Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:181–186
7:181–183Page 174
وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٨١
And among those We created is a community1 which guides by truth and thereby establishes justice.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢
But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآيَةَ، والمَقْصُودُ: التَّنْوِيهُ بِالمُسْلِمِينَ في هَدْيِهِمْ واهْتِدائِهِمْ، وذَلِكَ مُقابَلَةٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ في ضَلالِهِمْ، أيْ أعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ فَإنَّ اللَّهَ أغْناكَ عَنْهم بِالمُسْلِمِينَ، فَماصَدَقُ الأُمَّةِ هُمُ المُسْلِمُونَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ كَما في قَوْلِ لَبِيَدٍ:
تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَهَـا أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
يُرِيدُ نَفْسَهُ فَإنَّها بَعْضُ النُّفُوسِ. رَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأ الآيَةَ ”هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها“» .
وقَوْلُهُ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] . وبَقِيَّةُ ألْفاظِ الآيَةِ عُرِفَ تَفْسِيرُها مِن نَظَرِهِ المُتَقَدِّمَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ١٩١
والَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ التَّكْذِيبِ بِالباءِ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنى الإنْكارِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والِاسْتِدْراجُ مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّرَجَةِ بِفَتْحَتَيْنِ وهي طَبَقَةٌ مِنَ البِناءِ مُرْتَفِعَةٌ مِنَ الأرْضِ بِقَدْرِ ما تَرْتَفِعُ الرِّجْلُ لِلِارْتِقاءِ مِنها إلى ما فَوْقَها تَيْسِيرًا لِلصُّعُودِ في مِثْلِ العُلُوِّ أوِ الصَّوْمَعَةِ أوِ البُرْجِ، وهي أيْضًا واحِدَةُ الأعْوادِ المَصْفُوفَةِ في السُّلَّمِ يُرْتَقى مِنها إلى الَّتِي فَوْقَها، وتُسَمّى هَذِهِ الدَّرَجَةُ مِرَقاةً، فالسِّينُ والتّاءُ في فِعْلِ الِاسْتِدْراجِ لِلطَّلَبِ، أيْ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَتَدَرَّجَ، أيْ صاعِدًا أوْ نازِلًا، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ القاصِدِ إبْدالَ حالِ أحَدٍ إلى غَيْرِها بِدُونِ إشْعارِهِ، بِحالِ مَن يَطْلُبُ مِن غَيْرِهِ أنْ يَنْزِلَ مِن دَرَجَةٍ إلى أُخْرى بِحَيْثُ يَنْتَهِي إلى المَكانِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ يَشْتَمِلُ عَلى تَشْبِيهاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ حُسْنِ الحالِ بِرِفْعَةِ المَكانِ وضِدُّهُ بِسَفالَةِ المَكانِ، والقَرِينَةُ تُعِينُ المَقْصُودَ مِنَ انْتِقالٍ إلى حالٍ أحْسَنَ أوْ أسْوَأ.
ومِمّا يُشِيرُ إلى مُراعاةِ هَذا التَّمْثِيلِ في الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولَمّا تَضَمَّنَ الِاسْتِدْراجُ مَعْنى الإيصالِ إلى المَقْصُودِ عُلِّقَ بِفِعْلِهِ مَجْرُورٌ بِمِنَ الِابْتِدائِيَّةِ أيْ مُبْتَدِئًا اسْتِدْراجَهم مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُفْضٍ بِهِمْ إلى المَبْلَغِ الضّارِّ، فَ حَيْثُ هُنا لِلْمَكانِ عَلى أصْلِها، أيْ مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُونَ ما يُفْضِي إلَيْهِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِدَلالَةِ الِاسْتِدْراجِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ لا يَعْلَمُونَ تَدَرُّجَهُ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ اسْتِدْراجٌ عَظِيمٌ لا يُظَنُّ بِالمَفْعُولِ بِهِ أنْ يَتَفَطَّنَ لَهُ.
والإمْلاءُ إفْعالٌ وهو الإمْهالُ، وهَمْزَةُ هَذا المَصْدَرِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، مُشْتَقٌ مِنَ المِلاوَةِ مُثَلَّثَةِ المِيمِ وهي مُدَّةُ الحَياةِ، يُقالُ أمَلاهُ ومَلّاهُ إذا أمْهَلَهُ وأخَّرَهُ، كِلاهُما بِالألِفِ دُونَ هَمْزٍ فَهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى عَمَّرَهُ، ولِذَلِكَ يُقالُ في الدُّعاءِ بِالحَياةِ: مَلّاكَ اللَّهُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لَهم هي اللّامُ الَّتِي تُسَمّى: لامُ التَّبْيِينِ، ولَها اسْتِعْمالاتٌ كَثِيرَةٌ فِيها خَفاءٌ ومَرْجِعُها: إلى أنَّها يُقْصَدُ مِنها تَبْيِينُ اتِّصالِ مَدْخُولِها بِعامِلِهِ لِخَفاءٍ في ذَلِكَ الِاتِّصالِ، فَإنَّ اشْتِقاقَ أمْلى مِنَ المَلْوِ اشْتِقاقٌ غَيْرُ مَكِينٍ لِأنَّ المُشْتَقَّ
صفحة ١٩٢
مِنهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الحَدَثِ فَلَمْ يَجِئْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ فاحْتِيجَ إلى اللّامِ لِتَبْيِينِ تَعَلُّقِ المَفْعُولِ بِفِعْلِهِ.
وأمّا قَوْلُهم أمْلى لِلْبَعِيرِ بِمَعْنى أطالَ لَهُ في طُولِهِ في المَرْعى فَهو جاءَ مِن هَذا المَعْنى بِضَرْبٍ مِنَ المَجازِ أوِ الِاسْتِعارَةِ.
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْجُمْلَتَيْنِ قَبْلَها، فَإنَّ الِاسْتِدْراجَ والإمْلاءَ ضَرْبٌ مِنَ الكَيْدِ، وكَيْدُ اللَّهِ مَتِينٌ أيْ قَوِيٌّ لا انْفِلاتَ مِنهُ لِلْمَكِيدِ.
ومَوْقِعُ إنَّ هُنا مَوْقِعُ التَّفْرِيعِ والتَّعْلِيلِ، كَما قالَ عَبْدُ القاهِرِ: إنَّها تُغْنِي في مِثْلِ هَذا المَوْقِعِ غِناءَ الفاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ: يَكُونُ ذَلِكَ الِاسْتِدْراجُ وذَلِكَ الإمْلاءُ بالِغَيْنِ ما أرَدْناهُ بِهِمْ لِأنَّ كَيَدِي قَوِيٌّ.
ولَمّا كانَ أُمْلِي مَعْطُوفًا عَلى سَنَسْتَدْرِجُهم، فَهو مُشارِكٌ لَهُ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِقْبالِ، أيْ: وسَأُمْلِي لَهم.
والمُغايَرَةُ بَيْنَ فِعْلَيْ نَسْتَدْرِجُ وأُمْلِي في كَوْنِ ثانِيهِما بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ، وأوَّلِهِما بِنُونِ العَظَمَةِ مُغايَرَةٌ اقْتَضَتْها الفَصاحَةُ مِن جِهَةِ ثِقَلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ حَرْفَيْنِ مُتَماثِلَيْنِ في النُّطْقِ في سَنَسْتَدْرِجُهم ولِلتَّفَنُّنِ والِاكْتِفاءِ بِحُصُولِ مَعْنى التَّعْظِيمِ الأوَّلِ.
والكَيْدُ لَمْ يُضْبَطْ تَحْدِيدُ مَعْناهُ في كُتُبِ اللُّغَةِ، وظاهِرُها أنَّهُ يُرادِفُ المَكْرَ والحِيلَةَ، وقالَ الرّاغِبُ ضَرْبٌ مِنَ الِاحْتِيالِ، وقَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا ومَمْدُوحًا وإنْ كانَ يُسْتَعْمَلُ في المَذْمُومِ أكْثَرَ وهو يَقْتَضِي أنَّ الكَيْدَ أخَصُّ مِن الِاحْتِيالِ وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُ غُلِبَ اسْتِعْمالُهُ في الِاحْتِيالِ عَلى تَحْصِيلٍ ما لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ المَكِيدُ لاحْتَرَزَ مِنهُ، فَهو احْتِيالٌ فِيهِ مَضِرَّةٌ ما عَلى المَفْعُولِ بِهِ، فَمُرادُ الرّاغِبِ بِالمَذْمُومِ المَذْمُومُ عِنْدَ المَكِيدِ لا في نَفْسِ الأمْرِ. وقالَ ابْنُ كَمال باشا: الكَيْدُ الأخْذُ عَلى خَفاءٍ ولا يُعْتَبَرُ فِيهِ إظْهارُ الكائِدِ خِلافَ ما يُبْطِنُهُ.
ويَتَحَصَّلُ مِن هَذِهِ التَّدْقِيقاتِ: أنَّ الكَيْدَ أخَصُّ مِنَ الحِيلَةِ ومِنَ الِاسْتِدْراجِ.
ووُقُوعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي أنَّ اسْتِدْراجَهم والإمْلاءُ لَهم كَيْدٌ، فَيُفِيدُ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ إلى ما يَكْرَهُونَهُ وتَأْجِيلٌ لَهم إلى حُلُولِ ما يَكْرَهُونَهُ
صفحة ١٩٣
لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ عَلى هَذا شامِلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مَعَ زِيادَةِ الوَصْفِ، المَتِينِ، ما لَوْ حُمِلَ الكَيْدُ عَلى مَعْنى الأخْذِ عَلى خَفاءٍ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إظْهارِ خِلافِ ما يُخْفِيهِ فَإنَّ جُمْلَةَ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ لا تُفِيدُ إلّا تَعْلِيلَ الِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ بِأنَّهُما مِن فِعْلِ مَن يَأْخُذُ عَلى خَفاءٍ دُونَ تَلْوِينِ أخْذِهِ بِما يَغُرُّ المَأْخُوذَ، فَكَأنَّهُ قالَ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ كائِدِينَ لَهم، إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ.
وإطْلاقُهُ هُنا جاءَ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الحالِ الَّتِي يَسْتَدْرِجُ اللَّهُ بِها المُكَذِّبِينَ مَعَ تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم إلى أمَدٍ هم بالِغُوهُ، بِحالِ مَن يُهَيِّئُ أخْذًا لِعَدُوِّهِ مَعَ إظْهارِ المُصانَعَةِ والمُحاسَنَةِ لِيَزِيدَ عَدُوَّهُ غُرُورًا، ولِيَكُونَ وُقُوعُ ضَرِّ الأخْذِ بِهِ أشَدَّ وأبْعَدَ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِتَلَقِّيهِ.
والمَتِينُ القَوِيُّ، وحَقِيقَتُهُ القَوِيُّ المَتْنِ أيِ الظَّهْرِ، لِأنَّ قُوَّةَ مَتْنِهِ تُمَكِّنُهُ مِنَ الأعْمالِ الشَّدِيدَةِ، ومَتْنُ كُلِّ شَيْءٍ عَمُودُهُ وما يَتَماسَكُ بِهِ.
7:184Page 174
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤
Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.
﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
لَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِالآياتِ مُنْبَعِثًا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ مَن جاءَ بِها، وناشِئًا عَنْ ظَنٍّ أنَّ آياتِ اللَّهِ لا يَجِيءُ بِها البَشَرُ وأنَّ مَن يَدَّعِي أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ مَجْنُونٌ، عَقَّبَ الإخْبارَ عَنِ المُكَذِّبِينَ، ووَعِيدَهم بِدَعْوَتِهِمْ لِلنَّظَرِ في حالِ الرَّسُولِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ كَما يَزْعُمُونَ.
واسْتِعْمالُ العَرَبِ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ مَعَ حُرُوفِ العَطْفِ المُشْرَكَةِ في الحُكْمِ اسْتِعْمالٌ عَجِيبٌ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهي ابْتِداءُ كَلامٍ في مُحاجَّتِهِمْ وتَنْبِيهِهِمْ بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم مُسْتَدْرَجُونَ ومُمْلًى لَهم.
الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ وما في قَوْلِهِ ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ نافِيَةٌ كَما يُؤْذِنُ بِهِ دُخُولُ مِن عَلى مَنفِيِّ ما لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ.
وفِعْلُ ”يَتَفَكَّرُوا“ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذَلِكَ بِما
صفحة ١٩٤
دَلَّ عَلَيْهِ النَّفْيُ في قَوْلِهِ ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ ألَمْ يَكُونُوا مِنَ المُفَكِّرِينَ أهْلَ النَّظَرِ، والفِعْلُ المُعَلَّقُ عَنِ العَمَلِ لا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ ولا مُتَعَلِّقٌ.
والمَقْصُودُ مِن تَعْلِيقِ الفِعْلِ هو الِانْتِقالُ مِن عِلْمِ الظّانِّ إلى تَحْقِيقِ الخَبَرِ المَظْنُونِ وجَعْلِهِ قَضِيَّةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَصِيرُ الكَلامُ بِمَنزِلَةِ خَبَرَيْنِ خَبَرٍ مِن جانِبِ الظّانِّ ونَحْوِهِ، وخَبَرٍ مِن جانِبٍ المُتَكَلِّمِ دَخَلَ في قِسْمِ الواقِعاتِ. فَنَحْوُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] هو في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: لَقَدْ عَلِمْتَ لا يَنْطِقُونَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ، أيْ ذَلِكَ عِلْمُكَ وهَذا عِلْمِي، وقَوْلُهُ هُنا ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ في قُوَّةِ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا، صاحِبُهم غَيْرُ مَجْنُونٍ، ما بِصاحِبِهِمْ مِن جَنَّةٍ. فَتَعْلِيقُ أفْعالِ القَلْبِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الإيجازِ، وأحْسَبُ هَذا هو الغَرَضُ مِن أُسْلُوبِ التَّعْلِيقِ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ عُلَماءُ المَعانِي، وأنَّ خَصائِصَ العَرَبِيَّةِ لا تَنْحَصِرُ.
و”الصّاحِبُ“ حَقِيقَتُهُ الَّذِي يُلازِمُ غَيْرَهُ في حالَةٍ مِن سَفَرٍ أوْ نَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩]، وسُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ صاحِبَةً، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الَّذِي لَهُ مَعَ غَيْرِهِ حادِثٌ عَظِيمٌ وخَبَرٌ، تَنْزِيلًا لِمُلازَمَةِ الذِّكْرِ مَنزِلَةَ مُلازَمَةِ الذّاتِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيِّ لِامْرَأتِهِ، أُمِّ مَعْبَدٍ، لَمّا أخْبَرَتْهُ بِدُخُولِ النَّبِيءِ ﷺ بَيْتَها في طَرِيقِ الهِجْرَةِ ووَصَفَتْ لَهُ هَدْيَهُ وبَرَكَتَهُ ”هَذا صاحِبُ قُرَيْشٍ“، وقَوْلُ الحَجّاجِ في بَعْضِ خُطَبِهِ لِأهْلٍ العِراقِ ”ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ رُمْتُمُ الغَدْرَ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ“ يُرِيدُ أنَّهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوهُ بِالأهْوازِ فَمَعْنى كَوْنِهِمْ أصْحابَهُ أنَّهُ كَثُرَ اشْتِغالُهُ بِهِمْ. وقَوْلُ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللَّهَبِيِّ:
كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُـونَـا
فَوَصْفُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ صاحِبُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ: هو بِمَعْنى الَّذِي اشْتَغَلُوا بِشَأْنِهِ ولَزِمُوا الخَوْضَ في أمْرِهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] .
والجِنَّةُ - بِكَسْرِ الجِيمِ - اسْمٌ لِلْجُنُونِ وهو الخَبالُ الَّذِي يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن أثَرِ مَسِّ الجِنِّ إيّاهُ في عُرْفِ النّاسِ، ولِذَلِكَ عُلِّقَتِ الجِنَّةُ بِفِعْلِ الكَوْنِ المُقَدَّرِ
صفحة ١٩٥
بِحَرْفِ الباءِ الدّالِّ عَلى المُلابَسَةِ. وإنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وعَجِبَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ التَّفَكُّرِ في شَأْنِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ غَيْرُ مَجْنُونٍ، رَدًّا عَلَيْهِمْ وصْفَهم إيّاهُ بِالجُنُونِ وقالُوا ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ﴿وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] .
وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجَوابِ سائِلٍ مِنهم يَقُولُ: فَماذا شَأْنُهُ، أوْ هي تَقْرِيرٌ لِحُكْمِ جُمْلَةِ ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ فَفُصِلَتْ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما المُغْنِي عَنِ العَطْفِ.
والنَّذِيرُ المُحَذِّرُ مِن شَيْءٍ يَضُرُّ، وأصْلُهُ الَّذِي يُخْبِرُ القَوْمَ بِقُدُومٍ عَدُوِّهِمْ، ومِنهُ المَثَلُ ”أنا النَّذِيرُ العُرْيانُ“ يُقالُ أنْذَرَ نِذارَةً بِكَسْرِ النُّونِ مِثْلَ بِشارَةٍ فَهو مُنْذِرٌ ونَذِيرٌ.
وهَذا مِمّا جاءَ فِيهِ فَعِيلٌ في مَوْضِعٍ مُفْعِلٍ، مِثْلَ الحَكِيمِ، بِمَعْنى المُحْكِمِ، وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ.
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ
أيِ المُسْمِعُ.
والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ إذا أوْضَحَ، ووُقُوعُ هَذا الوَصْفِ عَقِبَ الإخْبارِ بِنَذِيرٍ يَقْتَضِي أنَّهُ وصْفٌ لِلْخَبَرِ، فالمَعْنى أنَّهُ النَّذِيرُ المُبِينُ لِنِذارَتِهِ بِحَيْثُ لا يُغادِرُ شَكًّا في صِدْقِهِ ولا في تَصْوِيرِ الحالِ المُحَذَّرِ مِنها، فالغَرَضُ مِن إتْباعِ ”النَّذِيرِ“ بِوَصْفِ ”المُبِينِ“ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ لَمْ يَنْصاعُوا لِنِذارَتِهِ، ولَمْ يَأْخُذُوا حِذْرَهم مِن شَرٍّ ما حَذَّرَهم مِنهُ، وذَلِكَ يَقْطَعُ عُذْرَهم.
ويَجُوزُ جَعْلُ مُبِينٌ خَبَرًا ثانِيًا عَنْ ضَمِيرِ صاحِبِهِمْ، والمَعْنى أنَّهُ نَذِيرٌ وأنَّهُ مُبِينٌ فِيما يُبَلِّغُهُ مِن نِذارَةٍ وغَيْرِها.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ، وهو يَقْتَضِي انْحِصارَ أوْصافِ الرَّسُولِ ﷺ في النِّذارَةِ والبَيانِ، وذَلِكَ قَصْرٌ إضافِيٌّ، هو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ هو نَذِيرٌ مُبِينٌ لا مَجْنُونٌ كَما يَزْعُمُونَ، وفي هَذا اسْتِغْباءٌ أوْ تَسْفِيهٌ لَهم بِأنَّ حالَهُ لا يَلْتَبِسُ بِحالِ المَجْنُونِ لِلْبَوْنِ الواضِحِ بَيْنَ حالِ النِّذارَةِ البَيِّنَةِ وحالِ هَذَيانِ المَجْنُونِ. فَدَعْواهم جُنُونَهُ: إمّا غَباوَةٌ مِنهم بِحَيْثُ التَبَسَتْ عَلَيْهِمُ الحَقائِقُ المُتَمايِزَةُ،
صفحة ١٩٦
وإمّا مُكابَرَةٌ وعِنادٌ وافْتِراءٌ عَلى الرَّسُولِ.
7:185Page 174
أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥
Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?
﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
تَرَقٍّ في الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ في إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في حالِ رَسُولِهِمْ، إلى الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِيما هو أوْضَحُ مِن ذَلِكَ وأعَمُّ، وهو مَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ مِمّا هو آياتٌ مِن آياتِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ - تَعالى - الَّتِي دَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إلى الإيمانِ بِها. والمُناسَبَةُ بَيْنَ الكَلامَيْنِ: أنَّ دَعْوَةَ الرَّسُولِ إلى التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ هو مِن أكْبَرِ بَواعِثِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] .
وعُدِّيَ فِعْلُ ”النَّظَرِ“ إلى مُتَعَلِّقِهِ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ المُرادَ التَّأمُّلُ بِتَدَبُّرٍ وهو التَّفَكُّرُ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وتَقُولُ نَظَرْتُ في شَأْنِي، فَدَلَّ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ عَلى أنَّ هَذا التَّفَكُّرَ عَمِيقٌ مُتَغَلْغِلٌ في أصْنافِ المَوْجُوداتِ، وهي ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ.
والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ والأرْضِ بَيانِيَّةٌ أيِ المُلْكُ الَّذِي هو السَّماواتُ والأرْضُ أيْ مُلْكُ اللَّهِ لَهُما، فالمُرادُ السَّماءُ بِمَجْمُوعِها والأرْضُ بِمَجْمُوعِها الدّالَّيْنِ عَلى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ - تَعالى - .
وعَطَفَ ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ عَلى مَلَكُوتِ فَقَسَّمَ النَّظَرَ إلى نَظَرٍ في عَظِيمِ مُلْكِ اللَّهِ - تَعالى -، وإلى نَظَرٍ في مَخْلُوقاتِهِ ودَقائِقِ أحْوالِها الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ - تَعالى -، فالنَّظَرُ إلى عَظَمَةِ السَّماواتِ والأرْضِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ - تَعالى - فَهو الحَقِيقُ بِالإلَهِيَّةِ دُونَ غَيْرِهِ، والنَّظَرُ إلى المَخْلُوقاتِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ - تَعالى -، وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالصُّنْعِ فَهو الحَقِيقُ بِالإلَهِيَّةِ، فَلَوْ نَظَرُوا في ذَلِكَ نَظَرَ اعْتِبارٍ لَعَلِمُوا أنْ
صفحة ١٩٧
صانِعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَيْسَ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، فَلَزالَ إنْكارُهم دَعْوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى إبْطالِ الشِّرْكِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ .
و”أنْ“ هَذِهِ هي أنَّ المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ المُشَدَّدَةُ النُّونِ خُفِّفَتْ، فَكانَ اسْمُها ضَمِيرَ شَأْنٍ مُقَدَّرًا. وجُمْلَةُ: عَسى أنْ يَكُونَ إلَخْ خَبَرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.
و”أنْ“ الَّتِي بَعْدَ عَسى مَصْدَرِيَّةٌ هي الَّتِي تُزادُ بَعْدَ عَسى غالِبًا في الِاسْتِعْمالِ.
واسْمُ ”يَكُونَ“ ضَمِيرُ شَأْنٍ أيْضًا مَحْذُوفٌ لِأنَّ ما بَعْدَ ”يَكُونَ“ غَيْرُ صالِحٍ لِأنْ يُعْتَبَرَ اسْمًا لِكانَ، والمَعْنى ألَمْ يَنْظُرُوا في تَوَقُّعٍ قُرْبِ أجَلِهِمْ.
وصِيغَ الكَلامُ عَلى هَذا النَّظْمِ لِإفادَةِ تَهْوِيلِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ، بِجَعْلِ مُتَعَلِّقٍ النَّظَرِ مِن مَعْنى الإخْبارِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْطُرَ في النُّفُوسِ، وأنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ النّاسُ، وأنَّهُ قَدْ صارَ حَدِيثًا وخَبَرًا فَكَأنَّهُ أمْرٌ مُسَلَّمٌ مُقَرَّرٌ.
وهَذا مَوْقِعُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ حَيْثُما ورَدَ، ولِذَلِكَ يُسَمّى: ضَمِيرُ القِصَّةِ اعْتِدادًا بِأنَّ جُمْلَةَ خَبَرِهِ قَدْ صارَتْ شَيْئًا مُقَرَّرًا ومِمّا يَقُصُّهُ النّاسُ ويَتَحَدَّثُونَ بِهِ.
ومَعْنى النَّظَرِ في تَوَقُّعِ اقْتِرابِ الأجَلِ، التَّخَوُّفُ مِن ذَلِكَ.
والأجَلُ المُضافُ إلى ضَمِيرِ المُكَذِّبِينَ هو أجَلُ الأُمَّةِ لا أجَلُ الأفْرادِ، لِأنَّ الكَلامَ تَهْدِيدٌ بِأجَلٍ غَيْرِ مُتَعارَفٍ، نَبَّهَهم إلى التَّفَكُّرِ في تَوَقُّعِ حُلُولِ الِاسْتِئْصالِ بِهِمْ وإهْلاكِهِمْ كَما هَلَكَ المُكَذِّبُونَ مِن قَبْلِهِمْ، لِأنَّهم إذا تَفَكَّرُوا في أنَّ صاحِبَهم لَيْسَ بِمَجْنُونٍ حَصَلَ لَهُمُ العِلْمُ بِأنَّهُ مِنَ العُقَلاءِ فَما كانَ العاقِلُ بِالَّذِي يَحْدُثُ لِقَوْمِهِ حادِثًا عَظِيمًا مِثْلَ هَذا ويَحْدُثُ لِنَفْسِهِ عَناءً كَهَذا العَناءِ لِغَيْرِ أمْرٍ عَظِيمٍ جاءَ بِهِ، وما كانَ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ، وإذا نَظَرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ المَلِكُ الأعْظَمُ، وأنَّهُ خالِقُ المَخْلُوقاتِ، فَأيْقَنُوا بِأنَّهُ الإلَهُ الواحِدُ، فَآلَ ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وإبْطالِ مُعْتَقَدِهِمْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ أوْ آلَ في أقَلِّ الِاحْتِمالاتِ إلى الشَّكِّ في ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ أنْ يُفْضِيَ بِهِمْ إلى النَّظَرِ في تَوَقُّعِ مَصِيرٍ لَهم مِثْلِ ما صارَ إلَيْهِ المُكَذِّبُونَ مِن قَبْلِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأجَلِ مَجِيءَ السّاعَةِ، وانْقِراضَ هَذا العالَمِ، فَهو أجَلُهم
صفحة ١٩٨
وأجَلُ غَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ فَيَكُونُ تَخْوِيفًا مِن يَوْمِ الجَزاءِ.
ومِن بَدِيعِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ: أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ التَّبَصُّرُ والتَّفَكُّرُ في ثُبُوتِ الحَقائِقِ والنَّسَبِ في نَفْسِ الأمْرِ جِيءَ مَعَ فِعْلَيِ القَلْبِ بِصِيغَةِ القَضِيَّةِ والخَبَرِ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] وقَوْلِهِ ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ ولَمّا أُرِيدَ التَّبَصُّرُ والتَّفَكُّرُ في صِفاتِ الذّاتِ جُعِلَ فِعْلُ القَلْبِ مُتَعَلِّقًا بِأسْماءِ الذَّواتِ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ .
ثُمَّ فَرَّعَ عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ تَوْبِيخَهم والإنْكارَ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّعَجُّبِيِّ المُفِيدِ لِلِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَهو تَعْجِيبٌ مَشُوبٌ بِاسْتِبْعادٍ لِلْإيمانِ بِما أبْلَغَ إلَيْهِمُ اللَّهُ بِلِسانِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وما نَصَبَ لَهم مِنَ الآياتِ في أصْنافِ المَخْلُوقاتِ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَدْ بَلَغَ مُنْتَهى البَيانِ قَوْلًا ودَلالَةً بِحَيْثُ لا مَطْمَعَ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أدَلَّ مِنهُ.
و”أيْ“ هُنا اسْمٌ أُشْرِبَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ اسْمٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما يُضافُ هو إلَيْهِ، وهو اسْمٌ لِحِصَّةٍ مُتَمَيِّزَةٍ عَمّا يُشارِكُها في نَوْعٍ مِن جِنْسٍ أوْ صِفَةٍ، فَإذا أُشْرِبَ ”أيْ“ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ كانَ لِلسُّؤالِ عَنْ تَعْيِينِ مُشارِكٍ لِغَيْرِهِ في الوَصْفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما تُضافُ إلَيْهِ أيْ طَلَبًا لِتَعْيِينِهِ، فالمَسْئُولُ عَنْهُ بِها مُساوٍ لِمُماثِلٍ لَهُ مَعْرُوفٍ. فَقَوْلُهُ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ سُؤالٌ عَنِ الحَدِيثِ المَجْهُولِ المُماثِلِ لِلْحَدِيثِ المَعْرُوفِ بَيْنَ السّائِلِ والمَسْئُولِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى أيٍّ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٥] في سُورَةِ القَلَمِ.
والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الحَدِيثِ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ.
وحَقِيقَةُ الحَدِيثِ أنَّهُ الخَبَرُ والقِصَّةُ الحادِثَةُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الذاريات: ٢٤]، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الأمْرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَصِيرَ حَدِيثًا وهو أعَمُّ مِنَ المَعْنى الحَقِيقِيِّ.
”فالحَدِيثُ“ هُنا إنْ حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ جازَ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ بِمَعْنى بَعْدَ القُرْآنِ، أيْ بَعْدَ نُزُولِهِ، وجازَ أنْ يُرادَ بِهِ دَعْوى مُحَمَّدٍ ﷺ الرِّسالَةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ يُناسِبُ قَوْلَهُ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] .
صفحة ١٩٩
والباءُ في قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ عَلى هَذا باءُ التَّعْدِيَةِ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ ”يُؤْمِنُونَ“، وإنْ حُمِلَ عَلى المَجازِ شَمَلَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ مِن دَلائِلِ المَصْنُوعاتِ بِاعْتِبارِ أنَّها مِن شَأْنِها أنْ يَتَحَدَّثَ النّاسُ بِها كَما في قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦] فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ عائِدًا عَلى مَعْنى المَذْكُورِ أيْ ما ذُكِرَ مِن ﴿مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ وأُفْرِدَ الضَّمِيرُ لِتَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] في سُورَةِ النِّساءِ أيْ فَبِأيِّ شَيْءٍ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ما ذُكِرَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِدَلالَةِ ما ذُكِرَ ولَمْ يُؤْمِنُوا لَهُ فَلا يُرْجى مِنهم إيمانٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
والباءُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ يُؤْمِنُونَ. وبَعْدَ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى ”غَيْرَ“ لِأنَّ الظُّرُوفَ الدّالَّةَ عَلى المُباعَدَةِ والمُفارَقَةِ تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ المُغايِرِ. قالَ - تَعالى - ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وحَمْلُ بَعْدَ عَلى حَقِيقَتِها هُنا يُحْوِجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويُخْرِجُ الكَلامَ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.
7:186Page 174
مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦
Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.
﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ في قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، لِإفادَةِ أنَّ ضَلالَهم أمْرٌ قَدَّرَ اللَّهُ دَوامَهُ فَلا طَمَعَ لِأحَدٍ في هَدْيِهِمْ، ولَمّا كانَ هَذا الحُكْمُ حاقًّا عَلى مَنِ اتَّصَفَ بِالتَّكْذِيبِ، وعَدَمِ التَّفَكُّرِ في حالِ الرَّسُولِ ﷺ، وعَدَمِ النَّظَرِ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ، وفي تَوَقُّعِ اقْتِرابِ اسْتِئْصالِهِمْ، كانَ المَحْكُومُ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الِاهْتِداءِ فَرِيقًا غَيْرَ مَعْرُوفٍ لِلنّاسِ وإنَّما يَنْفَرِدُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ويُطْلِعُ عَلَيْهِ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ويَنْكَشِفُ بَعْضُ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلى الشِّرْكِ، وهَذِهِ هي المَسْألَةُ المُلَقَّبَةُ بِالمُوافاةِ عِنْدَ عُلَماءِ الكَلامِ.
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِمْرارِ ضَلالِهِمْ وانْتِفاءِ هَدْيِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ كَما وقَعَ في الماضِي.
وتَفْسِيرُ نَذَرُهم تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا﴾ [الأنعام: ٧٠]
صفحة ٢٠٠
فِي سُورَةِ الأنْعامِ وتَفْسِيرُ طُغْيانَ ويَعْمَهُونَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ،: ”نَذَرُهم“ بِالنُّونِ وبِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهُ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والجَزْمِ، عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ وهو جَوابُ الشَّرْطِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ: بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وبِالرَّفْعِ، والوَجْهُ ظاهِرٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences