Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:194–199
7:194Page 175
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤
Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allāh are servants [i.e., creations] like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.
﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في كَوْنِ المُخاطَبِ، بِقَوْلِهِ ”﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتْبَعُوكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٣]“ الآيَةَ النَّبِيءَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمِينَ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا انْتَقَلَ بِهِ إلى مُخاطَبَةِ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ صُدِّرَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُونَ مُساواةَ الأصْنامِ إيّاهم في العُبُودِيَّةِ، وفِيهِ الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ: الأصْنامُ، فَتَعْرِيفُها بِالمَوْصُولِ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في دُعائِهِمْ إيّاها مِن دُونِ اللَّهِ، في حِينٍ هي لَيْسَتْ أهْلًا لِذَلِكَ، فَهَذا المَوْصُولُ كالمَوْصُولِ في قَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ.
إنَّ الَّذِينَ تُرَوْنَهم إخْوانَكم يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا
ويَجِيءُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في الخِطابِ السّابِقِ: أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانًا وتَعْلِيلًا
صفحة ٢٢١
لِجُمْلَةِ ”﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتْبَعُوكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٣]“ أيْ لِأنَّهم عِبادٌ أيْ مَخْلُوقُونَ.
و”العَبْدُ“ أصْلُهُ المَمْلُوكُ، ضِدَّ الحُرِّ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقَدْ أُطْلِقَ في اللِّسانِ عَلى المَخْلُوقِ: كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمانِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] ولِذَلِكَ يُطْلَقُ العَبِيدُ عَلى النّاسِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَخْلُوقاتِ مِنَ الآدَمِيِّينَ فَيَكُونُ إطْلاقُ العِبادِ عَلى الأصْنامِ كَإطْلاقِ ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ عَلَيْها بِناءً عَلى الشّائِعِ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الإطْلاقِ، وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ إطْلاقَ تَهَكُّمٍ واسْتِهْزاءٍ بِالمُشْرِكِينَ، يَعْنِي أنَّ قُصارى أمْرِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ فَلَوْ بَلَغُوا تِلْكَ الحالَةَ لَما كانُوا إلّا مَخْلُوقِينَ مِثْلَكم، قالَ: ولِذَلِكَ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ ”﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥]“ إلى آخِرِهِ.
والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ إطْلاقُ العِبادِ عَلَيْهِمْ مَجازًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ رُوعِيَ في حُسْنِهِ المُشاكَلَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ لِأنَّهُ لَمّا ماثَلَهم بِالمُخاطَبِينَ في المَخْلُوقِيَّةِ وكانَ المُخاطَبُونَ عِبادَ اللَّهِ أطْلَقَ العِبادَ عَلى مُماثَلِيهِمْ مُشاكَلَةً.
وفَرَّعَ عَلى المُماثَلَةِ أمْرَ التَّعْجِيزِ بِقَوْلِهِ ”﴿فادْعُوهُمْ﴾“ فَإنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ بِاعْتِبارِ ما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمُ المُتَضَمِّنِ إجابَةَ الأصْنامِ إيّاهم، لِأنَّ نَفْسَ الدُّعاءِ مُمْكِنٌ ولَكِنَّ اسْتِجابَتَهُ لَهم لَيْسَتْ مُمْكِنَةً، فَإذا دَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم تَبَيَّنَ عَجْزُ الآلِهَةِ عَنِ الِاسْتِجابَةِ لَهم، وعَجْزُ المُشْرِكِينَ عَنْ تَحْصِيلِها مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى تَحْصِيلِها لِإنْهاضِ حُجَّتِهِمْ، فَآلَ ظُهُورُ عَجْزِ الأصْنامِ عَنْ الِاسْتِجابَةِ لِعِبادِها إلى إثْباتِ عَجْزِ المُشْرِكِينَ عَنْ نُهُوضِ حُجَّتِهِمْ لِتَلازُمِ العَجْزَيْنِ قالَ - تَعالى - ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] .
والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالدَّعْوَةِ المَأْمُورِ بِها الدَّعْوَةُ لِلنَّصْرِ والنَّجْدَةِ كَما قالَ ذاكَ المازِنِيُّ: إذا اسْتُنْجِدُوا لَمْ يَسْألُوا مَن دَعاهُمُ لِأيَّةِ حَرْبٍ أمْ بِأيِّ مَكانِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ أمْرَ التَّعْجِيزِ كِنايَةٌ عَنْ ثُبُوتِ عَجْزِ الأصْنامِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وعَجْزِ المُشْرِكِينَ عَنْ إظْهارِ دُعاءٍ لِلْأصْنامِ تَعْقُبُهُ الِاسْتِجابَةُ.
والأمْرُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ ”﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾“ أمْرَ تَعْجِيزٍ لِلْأصْنامِ، وهو أمْرُ الغائِبِ فَإنَّ طَرِيقَ أمْرِ الغائِبِ هو الأمْرُ.
صفحة ٢٢٢
ومَعْنى تَوْجِيهِ أمْرِ الغائِبِ السّامِعِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِأنْ يُبْلِغَ الأمْرَ لِلْغائِبِ.
وهَذا أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ عَجْزِ الأصْنامِ عَنْ الِاسْتِجابَةِ لِعَجْزِها عَنْ تَلَقِّي التَّبْلِيغِ مِن عَبَدَتِها.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”صادِقِينَ“ لِظُهُورِ السِّياقِ أيْ صادِقِينَ في نِسْبَةِ الآلِهَةِ لِلْأصْنامِ.
7:195Page 175
أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥
Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muḥammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.
﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾
تَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ قَبْلَها مِن أمْرِ التَّعْجِيزِ وثُبُوتِ العَجْزِ لِأنَّهُ إذا انْتَفَتْ عَنِ الأصْنامِ أسْبابُ الِاسْتِجابَةِ تَحَقَّقَ عَجْزُها عَنِ الإجابَةِ وتَأكَّدَ مَعْنى أمْرِ التَّعْجِيزِ المُكَنّى بِهِ عَنْ عَجْزِ الأصْنامِ وعَجْزِ عَبَدَتِها، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِانْتِفاءِ المُلْكِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ اللّامُ كالتَّقْدِيمِ في قَوْلِ حَسّانَ:
لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهى لِكِبارِها
ووَصْفُ الأرْجُلِ بِ يَمْشُونَ والأيْدِي بِ يَبْطِشُونَ والأعْيُنِ بِ يُبْصِرُونَ والآذانِ بِ يَسْمَعُونَ إمّا لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ العَجْزِ عَلَيْهِمْ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاصِرُ، وأمّا لِأنَّ بَعْضَ تِلْكَ الأصْنامِ كانَتْ مَجْعُولَةً عَلى صُوَرِ الآدَمِيِّينَ مِثْلَ هُبَلَ، وذِي الكَفَّيْنِ، وكُعَيْبٍ في صُوَرِ الرِّجالِ، ومِثْلَ سُواعٍ كانَ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، فَإذا كانَ لِأمْثالِ أُولَئِكَ صُوَرُ أرْجُلٍ وأيْدٍ وأعْيُنٍ وآذانٍ فَإنَّها عَدِيمَةُ العَمَلِ الَّذِي تَخْتَصُّ بِهِ الجَوارِحُ، فَلا يَطْمَعُ طامِعٌ في نَصْرِها، وخَصَّ الأرْجُلَ والأيْدِي والأعْيُنَ والآذانَ، لِأنَّها آلاتُ العِلْمِ والسَّعْيِ والدَّفْعِ لِلنَّصْرِ، ولِهَذا لَمْ يُذْكَرِ الألْسُنَ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ الِاسْتِجابَةَ مُرادٌ بِها النَّجْدَةُ والنُّصْرَةُ ولَمْ يَكُونُوا يَسْألُونَ عَنْ سَبَبِ الِاسْتِنْجادِ، ولَكِنَّهم يُسْرِعُونَ إلى الِالتِحاقِ بِالمُسْتَنْجِدِ.
والمَشْيُ انْتِقالُ الرِّجْلَيْنِ مِن مَوْضِعٍ انْتِقالًا مُتَوالِيًا.
والبَطْشُ الأخْذُ بِاليَدِ بِقُوَّةٍ، والإضْرارُ بِاليَدِ بِقُوَّةٍ، وقَدْ جاءَ مُضارِعُهُ بِالكَسْرِ والضَّمِّ عَلى الغالِبِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالكَسْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّ الطّاءِ، وهُما لُغَتانِ.
و”أمْ“ حَرْفٌ بِمَعْنى أوْ يَخْتَصُّ بِعَطْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي تَكُونُ مِثْلَ ”أوْ“ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ، ولِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الأشْياءِ، أوِ الإباحَةِ أيِ الجَمْعِ بَيْنَها، فَإذا وقَعَتْ
صفحة ٢٢٣
بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ المَطْلُوبُ بِها التَّعْيِينُ كانَتْ مِثْلَ ”أوْ“ الَّتِي لِلتَّخْيِيرِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] أيْ عَيِّنُوا أحَدَهُما. وإنْ وقَعَتْ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ كانَ بِمَعْنى ”أوِ“ الَّتِي لِلْإباحَةِ، وتُسَمّى، حِينَئِذٍ، مُنْقَطِعَةً ولِذَلِكَ يَقُولُونَ إنَّها بِمَعْنى بَلِ الِانْتِقالِيَّةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهي مُلازِمَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَكُلَّما وقَعَتْ في الكَلامِ قُدِّرَ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ، فالتَّقْدِيرُ هُنا، بَلْ ألَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها بَلْ ألَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها بَلْ ألَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها.
وتَرْتِيبُ هَذِهِ الجَوارِحِ الأرْبَعِ عَلى حَسَبِ ما في الآيَةِ مَلْحُوظٌ فِيهِ أهَمِّيَّتُها بِحَسْبَ الغَرَضِ، الَّذِي هو النَّصْرُ والنَّجْدَةُ، فَإنَّ الرِّجْلَيْنِ تُسْرِعانِ إلى الصَّرِيخِ قَبْلَ التَّأمُّلِ، واليَدَيْنِ تَعْمَلانِ عَمَلَ النَّصْرِ وهو الطَّعْنُ والضَّرْبُ، وأمّا الأعْيُنُ والآذانُ فَإنَّهُما وسِيلَتانِ لِذَلِكَ كُلِّهِ فَأُخِّرا، وإنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ الأعْيُنِ هُنا عَلى خِلافِ مُعْتادِ القُرْآنِ في تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ كَما سَبَقَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ التَّرْتِيبَ هُنا كانَ بِطَرِيقِ التَّرَقِّي.
* * *
﴿قُلُ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾
إذْنٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنْ يَتَحَدّاهم بِأنَّهم إنِ اسْتَطاعُوا اسْتَصْرَخُوا أصْنامَهم لِتَتَألَّبَ عَلى الكَيْدِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَعْنى ادْعُوا شُرَكاءَكم لِيَنْصُرُوكم عَلَيَّ فَتَسْتَرِيحُوا مِنِّي.
والكَيْدُ الإضْرارُ الواقِعُ في صُورَةِ عَدَمِ الإضْرارِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - آنِفًا ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] .
والأمْرُ والنَّهْيُ في قَوْلِهِ ﴿كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لِلتَّعْجِيزِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الأمْرِ بِالكَيْدِ، أيْ فَإذا تَمَكَّنْتُمْ مِن إضْرارِي فَأعْجِلُوا ولا تُؤَجِّلُونِي.
وفِي هَذا التَّحَدِّي تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ سَيَغْلِبُهم ويَنْتَصِرُ عَلَيْهِمْ ويَسْتَأْصِلُ آلِهَتَهم وقَدْ تَحَدّاهم بِأتَمِّ أحْوالِ النَّصْرِ وهي الِاسْتِنْصارُ بِأقْدَرِ المَوْجُوداتِ في اعْتِقادِهِمْ، وأنْ يَكُونَ الإضْرارُ بِهِ خَفِيًّا، وأنْ لا يَتَلَوَّمَ لَهُ ولا يَنْتَظِرَ، فَإذا لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِن ذَلِكَ كانَ انْتِفاؤُهُ أدَلَّ عَلى عَجْزِهِمْ وعَجْزِ آلِهَتِهِمْ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن ”كِيدُونِ“ في حالَتَيِ الوَقْفِ والوَصْلِ، في قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو، وأمّا ”تُنْظِرُونِ“ فَقَرَأهُ الجَمِيعُ: بِحَذْفِ الياءِ إلّا يَعْقُوبَ أثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا، وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ جِدُّ فَصِيحٍ.
7:196–197Page 176
إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦
Indeed, my protector is Allāh, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.
وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧
And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."
صفحة ٢٢٤
﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهْوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ هَذا مِنَ المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ، وفُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لِوُقُوعِها مَوْقِعَ العِلَّةِ لِمَضْمُونِ التَّحَدِّي في قَوْلِهِ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٥] الآيَةَ الَّذِي هو تَحَقُّقُ عَجْزِهِمْ عَنْ كَيْدِهِ، فَهَذا تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِتَألُّبِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِنْصارِهِمْ بِشُرَكائِهِمْ، ولِثِقَتِهِ بِأنَّهُ مُنْتَصِرٌ عَلَيْهِمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ والنَّهْيُ التَّعْجِيزِيّانِ. والتَّأْكِيدُ لِرَدِّ الإنْكارِ.
والوَلِيُّ النّاصِرُ والكافِي وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] .
وإجْراءُ الصِّفَةِ لِاسْمِ اللَّهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِن عَلاقاتِ الوِلايَةِ، فَإنَّ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ وهو أُمِّيٌّ دَلِيلُ اصْطِفائِهِ وتَوَلِّيهِ.
والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلْعَهْدِ، أيِ الكِتابُ الَّذِي عَهِدْتُمُوهُ وسَمِعْتُمُوهُ وعَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ وهو القُرْآنُ، أيِ المِقْدارُ الَّذِي نَزَلَ مِنهُ إلى حَدِّ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
ومَجِيءُ المُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ هَذا التَّوَلِّي وتَجَدُّدِهِ وأنَّهُ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ، فَكَما تَوَلّى النَّبِيءَ يَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ أيْضًا، وهَذِهِ بِشارَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ المُسْتَقِيمِينَ عَلى صِراطِ نَبِيِّهِمْ ﷺ بِأنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ كَما نَصَرَ نَبِيَّهُ وأوْلِياءَهُ.
والصّالِحُونَ هُمُ الَّذِينَ صَلُحَتْ أنْفُسُهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾، وسُلُوكُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في التَّعْبِيرِ عَنِ الأصْنامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خَطَأِ المُخاطَبِينَ في دُعائِهِمْ إيّاها مِن دُونِ اللَّهِ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِها لِلْعِبادَةِ، بِعَجْزِها عَنْ نَصْرِ أتْباعِها وعَنْ نَصْرِ أنْفُسِها. والقَوْلُ في ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا.
وأُعِيدَ لِأنَّهُ هُنا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وهُنالِكَ حِكايَةٌ عَنْهم لِلنَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ، وإبانَةُ المُضادَّةِ بَيْنَ شَأْنِ ولِيِّ المُؤْمِنِينَ وحالِ أوْلِياءِ المُشْرِكِينَ ولِيَكُونَ الدَّلِيلُ مُسْتَقِلًّا في المَوْضِعَيْنِ مَعَ ما يَحْصُلُ في تَكْرِيرِهِ مِن تَأْكِيدِ مَضْمُونِهِ.
7:198Page 176
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨
And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.
صفحة ٢٢٥
﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٧] الآيَةَ أيْ قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ: وإنْ تَدْعُوا الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا.
والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمُشْرِكِينَ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أيِ الأصْنامُ.
والهُدى عَلى هَذا الوَجْهِ ما فِيهِ رُشْدٌ ونَفْعٌ لِلْمَدْعُوِّ. وذِكْرُ ”إلى الهُدى“ لِتَحْقِيقِ عَدَمِ سَماعِ الأصْنامِ، وعَدَمِ إدْراكِها، لِأنَّ عَدَمَ سَماعِ دَعْوَةِ ما يَنْفَعُ لا يَكُونُ إلّا لِعَدَمِ الإدْراكِ.
ولِهَذا خُولِفَ بَيْنَ قَوْلِهِ هُنا لا يَسْمَعُوا وقَوْلِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ لا يَتْبَعُوكم لِأنَّ الأصْنامَ لا يَتَأتّى مِنها الِاتِّباعُ، إذْ لا يَتَأتّى مِنها المَشْيُ الحَقِيقِيُّ ولا المَجازِيُّ أيِ الِامْتِثالُ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ ”وتَراهم“ لِمَن يَصْلُحُ أنْ يُخاطَبَ فَهو مِن خِطابِ غَيْرِ المُعَيَّنِ. ومَعْنى ”يَنْظُرُونَ إلَيْكَ“ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ تَراهم كَأنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ، لِأنَّ صُوَرَ كَثِيرٍ مِنَ الأصْنامِ كانَ عَلى صُوَرِ الأناسِيِّ وقَدْ نَحَتُوا لَها أمْثالَ الحِدَقِ النّاظِرَةِ إلى الواقِفِ أمامَها. قالَ في الكَشّافِ ”لِأنَّهم صَوَّرُوا أصْنامَهم بِصُورَةِ مَن قَلَّبَ حَدَقَتَهُ إلى الشَّيْءِ يَنْظُرُ إلَيْهِ“ .
7:199Page 176
خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩
Take what is given freely,1 enjoin what is good, and turn away from the ignorant.
﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾
أشْبَعَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أفانِينِ قَوارِعِ المُشْرِكِينَ وعِظَتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وبَعَثَتْهم عَلى التَّأمُّلِ والنَّظَرِ في دَلائِلِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ وهُدى دِينِهِ وكِتابِهِ وفَضْحِ ضَلالِ المُشْرِكِينَ وفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ والتَّشْوِيهِ بِشُرَكائِهِمْ، وقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِتَسْجِيلٍ بِمُكابَرَتِهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِنهم كَيْفَ يَرْكَبُونَ رُءُوسَهم، وكَيْفَ يَنْأوْنَ بِجانِبِهِمْ، وكَيْفَ يُصِمُّونَ أسْماعَهم، ويُغْمِضُونَ أبْصارَهم عَمّا دُعُوا إلى سَماعِهِ وإلى النَّظَرِ فِيهِ، ونُظِرَتْ أحْوالُهم بِأحْوالِ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِن قَبْلِهِمْ،
صفحة ٢٢٦
وكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فَحَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ مِن أصْنافِ العَذابِ، وأنْذَرَ هَؤُلاءِ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، ثُمَّ أعْلَنَ بِاليَأْسِ مِنَ ارْعِوائِهِمْ، وبِانْتِظارِ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، وبِتَثْبِيتِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ وتَبْشِيرِهِمْ والثَّناءِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الهُدى، فَكانَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ عِبْرَةٌ لِلْمُتَبَصِّرِينَ، ومَسْلاةٌ لِلنَّبِيءِ ولِلْمُسْلِمِينَ، وتَنْوِيهٌ بِفَضْلِهِمْ. وإذْ قَدْ كانَ مِن شَأْنِ ذَلِكَ أنْ يُثِيرَ في أنْفُسِ المُسْلِمِينَ كَراهِيَةَ أهْلِ الشِّرْكِ، وتُحَفِّزَهم لِلِانْتِقامِ مِنهم ومُجافاتِهِمْ والإعْراضِ عَنْ دُعائِهِمْ إلى الخَيْرِ، لا جَرَمَ شَرَعَ في اسْتِئْنافِ غَرَضٍ جَدِيدٍ، يَكُونُ خِتامًا لِهَذا الخَوْضِ البَدِيعِ، وهو غَرَضُ أمْرِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِقِلَّةِ المُبالاةِ بِجَفاءِ المُشْرِكِينَ وصَلابَتِهِمْ، وبِأنْ يَسَعُوهم مِن عَفْوِهِمْ والدَّأْبِ عَلى مُحاوَلَةِ هَدْيِهِمْ والتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ”﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾“ الآياتِ.
والأخْذُ حَقِيقَتُهُ تَناوُلُ شَيْءٍ لِلِانْتِفاعِ بِهِ أوْ لِإضْرارِهِ، كَما يُقالُ: أخَذْتُ العَدُوَّ مِن تَلابِيبِهِ، ولِذَلِكَ يُقالُ في الأسِيرِ أخِيذٌ، ويُقالُ لِلْقَوْمِ إذا أُسِرُوا: أُخِذُوا، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا فاسْتُعِيرَ لِلتَّلَبُّسِ بِالوَصْفِ والفِعْلِ مِن بَيْنِ أفْعالٍ لَوْ شاءَ لَتَلَبَّسَ بِها، فَيُشَبِّهُ ذَلِكَ التَّلَبُّسَ واخْتِيارَهُ عَلى تَلَبُّسٍ آخَرَ بِأخْذِ شَيْءٍ مِن بَيْنِ عِدَّةِ أشْياءَ، فَمَعْنى خُذِ العَفْوَ: عامِلْ بِهِ واجْعَلْهُ وصْفًا ولا تَتَلَبَّسْ بِضِدِّهِ. وأحْسَبُ اسْتِعارَةَ الأخْذِ لِلْعَفْوِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، ولِذَلِكَ أُرَجِّحُ أنَّ البَيْتَ المَشْهُورَ وهو: خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِـي ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ هو لِأبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وأنَّهُ اتَّبَعَ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ، وأنَّ نِسْبَتَهُ إلى أسْماءَ بْنِ خارِجَةَ الفَزازِيِّ أوْ إلى حاتِمٍ الطّائِيِّ غَيْرُ صَحِيحَةٍ.
والعَفْوُ الصَّفْحُ عَنْ ذَنْبِ المُذْنِبِ وعَدَمُ مُؤاخَذَتِهِ بِذَنْبِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقَوْلِهِ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَعُمُّ العَفْوَ عَنِ المُشْرِكِينَ وعَدَمُ مُؤاخَذَتِهِمْ بِجَفائِهِمْ ومُساءَتِهِمُ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ عَمَّتِ الآيَةُ صُوَرَ العَفْوِ كُلَّها: لِأنَّ التَّعْرِيفَ في العَفْوِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَهو مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْراقِ إذا لَمْ يَصْلُحْ غَيْرُهُ مِن مَعْنى الحَقِيقَةِ والعَهْدِ، فَأمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِأنْ
صفحة ٢٢٧
يَعْفُوَ ويَصْفَحَ وذَلِكَ بِعَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِجَفائِهِمْ وسُوءِ خُلُقِهِمْ، فَلا يُعاقِبُهم ولا يُقابِلُهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ كَما قالَ - تَعالى - ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ولا يَخْرُجُ عَنْ هَذا العُمُومِ مِن أنْواعِ العَفْوِ أزْمانِهِ وأحْوالِهِ إلّا ما أخْرَجَتْهُ الأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مِثْلَ العَفْوِ عَنِ القاتِلِ غِيلَةً، ومِثْلَ العَفْوِ عَنِ انْتِهاكِ حُرُماتِ اللَّهِ، والرَّسُولُ أعْلَمُ بِمِقْدارِ ما يَخُصُّ مِن هَذا العُمُومِ وقَدْ يُبَيِّنُهُ الكِتابُ والسُّنَّةُ، وأُلْحِقَ بِهِ ما يُقاسُ عَلى ذَلِكَ المُبَيَّنِ، وفي قَوْلِهِ ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ ضابِطٌ عَظِيمٌ لِمِقْدارِ تَخْصِيصِ الأمْرِ بِالعَفْوِ.
ثُمَّ العَفْوُ عَنِ المُشْرِكِينَ المَقْصُودُ هُنا أسْبَقُ أفْرادِ هَذا العُمُومِ إلى الذِّهْنِ مِن بَقِيَّتِها، ولَمْ يَفْهَمِ السَّلَفُ مِنَ الآيَةِ غَيْرَ العُمُومِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ المَدِينَةَ فَنَزَلَ عَلى ابْنِ أخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وكانَ الحُرُّ بْنُ قَيْسٍ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وكانَ القُرّاءُ أصْحابَ مَجالِسِ عُمَرَ ومُشاوَرَتِهِ، فَقالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أخِيهِ: لَكَ وجْهٌ عِنْدَ هَذا الأمِيرِ فاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ الحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ: ”هِيهِ يا ابْنَ الخَطّابِ ما تُعْطِينا الجَزْلَ، ولا تَحْكُمُ بَيْنَنا بِالعَدْلِ“ فَغَضِبَ عُمَرُ حَتّى هَمَّ أنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقالَ لَهُ الحُرُّ: ”يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ اللَّهَ قالَ لِنَبِيِّهِ خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ وإنَّ هَذا مِنَ الجاهِلِينَ، واللَّهِ ما جاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاها عَلَيْهِ وكانَ وقّافًا عِنْدَ كِتابِ اللَّهِ. وفِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ:“ ما أنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا في أخْلاقِ النّاسِ ”ومَن قالَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتْها آياتُ القِتالِ فَقَدْ وهِمَ: لِأنَّ العَفْوَ بابٌ آخَرَ، وأمّا القِتالُ فَلَهُ أسْبابُهُ، ولَعَلَّهُ أرادَ مِنَ النَّسْخِ ما يَشْمَلُ مَعْنى البَيانِ أوِ التَّخْصِيصِ في اصْطِلاحِ أُصُولِ الفِقْهِ.
والعُرْفُ اسْمٌ مُرادِفٌ لِلْمَعْرُوفِ مِنَ الأعْمالِ وهو الفِعْلُ الَّذِي تَعْرِفُهُ النُّفُوسُ أيْ لا تُنْكِرُهُ إذا خُلِّيَتْ وشَأْنَها بِدُونِ غَرَضٍ لَها في ضِدِّهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى مُرادِفَتِهِ لِلْمَعْرُوفِ قَوْلُ النّابِغَةِ: فَلا النُّكْرُ مَعْرُوفٌ ولا العُرْفُ ضائِعُ
فَقابَلَ النُّكْرَ بِالعُرْفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٢٢٨
والأمْرُ يَشْمَلُ النَّهْيَ عَنِ الضِّدِّ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ أمْرٌ بِالمَعْرُوفِ، والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ نَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، فالِاجْتِزاءُ بِالأمْرِ بِالعُرْفِ عَنِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مِنَ الإيجازِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى الأمْرِ بِالعُرْفِ هُنا: لِأنَّهُ الأهَمُّ في دَعْوَةِ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُ يَدْعُوهم إلى أُصُولِ المَعْرُوفِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «حِينَ أرْسَلَهُ إلى أهْلِ اليَمَنِ» فانْهُ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ثُمَّ قالَ: فَإنْ هم طاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأخْبِرْهم أنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ ولَوْ كانَتْ دَعْوَةُ المُشْرِكِينَ مُبْتَدَأةً بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لَنَفَرُوا ولَمَلَّ الدّاعِي لِأنَّ المَناكِيرَ غالِبَةٌ عَلَيْهِمْ ومُحْدِقَةٌ بِهِمْ. ويَدْخُلُ في الأمْرِ بِالعُرْفِ الِاتِّسامُ بِهِ والتَّخَلُّقُ بِخُلُقِهِ: لِأنَّ شَأْنَ الآمِرِ بِشَيْءٍ أنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِمِثْلِهِ، وإلّا فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلِاسْتِخْفافِ، عَلى أنَّ الآمِرَ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ فَيَأْمُرُها كَما قالَ أبُو الأسْوَدِ:
يا أيُّها الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيْرَهُ ∗∗∗ هَلّا لِنَفْسِكَ كانَ ذا التَّعْلِيمُ
عَلى أنَّ خِطابَ القُرْآنِ النّاسَ بِأنْ يَأْمُرُوا بِشَيْءٍ يُعْتَبَرُ أمْرًا لِلْمُخاطَبِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وهي المَسْألَةُ المُتَرْجَمَةُ في أُصُولِ الفِقْهِ بِأنَّ الأمْرَ بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ هو أمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ.
والتَّعْرِيفُ في العُرْفِ كالتَّعْرِيفِ في العَفْوِ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ الأمْرِ لِإفادَةِ عُمُومِ المَأْمُورِينَ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ، أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يَأْمُرَ النّاسَ كُلَّهم بِكُلِّ خَيْرٍ وصَلاحٍ فَيَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ المُشْرِكُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِأنَّهم سَبَبُ الأمْرِ بِهَذا العُمُومِ، أيْ لا يَصُدَّنَّكَ إعْراضُهم عَنْ إعادَةِ إرْشادِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم.
والإعْراضُ: إدارَةُ الوَجْهِ عَنِ النَّظَرِ لِلشَّيْءِ، مُشْتَقٌّ مِنَ العارِضِ وهو الخَدُّ، فَإنَّ الَّذِي يَلْتَفِتُ لا يَنْظُرُ إلى الشَّيْءِ، وقَدْ فُسِّرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِما يَسُوءُ مِن أحَدٍ، شَبَّهَ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ عَلى العَمَلِ بِعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِ في كَوْنِهِ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُ العَلَمِ بِهِ لِأنَّ شَأْنَ العِلْمِ بِهِ أنْ تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ المُؤاخَذَةُ.
و“ الجَهْلُ ”هُنا ضِدُّ الحِلْمِ والرُّشْدِ، وهو أشْهَرُ إطْلاقِ الجَهْلِ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ الإسْلامِ، فالمُرادُ بِالجاهِلِينَ السُّفَهاءُ كُلُّهم لِأنَّ التَّعْرِيفَ فِيهِ لِلِاسْتِغْراقِ، وأعْظَمُ
صفحة ٢٢٩
الجَهْلِ هو الإشْراكُ، إذِ اتِّخاذُ الحَجَرِ إلَهًا سَفاهَةٌ لا تَعْدِلُها سَفاهَةٌ، ثُمَّ يَشْمَلُ كُلَّ سَفِيهِ رَأْيٍ. وكَذَلِكَ، فَهِمَ مِنها الحُرُّ بْنُ قَيْسٍ في الخَبَرِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا وأقَرَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى ذَلِكَ الفَهْمِ.
وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَكارِمَ الأخْلاقِ لِأنَّ فَضائِلَ الأخْلاقِ لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ عَفْوًا عَنِ اعْتِداءٍ فَتَدْخُلُ في خُذِ العَفْوَ، أوْ إغْضاءً عَمّا لا يُلائِمُ فَتَدْخُلُ في وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ، أوْ فِعْلَ خَيْرٍ واتِّسامًا بِفَضِيلَةٍ فَتَدْخُلُ في ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ كَما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ أمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ:“ في هَذِهِ الآيَةِ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِنها، وهي صالِحَةٌ لِأنْ يُبَيِّنَ بَعْضُها بَعْضًا، فَإنَّ الأمْرَ بِأخْذِ العَفْوِ يَتَقَيَّدُ بِوُجُوبِ الأمْرِ بِالعُرْفِ، وذَلِكَ في كُلِّ ما لا يَقْبَلُ العَفْوَ والمُسامَحَةَ مِنَ الحُقُوقِ، وكَذَلِكَ الأمْرُ بِالعُرْفِ يَتَقَيَّدُ بِأخْذِ العَفْوِ وذَلِكَ بِأنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلى الخَيْرِ بِلِينٍ ورِفْقٍ " .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences