Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:27–28

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:27–28

7:27Page 153

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾

أُعِيدَ خِطابُ بَنِي آدَمَ، فَهَذا النِّداءُ تَكْمِلَةٌ لِلْآيِ قَبْلَهُ، بُنِيَ عَلى التَّحْذِيرِ مِن مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ إلى إظْهارِ كَيْدِهِ لِلنّاسِ مِنِ ابْتِداءِ خَلْقِهِمْ، إذْ كادَ لِأصْلِهِمْ.

والنِّداءُ بِعُنْوانِ بَنِي آدَمَ: لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ في الآيَةِ قَبْلَها، مَعَ زِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِمِنَّةِ اللِّباسِ تَوْكِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِحَماقَةِ الَّذِينَ يَحُجُّونَ عُراةً.

صفحة ٧٧

وقَدْ نُهُوا عَنْ أنْ يَفْتِنَهُمُ الشَّيْطانُ، وفُتُونُ الشَّيْطانِ حُصُولُ آثارِ وسْوَسَتِهِ، أيْ لا تُمَكِّنُوا الشَّيْطانَ مِن أنْ يَفْتِنَكم، والمَعْنى النَّهْيُ عَنْ طاعَتِهِ، وهَذا مِن مُبالَغَةِ النَّهْيِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا: أيْ لا تَفْعَلَنَّ فَأعْرِفُ فِعْلَكَ، وقَوْلُهم: لا أرَيَنَّكَ هُنا: أيْ لا تَحْضُرَنَّ هُنا فَأراكَ، فالمَعْنى لا تُطِيعُوا الشَّيْطانَ في فِتَنِهِ فَيَفْتِنَكم ومِثْلُ هَذا كِنايَةٌ عَنِ النَّهْيِ عَنْ فِعْلٍ والنَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِأسْبابِهِ.

وشُبِّهَ الفُتُونُ الصّادِرُ مِنَ الشَّيْطانِ لِلنّاسِ بِفَتْنِهِ آدَمَ وزَوْجَهُ إذْ أقْدَمَهُما عَلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَأخْرَجَهُما مِن نَعِيمٍ كانا فِيهِ، تَذْكِيرًا لِلْبَشَرِ بِأعْظَمِ فِتْنَةٍ فَتَنَ الشَّيْطانُ بِها نَوْعَهم، وشَمَلَتْ كُلَّ أحَدٍ مِنَ النَّوْعِ، إذْ حُرِمَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي كانَ يَتَحَقَّقُ لَهُ لَوْ بَقِيَ أبَواهُ في الجَنَّةِ وتَناسَلا فِيها، وفي ذَلِكَ أيْضًا تَذْكِيرٌ بِأنَّ عَداوَةَ البَشَرِ لِلشَّيْطانِ مَوْرُوثَةٌ، فَيَكُونُ أبْعَثَ لَهم عَلى الحَذَرِ مِن كَيْدِهِ.

و”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِيَفْتِنَنَّكُمُ، والتَّقْدِيرُ: فُتُونًا كَإخْراجِهِ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ، فَإنَّ إخْراجَهُ إيّاهُما مِنَ الجَنَّةِ فُتُونٌ عَظِيمٌ يُشَبَّهُ بِهِ فُتُونُ الشَّيْطانِ حِينَ يُرادُ تَقْرِيبُ مَعْناهُ لِلْبَشَرِ وتَخْوِيفُهم مِنهُ.

والأبَوانِ تَثْنِيَةُ الأبِ، والمُرادُ بِهِما الأبُ والأُمُّ عَلى التَّغْلِيبِ، وهو تَغْلِيبٌ شائِعٌ في الكَلامِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ولِأبَوَيْهِ في سُورَةِ النِّساءِ. وأُطْلِقَ الأبُ هُنا عَنِ الجَدِّ لِأنَّهُ أبٌ أعْلى، كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» .

وجُمْلَةُ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ في مَوْضِعِ الحالِ المُقارِنَةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في: أخْرَجَ أوْ مِن: أبَوَيْكم والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ هَيْئَةِ الإخْراجِ بِكَوْنِها حاصِلَةً في حالِ انْكِشافِ سَوْآتِهِما لِأنَّ انْكِشافَ السَّوْءَةِ

صفحة ٧٨

مِن أعْظَمِ الفَظائِعِ والفَضائِحِ في مُتَعارَفِ النّاسِ.

والتَّعْبِيرُ عَمّا مَضى بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ مِن تَمَكُّنِهِ مِن أنْ يَتْرُكَهُما عُرْيانَيْنِ.

واللِّباسُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وهو لِباسٌ جَلَّلَهُما اللَّهُ بِهِ في تِلْكَ الجَنَّةِ يَحْجُبُ سَوْآتِهِما، كَما رُوِيَ أنَّهُ حِجابٌ مِن نُورٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كَقِشْرِ الأظْفارِ وهي رِواياتٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، والأظْهَرُ أنَّ نَزْعَ اللِّباسِ تَمْثِيلٌ لِحالِ التَّسَبُّبِ في ظُهُورِ السَّوْءَةِ.

وكَرَّرَ التَّنْوِيهَ بِاللِّباسِ تَمْكِينًا لِلتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] .

وإسْنادُ الإخْراجِ والنَّزْعِ والإراءَةِ إلى الشَّيْطانِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، مَبْنِيٌّ عَلى التَّسامُحِ في الإسْنادِ بِتَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ الفاعِلِ، سَواءٌ اعْتُبِرَ النَّزْعُ حَقِيقَةً أمْ تَمْثِيلًا، فَإنَّ أطْرافَ الإسْنادِ المَجازِيِّ العَقْلِيِّ تَكُونُ حَقائِقَ، وتَكُونُ مَجازاتٍ، وتَكُونُ مُخْتَلِفَةً، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي.

واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ لامُ التَّعْلِيلِ الِادِّعائِيِّ، تَبَعًا لِلْمَجازِ العَقْلِيِّ، لِأنَّهُ لَمّا أُسْنِدَ الإخْراجُ والنَّزْعُ والإرادَةُ إلَيْهِ عَلى وجْهِ المَجازِ العَقْلِيِّ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ فاعِلُ الإخْراجِ ونَزْعِ لِباسِهِما وإراءَتِهِما سَوْآتِهِما، ناسَبَ أنْ يُجْعَلَ لَهُ غَرَضٌ مِن تِلْكَ الأفْعالِ المُضِرَّةِ، وكَوْنُهُ قاصِدًا مِن ذَلِكَ الشَّناعَةَ والفَظاعَةَ، كَشَأْنِ الفاعِلِينَ أنْ تَكُونَ لَهم عِلَلٌ غائِبَةٌ مِن أفْعالِهِمْ إتْمامًا لِلْكَيْدِ، وإنَّما الشَّيْطانُ في الواقِعِ سَبَبٌ لِرُؤْيَتِهِما سَوْآتِهِما، فانْتَظَمَ الإسْنادُ الِادِّعائِيُّ مَعَ التَّعْلِيلِ الِادِّعائِيِّ، فَكانَتْ لامُ العِلَّةِ تَقْوِيَةً لِلْإسْنادِ المَجازِيِّ، وتَرْشِيحًا لَهُ، ولِأجْلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ نَجْعَلِ اللّامَ هُنا لِلْعاقِبَةِ كَما جَعَلْناها في قَوْلِهِ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ [الأعراف: ٢٠] إذْ لَمْ تُقارَنِ اللّامُ هُنالِكَ إسْنادًا مَجازِيًّا.

وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ الشَّيْطانَ يَهْتَمُّ بِكَشْفِ سَوْأةِ ابْنِ آدَمَ لِأنَّهُ يَسُرُّهُ أنْ يَراهُ في حالَةِ سُوءٍ وفَظاعَةٍ.

صفحة ٧٩

وجُمْلَةُ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الِافْتِتانِ بِفِتْنَةِ الشَّيْطانِ، والتَّحْذِيرِ مِن كَيْدِهِ، لِأنَّ شَأْنَ الحَذِرِ أنْ يَرْصُدَ الشَّيْءَ المَخُوفَ بِنَظَرِهِ لِيَحْتَرِسَ مِنهُ إذا رَأى بَوادِرَهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ النّاسَ بِأنَّ الشَّياطِينَ تَرى البَشَرَ، وأنَّ البَشَرَ لا يَرَوْنَها، إظْهارًا لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ جانِبِ كَيْدِهِمْ وجانِبِ حَذَرِ النّاسِ مِنهم، فَإنَّ جانِبَ كَيْدِهِمْ قَوِيٌّ مُتَمَكِّنٌ وجانِبُ حَذَرِ النّاسِ مِنهم ضَعِيفٌ، لِأنَّهم يَأْتُونَ المَكِيدَ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي.

فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ تَعْلِيمُ حَقِيقَةٍ مِن حَقائِقِ الأجْسامِ الخَفِيَّةِ عَنِ الحَواسِّ وهي المُسَمّاةُ بِالمُجَرَّداتِ في اصْطِلاحِ الحُكَماءِ ويُسَمِّيها عُلَماؤُنا الأرْواحَ السُّفْلِيَّةَ إذْ لَيْسَ مِن أغْراضِ القُرْآنِ التَّصَدِّي لِتَعْلِيمٍ مِثْلِ هَذا إلّا ما لَهُ أثَرٌ في التَّزْكِيَةِ النَّفْسِيَّةِ والمَوْعِظَةِ.

والضَّمِيرُ الَّذِي اتَّصَلَتْ بِهِ ”إنَّ“ عائِدٌ إلى الشَّيْطانِ، وعُطِفَ: وقَبِيلُهُ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: يَراكم ولِذَلِكَ فُصِلَ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ. وذُكِرَ القَبِيلُ، وهو بِمَعْنى القَبِيلَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ لَهُ أنْصارًا يَنْصُرُونَهُ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ النّاسِ، وفي هَذا المَعْنى تَقْرِيبُ حالِ عَداوَةِ الشَّياطِينِ بِما يَعْهَدُهُ العَرَبُ مِن شِدَّةِ أخْذِ العَدُوِّ عَدُوَّهُ عَلى غِرَّةٍ مِنَ المَأْخُوذِ، تَقُولُ العَرَبُ: أتاهُمُ العَدُوُّ وهم غارُّونَ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الحَذَرِ مِنَ الشَّيْطانِ وفِتْنَتِهِ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُونَ في أنَّ الشَّيْطانَ يَراهم وفي أنَّهم لا يَرَوْنَهُ.

و﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ابْتِداءُ مَكانِ مُبْهَمٍ تَنْتَفِي فِيهِ رُؤْيَةُ البَشَرِ، أيْ مِن كُلِّ مَكانٍ لا تَرَوْنَهم فِيهِ، فَيُفِيدُ: إنَّهُ يَراكم وقَبِيلُهُ وأنْتُمْ لا تَرَوْنَهُ قَرِيبًا كانُوا أوْ بَعِيدًا، فَكانَتِ الشَّياطِينُ مَحْجُوبِينَ عَنْ أبْصارِ البَشَرِ، فَكانَ ذَلِكَ هو المُعْتادُ مِنَ الجِنْسَيْنِ، فَرُؤْيَةُ ذَواتِ الشَّياطِينِ مُنْتَفِيَةٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ يُخَوِّلُ اللَّهُ رُؤْيَةَ الشَّياطِينِ أوِ الجِنِّ مُتَشَكِّلَةً في أشْكالِ الجُسْمانِيّاتِ،

صفحة ٨٠

مُعْجِزَةً لِلْأنْبِياءِ كَما ورَدَ في الصَّحِيحِ: «إنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ في صَلاتِي فَهَمَمْتُ أنْ أُوثِقُهُ في سارِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ» الحَدِيثَ، أوْ كَرامَةً لِلصّالِحِينَ مِنَ الأُمَمِ كَما في «حَدِيثِ الَّذِي جاءَ يَسْرِقُ مِن زَكاةِ الفِطْرِ عِنْدَ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي هُرَيْرَةَ: ذَلِكَ شَيْطانٌ» كَما في الصَّحِيحَيْنِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا عَلى تَشَكُّلِ الشَّيْطانِ أوِ الجِنِّ في صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، بِتَسْخِيرِ اللَّهِ لِتَتَمَكَّنَ مِنهُ الرُّؤْيَةُ البَشَرِيَّةُ، فالمَرْئِيُّ في الحَقِيقَةِ الشَّكْلُ الَّذِي ماهِيَّةُ الشَّيْطانِ مِن ورائِهِ، وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ رُؤْيَةِ مَكانٍ يُعْلَمُ أنَّ فِيهِ شَيْطانًا، وطَرِيقُ العِلْمِ بِذَلِكَ هو الخَبَرُ الصّادِقُ، فَلَوْلا الخَبَرُ لَما عُلِمَ ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا قُصِدَ مِنهُ الِانْتِقالُ إلى أحْوالِ المُشْرِكِينَ في ائْتِمارِهِمْ بِأمْرِ الشَّيْطانِ، تَحْذِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الِانْتِظامِ في سَلْكِهِمْ، وتَنْفِيرًا مِن أحْوالِهِمْ، والمُناسَبَةُ هي التَّحْذِيرُ ولَيْسَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ تَعَلُّقٌ بِجُمْلَةِ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ .

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ بِالنِّسْبَةِ لِمَن يَسْمَعُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

والجَعْلُ هُنا جَعْلُ التَّكْوِينِ، كَما يُعْلَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] بِمَعْنى خَلَقْنا الشَّياطِينَ.

وأوْلِياءَ حالٌ مِنَ الشَّياطِينَ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ خَلَقْناهم مُقَدَّرَةٌ وِلايَتُهم لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَبَلَ أنْواعَ المَخْلُوقاتِ وأجْناسَها عَلى طَبائِعَ لا تَنْتَقِلُ عَنْها، ولا تَقْدِرُ عَلى التَّصَرُّفِ بِتَغْيِيرِها: كالِافْتِراسِ في الأسَدِ، واللَّسْعِ في العَقْرَبِ، وخَلَقَ لِلْإنْسانِ العَقْلَ والفِكْرَ فَجَعَلَهُ قادِرًا عَلى اكْتِسابِ ما يُخْتارُ، ولَمّا كانَ مِن جِبِلَّةِ الشَّياطِينِ حُبُّ ما هو فَسادٌ، وكانَ مِن قُدْرَةِ الإنْسانِ وكَسْبِهِ أنَّهُ قَدْ يَتَطَلَّبُ الأمْرَ العائِدَ بِالفَسادِ، إذا كانَ لَهُ فِيهِ عاجِلُ شَهْوَةٍ أوْ كانَ يُشْبِهُ الأشْياءَ

صفحة ٨١

الصّالِحَةَ في بادِئِ النَّظْرَةِ الحَمْقاءِ، كانَ الإنْسانُ في هَذِهِ الحالَةِ مُوافِقًا لِطَبْعِ الشَّياطِينِ، ومُؤْتَمَرًا بِما تُسَوِّلُهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَغْلِبُ كَسْبُ الفَسادِ والشَّرِّ عَلى الَّذِينَ تَوَغَّلُوا فِيهِ وتَدَرَّجُوا إلَيْهِ، حَتّى صارَ المالِكُ لِإراداتِهِمْ، وتِلْكَ مَرْتَبَةُ المُشْرِكِينَ، وتَتَفاوَتُ مَراتِبُ هَذِهِ الوِلايَةِ، فَلا جَرَمَ نَشَأتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الشَّياطِينِ وِلايَةٌ ووِفاقٌ لِتَقارُبِ الدَّواعِي، فَبِذَلِكَ انْقَلَبَتِ العَداوَةُ الَّتِي في الجِبِلَّةِ الَّتِي أثْبَتَها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] وقَوْلُهُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] فَصارَتْ وِلايَةً ومَحَبَّةً عِنْدَ بُلُوغِ ابْنِ آدَمَ آخِرَ دَرَكاتِ الفَسادِ، وهو الشِّرْكُ وما فِيهِ، فَصارَ هَذا جَعْلًا جَدِيدًا ناسِخًا لِلْجَعْلِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ هُنالِكَ، فَما في هَذِهِ الآيَةِ مُقَيِّدٌ لِلْإطْلاقِ الَّذِي في الآيَةِ الأُخْرى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِ أنْ لا يُوالِيَ الشَّيْطانَ.

والمُرادُ بِالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهُمُ المُضادُّونَ لِلْمُؤْمِنِينَ في مَكَّةَ، وسَتَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِهَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

7:28Page 153

وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allāh has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allāh does not order immorality. Do you say about Allāh that which you do not know?"

﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فَهو مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ، وفِيهِ إدْماجٌ لِكَشْفِ باطِلِهِمْ في تَعَلُّلاتِهِمْ ومَعاذِيرِهِمُ الفاسِدَةِ، أيْ لِلَّذِينَ لا يَقْبَلُونَ الإيمانَ ويَفْعَلُونَ الفَواحِشَ ويَعْتَذِرُونَ عَنْ فِعْلِها بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم وأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَلِكَ، وهَذا خاصٌّ بِأحْوالِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ:

صفحة ٨٢

﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ والمَقْصُودُ مِن جُمْلَتَيِ الصِّلَةِ: تَفْظِيعُ حالِ دِينِهِمْ بِأنَّهُ ارْتِكابُ فَواحِشَ، وتَفْظِيعُ حالِ اسْتِدْلالِهِمْ لَها بِما لا يَنْتَهِضُ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ. وجاءَ الشَّرْطُ بِحَرْفِ إذا الَّذِي مِن شَأْنِهِ إفادَةُ اليَقِينِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ لِيُشِيرَ إلى أنَّ هَذا حاصِلٌ مِنهم لا مَحالَةَ.

والفاحِشَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فِعْلَةٌ فاحِشَةٌ ثُمَّ نَزَلَ الوَصْفُ مَنزِلَةَ الِاسْمِ لِكَثْرَةِ دَوَرانِهِ، فَصارَتِ الفاحِشَةُ اسْمًا لِلْعَمَلِ الذَّمِيمِ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الفُحْشِ - بِضَمِّ الفاءِ - وهو الكَثْرَةُ والقُوَّةُ في الشَّيْءِ المَذْمُومِ والمَكْرُوهِ، وغَلَبَتِ الفاحِشَةُ في الأفْعالِ الشَّدِيدَةِ القُبْحِ وهي الَّتِي تَنْفِرُ مِنها الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ، أوْ يَنْشَأُ عَنْها ضُرٌّ وفَسادٌ بِحَيْثُ يَأْباها أهْلُ العُقُولِ الرّاجِحَةِ، ويُنْكِرُها أُولُو الأحْلامِ، ويَسْتَحْيِي فاعِلُها مِنَ النّاسِ، ويَتَسَتَّرُ مِن فِعْلِها مِثْلَ البِغاءِ والزِّنا والوَأْدِ والسَّرِقَةِ، ثُمَّ تَنْهى عَنْها الشَّرائِعُ الحَقَّةُ، فالفِعْلُ يُوصَفُ بِأنَّهُ فاحِشَةٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، كَأفْعالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، مِثْلَ السُّجُودِ لِلتَّماثِيلِ والحِجارَةِ وطَلَبِ الشَّفاعَةِ مِنها وهي جَمادٌ، ومِثْلَ العَراءِ في الحَجِّ، وتَرْكِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ عَلى الذَّبائِحِ، وهي مِن خَلْقِ اللَّهِ وتَسْخِيرِهِ، والبِغاءِ، واسْتِحْلالِ أمْوالِ اليَتامى والضُّعَفاءِ، وحِرْمانِ الأقارِبِ مِنَ المِيراثِ، واسْتِشارَةِ الأزْلامِ في الإقْدامِ عَلى العَمَلِ أوْ تَرْكِهِ، وقَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ لِأنَّهُ مِن قَبِيلَةِ القاتِلِ، وتَحْرِيمِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ وتَحْلِيلِهِمُ الخَبائِثَ مِثْلَ المَيْتَةِ والدَّمِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالفاحِشَةِ في الآيَةِ التَّعَرِّي في الحَجِّ، وإنَّما مَحْمَلُ كَلامِهِ عَلى أنَّ التَّعَرِّيَ في الحَجِّ مِن أوَّلِ ما أُرِيدَ بِالفاحِشَةِ لا قَصْرِها عَلَيْهِ فَكَأنَّ أيِّمَةَ الشِّرْكِ قَدْ أعَدُّوا لِأتْباعِهِمْ مَعاذِيرَ عَنْ تِلْكَ الأعْمالِ ولَقَّنُوها إيّاهم، وجِماعُها أنْ يَنْسُبُوها إلى آبائِهِمُ السّالِفِينَ الَّذِينَ هم قُدْوَةٌ لِخَلَفِهِمْ، واعْتَقَدُوا أنَّ آباءَهم أعْلَمُ بِما في طَيِّ تِلْكَ الأعْمالِ مِن مَصالِحَ لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْها المُنْكِرُونَ لَعَرَفُوا ما أنْكَرُوا، ثُمَّ عَطَفُوا عَلى ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ يَعْنُونَ أنَّ آباءَهم ما رَسَمُوها مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، ولَكِنَّهم رَسَمُوها بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَفُهِمَ مِنهُ أنَّهُمُ اعْتَذَرُوا

صفحة ٨٣

لِأنْفُسِهِمْ واعْتَذَرُوا لِآبائِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ لَيْسَ ادِّعاءُ بُلُوغِ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ ولَكِنَّهم أرادُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَ آباءَهُمُ الَّذِينَ رَسَمُوا تِلْكَ الرُّسُومَ وسَنُّوها فَكانَ أمْرُ اللَّهِ آباءَهم أمْرًا لَهم، لِأنَّهُ أرادَ بَقاءَ ذَلِكَ في ذُرِّيّاتِهِمْ، فَهَذا مَعْنى اسْتِدْلالِهِمْ، وقَدْ أجْمَلَهُ إيجازُ القُرْآنِ اعْتِمادًا عَلى فِطْنَةِ المُخاطَبِينَ.

وأُسْنِدَ الفِعْلُ والقَوْلُ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا﴾: عَلى مَعْنى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ المَجْمُوعِ، وقَدْ يَكُونُ القائِلُ غَيْرَ الفاعِلِ، والفاعِلُ غَيْرَ قائِلٍ، اعْتِدادًا بِأنَّهم لَمّا صَدَّقَ بَعْضُهم بَعْضًا في ذَلِكَ فَكَأنَّهم فَعَلُوهُ كُلُّهم، واعْتَذَرُوا عَنْهُ كُلُّهم.

وأفادَ الشَّرْطُ رَبْطًا بَيْنَ فِعْلِهِمُ الفاحِشَةَ وقَوْلِهِمْ: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ بِاعْتِبارِ إيجازٍ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، إذِ المَفْهُومُ أنَّهم إذا فَعَلُوا فاحِشَةً فَأُنْكِرَتْ عَلَيْهِمْ أوْ نُهُوا عَنْها قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا، ولَيْسَ المُرادُ بِالإنْكارِ والنَّهْيِ خُصُوصَ نَهْيِ الإسْلامِ إيّاهم عَنْ ضَلالِهِمْ، ولَكِنَّ المُرادَ نَهْيُ أيِّ ناهٍ وإنْكارُ أيِّ مُنْكِرٍ، فَقَدْ كانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمُ الفَواحِشَ مَن لا يُوافِقُونَهم عَلَيْها مِنَ القَبائِلِ، فَإنَّ دِينَ المُشْرِكِينَ كانَ أشْتاتًا مُخْتَلِفًا، وكانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مَن خَلَعُوا الشِّرْكَ مِنَ العَرَبِ مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وقَدْ قالَ لَهم زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو: ”إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشّاةَ وأنْزَلَ لَها الماءَ مِنَ السَّماءِ وأنْبَتَ لَها العُشْبَ ثُمَّ أنْتُمْ تَذْبَحُونَها لِغَيْرِهِ“ وكانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ مَن يَتَحَرَّجُ مِن أفْعالِهِمْ ثُمَّ لا يَسَعُهُ إلّا اتِّباعُهم فِيها إكْراهًا.

وكانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ مَن لا تُوافِقُ أعْمالُهم هَواهُ: كَما وقَعَ لِامْرِئِ القَيْسِ، حَيْثُ عَزَمَ عَلى قِتالِ بَنِي أسَدٍ بَعْدَ قَتْلِهِمْ أباهُ حُجْرًا، فَقَصَدَ ذا الخَلَصَةِ - صَنَمَ خَثْعَمَ - واسْتَقْسَمَ عِنْدَهُ بِالأزْلامِ فَخَرَجَ لَهُ النّاهِي فَكَسَرَ الأزْلامَ وقالَ:

لَوْ كُنْتَ يا ذا الخَلَصِ المُوتُورا مِثْلِي وكانَ شَيْخُكَ المَقْبُورا

لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ العُداةِ زُورًا

صفحة ٨٤

ثُمَّ جاءَ الإسْلامُ فَنَعى عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمُ الفاسِدَةَ وأسْمَعَهم قَوارِعَ القُرْآنِ فَحِينَئِذٍ تَصَدَّوْا لِلِاعْتِذارِ. وقَدْ عُلِمَ مِنَ السِّياقِ تَشْنِيعُ مَعْذِرَتِهِمْ وفَسادُ حُجَّتِهِمْ.

ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى إنْكارِ ما كانَ مُماثِلًا لِهَذا الِاسْتِدْلالِ وهو كُلُّ دَلِيلٍ تَوَكَّأ عَلى اتِّباعِ الآباءِ في الأُمُورِ الظّاهِرِ فَسادُها وفُحْشُها، وكُلُّ دَلِيلٍ اسْتَنَدَ إلى ما لا قِبَلَ لِلْمُسْتَدِلِّ بِعِلْمِهِ، فَإنَّ قَوْلَهم: ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ دَعْوى باطِلَةٌ إذْ لَمْ يَبْلُغْهم أمْرُ اللَّهِ بِذَلِكَ بِواسِطَةِ مُبَلِّغٍ، فَإنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ النُّبُوءَةَ، فَمِن أيْنَ لَهم تَلَقِّي مُرادِ اللَّهِ تَعالى.

وقَدْ رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ فَأعْرَضَ عَنْ رَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ لِأنَّهُ إنْ كانَ يُرادُ رَدُّهُ مِن جِهَةِ التَّكْذِيبِ فَهم غَيْرُ كاذِبِينَ في قَوْلِهِمْ، لِأنَّ آباءَهم كانُوا يَأْتُونَ تِلْكَ الفَواحِشَ، وإنْ كانَ يُرادُ رَدُّهُ مِن جِهَةِ عَدَمِ صَلاحِيَتِهِ لِلْحُجَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ، لِأنَّ الإنْكارَ والنَّهْيَ ظاهِرٌ انْتِقالُهُما إلى آبائِهِمْ، إذْ ما جازَ عَلى المِثْلِ يَجُوزُ عَلى المُماثِلِ، فَصارَ رَدُّ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ مِن دَلِيلِهِمْ بَدِيهِيًّا وكانَ أهَمَّ مِنهُ رَدُّ المُقَدِّمَةِ الكُبْرى، وهي مَناطُ الِاسْتِدْلالِ، أعْنِي قَوْلَهم: ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ .

فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ نَقْضٌ لِدَعْواهم أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِها أيْ بِتِلْكَ الفَواحِشِ، وهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وتَعْلِيمٌ لَهم، وإفاقَةٌ لَهم مِن غُرُورِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِالكَمالِ فَلا يَأْمُرُ بِما هو نَقْصٌ لَمْ يَرْضَهُ العُقَلاءُ وأنْكَرُوهُ، فَكَوْنُ الفِعْلِ فاحِشَةً كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ لَهُ الكَمالُ الأعْلى، وما كانَ اعْتِذارُهم بِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ إلّا عَنْ جَهْلٍ، ولِذَلِكَ وبَّخَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ ما لا تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَلِكَ إذْ لا مُسْتَنَدَ لَهم فِيهِ، وإنَّما قالُوهُ

صفحة ٨٥

عَنْ مُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ، ولِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ وكَمالِهِ أنْ يَأْمُرَ بِمِثْلِ تِلْكَ الرَّذائِلِ.

وضُمِّنَ: تَقُولُونَ مَعْنى تُكَذِّبُونَ أوْ مَعْنى تَتَقَوَّلُونَ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَلى، وكانَ حَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِعْنَ لَوْ كانَ قَوْلًا صَحِيحَ النِّسْبَةِ، وإذْ كانَ التَّوْبِيخُ وارِدًا عَلى أنْ يَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُونَ كانَ القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِما يَتَحَقَّقُ عَدَمُ وُرُودِهِ مِنَ اللَّهِ أحْرى.

وبِهَذا الرَّدِّ تَمَحَّضَ عَمَلُهم تِلْكَ الفَواحِشَ لِلضَّلالِ والغُرُورِ واتِّباعِ وحْيِ الشَّياطِينِ إلى أوْلِيائِهِمْ أيِّمَةِ الكُفْرِ، وقادَةِ الشِّرْكِ مِثْلَ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، الَّذِي وضَعَ عِبادَةَ الأصْنامِ، ومِثْلَ أبِي كَبْشَةَ، الَّذِي سَنَّ عِبادَةَ الشِّعْرى مِنَ الكَواكِبِ، ومِثْلَ ظالِمِ بْنِ أسْعَدَ، الَّذِي وضَعَ عِبادَةَ العُزّى، ومِثْلَ القَلَمَّسِ، الَّذِي سَنَّ النَّسِيءَ. إلى ما اتَّصَلَ بِذَلِكَ مِن مَوْضُوعاتِ سَدَنَةِ الأصْنامِ وبُيُوتِ الشِّرْكِ.

واعْلَمْ أنْ لَيْسَ في الآيَةِ مُسْتَنَدٌ لِإبْطالِ التَّقْلِيدِ في الأُمُورِ الفَرْعِيَّةِ أوِ الأُصُولِ الدِّينِيَّةِ لِأنَّ التَّقْلِيدَ الَّذِي نَعاهُ اللَّهُ عَلى المُشْرِكِينَ وهو تَقْلِيدُهم مَن لَيْسُوا أهْلًا لِأنْ يُقَلَّدُوا، لِأنَّهم لا يَرْتَفِعُونَ عَنْ رُتْبَةِ مُقَلِّدِيهِمْ، إلّا بِأنَّهم أقْدَمُ جِيلًا، وأنَّهم آباؤُهم، فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَعْتَذِرُوا بِأنَّهم وجَدُوا عَلَيْهِ الصّالِحِينَ وهُداةَ الأُمَّةِ، ولا بِأنَّهُ مِمّا كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ وأبْناؤُهُ، ولِأنَّ التَّقْلِيدَ الَّذِي نَعاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَقْلِيدُ أعْمالٍ بَدِيهِيَّةِ الفَسادِ، والتَّقْلِيدُ في الفَسادِ يَسْتَوِي، هو وتَسْنِينُهُ، في الذَّمِّ، عَلى أنَّ تَسْنِينَ الفَسادِ أشَدُّ مَذَمَّةً مِنَ التَّقْلِيدِ فِيهِ كَما أنْبَأ عَنْهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» وحَدِيثُ مَن «سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .

فَما فَرَضَهُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ إلى عِلْمِ الكَلامِ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القَوْلِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ ناظِرٌ إلى اعْتِبارِ الإشْراكِ داخِلًا في فِعْلِ الفَواحِشِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском