Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:134–137
7:134–135Page 166
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٣٤
And when the punishment descended upon them, they said, "O Moses, invoke for us your Lord by what He has promised you. If you [can] remove the punishment from us, we will surely believe you, and we will send with you the Children of Israel."
فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ١٣٥
But when We removed the punishment from them until a term which they were to reach,1 then at once they broke their word.
﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لِنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾
الرِّجْزُ العَذابُ فالتَّعْرِيفُ بِاللّامِ هُنا لِلْعَهْدِ أيِ العَذابُ المَذْكُورُ وهو ما في قَوْلِهِ - تَعالى - فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ إلى قَوْلِهِ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ والرِّجْزُ مِن أسْماءِ الطّاعُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرِّجْزِ الطّاعُونُ أيْ أصابَهم طاعُونٌ ألْجَأهم إلى التَّضَرُّعِ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَطُوِيَ ذِكْرُهُ لِلْإيجازِ، فالتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّجْزَ ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ إلَخْ. . . وإنَّما يُذْكَرُ الرِّجْزُ في عِدادِ الآياتِ الَّتِي في قَوْلِهِ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ الآيَةَ تَخْصِيصًا لَهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ لَهُ نَبَأً عَجِيبًا فَإنَّهُ كانَ مُلْجِئَهم إلى الِاعْتِرافِ بِآياتِ مُوسى ووُجُودِ رَبِّهِ - تَعالى - .
صفحة ٧٢
وهَذا الطّاعُونُ هو المُوتانُ الَّذِي حُكِيَ في الإصْحاحِ الحادِي عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ إنِّي أخْرُجُ نَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ في وسَطِ مِصْرَ فَيَمُوتُ كُلُّ بِكْرٍ في أرْضِ مِصْرَ مِن بِكْرِ فِرْعَوْنَ الجالِسِ عَلى كُرْسِيِّهِ إلى بِكْرِ الجارِيَةِ الَّتِي خَلْفَ الرَّحى وكُلُّ بِكْرِ بَهِيمَةٍ - ثُمَّ قالَتْ في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ - فَحَدَثَ في نِصْفِ اللَّيْلِ أنَّ الرَّبَّ ضَرَبَ كُلَّ بِكْرٍ في أرْضَ مِصْرَ فَقامَ فِرْعَوْنُ لَيْلًا هو وعَبِيدُهُ وجَمِيعُ المِصْرِيِّينَ فَدَعا مُوسى وهارُونَ لَيْلًا وقالَ قُومُوا اخْرُجُوا أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا واذْهَبُوا اعْبُدُوا رَبَّكم واذْهَبُوا وبارِكُونِي“ إلَخْ. . . قِيلَ ماتَ سَبْعُونَ ألْفَ رَجُلٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ القِبْطِ خاصَّةَ، ولَمْ يُصِبْ بَنِي إسْرائِيلَ مِنهُ شَيْءٌ.
ولَيْسَ قَوْلُهم ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِإيمانٍ بِاللَّهِ ورِسالَةِ مُوسى، ولَكِنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ وكانُوا يُجَوِّزُونَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ واخْتِصاصَ بَعْضِ الأُمَمِ وبَعْضِ الأقْطارِ بِآلِهَةٍ لَهم، فَهم قَدْ خامَرَهم مِن كَثْرَةِ ما رَأوْا مِن آياتِ مُوسى أنْ يَكُونَ لِمُوسى رَبٌّ لَهُ تَصَرُّفٌ وقُدْرَةٌ، وأنَّهُ أصابَهم بِالمَصائِبِ لِأنَّهم أضَرُّوا عَبِيدَهُ، فَسَألُوا مُوسى أنْ يُكِفَّ عَنْهم رَبَّهُ ويَكُونَ جَزاؤُهُ الإذْنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ لِيَعْبُدُوا رَبَّهم، كَما حَكَتِ التَّوْراةُ في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ مِن فِرْعَوْنَ ”فَقالَ قُومُوا اخْرُجُوا أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا واذْهَبُوا اعْبُدُوا رَبَّكم“ وقَدْ كانَ عَبْدَةُ الأرْبابِ الكَثِيرِينَ يُجَوِّزُ أنْ تَغْلِبَ بَعْضُ الأرْبابِ عَلى بَعْضٍ مِثْلَ ما يَحْدُثُ بَيْنَ المُلُوكِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ أساطِيرُ (المِيثُولُوجْيا) اليُونانِيَّةُ، وقِصَّةُ إلْياذَةِ ”هُومِيرُوسَ“ . فَبَدا لِفِرْعَوْنَ أنَّ وجْهَ الفَصْلِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَعْبُدُوا رَبَّهم في أرْضٍ غَيْرِ أرْضِ مِصْرَ الَّتِي لَها أرْبابٌ أُخَرُ ولِذَلِكَ قالَ رَبُّكُ ولَمْ يَقِلْ رَبُّنا.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ الدُّعاءِ لِظُهُورِ المُرادِ، أيِ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِأنْ يَكُفَّ عَنّا. كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى وهارُونَ ”واذْهَبُوا وبارِكُونِي“ أيْضًا.
وقَدْ أنْبَهم حالُ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ فَلَمْ يَدْرِ أهْوَ رَسُولٌ مِن إلَهٍ غَيْرِ آلِهَةِ القِبْطِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأوْدَعَ عِنْدَكَ مِنَ الأسْرارِ، وهَذِهِ عِبارَةُ مُتَحَيِّرٍ في الأمْرِ مُلْتَبِسَةٍ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ.
والباءُ في بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الدُّعاءِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ مُبْهَمَةٌ، أيِ ادْعُهُ بِما
صفحة ٧٣
عَلَّمَكَ رَبُّكَ مِن وسائِلِ إجابَةِ دُعائِكَ عِنْدَ رَبِّكَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُوسى مَبْعُوثًا مِن رَبٍّ لَهُ بِناءً عَلى تَجْوِيزِهِمْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ.
وجُمْلَةُ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ طَلَبَهم مِن مُوسى الدُّعاءَ بِكَشْفِ الرِّجْزِ عَنْهم مَعَ سابِقِيَّةِ كُفْرِهِمْ بِهِ يُثِيرُ سُؤالَ مُوسى أنْ يَقُولَ: فَما الجَزاءُ عَلى ذَلِكَ.
واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. وجُمْلَةُ (لَنُؤْمِنَنَّ) جَوابُ القَسَمِ.
ووَعْدُهم بِالإيمانِ لِمُوسى وعْدٌ بِالإيمانِ بِأنَّهُ صادِقٌ في أنَّهُ مُرْسَلٌ مِن رَبِّ بَنِي إسْرائِيلَ لِيُخْرِجَهم مِن أرْضِ مِصْرَ، ولَيْسَ وعْدًا بِاتِّباعِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ في ذَلِكَ وزاعِمُونَ أنَّهُ ساحِرٌ يُرِيدُ إخْراجَ النّاسِ مِن أرْضِهِمْ ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الإيمانِ مُتَعَلِّقًا بِمُوسى لا باسِمِ اللَّهِ، وقَدْ جاءَ هَذا الوَعْدُ عَلى حَسَبِ ظَنِّهِمْ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ مُوسى هو رَبٌّ خاصٌّ بِهِ وبِقَوْمِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ وقَدْ وضَّحُوا مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ.
وجُمْلَةُ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ دالَّةٌ عَلى أنَّ مُوسى دَعا اللَّهَ بِرَفْعِ الطّاعُونِ فارْتَفَعَ وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في التَّوْراةِ، وحُذِفَ هُنا لِلْإيجازِ.
وقَوْلُهُ ”إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كَشَفْنا) بِاعْتِبارِ كَوْنِ كَشْفِ الرِّجْزِ إزالَةً لَلْمُوتانِ الَّذِي سَبَّبَهُ الطّاعُونُ، فَإزالَةٌ المُوتانِ مُغَيّاةٌ إلى أجَلٍ هم بالِغُونَ إلَيْهِ وهو الأجَلُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِهَلاكِهِمْ فالغايَةُ مَنظُورٌ فِيها إلى فِعْلِ الكَشْفِ لا إلى مَفْعُولِهِ، وهو الرِّجْزُ.
وجُمْلَةُ ”إذا هم يَنْكُثُونَ“ جَوابُ (لَمّا) و(إذا) رابِطَةٌ لِلْجَوابِ لِوُقُوعِ جَوابِ الشَّرْطِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، فَلَمّا كانَ (إذا) حَرْفًا يَدُلُّ عَلى مَعْنى المُفاجَأةِ كانَ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ فاجَئُوا بِالنَّكْثِ، أيْ: بادَرُوا بِهِ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ. وهَذا وصْفٌ لَهم بِإضْمارِ الكُفْرِ بِمُوسى وإضْمارِ النَّكْثِ لِلْيَمِينِ.
والنَّكْثُ حَقِيقَتُهُ نَقْضُ المَفْتُولِ مِن حَبْلٍ أوْ غَزْلٍ، قالَ - تَعالى - ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا واسْتُعِيرَ النَّكْثُ لِعَدَمِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، كَما اسْتُعِيرَ الحَبْلُ لِلْعَهْدِ في قَوْلِهِ - تَعالى - إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ فَفي قَوْلِهِ يَنْكُثُونَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ.
صفحة ٧٤
وهَذا النَّكْثُ هو أنَّ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ أذِنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ وخَرَجُوا مِن أرْضِ (جاسانَ) لَيْلًا قالَ لِفِرْعَوْنَ بَعْضُ خاصَّتِهِ: ماذا فَعَلْنا حَتّى أطْلَقْنا إسْرائِيلَ مِن خِدْمَتِنا فَنَدِمَ فِرْعَوْنُ وجَهَّزَ جَيْشًا لِلِالتِحاقِ بِبَنِي إسْرائِيلَ لِيَرُدُّوهم إلى مَنازِلِهِمْ كَما هو في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.
7:136Page 166
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٣٦
So We took retribution from them, and We drowned them in the sea because they denied Our signs and were heedless of them.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾
هَذا مَحَلُّ العِبْرَةِ مِنَ القِصَّةِ، فَهو مُفَرَّعٌ عَلَيْها تَفْرِيعَ النَّتِيجَةِ عَلى المُقَدِّماتِ والفَذْلَكَةِ عَلى القِصَّةِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ وصَفَ عِنادَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وتَكْذِيبَهم رِسالَةَ مُوسى واقْتِراحَهم عَلى مُوسى أنْ يَجِيءَ بِآيَةٍ ومُشاهَدَتَهم آيَةَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وتَغْيِيرَ لَوْنِ يَدِهِ، ورَمْيَهم مُوسى بِالسِّحْرِ، وسُوءَ المَقْصِدِ، ومُعارَضَةَ السَّحَرَةِ مُعْجِزَةَ مُوسى وتَغَلُّبَ مُوسى عَلَيْهِمْ، وكَيْفَ أخَذَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ بِمَصائِبَ جَعَلَها آياتٍ عَلى صِدْقِ مُوسى، وكَيْفَ كابَرُوا وعانَدُوا، حَتّى أُلْجِئُوا إلى أنْ وعَدُوا مُوسى بِالإيمانِ وتَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وعاهَدُوهُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ الرِّجْزَ نَكَثُوا، فَأخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ اسْتِئْصالُ المُسْتَكْبِرِينَ المُعانِدِينَ، وتَحْرِيرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ.
وذَلِكَ مَحَلُّ العِبْرَةِ، فَلِذَلِكَ كانَ المَوْقِعُ في عَطْفِهِ لِفاءِ التَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ، وقَدِ اتَّبَعَ في هَذا الخِتامِ الأُسْلُوبَ الَّتِي اخْتُتِمَتْ بِهِ القَصَصُ الَّتِي قَبْلَ هَذا.
والِانْتِقامُ افْتِعالٌ، وهو العُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ الشَّبِيهَةُ بِالنَّقْمِ، وهو غَضَبُ الحَنَقِ عَلى ذَنْبِ اعْتِداءٍ عَلى المُنْتَقِمِ يُنْكِرُ ويَكْرَهُ فاعِلَهُ.
وأصْلُ صِيغَةِ الِافْتِعالِ أنْ تَكُونَ لِمُطاوَعَةِ فِعْلِ المُتَعَدِّي بِحَيْثُ يَكُونُ فاعِلُ المُطاوَعَةِ هو مَفْعُولَ الفِعْلِ المُجَرَّدِ، ولَمْ يُسْمَعْ أنْ قالُوا نَقَمَهُ فانْتَقَمَ، أيْ أحْفَظَهُ وأغْضَبَهُ فَعاقَبَ، فَهَذِهِ المُطاوَعَةُ أُمِيتَ فِعْلُها المُجَرَّدُ، وعَدَّوْهُ إلى المُعاقَبِ بِمِنِ الِابْتِدائِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مَنشَأُ العُقُوبَةِ وسَبَبُها وأنَّهُ مُسْتَوْجِبُها، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المُجَرَّدِ مِن هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - آنِفًا وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا.
صفحة ٧٥
وكانَ إغْراقُهُمُ انْتِقامًا مِنَ اللَّهِ لِذاتِهِ لِأنَّهم جَحَدُوا انْفِرادَ اللَّهِ بِالإلاهِيَّةِ، أوْ جَحَدُوا إلاهِيَّتَهُ أصْلًا، وانْتِقامًا أيْضًا لِبَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ ظَلَمُوا بَنِي إسْرائِيلَ وأذَلُّوهم واسْتَعْبَدُوهم باطِلًا.
والإغْراقُ: الإلْقاءُ في الماءِ المُسْتَبْحِرِ الَّذِي يَغْمُرُ المُلْقى فَلا يَتْرُكُ لَهُ تَنَفُّسًا، وهو بَيانٌ لِلِانْتِقامِ وتَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِهِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ فَأغْرَقْناهم لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، وهو عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم.
وحَمَلَ صاحِبُ الكَشّافِ الفِعْلَ المَطْلُوبَ عَلَيْهِ هُنا عَلى مَعْنى العَزْمِ فَيَكُونُ المَعْنى: فَأرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم فَأغْرَقْناهم، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واليَمُّ: البَحْرُ والنَّهْرُ العَظِيمُ، قِيلَ هو كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ. وهو صَنِيعُ الكَشّافِ إذْ جَعَلَهُ مُشْتَقًّا مِنَ التَّيَمُّمِ؛ لِأنَّهُ يُقْصَدُ لِلْمُنْتَفِعِينَ بِهِ، وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مُعَرَّبٌ عَنِ السُّرْيانِيَّةِ وأصْلُهُ فِيها ”يَما“ وقالَ شَيْدَلَةُ: هو مِنَ القِبْطِيَّةِ، وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: هو مِنَ العِبْرِيَّةِ، ولَعَلَّهُ مَوْجُودٌ في هَذِهِ اللُّغاتِ. ولَعَلَّ أصْلَهُ عَرَبِيٌّ وأخَذَتْهُ لُغاتٌ أُخْرى سامِيَّةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ والمُرادُ بِهِ هُنا بَحْرُ القُلْزُمِ، المُسَمّى في التَّوْراةِ ”بَحْرَ سُوفَ“، وهو البَحْرُ الأحْمَرُ. وقَدْ أُطْلِقَ اليَمُّ عَلى نَهْرِ النِّيلِ في قَوْلِهِ - تَعالى - أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ وقَوْلِهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ، فالتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ (اليَمِّ) هُنا تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي المَعْرُوفُ بِتَعْرِيفِ الجِنْسِ عِنْدَ النُّحاةِ إذْ لَيْسَ في العِبْرَةِ اهْتِمامٌ بِبَحْرٍ مَخْصُوصٍ ولَكِنْ بِفَرْدٍ مِن هَذا النَّوْعِ.
وقَدْ أُغْرِقَ فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ في البَحْرِ الأحْمَرِ حِينَ لَحِقَ بَنِي إسْرائِيلَ يُرِيدُ صَدَّهم عَنِ الخُرُوجِ مِن أرْضِ مِصْرَ وتَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ في سُورَةِ يُونُسَ.
والباءُ في بِأنَّهم لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: أغْرَقْناهم جَزاءً عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ.
والغَفْلَةُ ذُهُولُ الذِّهْنِ عَنْ تَذَكُّرِ شَيْءٍ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى - وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وأُرِيدَ بِها التَّغافُلُ عَنْ عَمْدٍ وهو الإعْراضُ عَنِ التَّفَكُّرِ في الآياتِ، وإبايَةُ النَّظَرِ في دَلالَتِها عَلى صِدْقِ مُوسى، فَإطْلاقُ الغَفْلَةِ عَلى هَذا مَجازٌ،
صفحة ٧٦
وهَذا تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي العَرَبِ في إعْراضِهِمْ عَنِ التَّفَكُّرِ في صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، ودَلالَةِ مُعْجِزَةِ القُرْآنِ، فَلِذَلِكَ أُعِيدَ التَّصْرِيحُ بِتَسَبُّبِ الإعْراضِ في غَرَقِهِمْ مَعَ اسْتِفادَتِهِ مِنَ التَّفْرِيعِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ لِلِانْتِقالِ مِنَ القِصَّةِ إلى العِبْرَةِ.
وقَدْ صِيغَ الإخْبارُ عَنْ إعْراضِهِمْ بِصِيغَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الإعْراضَ ثابِتٌ لَهم، وراسِخٌ فِيهِمْ، وأنَّهُ هو عِلَّةُ التَّكْذِيبِ المَصُوغِ خَبَرُهُ بِصِيغَةِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِهِ عِنْدَ تَجَدُّدِ الآياتِ.
7:137Page 166
وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ ١٣٧
And We caused the people who had been oppressed to inherit the eastern regions of the land and the western ones, which We had blessed. And the good word [i.e., decree] of your Lord was fulfilled for the Children of Israel because of what they had patiently endured. And We destroyed [all] that Pharaoh and his people were producing and what they had been building.
﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾
عُطِفَ عَلى فانْتَقَمْنا مِنهم. والمَعْنى: فَأخَذْناهم بِالعِقابِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ وجازَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ.
وتَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى مَعْنى أوْرَثْنا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها والمُرادُ هُنا تَمْلِيكُ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ بَعْدَ أهْلِها مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كانَتْ تَمْلِكُها مِنَ الكَنْعانِيِّينَ وغَيْرِهِمْ. وقَدْ قِيلَ إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى بِلادِ الشّامِ، ولا حاجَةَ إلى هَذا إذْ لَيْسَ في الآيَةِ تَعْيِينُ المَوْرُوثِ عَنْهُ.
والقَوْمُ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ هم بَنُو إسْرائِيلَ كَما وقَعَ في الآيَةِ الأُخْرى كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ. وعُدِلَ عَنْ تَعْرِيفِهِمْ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى تَعْرِيفِهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِنُكْتَتَيْنِ: أُولاهُما الإيماءُ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ أنَّ اللَّهَ مَلَّكَهُمُ الأرْضَ وجَعَلَهم أُمَّةً حاكِمَةً جَزاءً لَهم عَلى ما صَبَرُوا عَلى الِاسْتِعْبادِ، غَيْرَةً مِنَ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ.
الثّانِيَةُ: التَّعْرِيضُ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّهم سَتَكُونُ لَهم عاقِبَةُ السُّلْطانِ كَما كانَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ، جَزاءً عَلى صَبْرِهِمْ عَلى الأذى في اللَّهِ، ونِذارَةُ المُشْرِكِينَ بِزَوالِ سُلْطانِ دِينِهِمْ.
ومَعْنى يُسْتَضْعَفُونَ: يُسْتَعْبَدُونَ ويُهانُونَ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْحُسْبانِ مِثْلَ اسْتَنْجَبَ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ كَما في اسْتَجابَ.
صفحة ٧٧
والمَشارِقُ والمَغارِبُ جَمْعٌ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الجِهاتِ؛ لِأنَّ الجِهَةَ أمْرٌ نِسْبِيٌّ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الأمْكِنَةِ المَفْرُوضَةِ، والمُرادُ بِهِما إحاطَةُ الأمْكِنَةِ.
و(الأرْضُ) أرْضُ الشّامِ وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ وهي تَبْتَدِئُ مِنَ السَّواحِلِ الشَّرْقِيَّةِ الشَّمالِيَّةِ لِلْبَحْرِ الأحْمَرِ وتَنْتَهِي إلى سَواحِلِ بَحْرِ الرُّومِ وهو البَحْرُ المُتَوَسِّطُ وإلى حُدُودِ العِراقِ وحُدُودِ بِلادِ العَرَبِ وحُدُودِ بِلادِ التُّرْكِ.
والَّتِي بارَكْنا فِيها صِفَةٌ لِلْأرْضِ أوْ لِمَشارِقِها ومَغارِبِها لِأنَّ ماصَدَقَيْهِما مُتَّحِدانِ، أيْ قَدَّرْنا لَها البَرَكَةَ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى البَرَكَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ في هَذِهِ السُّورَةِ أيْ أعَضْناهم عَنْ أرْضِ مِصْرَ الَّتِي أُخْرِجُوا مِنها أرْضًا هي خَيْرٌ مِن أرْضِ مِصْرَ.
* * *
﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ إلَخْ. . . والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ هو قَوْلُهُ بِما صَبَرُوا تَنْوِيهًا بِفَضِيلَةِ الصَّبْرِ وحُسْنِ عاقِبَتِهِ، وبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ عُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وإلّا فَإنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ تَشْمَلُ إيراثَهُمُ الأرْضَ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ فِيها، فَتَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ إلى آخِرِها مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ الَّذِي لا يُعْطَفُ، فَكانَ مُقْتَضى العَطْفِ هو قَوْلُهُ بِما صَبَرُوا.
و(كَلِمَةُ): هي القَوْلُ، وهو هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ اللَّفْظَ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُوسى في قَوْلِهِ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ أوْ عَلى لِسانِ إبْراهِيمَ وهي وعْدُ تَمْلِيكِهِمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، فَتَمامُ الكَلِمَةِ تَحَقُّقُ وعْدِها، شُبِّهَ تَحَقُّقُها بِالشَّيْءِ إذا اسْتَوْفى أجْزاءَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّها كَلِمَةُ اللَّهِ في عِلْمِهِ وقَدَرِهِ وهي إرادَةُ اللَّهِ إطْلاقَهم مِنَ اسْتِعْبادِ القِبْطِ وإرادَتُهُ تَمْلِيكَهُمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ كَقَوْلِهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ.
وتَمامُ الِكَلِمَةِ بِهَذا المَعْنى ظُهُورُ تَعَلُّقِها التَّنْجِيزِيِّ في
صفحة ٧٨
الخارِجِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ مُوسى يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا في سُورَةِ الأنْعامِ.
و(الحُسْنى): صِفَةٌ لِـ (كَلِمَةُ)، وهي صِفَةُ تَشْرِيفٍ كَما يُقالُ الأسْماءُ الحُسْنى، أيْ كَلِمَةُ رَبِّكَ المُنَزَّهَةُ عَنِ الخُلْفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُسْنَها لِبَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ كانَتْ سَيِّئَةً عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ العَدْلَ حَسَنٌ وإنْ كانَ فِيهِ إضْرارٌ بِالمَحْكُومِ عَلَيْهِ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ (رَبِّكَ) لِلنَّبِيءِ ﷺ، أُدْمِجَ في ذِكْرِ القِصَّةِ إشارَةً إلى أنَّ الَّذِي حَقَّقَ نَصْرَ مُوسى وأُمَّتِهِ عَلى عَدُوِّهِمْ هو رَبُّكَ فَسَيَنْصُرُكَ وأُمَّتَكَ عَلى عَدُوِّكم لِأنَّهُ ذَلِكَ الرَّبُّ الَّذِي نَصَرَ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ، وتِلْكَ سُنَّتُهُ وصُنْعُهُ، ولَيْسَ في الخِطابِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِاخْتِلافِ المُرادِ مِنَ الضَّمائِرِ.
وعُدِّيَ فِعْلُ التَّمامِ بِعَلى لِلْإشارَةِ إلى تَضْمِينِ (تَمَّتْ) مَعْنى الإنْعامِ، أوْ مَعْنى (حَقَّتْ) .
وباءُ ”بِما صَبَرُوا“ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ بِصَبْرِهِمْ عَلى الأذى في ذاتِ الإلَهِ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى فائِدَةِ الصَّبْرِ وأنَّ الصّابِرَ صائِرٌ إلى النَّصْرِ وتَحْقِيقِ الأمَلِ.
والتَّدْمِيرُ: التَّخْرِيبُ الشَّدِيدُ وهو مَصْدَرُ دَمَّرَ الشَّيْءَ إذا جَعَلَهُ دامِرًا لِلتَّعْدِيَةِ مُتَصَرِّفٌ مِنَ الدَّمارِ - بِفَتْحِ الدّالِّ - وهو مَصْدَرٌ قاصِرٌ. يُقالُ دَمَرَ القَوْمُ - بِفَتْحِ المِيمِ - يَدْمُرُونَ بِضَمِّ المِيمِ دَمارًا، إذا هَلَكُوا جَمِيعًا، فَهم دامِرُونَ. والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ التَّدْمِيرِ عَلى إهْلاكِ المَصْنُوعِ مَجازِيٌّ عَلاقَتُهُ الإطْلاقُ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ التَّدْمِيرَ حَقِيقَتُهُ إهْلاكُ الإنْسانِ.
و”ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ“: ما شادَهُ مِنَ المَصانِعِ، وإسْنادُ الصُّنْعِ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ الآمِرُ بِالصُّنْعِ، وأمّا إسْنادُهُ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَهو عَلى الحَقِيقَةِ العَقْلِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى القَوْمِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ فَرْدٍ عَلى وجْهِ التَّغْلِيبِ.
و(يَعْرِشُونَ) يُنْشِئُونَ مِنَ الجَنّاتِ ذاتِ العَرايِشِ. والعَرِيشُ: ما يُرْفَعُ مِن دَوالِي الكُرُومِ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى النَّخْلاتِ العَدِيدَةِ تُرَبّى في أصْلٍ واحِدٍ ولَعَلَّ جَنّاتِ القِبْطِ كانَتْ كَذَلِكَ كَما تَشْهَدُ بِهِ بَعْضُ الصُّوَرِ المَرْسُومَةِ عَلى هَياكِلِهِمْ نَقْشًا ودَهْنًا، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] في سُورَةِ الأنْعامِ
صفحة ٧٩
وفِعْلُهُ عَرَشَ - مِن بابَيْ ضَرَبَ ونَصَرَ - وبِالأوَّلِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ بِالثّانِي ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ خَرَّبَ دِيارَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ جَنّاتِهِمْ بِما ظَلَمُوا بِالإهْمالِ، أوْ بِالزِّلْزالِ، أوْ عَلى أيْدِي جُيُوشِ أعْدائِهِمُ الَّذِينَ مَلَكُوا مِصْرَ بَعْدَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يَعْرِشُونَ) بِمَعْنى يَرْفَعُونَ أيْ يَشِيدُونَ مِنَ البِناءِ مِثْلَ مَبانِي الأهْرامِ والهَياكِلِ وهو المُناسِبُ لِفِعْلِ (دَمَّرْنا)، شُبِّهَ البِناءُ المَرْفُوعُ بِالعَرْشِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يَعْرِشُونَ) اسْتِعارَةً لِقُوَّةِ المُلْكِ والدَّوْلَةِ ويَكُونَ دَمَّرْنا تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ.
وفِعْلُ (كانَ) في الصِّلَتَيْنِ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهُ وهِجِّيراهُ، أيْ ما عُنِيَ بِهِ مِنَ الصَّنائِعِ والجَنّاتِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في الخَبَرَيْنِ عَنْ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences