في طَعامِهِمْ يَرْتَمِي إلى القُدُورِ، ويَقَعُ في فِيِّ العُيُونِ والأسْقِيَةِ وفي البُيُوتِ فَيُفْسِدُ ما يَقَعُ فِيهِ وتَطَؤُهُ أرْجُلُ النّاسِ فَتَتَقَذَّرُ بِهِ البُيُوتُ، وقَدْ سَلِمَتْ مِنهُ بِلادُ (جاسانَ) مَنزِلِ بَنِي إسْرائِيلَ. والدَّمُ مَعْرُوفٌ، قِيلَ: أصابَهم رُعافٌ مُتَفَشٍّ فِيهِمْ، وقِيلَ: صارَتْ مِياهُ القِبْطِ كالدَّمِ في اللَّوْنِ، كَما في التَّوْراةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن حُدُوثِ دُودٍ أحْمَرَ في الماءِ فَشُبِّهَ الماءُ بِالدَّمِ، وسَلِمَتْ مِياهُ (جاسانَ) قَرْيَةِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وسَمّى اللَّهُ هاتِهِ آياتٍ لِأنَّها دَلائِلُ عَلى صِدْقِ مُوسى لِاقْتِرانِها بِالتَّحَدِّي، ولِأنَّها دَلائِلُ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِتَظافُرِها عَلَيْهِمْ حِينَ صَمَّمُوا الكُفْرَ والعِنادَ.
وانْتَصَبَ (آياتٍ) عَلى الحالِ مِنَ الطُّوفانِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ و(مُفَصَّلاتٍ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِن فَصَّلَ المُضاعَفِ الدّالِّ عَلى قُوَّةِ الفَصْلِ. والفَصْلُ حَقِيقَتُهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، ويُسْتَعارُ الفَصْلُ لِإزالَةِ اللَّبْسِ والِاخْتِلاطِ في المَعانِي فِـ (مُفَصَّلاتٍ) وصْفٌ لـِ (آياتٍ)، فَيَكُونُ مُرادًا مِنهُ مَعْنى الفَصْلِ المَجازِيِّ وهو إزالَةُ اللَّبْسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الأنْسَبُ بِالآياتِ والدَّلائِلِ، أيْ: هي آياتٌ لا شُبْهَةَ في كَوْنِها كَذَلِكَ لِمَن نَظَرَ نَظَرَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المُرادُ أنَّها مَفْصُولٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ في الزَّمانِ، أيْ لَمْ تَحْدُثْ كُلُّها في وقْتٍ واحِدٍ، بَلْ حَدَثَ بَعْضُها بَعْدَ بَعْضٍ، وعَلى هَذا فَصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي المُدَّةِ بَيْنَ الواحِدَةِ والأُخْرى، ويَجِيءُ عَلى هَذا أنَّ العَذابَ كانَ أشَدَّ وأطْوَلَ زَمَنًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها، قِيلَ: كانَ بَيْنَ الآيَةِ مِنها والأُخْرى مُدَّةُ شَهْرٍ أوْ مُدَّةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، وكانَتْ تَدُومُ الواحِدَةُ مِنها مُدَّةَ ثَمانِيَةِ أيّامٍ وأكْثَرَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالأنْسَبُ أنْ يُجْعَلَ (مُفَصَّلاتٍ) حالًا ثانِيَةً مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ، وأنْ لا يُجْعَلَ صِفَةَ (آياتٍ) .
والفاءُ في قَوْلِهِ فاسْتَكْبَرُوا لِلتَّفْرِيعِ والتَّرَتُّبِ، أيْ: فَتَفَرَّعَ عَلى إرْسالِ الطُّوفانِ وما بَعْدَهُ اسْتِكْبارُهم، كَما تَفَرَّعَ عَلى أخْذِهِمْ بِالسِّنِينَ غُرُورُهم بِأنَّ ذَلِكَ مِن شُؤْمِ مُوسى ومَن مَعَهُ، فَعُلِمَ أنَّ مِن طَبْعِ تَفْكِيرِهِمْ فَسادَ الوَضْعِ، وهو انْتِزاعُ المَدْلُولاتِ
صفحة ٧١
مِن أضْدادِ أدِلَّتِها، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى انْغِماسِهِمْ في الضَّلالَةِ والخِذْلانِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ السَّعادَةِ والتَّوْفِيقِ، فَلا يَزالُونَ مُوَرَّطِينَ في وحْلِ الشَّقاوَةِ.
فالِاسْتِكْبارُ: شِدَّةُ التَّكَبُّرِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ السِّينُ والتّاءُ، أيْ: عَدُّ أنْفُسِهِمْ كُبَراءَ، أيْ تَعاظُمُهم عَنِ التَّصْدِيقِبِمُوسى وإبْطالِ دِينِهِمْ إذْ أعْرَضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ بِتِلْكَ الآياتِ المُفَصَّلاتِ.
وجُمْلَةُ (وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (فاسْتَكْبَرُوا)، فالمَعْنى: فاسْتَكْبَرُوا عَنِ الِاعْتِرافِ بِدَلالَةِ تِلْكَ الآياتِ وأجْرَمُوا، وإنَّما صِيَغَ الخَبَرُ عَنْ إجْرامِهِمْ بِصِيغَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ وصْفِ الإجْرامِ فِيهِمْ، وتَمَكُّنِهِ مِنهم، ورُسُوخِهِ فِيهِمْ مِن قَبْلِ حُدُوثِ الِاسْتِكْبارِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإجْرامِ الرّاسِخَ فِيهِمْ هو عِلَّةٌ لِلِاسْتِكْبارِ الصّادِرِ مِنهم، فِـ (كانَ) دالَّةٌ عَلى اسْتِمْرارِ الخَبَرِ وهو وصْفُ الإجْرامِ. والإجْرامُ: فِعْلُ الجُرْمِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences