Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:24–26
7:24Page 153
قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤
[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾
صفحة ٦٨
طَوى القُرْآنُ هُنا ذِكْرَ التَّوْبَةِ عَلى آدَمَ: لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ التَّذْكِيرُ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ وتَحْذِيرُ النّاسِ مِنَ اتِّباعِ وسْوَسَتِهِ، وإظْهارُ ما يُعْقِبُهُ اتِّباعُهُ مِنَ الخُسْرانِ والفَسادِ، ومَقامُ هَذِهِ المَوْعِظَةِ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنْ ذِكْرِ التَّوْبَةِ لِلِاقْتِصارِ عَلى أسْبابِ الخَسارَةِ، وقَدْ ذُكِرَتِ التَّوْبَةُ في آيَةِ البَقَرَةِ المَقْصُودِ مِنها بَيانُ فَضْلِ آدَمَ وكَرامَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ.
والخِطابُ لِآدَمَ وزَوْجِهِ وإبْلِيسَ.
والأمْرُ تَكْوِينِيٌّ، وبِهِ صارَ آدَمُ وزَوْجُهُ وإبْلِيسُ مِن سُكّانِ الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ: اهْبِطُوا المَرْفُوعِ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ فَهَذِهِ الحالُ أيْضًا تُفِيدُ مَعْنًى تَكْوِينِيًّا وهو مُقارَنَةُ العَداوَةِ بَيْنَهم لِوُجُودِهِما في الأرْضِ، وهَذا التَّكْوِينُ تَأكَّدَتْ بِهِ العَداوَةُ الجِبِلِّيَّةُ السّابِقَةُ فَرَسَخَتْ وزادَتْ، والمُرادُ بِالبَعْضِ البَعْضُ المُخالِفُ في الجِنْسِ، فَأحَدُ البَعْضَيْنِ هو آدَمُ وزَوْجُهُ، والبَعْضُ الآخَرُ هو إبْلِيسُ، وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ العَداوَةُ تَكْوِينِيَّةً بَيْنَ أصْلَيِ الجِنْسَيْنِ، كانَتْ مَوْرُوثَةً في نَسْلَيْهِما، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُ بَنِي آدَمَ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ لَهم ولِأصْلِهِمْ لِيَتَّهِمُوا كُلَّ وسْوَسَةٍ تَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِهِ، وقَدْ نَشَأتْ هَذِهِ العَداوَةُ عَنْ حَسَدِ إبْلِيسَ، ثُمَّ سَرَتْ وتَشَجَّرَتْ فَصارَتْ عَداوَةً تامَّةً في سائِرِ نَواحِي الوُجُودِ، فَهي مُنْبَثَّةٌ في التَّفْكِيرِ والجَسَدِ، ومُقْتَضِيَةٌ تَمامَ التَّنافُرِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
وإذْ قَدْ كانَتْ نُفُوسُ الشَّياطِينِ داعِيَةً إلى الشَّرِّ بِالجِبِلَّةِ تَعَيَّنَ أنَّ عَقْلَ الإنْسانِ مُنْصَرِفٌ بِجِبِلَّتِهِ إلى الخَيْرِ، ولَكِنَّهُ مُعْرِضٌ لِوَسْوَسَةِ الشَّياطِينِ، فَيَقَعُ في شُذُوذٍ عَنْ أصْلِ فِطْرَتِهِ، وفي هَذا ما يَكُونُ مِفْتاحًا لِمَعْنى كَوْنِ النّاسِ يُولَدُونَ عَلى الفِطْرَةِ، وكَوْنِ الإسْلامِ دِينَ الفِطْرَةِ، وكَوْنِ الأصْلِ في النّاسِ الخَيْرَ. أمّا كَوْنُ الأصْلِ في النّاسِ العَدالَةَ أوِ الجَرْحِ فَذَلِكَ مَنظُورٌ فِيهِ إلى خَشْيَةِ الوُقُوعِ في الشُّذُوذِ، مِن حَيْثُ لا يَدْرِي الحاكِمُ ولا الرّاوِي، لِأنَّ أحْوالَ الوُقُوعِ في ذَلِكَ الشُّذُوذِ مُبْهَمَةٌ فَوَجَبَ التَّبَصُّرُ في جَمِيعِ الأحْوالِ.
صفحة ٦٩
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ عَلى جُمْلَةِ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ .
والمُسْتَقَرُّ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ والِاسْتِقْرارُ هو المُكْثُ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وقَوْلِهِ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمُرادُ بِهِ الوُجُودُ أيْ وُجُودُ نَوْعِ الإنْسانِ وبِخَصائِصِهِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الدَّفْنَ كَما فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِأنَّ قَوْلَهُ ”ومَتاعٌ“ يَصُدُّ عَنْ ذَلِكَ ولِأنَّ الشَّياطِينَ والجِنَّ لا يُدْفَنُونَ في الأرْضِ.
والمَتاعُ والتَّمَتُّعُ: نَيْلُ المَلَذّاتِ والمَرْغُوباتِ غَيْرِ الدّائِمَةِ، ويُطْلَقُ المَتاعُ عَلى ما يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الأشْياءِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
والحِينُ المُدَّةُ مِنَ الزَّمَنِ، طَوِيلَةً أوْ قَصِيرَةً، وقَدْ نُكِّرَ هُنا ولَمْ يُحَدَّدْ لِاخْتِلافِ مِقْدارِهِ بِاخْتِلافِ الأجْناسِ والأفْرادِ، والمُرادُ بِهِ زَمَنُ الحَياةِ الَّتِي تُخَوِّلُ صاحِبَها إدْراكَ اللَّذّاتِ، وفِيهِ يَحْصُلُ بَقاءُ اللَّذّاتِ غَيْرُ مُتَفَرِّقَةٍ ولا مُتَلاشِيَةٍ ولا مَعْدُومَةٍ، وهَذا الزَّمَنُ المُقارِنُ لِحالَةِ الحَياةِ والإدْراكِ هو المُسَمّى بِالأجَلِ، أيِ المُدَّةِ الَّتِي يَبْلُغُ إلَيْها الحَيُّ بِحَياتِهِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ، فَإذا انْتَهى الأجَلُ وانْعَدَمَتِ الحَياةُ انْقَطَعَ المُسْتَقَرُّ والمَتاعُ، وهَذا إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ بِما قَدَّرَهُ لِلنَّوْعَيْنِ، ولَيْسَ فِيهِ امْتِنانٌ ولا تَنْكِيلٌ بِهِمْ.
7:25Page 153
قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥
He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."
﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾
أُعِيدَ فِعْلُ القَوْلِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِعاطِفٍ، ولا مُسْتَغْنًى عَنْ فِعْلِ القَوْلِ بِواوِ عَطْفٍ، مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًا، والغَرَضِ مُتَّحِدًا، خُرُوجًا عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ في مِثْلِهِ هو العَطْفُ، وقَدْ أهْمَلَ تَوْجِيهَ تَرْكِ العَطْفِ جُمْهُورُ الحُذّاقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، ولَعَلَّهُ رَأى ذَلِكَ أُسْلُوبًا مِن أسالِيبِ الحِكايَةِ، وأوَّلُ مَن رَأيْتُهُ حاوَلَ تَوْجِيهَ تَرْكِ العَطْفِ هو الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ التُّونُسِيُّ في إمْلاءاتِ التَّفْسِيرِ المَرْوِيَّةِ
صفحة ٧٠
عَنْهُ، فَإنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٤٠] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] إذْ جَعَلَ وجْهَ إعادَةِ لَفْظِ قالَ هو ما بَيْنَ المَقالَيْنِ مِنَ البَوْنِ، فالأوَّلُ راجِعٌ إلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِبُطْلانِ عِبادَةِ الأصْنامِ في ذاتِهِ، والثّانِي إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِهِ، وقَدْ ذَكَرَ مَعْناهُ الخَفاجِيُّ عِنْدَ الكَلامِ عَلى الآيَةِ الآتِيَةِ بَعْدَ هَذِهِ، ولَمْ يَنْسُبْهُ إلى ابْنِ عَرَفَةَ فَلَعَلَّهُ مِن تَوارُدِ الخَواطِرِ؛ وقالَ أبُو السُّعُودِ: إعادَةُ القَوْلِ إمّا لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ﴾ وإمّا لِلْإيذانِ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ بَيْنَ القَوْلَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ﴾ [الحجر: ٥٧] إثْرَ قَوْلِهِ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ [الحجر: ٥٦] فَإنَّ الخَلِيلَ خاطَبَ المَلائِكَةَ أوَّلًا بِغَيْرِ عُنْوانِ كَوْنِهِمْ مُرْسَلِينَ، ثُمَّ خاطَبَهم بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ مُرْسَلِينَ عِنْدَ تَبَيُّنِ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ”﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ [الحجر: ٥٧]“، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] فَإنَّهُ قالَ قَوْلَهُ الثّانِيَ بَعْدَ الإنْظارِ المُتَرَتَّبِ عَلى اسْتِنْظارِهِ الَّذِي لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ اكْتِفاءً بِما ذَكَرَ في مَواضِعَ أُخْرى، هَذا حاصِلُ كَلامِهِ في مَواضِعَ، والتَّوْجِيهُ الثّانِي مَرْدُودٌ إذْ لا يَلْزَمُ في حِكايَةِ الأقْوالِ الإحاطَةُ ولا الِاتِّصالُ.
والَّذِي أراهُ أنَّ هَذا لَيْسَ أُسْلُوبًا في حِكايَةِ القَوْلِ يَتَخَيَّرُ فِيهِ البَلِيغُ، وأنَّهُ مُساوٍ لِلْعَطْفِ بِثُمَّ، ولِلْجَمْعِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ وإعادَةِ فِعْلِ القَوْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [الأعراف: ٣٩] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨]، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ تَوْجِيهُ إعادَةِ فِعْلِ القَوْلِ، وكَوْنِهِ مُسْتَأْنَفًا: إنَّهُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، إيذانًا بِتَغَيُّرِ الخِطابِ بَأنْ يَكُونَ بَيْنَ الخِطابَيْنِ تَخالُفٌ ما فالمُخاطَبُ بِالأوَّلِ آدَمُ وزَوْجُهُ والشَّيْطانُ، والمُخاطَبُ الثّانِي آدَمُ وزَوْجُهُ وأبْناؤُهُما، فَإنْ كانَ هَذا الخِطابُ قَبْلَ حُدُوثِ الذُّرِّيَّةِ لَهُما كَما هو ظاهِرُ السِّياقِ فَهو خِطابٌ لَهُما بِإشْعارِهِما أنَّهُما أبَوا خَلْقٍ كَثِيرٍ:
صفحة ٧١
كُلُّهم هَذا حالُهم، وهو مِن تَغْلِيبِ المَوْجُودِ عَلى مَن لَمْ يُوجَدْ، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ بَعْدَ وُجُودِ الذُّرِّيَّةِ لَهُما فَوَجْهُ الفَصْلِ أظْهَرُ وأجْدَرُ، والقَرِينَةُ عَلى أنَّ إبْلِيسَ غَيْرُ داخِلٍ في الخِطابِ هو قَوْلُهُ: ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ لِأنَّ الإخْراجَ مِنَ الأرْضِ يَقْتَضِي سَبْقَ الدُّخُولِ في باطِنِها، وذَلِكَ هو الدَّفْنُ بَعْدَ المَوْتِ، والشَّياطِينُ لا يُدْفَنُونَ. وقَدْ أمْهَلَ اللَّهُ إبْلِيسَ بِالحَياةِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهو يُحْشَرُ حِينَئِذٍ أوْ يَمُوتُ ويُبْعَثُ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وقَدْ جُعِلَ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ وسِيلَةً لِلتَّخَلُّصِ إلى تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى بَنِي آدَمَ عَقِبَ هَذا. وقَدْ دَلَّ جَمْعُ الضَّمِيرِ عَلى كَلامٍ مَطْوِيٍّ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ: وهو أنَّ آدَمَ وزَوْجَهُ اسْتَقَرّا في الأرْضِ، وتَظْهَرَ لَهُما ذُرِّيَّةٌ، وأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهم بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ الإعْلامِ الإلَهِيِّ بِأنَّ الأرْضَ قَرارُهم، ومِنها مَبْعَثُهم، يَشْمَلُ هَذا الحُكْمُ المَوْجُودِينَ مِنهم يَوْمَ الخِطابِ والَّذِينَ سَيُوجَدُونَ مِن بَعْدُ.
وقَدْ يُجْعَلُ سَبَبُ تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ القَوْلَيْنِ بِأنَّ القَوْلَ السّابِقَ قَوْلُ مُخاطَبَةٍ، والقَوْلَ الَّذِي بَعْدَهُ قَوْلُ تَقْدِيرٍ وقَضاءٍ أيْ قَدَّرَ اللَّهُ تَحْيَوْنَ فِيها وتَمُوتُونَ فِيها وتُخْرَجُونَ مِنها.
وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ عَلى مُتَعَلِّقاتِها لِلِاهْتِمامِ بِالأرْضِ الَّتِي جُعِلَ فِيها قَرارُهم ومَتاعُهم، إذْ كانَتْ هي مَقَرُّ جَمِيعِ أحْوالِهِمْ.
وقَدْ جُعِلَ هَذا التَّقْدِيمُ وسِيلَةً إلى مُراعاةِ النَّظِيرِ، إذْ جُعِلَتِ الأرْضُ جامِعَةً لِهاتِهِ الأحْوالِ. فالأرْضُ واحِدَةٌ وقَدْ تُداوَلَتْ فِيها أحْوالُ سُكّانِها المُتَخالِفَةُ تَخالُفًا بَعِيدًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُخْرَجُونَ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ: بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.
7:26Page 153
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦
O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allāh that perhaps they will remember.
﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسَ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
صفحة ٧٢
إذا جَرَيْنا عَلى ظاهِرِ التَّفاسِيرِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ الآيَةَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، عادَ بِهِ الخِطابُ إلى سائِرِ النّاسِ الَّذِينَ خُوطِبُوا في أوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] الآياتِ وهم أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ السُّورَةِ إبْطالُ ما كانَ عَلَيْهِ مُشْرِكُو العَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ وتَوابِعِهِ مِن أحْوالِ دِينِهِمُ الجاهِلِيِّ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] اسْتِطْرادًا بِذِكْرِ مَنِّهِ عَلَيْهِمْ وهم يَكْفُرُونَ بِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فَخاطَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَقْصُودَةِ في السُّورَةِ، فَهَذِهِ الآيَةُ كالمُقَدِّمَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي يَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ووُقُوعُها في أثْناءِ آياتِ التَّحْذِيرِ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ جَعَلَها بِمَنزِلَةِ الِاسْتِطْرادِ بَيْنَ تِلْكَ الآياتِ وإنْ كانَتْ هي مِنَ الغَرَضِ الأصْلِيِّ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ وما أشْبَهَهُ مِمّا افْتُتِحَ بِقَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ أرْبَعَ مَرّاتٍ، مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ [الأعراف: ٢٥] فَيَكُونُ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بَنِي آدَمَ في ابْتِداءِ عَهْدِهِمْ بِعُمْرانِ الأرْضِ عَلى لِسانِ أبِيهِمْ، أوْ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ الإعْلامِ الإلَهِيِّ، ولَوْ بِالإلْهامِ، لِما تَنْشَأُ بِهِ في نُفُوسِهِمْ هَذِهِ الحَقائِقُ، فابْتَدَأ فَأعْلَمَهم بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ أنْ أنْزَلَ لَهم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِهِمْ، ويَتَجَمَّلُونَ بِهِ بِمُناسَبَةِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن تَعَرِّي أبَوَيْهِمْ حِينَ بَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما، ثُمَّ بِتَحْذِيرِهِمْ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ وفِتْنَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] ثُمَّ بِأنْ أمَرَهم بِأخْذِ اللِّباسِ وهو زِينَةُ الإنْسانِ عِنْدَ مَواقِعِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، ثُمَّ بِأنْ أخَذَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُصَدِّقُوا الرُّسُلَ ويَنْتَفِعُوا بِهَدْيِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] الآيَةَ، واسْتَطْرَدَ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَواعِظَ تَنْفَعُ الَّذِينَ قُصَدُوا مِن هَذا القَصَصِ، وهُمُ المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ
صفحة ٧٣
كَيْفَما تَفَنَّنَتْ أسالِيبُهُ وتَناسَقَ نَظْمُهُ، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الخِطاباتِ أوْ مِن حِكايَتِها هم مُشْرِكُو العَرَبِ ومُكَذِّبُو مُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ تَخَلَّلَتْ هَذِهِ الخِطاباتِ مُسْتَطْرِداتٌ وتَعْرِيضاتٌ مُناسِبَةٌ لِما وضَعَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ التَّكاذِيبِ في نَقْضِ أمْرِ الفِطْرَةِ.
والجُمَلُ الثَّلاثُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ وقَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] مُتَّصِلَةٌ تَمامَ الِاتِّصالِ بِقِصَّةِ فِتْنَةِ الشَّيْطانِ لِآدَمَ وزَوْجِهِ، أوْ مُتَّصِلَةٌ بِالقَوْلِ المَحْكِيِّ بِجُمْلَةِ: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ [الأعراف: ٢٥] عَلى طَرِيقَةِ تَعْدادِ المَقُولِ تَعْدادًا يُشْبِهُ التَّكْرِيرَ.
وهَذا الخِطابُ يَشْمَلُ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، ولَكِنَّ الحَظَّ الأوْفَرَ مِنهُ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ حَظَّ المُؤْمِنِينَ مِنهُ هو الشُّكْرُ عَلى يَقِينِهِمْ بِأنَّهم مُوافِقُونَ في شُئُونِهِمْ لِمَرْضاةِ رَبِّهِمْ، وأمّا حَظُّ المُشْرِكِينَ فَهو الإنْذارُ بِأنَّهم كافِرُونَ بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ، مُعَرَّضُونَ لِسَخَطِهِ وعِقابِهِ.
وابْتُدِئَ الخِطابُ بِالنِّداءِ لِيَقَعَ إقْبالُهم عَلى ما بَعْدَهُ بِشَراشِرِ قُلُوبِهِمْ، وكانَ لِاخْتِيارِ اسْتِحْضارِهِمْ عِنْدَ الخِطابِ بِعُنْوانِ بَنِي آدَمَ مَرَّتَيْنِ وقْعٌ عَجِيبٌ، بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ وما لَقِيَهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، وذَلِكَ أنَّ شَأْنَ الذُّرِّيَّةِ أنْ تَثْأرَ لِآبائِها، وتُعادِيَ عَدُوَّهم، وتَحْتَرِسَ مِنَ الوُقُوعِ في شَرَكِهِ.
ولَمّا كانَ إلْهامُ اللَّهِ آدَمَ أنْ يَسْتُرَ نَفْسَهُ بِوَرَقِ الجَنَّةِ مِنَّةً عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَلَّدَها بَنُوهُ، خُوطِبَ النّاسُ بِشُمُولِ هَذِهِ المِنَّةِ لَهم بِعُنْوانٍ يَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَّةٌ مَوْرُوثَةٌ، وهي أوْقَعُ وأدْعى لِلشُّكْرِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ تَيْسِيرُ اللِّباسِ لَهم وإلْهامُهم إيّاهُ إنْزالًا، لِقَصْدِ تَشْرِيفِ هَذا المَظْهَرِ، وهو أوَّلُ مَظاهِرِ الحَضارَةِ، بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلى النّاسِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ لِأنَّ الَّذِي كانَ مِنهُ عَلى آدَمَ نَزَلَ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ الَّتِي هو فِيها، فَكانَ لَهُ في مَعْنى الإنْزالِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ،
صفحة ٧٤
عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الإلْهامِ إلى اسْتِعْمالِهِ بِتَسْخِيرٍ إلَهِيٍّ، مَعَ ما فِيهِ مِن عَظِيمِ الجَدْوى عَلى النّاسِ والنَّفْعِ لَهم، يُحَسِّنُ اسْتِعارَةَ فِعْلِ الإنْزالِ إلَيْهِ، تَشْرِيفًا لِشَأْنِهِ، وشارَكَهُ في هَذا المَعْنى ما يَكُونُ مِنَ المُلْهَماتِ عَظِيمَ النَّفْعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] أيْ أنْزَلْنا الإلْهامَ إلى اسْتِعْمالِهِ والدِّفاعِ بِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] أيْ: خَلَقَها لَكم في الأرْضِ بِتَدْبِيرِهِ، وعَلَّمَكُمُ اسْتِخْدامَها والِانْتِفاعَ بِما فِيها، ولا يَطَّرِدُ في جَمِيعِ ما أُلْهِمَ إلَيْهِ البَشَرُ مِمّا هو دُونَ هَذِهِ في الجَدْوى، وقَدْ كانَ ذَلِكَ اللِّباسُ الَّذِي نَزَلَ بِهِ آدَمُ هو أصْلُ اللِّباسِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ البَشَرُ.
وهَذا تَنْبِيهٌ إلى أنَّ اللِّباسَ مِن أصْلِ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ، والفِطْرَةُ أوَّلُ أُصُولِ الإسْلامِ، وأنَّهُ مِمّا كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ النَّوْعَ مُنْذُ ظُهُورِهِ في الأرْضِ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ جَعَلُوا مِن قُرْبانِهِمْ نَزْعَ لِباسِهِمْ بِأنْ يَحُجُّوا عُراةً كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] فَخالَفُوا الفِطْرَةَ، وقَدْ كانَ الأُمَمُ يَحْتَفِلُونَ في أعْيادِ أدْيانِهِمْ بِأحْسَنِ اللِّباسِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأهْلِ مِصْرَ: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩] .
واللِّباسُ اسْمٌ لِما يَلْبَسُهُ الإنْسانُ أيْ يَسْتُرُ بِهِ جُزْءًا مِن جَسَدِهِ، فالقَمِيصُ لِباسٌ، والإزارُ لِباسٌ، والعِمامَةُ لِباسٌ، ويُقالُ لَبِسَ التّاجَ ولَبِسَ الخاتَمَ قالَ تَعالى: ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢] ومَصْدَرُ لَبِسَ اللُّبْسُ - بِضَمِّ اللّامِ - .
وجُمْلَةُ: ﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ صِفَةٌ لِـ لِباسًا، وهو صِنْفُ اللِّباسِ اللّازِمِ، وهَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةُ مَدْحِ اللِّباسِ أيْ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ وإنْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ اللِّباسِ لَيْسَ لِمُواراةِ السَّوْآتِ مِثْلَ العِمامَةِ والبُرْدِ والقَباءِ وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ المُغَلَّظَةِ، وهي السَّوْأةُ، وأمّا سَتْرُ ما عَداها مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلَيْهِ، وقَدْ ثَبَتَ بَعْضُهُ بِالسُّنَّةِ، وبَعْضُهُ بِالقِياسِ والخَوْضِ في تَفاصِيلِها وعِلَلِها مِن مَسائِلِ الفِقْهِ.
صفحة ٧٥
والرِّيشُ لِباسُ الزِّينَةِ الزّائِدِ عَلى ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ، وهو مُسْتَعارٌ مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ زِينَتُهُ، ويُقالُ لِلِباسِ الزِّينَةِ رِياشٌ.
وعَطْفُ رِيشًا عَلى: ﴿لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ عَطْفُ صِنْفٍ عَلى صِنْفٍ، والمَعْنى يَسَّرْنا لَكم لِباسًا يَسْتُرُكم ولِباسًا تَتَزَيَّنُونَ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولِباسَ التَّقْوى﴾ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى لِباسًا فَيَكُونُ مِنَ اللِّباسِ المُنَزَّلِ أيِ المُلْهَمِ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّهُ لِباسُ حَقِيقَةٍ أيْ شَيْءٌ يُلْبَسُ، والتَّقْوى، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، مَصْدَرٌ بِمَعْنى الوِقايَةِ، فالمُرادُ: لَبُوسُ الحَرْبِ، مِنَ الدُّرُوعِ والجَواشِنِ والمَغافِرِ. فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] . والإشارَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ المُفْرَدِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، وهو اللِّباسُ بِأصْنافِهِ الثَّلاثَةِ، أيْ خَيْرٌ أعْطاهُ اللَّهُ بَنِي آدَمَ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن لِباسًا وما عُطِفَ عَلَيْهِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ: بِرَفْعِ: ﴿لِباسُ التَّقْوى﴾ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِلِباسِ التَّقْوى مِثْلَ ما يَرِدُ بِهِ في قِراءَةِ النَّصْبِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالتَّقْوى تَقْوى اللَّهِ وخَشْيَتِهِ، وأُطْلِقَ عَلَيْها اللِّباسُ إمّا بِتَخْيِيلِ التَّقْوى بِلِباسٍ يُلْبَسُ، وإمّا بِتَشْبِيهِ مُلازَمَةِ تَقْوى اللَّهِ بِمُلازَمَةِ اللّابِسِ لِباسَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] مَعَ ما يُحَسِّنُ هَذا الإطْلاقَ مِنَ المُشاكَلَةِ.
وهَذا المَعْنى الرَّفْعُ ألْيَقُ بِهِ. ويَكُونُ اسْتِطْرادًا لِلتَّحْرِيضِ عَلى تَقْوى اللَّهِ، فَإنَّها خَيْرٌ لِلنّاسِ مِن مَنافِعِ الزِّينَةِ، واسْمُ الإشارَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِتَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ عَلى قِراءَةِ: ﴿ولِباسَ التَّقْوى﴾ بِالنَّصْبِ بِأنِ اسْتَأْنَفَ بَعْدَ الِامْتِنانِ بِأصْنافِ اللِّباسِ، اسْتِئْنافَيْنِ يُؤْذِنانِ بِعَظِيمِ النِّعْمَةِ: الأوَّلُ بِأنَّ اللِّباسَ خَيْرٌ لِلنّاسِ، والثّانِي بِأنَّ اللِّباسَ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ ولُطْفِهِ، وتَدُلُّ عَلى
صفحة ٧٦
وُجُودِهِ، وفِيها آيَةٌ أُخْرى وهي الدَّلالَةُ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ سَتَكُونَ أُمَّةٌ يَغْلِبُ عَلَيْها الضَّلالُ فَيَكُونُونَ في حَجِّهِمْ عُراةً، فَلِذَلِكَ أكَّدَ الوِصايَةَ بِهِ. والمُشارُ إلَيْهِ بِالإشارَةِ الَّتِي في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، عَيْنُ المُشارِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ الَّتِي في الجُمْلَةِ الأوْلى ولِلِاهْتِمامِ بِكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ جُعِلَتِ الثّانِيَةُ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ.
وعَلى قِراءَةِ رَفْعِ: ﴿ولِباسَ التَّقْوى﴾ تَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافًا واحِدًا، والإشارَةُ الَّتِي في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ عائِدَةٌ إلى المَذْكُورِ قَبْلُ مِن أصْنافِ اللِّباسِ حَتّى المَجازِيِّ عَلى تَفْسِيرِ لِباسِ التَّقْوى بِالمَجازِيِّ.
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ التِفاتٌ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ آيَةً لَعَلَّكم تَتَذَكَّرُونَ عَظِيمَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وانْفِرادِهِ بِالخَلْقِ والتَّقْدِيرِ واللُّطْفِ، وفي هَذا الِالتِفاتِ تَعْرِيضٌ بِمَن لَمْ يَتَذَكَّرْ مِن بَنِي آدَمَ فَكَأنَّهُ غائِبٌ عَنْ حَضْرَةِ الخِطابِ، عَلى أنَّ ضَمائِرَ الغَيْبَةِ، في مِثْلِ هَذا المَقامِ في القُرْآنِ، كَثِيرًا ما يُقْصَدُ بِها مُشْرِكُو العَرَبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences