Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:38–42
7:38–39Page 155
قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨
[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."
وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩
And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وقالَتْ أُولاهم لَأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
صفحة ١٢٠
جُمْلَةُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، لِوَصْفِ أحْوالِهِمْ في النّارِ، وتَفْظِيعِها لِلسّامِعِ، لِيَتَّعِظَ أمْثالُهم ويَسْتَبْشِرَ المُؤْمِنُونَ بِالسَّلامَةِ مِمّا أصابَهم فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”حَتّى إذا ادّارَكُوا“ داخِلَةً في حَيِّزِ الِاسْتِئْنافِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ ”مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها﴾“ إلَخْ. عَلى أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”حَتّى إذا ادّارَكُوا مُرْتَبِطَةً بِجُمْلَةٍ“ ادْخُلُوا في أُمَمٍ ”بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَيَدْخُلُونَ حَتّى إذا ادّارَكُوا.
و(ما) في قَوْلِهِ:“ كُلَّما ”ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ كُلَّ وقْتِ دُخُولِ أُمَّةٍ لَعَنَتْ أُخْتَها. والتَّقْدِيرُ: لَعَنَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِنهم أُخْتَها في كُلِّ أوْقاتِ دُخُولِ الأُمَّةِ مِنهم، فَتُفِيدُ عُمُومَ الأزْمِنَةِ.
و(أُمَّةٌ) نَكِرَةٌ وقَعَتْ في حَيِّزِ عُمُومِ الأزْمِنَةِ، فَتُفِيدُ العُمُومَ، أيْ كُلَّ أُمَّةٍ دَخَلَتْ، وكَذَلِكَ: (أُخْتَها) نَكِرَةٌ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى ضَمِيرِ نَكِرَةٍ فَلا يَتَعَرَّفُ فَتُفِيدُ العُمُومَ، أيْضًا، أيْ كُلَّ أُمَّةٍ تَدْخُلُ تَلْعَنُ كُلَّ أُخْتٍ لَها، والمُرادُ بِأُخْتِها المُماثِلَةُ لَها في الدِّينِ الَّذِي أوْجَبَ لَها الدُّخُولَ في النّارِ، كَما يُقالُ: هَذِهِ الأُمَّةُ أُخْتُ تِلْكَ الأُمَّةِ إذا اشْتَرَكَتا في النَّسَبِ، فَيُقالُ: بَكْرٌ وأُخْتُها تَغَلِبُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ:
وكَطَسْمٍ وأُخْتِها في البِعادِ
يُرِيدُ: كَطَسْمٍ وجَدِيسٍ.
والمَقامُ يُعَيِّنَ جِهَةَ الأُخُوَّةِ، وسَبَبُ اللَّعْنِ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ إنَّما تَدْخُلُ النّارَ بَعْدَ مُناقَشَةِ الحِسابِ، والأمْرِ بِإدْخالِهِمُ النّارَ، وإنَّما يَقَعُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم
صفحة ١٢١
أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ هو ضَلالٌ وباطِلٌ، وبِذَلِكَ تَقَعُ في نُفُوسِهِمْ كَراهِيَةُ ما كانُوا عَلَيْهِ، لِأنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُ الضَّلالَ والباطِلَ بَعْدَ تَبَيُّنِهِ، ولِأنَّهم رَأوْا أنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ كانَتْ مَجْلَبَةَ العِقابِ لَهم، فَيَزْدادُونَ بِذَلِكَ كَراهِيَةً لِدِينِهِمْ، فَإذا دَخَلُوا النّارَ فَرَأوْا الأُمَمَ الَّتِي أُدْخِلَتِ النّارَ قَبْلَهم عَلِمُوا، بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ العِلْمِ، أنَّهم أُدْخِلُوا النّارَ بِذَلِكَ السَّبَبِ فَلَعَنُوهم لِكَراهِيَةِ دِينِهِمْ ومَنِ اتَّبَعُوهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِأُخْتِها أسْلافُها الَّذِينَ أضَلُّوها.
وأفادَتْ كُلَّما لِما فِيها مِن مَعْنى التَّوْقِيتِ: أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ يَقَعُ عِنْدَ دُخُولِ الأُمَّةِ النّارَ، فَيَتَعَيَّنُ إذَنْ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنَتْ أُخْتَها السّابِقَةَ إيّاها في الدُّخُولِ في النّارِ، فالأُمَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ النّارَ أوَّلَ مَرَّةٍ قَبْلَ غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ لا تَلْعَنُ أُخْتَها، ويُعْلَمُ أنَّها تَلْعَنُ مَن يَدْخُلُ بَعْدَها الثّانِيَةَ، ومَن بَعْدَها بِطَرِيقِ الأوْلى، أوْ تَرُدُّ اللَّعْنَ عَلى كُلِّ أُخْتٍ لاعِنَةٍ. والمَعْنى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ“ ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ " .
و(حَتّى) في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، فَهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ أنَّ حَتّى الِابْتِدائِيَّةَ تُفِيدُ مَعْنى التَّسَبُّبِ، أيْ تَسَبُّبِ مَضْمُونِ ما قَبْلَها في مَضْمُونِ ما بَعْدَها، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَرَتِّبَةً في المَعْنى عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَرَتِّبَةً عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها.
و(ادّارَكُوا) أصْلُهُ تَدارَكُوا فَقُلِبَتِ التّاءُ دالًّا لِيَتَأتّى إدْغامُها في الدّالِ لِلتَّخْفِيفِ، وسُكِّنَتْ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنى الإدْغامِ المُتَحَرِّكَيْنِ لِثِقَلٍ واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِأجْلِ الِابْتِداءِ بِالسّاكِنِ، وهَذا قَلْبٌ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، وإنَّما هو مُسْتَحْسَنٌ، ولَيْسَ هو مِثْلَ قَلْبِ التّاءِ في ادّانَ وازْدادَ وادَّكَرَ. ومَعْناهُ: أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَصِيغَ مِنَ الإدْراكِ وزْنُ التَّفاعُلِ، والمَعْنى: تَلاحَقُوا واجْتَمَعُوا في النّارِ. وقَوْلُهُ (جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ ادّارَكُوا لِتَحْقِيقِ اسْتِيعابِ الِاجْتِماعِ، أيْ حَتّى إذا اجْتَمَعَتْ أُمَمُ الضَّلالِ كُلُّها.
صفحة ١٢٢
والمُرادُ: بِـ (أُخْراهم): الآخِرَةُ في الرُّتْبَةِ، وهُمُ الأتْباعُ والرَّعِيَّةُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، لِأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ في عَصْرٍ لا تَخْلُو مِن قادَةٍ ورَعاعٍ، والمُرادُ بِالأُولى: الأُولى في المَرْتَبَةِ والِاعْتِبارِ، وهُمُ القادَةُ والمَتْبُوعُونَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ أيْضًا، فالأُخْرى والأُولى هُنا صِفَتانِ جَرَتا عَلى مَوْصُوفَيْنِ مَحْذُوفَيْنِ، أيْ أُخْرى الطَّوائِفِ لِأُولاهم، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالأُخْرى المُتَأخِّرَةَ في الزَّمانِ، وبِالأُولى أسْلافَهم، لِأنَّهم يَقُولُونَ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] . وهَذا لا يُلائِمُ ما يَأْتِي بَعْدَهُ.
واللّامُ في: (لِأُولاهم) لامُ العِلَّةِ، ولَيْسَتِ اللّامَ الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ القَوْلِ، لِأنَّ قَوْلَ الطّائِفَةِ الأخِيرَةِ مُوَجَّهٌ إلى اللَّهِ تَعالى، بِصَرِيحِ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ إلَخْ، لا إلى الطّائِفَةِ الأُولى، فَهي كاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] .
والضِّعْفُ بِكَسْرِ الضّادِ المِثْلُ لِمِقْدارِ الشَّيْءِ، وهو مِنَ الألْفاظِ الدّالَّةِ عَلى مَعْنًى نِسْبِيٍّ يَقْتَضِي وُجُودَ مَعْنًى آخَرَ، كالزَّوْجِ والنِّصْفِ، ويُخْتَصُّ بِالمِقْدارِ والعَدَدِ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجِ وأيِمَّةِ اللُّغَةِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِعْلُهُ في مُطْلَقِ التَّكْثِيرِ وذَلِكَ إذا أُسْنِدَ إلى ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ المِقْدارِ، مِثْلَ العَذابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الفرقان: ٦٩] وقَوْلِهِ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] أرادَ الكَثْرَةَ القَوِيَّةَ فَقَوْلُهم هُنا ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ أعْطِهِمْ عَذابًا هو ضِعْفُ عَذابٍ آخَرَ، فَعُلِمَ أنَّهُ آتاهم عَذابًا، وهم سَألُوا زِيادَةَ قُوَّةٍ فِيهِ تَبْلُغُ ما يُعادِلُ قُوَّتَهُ، ولِذَلِكَ لَمّا وُصِفَ بِضِعْفٍ عُلِمَ أنَّهُ مَثَلٌ لِعَذابٍ حَصَلَ قَبْلَهُ إذْ لا تَقُولُ: أكْرَمْتُ فُلانَ ضِعْفًا، إلّا إذا كانَ إكْرامُكَ في مُقابَلَةِ إكْرامٍ آخَرَ، فَأنْتَ تَزِيدُهُ، فَهم سَألُوا لَهم مُضاعَفَةَ العَذابِ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ الضَّلالَ سَبَبُ العَذابِ، فَعَلِمُوا أنَّ الَّذِينَ شَرَعُوا الضَّلالَ هم أوْلى بِعُقُوبَةٍ أشَدَّ مِن عُقُوبَةِ الَّذِينَ تَقَلَّدُوهُ واتَّبَعُوهم، كَما
صفحة ١٢٣
قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] .
وفِعْلُ: (قالَ) حِكايَةٌ لِجَوابِ اللَّهِ إيّاهم عَنْ سُؤالِهِمْ مُضاعَفَةَ العَذابِ لِقادَتِهِمْ، فَلِذَلِكَ فُصِلَ ولَمْ يُعْطَفْ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ. والتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ: (لِكُلٍّ): عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: لِكُلِّ أُمَّةٍ، أوْ لِكُلِّ طائِفَةٍ ضِعْفٌ، أيْ زِيادَةُ عَذابٍ مِثْلُ العَذابِ الَّذِي هي مُعَذَّبَةٌ أوَّلَ الأمْرِ، فَأمّا مُضاعَفَةُ العَذابِ لِلْقادَةِ فَلِأنَّهم سَنُّوا الضَّلالَ أوْ أيَّدُوهُ ونَصَرُوهُ وذَبُّوا عَنْهُ بِالتَّمْوِيهِ والمُغالَطاتِ فَأضَلُّوا، وأمّا مُضاعَفَتُهُ لِلْأتْباعِ فَلِأنَّهم ضَلُّوا بِإضْلالِ قادَتِهِمْ، ولِأنَّهم بِطاعَتِهِمُ العَمْياءِ لِقادَتِهِمْ، وشُكْرِهِمْ إيّاهم عَلى ما يَرْسُمُونَ لَهم، وإعْطائِهِمْ إيّاهُمُ الأمْوالَ والرُّشى، يَزِيدُونَهم طُغْيانًا وجَراءَةً عَلى الإضْلالِ ويُغْرُونَهم بِالِازْدِيادِ مِنهُ.
والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ: (﴿ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾) لِرَفْعِ ما تُوهِمُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ القادَةِ والأتْباعِ في مُضاعَفَةِ العَذابِ: أنَّ التَّغْلِيظَ عَلى الأتْباعِ بِلا مُوجِبٍ، لِأنَّهم لَوْلا القادَةُ لَما ضَلُّوا، والمَعْنى: أنَّكم لا تَعْلَمُونَ الحَقائِقَ ولا تَشْعُرُونَ بِخَفايا المَعانِي، فَلِذَلِكَ ظَنَنْتُمْ أنَّ مُوجِبَ مُضاعَفَةِ العَذابِ لَهم دُونَكم هو أنَّهم عَلَّمُوكُمُ الضَّلالَ، ولَوْ عَلِمْتُمْ حَقَّ العِلْمِ لاطَّلَعْتُمْ عَلى ما كانَ لِطاعَتِكم إيّاهم مِنَ الأثَرِ في إغْرائِهِمْ بِالِازْدِيادِ مِنَ الإضْلالِ.
ومَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾)، والتَّقْدِيرُ: لا تَعْلَمُونَ سَبَبَ تَضْعِيفِ العَذابِ لِكُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، يَعْنِي لا تَعْلَمُونَ سَبَبَ تَضْعِيفِهِ لَكم لِظُهُورِ أنَّهم عَلِمُوا سَبَبَ تَضْعِيفِهِ لِلَّذِينَ أضَلُّوهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا تَعْلَمُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ مِن تَمامِ ما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ الأُمَّةَ الأُخْرى، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغَيْبَةِ فَيَكُونُ
صفحة ١٢٤
بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ خِطابًا لِسامِعِي القُرْآنِ، أيْ قالَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ وهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ لِكُلٍّ ضِعْفًا فَلِذَلِكَ سَألُوا التَّغْلِيظَ عَلى القادَةِ فَأُجِيبُوا بِأنَّ التَّغْلِيظَ قَدْ سُلِّطَ عَلى الفَرِيقَيْنِ.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ: (﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾) عَلى جُمْلَةِ: (﴿قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهُمْ﴾) لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا في المُحاوَرَةِ ابْتِداءً فَلِذَلِكَ لَمْ تُفْصَلِ الجُمْلَةُ.
والفاءُ في قَوْلِهِمْ: ﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ فاءٌ فَصِيحَةٌ، مُرَتَّبَةٌ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِكُلٍّ ضِعْفٌ حَيْثُ سَوّى بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ في مُضاعَفَةِ العَذابِ. و(ما) نافِيَةٌ. و(مِن) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الفَضْلِ، لِأنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: (لِكُلٍّ ضِعْفٌ) سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِأنْ لا مَزِيَّةَ لِأُخْراهم عَلَيْهِمْ في تَعْذِيبِهِمْ عَذابًا أقَلَّ مِن عَذابِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: فَإذا كانَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ فَما كانَ لَكم مِن فَضْلٍ، والمُرادُ بِالفَضْلِ الزِّيادَةُ مِنَ العَذابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ أُولاهم: عَطَفُوا قَوْلَهم: (﴿ذُوقُوا العَذابَ﴾) عَلى قَوْلِهِمْ: (﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾) بِفاءِ العَطْفِ الدّالَّةِ عَلى التَّرَتُّبِ. فالتَّشَفِّي مِنهم فِيما نالَهم مِن عَذابِ الضِّعْفِ تَرَتَّبَ عَلى تَحَقُّقِ انْتِفاءِ الفَضْلِ بَيْنَهم في تَضْعِيفِ العَذابِ الَّذِي أفْصَحَ عَنْهُ إخْبارُ اللَّهِ بِأنَّ لَهم عَذابًا ضِعْفًا.
وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِمْ: فَذُوقُوا مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ والتَّشَفِّي.
والذَّوْقُ اسْتُعْمِلَ مَجازًا مُرْسَلًا في الإحْساسِ بِحاسَّةِ اللَّمْسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظائِرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والباءُ سَبَبِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ مِمّا أوْجَبَ لَكم مُضاعَفَةَ العَذابِ، وعَبَّرَ بِالكَسْبِ دُونَ الكُفْرِ لِأنَّهُ أشْمَلُ لِأحْوالِهِمْ، لِأنَّ إضْلالَهم لِأعْقابِهِمْ كانَ بِالكُفْرِ وبِحُبِّ الفَخْرِ والإغْرابِ بِما عَلَّمُوهم وما سَنُّوا لَهم، فَشَمِلَ ذَلِكَ كُلُّهُ أنَّهُ كَسْبٌ.
صفحة ١٢٥
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، مُخاطِبًا بِهِ كِلا الفَرِيقَيْنِ، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾: جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، وعَلى اعْتِبارِهِ يَكُونُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: فَذُوقُوا لِلتَّكْوِينِ والإهانَةِ.
وفِيما قَصَّ اللَّهُ مِن مُحاوَرَةِ قادَةِ الأُمَمِ وأتْباعِهِمْ ما فِيهِ مَوْعِظَةٌ وتَحْذِيرٌ لِقادَةِ المُسْلِمِينَ مِنَ الإيقاعِ بِأتْباعِهِمْ فِيما يَزُجُّ بِهِمْ في الضَّلالَةِ، ويُحَسِّنُ لَهم هَواهم، ومَوْعِظَةٌ لِعامَّتِهِمْ مِنَ الِاسْتِرْسالِ في تَأْيِيدِ مَن يُشايِعُ هَواهم، ولا يُبَلِّغُهُمُ النَّصِيحَةَ، وفي الحَدِيثِ: «كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» .
7:40–41Page 155
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠
Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.
لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجُمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ خُلُودِ الفَرِيقَيْنِ في النّارِ، الواقِعِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٦] فَأخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهُ حَرَمَهم أسْبابَ النَّجاةِ، فَسَدَّ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْرِ والصَّلاحِ، وبِأنَّهُ حَرَمَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ.
وأكَّدَ الخَبَرَ بِـ (إنَّ) لِتَأْيِيسِهِمْ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخُلُودِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ الكِنايَةَ عَنْ طُولِ مُدَّةِ البَقاءِ في النّارِ فَإنَّهُ ورَدَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مُرادًا بِهِ هَذا المَعْنى.
صفحة ١٢٦
ووَقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِدَفْعِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ المُتَحاوِرَتَيْنِ في النّارِ، واخْتِيرَ مِن طُرُقِ الإظْهارِ طَرِيقُ التَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِ إيذانًا بِما تُومِئُ إلَيْهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ واسْتِكْبارِهِمْ عَنْها، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِها السّابِقِ آنِفًا.
والسَّماءُ أُطْلِقَتْ في القُرْآنِ عَلى مَعانٍ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِها العَوالِمُ العُلْيا غَيْرُ الأرْضِيَّةِ، فالسَّماءُ مَجْمُوعُ العَوالِمِ العُلْيا وهي مَراتِبُ وفِيها عَوالِمُ القُدْسِ الإلَهِيَّةِ مِنَ المَلائِكَةِ والرُّوحانِيّاتِ الصّالِحَةِ النّافِعَةِ، ومَصْدَرُ إفاضَةِ الخَيْراتِ الرُّوحِيَّةِ والجُثْمانِيَّةِ عَلى العالَمِ الأرْضِيِّ، ومَصْدَرُ المَقادِيرِ المُقَدَّرَةِ قالَ تَعالى: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فالسَّماءُ هَنا مُرادٌ بِها عالَمُ القُدْسِ.
وأبْوابُ السَّماءِ أسْبابُ أُمُورٍ عَظِيمَةٍ أُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ الأبْوابِ لِتَقْرِيبِ حَقائِقِها إلى الأذْهانِ فَمِنها قَبُولُ الأعْمالِ، ومَسالِكُ وُصُولِ الأُمُورِ الخَيْرِيَّةِ الصّادِرَةِ مِن أهْلِ الأرْضِ، وطُرُقِ قَبُولِها، وهو تَمْثِيلٌ لِأسْبابِ التَّزْكِيَةِ، قالَ تَعالى: والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ، وما يَعْلَمُ حَقائِقَها بِالتَّفْصِيلِ إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّها مَحْجُوبَةٌ عَنّا، فَكَما أنَّ العُفاةَ والشُّفَعاءَ إذا ورَدُوا المَكانَ قَدْ يُقْبَلُونَ ويُرْضى عَنْهم فَتُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ القُصُورِ والقِبابِ ويَدْخُلُونَ مُكَرَّمِينَ، وقَدْ يُرَدُّونَ ويُسْخَطُونَ فَتُوصَدُ في وُجُوهِهِمُ الأبْوابُ، مَثَّلَ إقْصاءَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ وعَدَمَ الرِّضا عَنْهم في سائِرِ الأحْوالِ، بِحالِ مَن لا تُفَتَّحُ لَهُ أبْوابُ المَنازِلِ، وأُضِيفَتِ الأبْوابُ إلى السَّماءِ لِيَظْهَرَ أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِحِرْمانِهِمْ مِن وسائِلِ الخَيْراتِ الإلَهِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ عَدَمَ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ، وعَدَمَ قَبُولِ الأعْمالِ والعِباداتِ، وحِرْمانَ أرْواحِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ مُشاهَدَةَ مَناظِرِ الجَنَّةِ ومَقاعِدِ المُؤْمِنِينَ مِنها. فَقَوْلُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعْنى الحِرْمانِ مِنَ الخَيْراتِ الإلَهِيَّةِ المَحْضَةِ، وإنْ كانُوا يَنالُونَ مِن نِعَمِ
صفحة ١٢٧
اللَّهِ الجُثْمانِيَّةِ ما يَنالُهُ غَيْرُهم، فَيُغاثُونَ بِالمَطَرِ، ويَأْتِيهِمُ الرِّزْقُ مِنَ اللَّهِ، وهَذا بَيانٌ لِحالِ خُذْلانِهِمْ في الدُّنْيا الحائِلِ بَيْنَهم وبَيْنَ وسائِلِ دُخُولِ الجَنَّةِ، كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» وقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] .
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ: (لا تُفَتَّحُ) بِضَمِّ التّاءِ الأُولى وفَتْحِ الفاءِ والتّاءُ الثّانِيَةُ مُشَدَّدَةٌ وهو مُبالَغَةٌ في فَتْحٍ، فَيُفِيدُ تَحْقِيقَ نَفْيِ الفَتْحِ لَهم. أوْ أُشِيرَ بِتِلْكَ المُبالَغَةِ إلى أنَّ المَنفِيَّ فَتْحٌ مَخْصُوصٌ وهو الفَتْحُ الَّذِي يُفْتَحُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهو فَتْحٌ قَوِيٌّ، فَتَكُونُ تِلْكَ الإشارَةُ زِيادَةً في نِكايَتِهِمْ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ التّاءِ الأُولى وسُكُونِ الفاءِ وفَتْحِ التّاءِ الثّانِيَةِ مُخَفَّفَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ ”لا يَفْتَحُ“ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ مَعَ تَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ مَفْتُوحَةً عَلى اعْتِبارِ تَذْكِيرِ الفِعْلِ لِأجْلِ كَوْنِ الفاعِلِ جَمْعًا لِمُذَكَّرٍ.
وقَوْلُهُ: (﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ وتَحْقِيقٌ لِخُلُودِهِمْ في النّارِ.
وبَعْدَ أنْ حَقَّقَ ذَلِكَ بِتَأْكِيدِ الخَبَرِ كُلِّهِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، زِيدَ تَأْكِيدًا بِطَرِيقِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، المُشْتَهَرِ عِنْدَ أهْلِ البَيانِ بِتَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ فَقَدْ جَعَلَ لِانْتِفاءِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ امْتِدادًا مُسْتَمِرًّا، إذْ جَعَلَ غايَتَهُ شَيْئًا مُسْتَحِيلًا، وهو أنْ يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، أيْ لَوْ كانَتْ لِانْتِفاءِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ غايَةٌ لَكانَتْ غايَتُهُ وُلُوجَ الجَمَلِ - وهو البَعِيرُ - في سَمِّ الخِياطِ، وهو أمْرٌ لا يَكُونُ أبَدًا.
والجَمَلُ: البَعِيرُ المَعْرُوفُ لِلْعَرَبِ، ضُرِبَ بِهِ المَثَلُ لِأنَّهُ أشْهَرُ الأجْسامِ في الضَّخامَةِ في عُرْفِ العَرَبِ. والخِياطُ هو المِخْيَطُ - بِكَسْرِ المِيمِ - وهو
صفحة ١٢٨
آلَةُ الخِياطَةِ المُسَمّى بِالإبْرَةِ، والفِعالُ ورَدَ اسْمًا مُرادِفًا لِلْمِفْعَلِ في الدَّلالَةِ عَلى آلَةِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِمْ حِزامٌ ومِحْزَمٌ، وإزارٌ ومِئْزَرٌ، ولِحافٌ ومِلْحَفٌ، وقِناعٌ ومِقْنَعٌ.
والسَّمُّ: الخَرْتُ الَّذِي في الإبْرَةِ يُدْخَلُ فِيهِ خَيْطُ الخائِطِ، وهو ثُقْبٌ ضَيِّقٌ، وهو بِفَتْحِ السِّينِ في الآيَةِ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وتُضَمُّ السِّينُ في لُغَةِ أهْلِ العالِيَةِ. وهي ما بَيْنَ نَجْدٍ وبَيْنَ حُدُودِ أرْضِ مَكَّةَ.
والقُرْآنُ أحالَ عَلى ما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ مِن حَقِيقَةِ الجَمَلِ وحَقِيقَةِ الخِياطِ، لِيُعْلَمَ أنَّ دُخُولَ الجَمَلِ في خَرْتِ الإبْرَةِ مُحالٌ مُتَعَذَّرٌ ما داما عَلى حالَيْهِما المُتَعارَفَيْنِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ”وكَذَلِكَ“ إشارَةٌ إلى عَدَمِ تَفَتُّحِ أبْوابِ السَّماءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ أيْ، ومِثْلُ ذَلِكَ الِانْتِفاءِ، أيِ الحِرْمانِ نَجْزِي المُجْرِمِينَ لِأنَّهم بِإجْرامِهِمُ، الَّذِي هو التَّكْذِيبُ والإعْراضُ، جَعَلُوا أنْفُسَهم غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِوَسائِلِ الخَيْرِ والنَّجاةِ، فَلَمْ يَتَوَخَّوْها ولا تَطَلَّبُوها، فَلِذَلِكَ جَزاهُمُ اللَّهُ عَنِ اسْتِكْبارِهِمْ أنْ أعْرَضَ عَنْهم، وسَدَّ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ يُؤْذِنُ بِأنَّ الإجْرامَ هو الَّذِي أوْقَعَهم في ذَلِكَ الجَزاءِ، فَهم قَدْ دَخَلُوا في عُمُومِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ يُجْزَوْنَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ، وهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِنهم، لِأنَّ عِقابَ المُجْرِمِينَ قَدْ شُبِّهَ بِعِقابِ هَؤُلاءِ، فَعُلِمَ أنَّهم مُجْرِمُونَ، وأنَّهم في الرَّعِيلِ الأوَّلِ مِنَ المُجْرِمِينَ، حَتّى شَبَّهَ عِقابَ عُمُومِ المُجْرِمِينَ بِعِقابِ هَؤُلاءِ وكانُوا مَثَلًا لِذَلِكَ العُمُومِ.
والإجْرامُ: فِعْلُ الجُرْمِ - بِضَمِّ الجِيمِ - وهو الذَّنْبُ، وأصْلُ: أجْرَمَ صارَ ذا جُرْمٍ، كَما يُقالُ: ألْبَنَ وأتْمَرَ وأخْصَبَ.
والمِهادُ - بِكَسْرِ المِيمِ - ما يُمَهَّدُ أيْ يُفْرَشُ، وغَواشٌ: جَمْعُ غاشِيَةٍ وهي ما يَغْشى الإنْسانَ، أيْ يُغَطِّيهِ كالِلْحافِّ، شَبَّهَ ما هو تَحْتَهم مِنَ النّارِ
صفحة ١٢٩
بِالمِهادِ، وما هو فَوْقَهم مِنها بِالغَواشِي، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ الرّاحَةِ لَهم في جَهَنَّمَ، فَإنَّ المَرْءَ يَحْتاجُ إلى المِهادِ والغاشِيَةِ عِنْدَ اضْطِجاعِهِ لِلرّاحَةِ، فَإذا كانَ مِهادُهم وغاشِيَتُهم النّارَ، فَقَدِ انْتَفَتْ راحَتُهم، وهَذا ذِكْرٌ لِعَذابِهِمُ السُّوءِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حِرْمانَهم مِنَ الخَيْرِ.
وقَوْلُهُ: (غَواشٌ) وصْفٌ لِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مِن جَهَنَّمَ، أيْ ومِن فَوْقِهِمْ نِيرانٌ كالغَواشِي.
وذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الجَزاءِ بِالعِقابِ: هو الظُّلْمُ، وهو الشِّرْكُ، ولَمّا كانَ جَزاءُ الظّالِمِينَ قَدْ شُبِّهَ بِجَزاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ واسْتَكْبَرُوا عَنْها، عُلِمَ أنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ مِن جُمْلَةِ الظّالِمِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا التَّشْبِيهِ، بِحَيْثُ صارُوا مَثَلًا لِعُمُومِ الظّالِمِينَ، وبِهَذَيْنِ العُمُومَيْنِ كانَ الجُمْلَتانِ تَذْيِيلَتَيْنِ.
ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ: لِأنَّ الوَصْفَيْنِ، وإنْ كانا صادِقَيْنِ مَعًا عَلى المُكَذِّبِينَ المُشَبَّهِ عِقابُ أصْحابِ الوَصْفَيْنِ بِعِقابِهِمْ. فَوَصْفُ المُجْرِمِينَ أعَمُّ مَفْهُومًا مِن وصْفِ الظّالِمِينَ، لِأنَّ الإجْرامَ يَشْمَلُ التَّعْطِيلَ والمَجُوسِيَّةَ بِخِلافِ الإشْراكِ، وحَقِيقَةُ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْقِعَ المُضْمَرِ إنَّما تَتَقَوَّمُ حَيْثُ لا يَكُونُ لِلِاسْمِ الظّاهِرِ المَذْكُورِ مَعْنًى زائِدٌ عَلى مَعْنى الضَّمِيرِ.
7:42Page 155
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢
But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
أعْقَبَ الإنْذارَ والوَعِيدَ لِلْمُكَذِّبِينَ، بِالبِشارَةِ والوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ أحَدِ الغَرَضَيْنِ بِالآخَرِ.
وعُطِفَ عَلى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٤٠] أيْ: وإنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ. . . . إلَخْ، لِأنَّ بَيْنَ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ مُناسَبَةً مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ كَمالِ الِاتِّصالِ
صفحة ١٣٠
وكَمالِ الِانْقِطاعِ، وهو التَّضادُّ بَيْنَ وصْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِما في الجُمْلَتَيْنِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالآياتِ والإيمانُ بِها، وبَيْنَ حُكْمِ المُسْنَدَيْنِ وهو العَذابُ والنَّعِيمُ، وهَذا مِن قَبِيلِ الجامِعِ الوَهْمِيِّ المَذْكُورِ في أحْكامِ الفَصْلِ والوَصْلِ مِن عِلْمِ المَعانِي.
ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقٌ لِـ: (آمَنُوا) لِأنَّ الإيمانَ صارَ كاللَّقَبِ لِلْإيمانِ الخاصِّ الَّذِي جاءَ بِهِ دِينُ الإسْلامِ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و(﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ (الَّذِينَ آمَنُوا) . وجُمْلَةُ (﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ عَلى طَرِيقَةِ الإدْماجِ. وفائِدَةُ هَذا الإدْماجِ الِارْتِفاقُ بِالمُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ لَمّا بَشَّرَهم بِالجَنَّةِ عَلى فِعْلِ الصّالِحاتِ أطْمَنَ قُلُوبَهم بِأنْ لا يُطْلَبُوا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِما يَخْرُجُ عَنِ الطّاقَةِ، حَتّى إذا لَمْ يَبْلُغُوا إلَيْهِ أيِسُوا مِنَ الجَنَّةِ، بَلْ إنَّما يُطْلَبُونَ مِنها بِما في وُسْعِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ يُرْضِي رَبَّهم.
وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنَّهُ قالَ، في هَذِهِ الآيَةِ: إلّا يُسْرَها لا عُسْرَها أيْ قالَهُ عَلى وجْهِ التَّفْسِيرِ لا أنَّهُ قِراءَةٌ.
والوُسْعُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: لا ﴿يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ عَلى قَصْرِ مُلازَمَةِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ، دُونَ غَيْرِهِمْ، فَفِيهِ تَأْيِيسٌ آخَرُ لِلْمُشْرِكِينَ بِحَيْثُ قَوِيَتْ نَصِّيَّةُ حِرْمانِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها، وجُمْلَةُ: (﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾) حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences