Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:46–51

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:46–51

7:46–47Page 156

وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦

And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.

۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."

﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَقْدِيمُ وبَيْنَهُما وهو خَبَرٌ عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَكانِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ وما ذُكِرَ مِن شَأْنِهِ. وبِهَذا التَّقْدِيمِ صَحَّ تَصْحِيحُ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ.

وضَمِيرُ بَيْنِهِما يَعُودُ إلى لَفْظَيِ الجَنَّةِ والنّارِ الواقِعَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] . وهُما اسْما مَكانٍ، فَيَصْلُحُ اعْتِبارُ

صفحة ١٤١

التَّوَسُّطِ بَيْنَهُما. وجُعِلَ الحِجابُ فَصْلًا بَيْنَهُما، وتَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ تُعَيِّنُ هَذا المَعْنى، ولَوْ أُرِيدَ مِنَ الضَّمِيرِ فَرِيقا أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، لَقالَ: بَيْنَهم. كَما قالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] الآيَةَ.

والحِجابُ سُورٌ ضُرِبَ فاصِلًا بَيْنَ مَكانِ الجَنَّةِ ومَكانِ جَهَنَّمَ، وقَدْ سَمّاهُ القُرْآنُ سُورًا في قَوْلِهِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحديد: ١٣] في سُورَةِ الحَدِيدِ، وسُمِّيَ السُّورُ حِجابًا لِأنَّهُ يُقْصَدُ مِنهُ الحَجْبُ والمَنعُ كَما سُمِّيَ سُورًا بِاعْتِبارِ الإحاطَةِ.

والأعْرافُ: جَمْعُ عُرْفٍ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ، وقَدْ تُضَمُّ الرّاءُ أيْضًا وهو أعْلى الشَّيْءِ ومِنهُ سُمِّيَ عُرْفُ الفَرَسِ، الشَّعْرُ الَّذِي في أعْلى رَقَبَتِهِ، وسُمِّيَ عُرْفُ الدِّيكِ. الرِّيشُ الَّذِي في أعْلى رَأْسِهِ.

و(ألْ) في الأعْرافِ لِلْعَهْدِ، وهي الأعْرافُ المَعْهُودَةُ الَّتِي تَكُونُ بارِزَةً في أعالِي السُّورِ، لِيَرْقُبَ مِنها النَّظّارَةُ حَرَكاتِ العَدِّ ولِيَشْعُرُوا بِهِ إذا داهَمَهم. ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِلْأعْرافِ هُنا حَتّى تُعَرَّفَ بِلامِ العَهْدِ، فَتَعَيَّنَ أنَّها ما يَعْهَدُهُ النّاسُ في الأسْوارِ، أوْ يَجْعَلُ ”ألْ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ وعَلى أعْرافِ السُّورِ، وهُما وجْهانِ في نَظائِرِ هَذا التَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] وأيًّا ما كانَ فَنَظْمُ الآيَةِ يَأْبى أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأعْرافِ مَكانًا مَخْصُوصًا يَتَعَرَّفُ مِنهُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، إذْ لا وجْهَ حِينَئِذٍ لِتَعْرِيفِهِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ الحَدِيثِ عَنْهُ.

وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَصْحِيحِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، إذِ اقْتَضى المَقامُ الحَدِيثَ عَنْ رِجالٍ مَجْهُولِينَ يَكُونُونَ عَلى أعْرافِ هَذا الحِجابِ. قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيَشْهَدُونَ هُنالِكَ أحْوالَ أهْلِ الجَنَّةِ وأحْوالَ أهْلِ النّارِ، ويَعْرِفُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ كانُوا مِن أهْلِ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ في الدُّنْيا، وكانُوا يُكَذِّبُونَ وعْدَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ. ولَيْسَ تَخْصِيصُ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ بِمُقْتَضٍ أنْ لَيْسَ في أهْلِ الأعْرافِ نِساءٌ، ولا اخْتِصاصُ هَؤُلاءِ الرِّجالِ المُتَحَدَّثِ

صفحة ١٤٢

عَنْهم بِذَلِكَ المَكانِ دُونَ سِواهم مِنَ الرِّجالِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ رِجالٌ يَقَعُ لَهم هَذا الخَبَرُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلِاعْتِبارِ عَلى وجْهِ المُصادَفَةِ، لا لِقَصْدِ تَقْسِيمِ أهْلِ الآخِرَةِ وأمْكِنَتِهِمْ، ولَعَلَّ تَوَهُّمَ أنَّ تَخْصِيصَ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ لِقَصْدِ التَّقْسِيمِ قَدْ أوْقَعَ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ في حَيْرَةٍ لِتَطَلُّبِ المَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أهْلُ الأعْرافِ قَدِ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ المَكانَ لِأجْلِ حالَةٍ لا حَظَّ لِلنِّساءِ فِيها، فَبَعْضُهم حَمَلَ الرِّجالَ عَلى الحَقِيقَةِ فَتَطَلَّبَ عَمَلًا يَعْمَلُهُ الرِّجالُ لا حَظَّ لِلنِّساءِ فِيهِ في الإسْلامِ، ولَيْسَ إلّا الجِهادُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ جاهَدُوا وكانُوا عاصِينَ لِآبائِهِمْ، وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ حَمَلَ الرِّجالَ عَلى المَجازِ بِمَعْنى الأشْخاصِ مِنَ المَلائِكَةِ، أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ الرِّجالَ لِأنَّهم لَيْسُوا إناثًا كَما أُطْلِقَ عَلى أشْخاصِ الجِنِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] فَيَظْهَرُ وجْهٌ لِتَخْصِيصِ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ تَبَعًا لِما في بَعْضِ تِلْكَ الأحادِيثِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها.

وأمّا ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ مَوازِينُ حَسَناتِهِمْ مَعَ مَوازِينِ سَيِّئاتِهِمْ، ويَكُونُ إطْلاقُ الرِّجالِ عَلَيْهِمْ تَغْلِيبًا، لِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ نِساءٌ، ويُرْوى فِيهِ أخْبارٌ مُسْنَدَةٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الصَّحِيحِ ولَمْ تَنْزِلْ إلى رُتْبَةِ الضَّعِيفِ: رَوى بَعْضُها ابْنُ ماجَهْ، وبَعْضُها ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وبَعْضُها الطَّبَرِيُّ، فَإذا صَحَّتْ فَإنَّ المُرادَ مِنها أنَّ مَن كانَتْ تِلْكَ حالَتُهم يَكُونُونَ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الأعْرافِ المُخْبَرِ عَنْهم في القُرْآنِ بِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ وهم يَطْمَعُونَ، ولَيْسَ المُرادُ مِنها أنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ فِيها.

والَّذِي يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الآيَةِ بِهِ: أنَّ هَذِهِ الأعْرافَ جَعَلَها اللَّهُ مَكانًا يُوقِفُ بِهِ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قَبْلَ دُخُولِهِ إيّاها، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ العِقابِ خَفِيفٌ، فَجَعَلَ الدّاخِلِينَ إلى الجَنَّةِ مُتَفاوِتِينَ في السَّبْقِ تَفاوُتًا يَعْلَمُ اللَّهُ أسْبابَهُ ومَقادِيرَهُ، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] . وخَصَّ اللَّهُ

صفحة ١٤٣

بِالحَدِيثِ في هَذِهِ الآياتِ رِجالًا مِن أصْحابِ الأعْرافِ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأعْرافِ مِنَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مِن سائِرِ الأُمَمِ المُؤْمِنِينَ بِرُسُلِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ هم مَن كانَ مِنَ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ.

وتَنْوِينُ كُلًّا عَوِضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَعْرُوفِ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ أيْ كُلَّ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ.

والسِّيما بِالقَصْرِ السِّمَةُ أيِ العَلامَةُ، أيْ بِعَلّامَةٍ مَيَّزَ اللَّهُ بِها أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها واشْتِقاقُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ونِداؤُهم أهْلَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ يُؤْذِنُ بِأنَّهم في اتِّصالٍ بَعِيدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ أمارَةً لَهم بِحُسْنِ عاقِبَتِهِمْ تَرْتاحُ لَها نُفُوسُهم، ويَعْلَمُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلى الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ حَكى اللَّهُ حالَهم هَذِهِ لِلنّاسِ إيذانًا بِذَلِكَ وبانَ طَمَعُهم في قَوْلِهِ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ هو طَمَعٌ مُسْتَنِدٌ إلى عَلاماتِ وُقُوعِ المَطْمُوعِ فِيهِ، فَهو مِن صِنْفِ الرَّجاءِ كَقَوْلِهِ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] .

وأنْ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ، وهو القَوْلُ سَلامٌ عَلَيْكم.

وسَلامٌ عَلَيْكم دُعاءُ تَحِيَّةٍ وإكْرامٍ.

وجُمْلَةُ لَمْ يَدْخُلُوها ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ. لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ يُثِيرُ سُؤالًا يَبْحَثُ عَنْ كَوْنِهِمْ صائِرِينَ إلى الجَنَّةِ أوْ إلى غَيْرِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَدْخُلُوها والجُمْلَتانِ مَعًا مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ وجُمْلَةُ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ .

والصَّرْفُ: أمَرُ الحالِ بِمُغادَرَةِ المَكانِ. والصَّرْفُ هُنا مَجازٌ في الِالتِفاتِ أوِ اسْتِعارَةٌ. وإسْنادُهُ إلى المَجْهُولِ هُنا جارٍ عَلى المُتَعارَفِ في أمْثالِهِ مِنَ

صفحة ١٤٤

الأفْعالِ الَّتِي لا يُتَطَلَّبُ لَها فاعِلٌ، وقَدْ تَكَوَّنَ لِهَذا الإسْنادِ هُنا فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي الإشارَةُ إلى أنَّهم لا يَنْظُرُونَ إلى أهْلِ النّارِ إلّا نَظَرًا شَبِيهًا بِفِعْلِ مَن يَحْمِلُهُ عَلى الفِعْلِ حامِلٌ، وذَلِكَ أنَّ النَّفْسَ وإنْ كانَتْ تَكْرَهُ المَناظِرَ السَّيِّئَةَ فَإنَّ حُبَّ الِاطِّلاعِ يَحْمِلُها عَلى أنْ تُوَجِّهَ النَّظَرَ إلَيْها آوِنَةً لِتَحْصِيلِ ما هو مَجْهُولٌ لَدَيْها.

والتِّلْقاءُ: مَكانُ وُجُودِ الشَّيْءِ، وهو مَنقُولٌ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي هو بِمَعْنى اللِّقاءِ، لِأنَّ مَحَلَّ الوُجُودِ مُلاقٍ لِلْمَوْجُودِ فِيهِ.

7:48–49Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨

And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."

أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩

[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."

﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿أصْحابُ الأعْرافِ﴾ لِلْعَهْدِ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ هُنا ﴿رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ﴾ إذْ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الرِّجالُ يُنادِيهِمْ جَمِيعُ مَن كانَ عَلى الأعْرافِ، ولا أنْ يَعْرِفَهم بِسِيماهم جَمِيعُ الَّذِينَ كانُوا عَلى الأعْرافِ، مَعَ اخْتِلافِ العُصُورِ والأُمَمِ، فالمَقْصُودُ بِأصْحابِ الأعْرافِ هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في الآيَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونادى أُولَئِكَ الرِّجالُ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ رِجالًا. والتَّعْبِيرُ عَنْهم هُنا بِأصْحابِ الأعْرافِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، إذْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ. ونادَوْا رِجالًا، إلّا أنَّهُ لَمّا تَعَدَّدَ في الآيَةِ السّابِقَةِ ما يَصْلُحُ لِعَوْدِ الضَّمائِرِ إلَيْهِ وقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ دَفْعًا لِلِالتِباسِ.

صفحة ١٤٥

والنِّداءُ يُؤْذِنُ بِبُعْدِ المُخاطَبِ فَيَظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ لَمّا تَطَلَّعُوا بِأبْصارِهِمْ إلى النّارِ عَرَفُوا رِجالًا، أوْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمّا مُرَّ عَلَيْهِمْ بِأهْلِ النّارِ عَرَفُوا رِجالًا كانُوا جَبّارِينَ في الدُّنْيا. والسِّيما هُنا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها المُشَخِّصاتِ الذّاتِيَّةَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِها الأشْخاصُ، ولَيْسَتِ السِّيما الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها أهْلُ النّارِ كُلُّهم كَما هو في الآيَةِ السّابِقَةِ.

فالمَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن أمْرِ الآخِرَةِ. فِيهِ نِذارَةٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَبابِرَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يُحَقِّرُونَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِمْ عَبِيدٌ وفُقَراءُ فَإذا سَمِعُوا بِشاراتِ القُرْآنِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ سَكَتُوا عَمَّنْ كانَ مِن أحْرارِ المُسْلِمِينَ وسادَتِهِمْ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الضِّعافُ والعَبِيدُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أيْ لَوْ فَرَضُوا صِدْقَ وُجُودِ جَنَّةٍ، فَلَيْسَ هَؤُلاءِ بِأهْلٍ لِسُكْنى الجَنَّةِ لِأنَّهم ما كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالجَنَّةِ، وقَصْدُهم مِن هَذا تَكْذِيبُ النَّبِيءِ ﷺ وإظْهارِ ما يَحْسَبُونَهُ خَطَلًا مِن أقْوالِهِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] فَجَعَلُوا تَمَزُّقَ الأجْسادِ وفَناءَها دَلِيلًا عَلى إبْطالِ الحَشْرِ. وسَكَتُوا عَنْ حَشْرِ الأجْسادِ الَّتِي لَمْ تُمَزَّقْ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن سُوءِ الفَهْمِ وضَعْفِ الإدْراكِ والتَّخْلِيطِ بَيْنَ العادِيّاتِ والعَقْلِيّاتِ. قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: يُنادِي أهْلُ الأعْرافِ وهم عَلى السُّورِ يا ولِيدُ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلَ بْنَ هِشامٍ يا فُلانُ ويا فُلانُ فَهَؤُلاءِ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم وكانُوا مِن أهْلِ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ.

ومَعْنى جَمْعُكم يَحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ النّاسِ، أيْ ما أغْنَتْ عَنْكم كَثْرَتُكُمُ الَّتِي تَعْتَزُّونَ بِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ مِنَ الجَمْعِ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ ما جَمَعْتُمُوهُ مِنَ المالِ والثَّرْوَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] .

صفحة ١٤٦

وما الأُولى نافِيَةٌ، ومَعْنى ﴿ما أغْنى﴾ ما أجْزى مَصْدَرُهُ الغَناءُ بِفَتْحِ الغَيْنِ وبِالمَدِّ.

والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّماتَةِ والتَّوْقِيفِ عَلى الخَطَأِ.

وما الثّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ واسْتِكْبارُكُمُ الَّذِي مَضى في الدُّنْيا، ووَجْهُ صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ دُونَ المَصْدَرِ إذْ لَمْ يَقُلْ اسْتِكْبارُكم لِيَتَوَسَّلَ بِالفِعْلِ إلى كَوْنِهِ مُضارِعًا فَيُفِيدُ أنَّ الِاسْتِكْبارَ كانَ دَأْبَهم لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ.

وجُمْلَةُ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ.

والإشارَةُ بِـ أهَؤُلاءِ إلى قَوْمٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ في الدُّنْيا ومُحَقَّرِينَ عِنْدَ المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ هَؤُلاءِ مِثْلُ سَلْمانَ، وبِلالٍ، وخَبّابٍ، وصُهَيْبٍ مِن ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ، فَإمّا أنْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ قَدِ اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ فَجَلّاهم اللَّهُ لِأهْلِ الأعْرافِ ولِلرِّجالِ الَّذِينَ خاطَبُوهم، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحِوارُ قَدْ وقَعَ قَبْلَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ. وقَسَمُهم عَلَيْهِمْ لِإظْهارِ تَصَلُّبِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ وأنَّهم لا يُخامِرُهم شَكٌّ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] .

وقَوْلُهُ لا ﴿يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ، وقَدْ سَلَّطُوا النَّفْيَ في كَلامِهِمْ عَلى مُراعاةِ نَفْيِ كَلامٍ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوِ المُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ أنَّ بِشاراتِ القُرْآنِ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ، ووَعْدَهُ إيّاهم بِالجَنَّةِ، وثَناءَهُ عَلَيْهِمْ نَزَلَ مَنزِلَةَ كَلامٍ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَنالُهم بِرَحْمَةٍ، أيْ بِأنْ جَعَلَ إيواءَ اللَّهِ إيّاهم بِدارِ رَحْمَتِهِ، أيِ الجَنَّةِ، بِمَنزِلَةِ النَّيْلِ وهو حُصُولُ الأمْرِ المَحْبُوبِ المَبْحُوثِ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] آنِفًا، فَأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ الإيواءِ فِعْلَ يَنالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.

صفحة ١٤٧

وجُعِلَتِ الرَّحْمَةُ بِمَنزِلَةِ الآلَةِ لِلنَّيْلِ كَما يُقالُ: نالَ الثَّمَرَةَ بِمِحْجَنٍ، فالباءُ لِلْآلَةِ. أوْ جُعِلَتِ الرَّحْمَةُ مُلابَسَةً لِلنَّيْلِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والنَّيْلُ هُنا اسْتِعارَةٌ، وقَدْ عَمَدُوا إلى هَذا الكَلامِ المُقَدَّرِ فَنَفَوْهُ فَقالُوا: (لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ)

وهَذا النَّظْمُ الَّذِي حُكِيَ بِهِ قَسَمُهم يُؤْذِنُ بِتَهَكُّمِهِمْ بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وقَدْ أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسَبِ نَظْمِها.

وجُمْلَةُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ قِيلَ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، وحَذْفُ القَوْلِ في مِثْلِهِ كَثِيرٌ ولا سِيَّما إذا كانَ المَقُولُ جُمْلَةً إنْشائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: قالَ لَهُمُ اللَّهُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَكَذَّبَ اللَّهُ قَسَمَكم وخَيَّبَ ظَنَّكم، وهَذا كُلُّهُ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ لِلدُّعاءِ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ بِهَؤُلاءِ هم أُناسٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، لِأنَّ ذَلِكَ الحِينَ قَدِ اسْتَقَرَّ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، كَما تَقْتَضِيهِ الآياتُ السّابِقَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] إلى قَوْلِهِ ﴿القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] فَلِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ جَعْلُ الأمْرِ لِلدُّعاءِ كَما في قَوْلِ المَعَرِّيِّ:

ابْقَ في نِعْمَةٍ بَقاءَ الدُّهُـورِ نافِذَ الحُكْمِ في جَمِيعِ الأُمُورِ

وإذْ قَدْ كانَ الدُّخُولُ حاصِلًا فالدُّعاءُ بِهِ لِإرادَةِ الدَّوامِ كَما يَقُولُ الدّاعِي عَلى الخارِجِ: اخْرُجْ غَيْرَ مَأْسُوفٍ عَلَيْكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.

ورُفِعَ خَوْفٌ مَعَ لا لِأنَّ أسْماءَ أجْناسِ المَعانِي الَّتِي لَيْسَتْ لَها أفْرادٌ في الخارِجِ يَسْتَوِي في نَفْيِها بِلا الرَّفْعُ والفَتْحُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.

7:50Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠

And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers

﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الأعراف: ٥١]

صفحة ١٤٨

القَوْلُ في نادى وفي أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ كالقَوْلِ في: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ. وأصْحابُ النّارِ مُرادٌ بِهِمْ مَن كانَ مِن مُشْرِكِي أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ كَما تَقَدَّمَ، ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ بَعْدُ ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ [الأعراف: ٥٢] .

فِعْلُ الفَيْضِ حَقِيقَتُهُ سَيَلانُ الماءِ وانْصِبابُهُ بِقُوَّةٍ ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الكَثْرَةِ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «ويَفِيضُ المالُ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ» ويَجِيءُ مِنهُ مَجازٌ في السَّخاءِ ووَفْرَةِ العَطاءِ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ «أنَّهُ قالَ لِطَلْحَةَ: أنْتَ الفَيّاضُ» فالفَيْضُ في الآيَةِ إذا حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ أصْحابُ النّارِ طالِبِينَ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ أنْ يَصُبُّوا عَلَيْهِمْ ماءً لِيَشْرَبُوا مِنهُ، وعَلى هَذا المَعْنى حَمَلَهُ المُفَسِّرُونَ، ولِأجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَ ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى المُفْرَدِ، فَيُقَدَّرُ عامِلٌ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ يُناسِبُ ما عَدا الماءَ تَقْدِيرُهُ: أوْ أعْطُونا، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:

عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بَـارِدًا حَتّى شَبَّتْ هَمّالَةً عَيْناها

تَقْدِيرُهُ: عَلَفْتُها تِبْنًا وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ مِن بِمَعْنى بَعْضٍ، أوْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَيْئًا مِنَ الماءِ، لِأنَّ: أفِيضُوا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ.

ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ الفَيْضُ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، وهو سِعَةُ العَطاءِ والسَّخاءِ، مِنَ الماءِ والرِّزْقِ، إذْ لَيْسَ مَعْنى الصَّبِّ بِمُناسِبٍ بَلِ المَقْصُودُ الإرْسالُ والتَّفَضُّلُ، ويَكُونُ العَطْفُ عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ وهو أصْلُ العَطْفِ، ويَكُونُ سُؤْلُهم مِنَ الطَّعامِ مُماثِلًا لِسُؤْلِهِمْ مِنَ الماءِ في الكَثْرَةِ، فَيَكُونُ في هَذا الحَمْلِ

صفحة ١٤٩

تَعْرِيضٌ بِأنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ أهْلُ سَخاءٍ، وتَكُونُ مِن عَلى هَذا الوَجْهِ بَيانِيَّةً لِمَعْنى الإفاضَةِ، ويَكُونُ فِعْلُ (أفِيضُوا) مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَتَتَعَلَّقُ مِن بِفِعْلِ أفِيضُوا.

والرِّزْقُ مُرادٌ بِهِ الطَّعامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥] الآيَةَ.

وضَمِيرُ قالُوا لِأصْحابِ الجَنَّةِ، وهو جَوابُهم عَنْ سُؤالِ أصْحابِ النّارِ، ولِذَلِكَ فَصَلَ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ.

والتَّحْرِيمُ في قَوْلِهِ ﴿حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو المَنعُ كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ: حَرُمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَها لَمْ تَحْرُمِ وقَوْلِهِ ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] .

والمُرادُ بِالكافِرِينَ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهم قَدْ عُرِفُوا في القُرْآنِ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا، وعُرِفُوا بِإنْكارِ لِقاءِ يَوْمِ الحَشْرِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] إلى قَوْلِهِ ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الأعراف: ٥١] هو مِن حِكايَةِ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَيَكُونُ ﴿اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا﴾ [الأعراف: ٥١] إلَخْ صِفَةً لِلْكافِرِينَ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا﴾ [الأعراف: ٥١] مُبْتَدَأً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وهو يُفْضِي إلى جَعْلِ الفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] داخِلَةً عَلى خَبَرِ المُبْتَدَإ لِتَشْبِيهِ اسْمِ المَوْصُولِ بِأسْماءِ الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ تَعالى

صفحة ١٥٠

﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] وقَدْ جُعِلَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١] إلى قَوْلِهِ ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١] آيَةً واحِدَةً في تَرْقِيمِ أعْدادِ آيِ المَصاحِفِ ولَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ.

7:51Page 156

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ اعْتِراضٌ حُكِيَ بِهِ كَلامٌ يُعْلَنُ بِهِ، مِن جانِبٍ اللَّهِ تَعالى، يَسْمَعُهُ الفَرِيقانِ. وتَغْيِيرُ أُسْلُوبِ الكَلامِ هو القَرِينَةُ عَلى اخْتِلافِ المُتَكَلِّمِ، وهَذا الألْيَقُ بِما رَجَّحْناهُ مِن جَعْلِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ إلى آخِرِهِ حِكايَةً لِكَلامِ أصْحابِ الجَنَّةِ.

والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِ أصْحابِ الجَنَّةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ الآيَةَ. وهَذا العَطْفُ بِالفاءِ مِن قَبِيلِ ما يُسَمّى بِعَطْفِ التَّلْقِينِ المُمَثَّلِ لَهُ غالِبًا بِمَعْطُوفٍ بِالواوِ فَهو عَطْفُ كَلامِ مُتَكَلِّمٍ عَلى كَلامِ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: قالَ اللَّهُ فاليَوْمَ نَنْساهم، فَحَذَفَ فِعْلَ القَوْلِ، وهَذا تَصْدِيقٌ لِأصْحابِ الجَنَّةِ، ومَن جَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى تَكُونُ الفاءُ عِنْدَهم تَفْرِيعًا في كَلامٍ واحِدٍ.

والنِّسْيانُ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإهْمالِ والتَّرْكِ لِأنَّهُ مِن لَوازِمِ النِّسْيانِ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا في الدُّنْيا ناسِينَ لِقاءَ يَوْمِ القِيامَةِ. فَقَدْ كانُوا يَذْكُرُونَهُ ويَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ حَدِيثَ مَن لا يُصَدِّقُ بِوُقُوعِهِ.

وتَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِفِعْلِ: نَنْساهم لِإظْهارِ أنَّ حِرْمانَهم مِنَ الرَّحْمَةِ كانَ مِن أشَدِّ أوْقاتِ احْتِياجِهِمْ إلَيْها، فَكانَ لِذِكْرِ اليَوْمِ أثَرٌ في إثارَةِ تَحَسُّرِهِمْ ونَدامَتِهِمْ، وذَلِكَ عَذابٌ نَفْسانِيٌّ.

صفحة ١٥١

ودَلَّ مَعْنى كافِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿كَما نَسُوا﴾ عَلى أنَّ حِرْمانَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ كانَ مُماثِلًا لِإهْمالِهِمُ التَّصْدِيقَ بِاللِّقاءِ، وهي مُماثَلَةُ جَزاءِ العَمَلِ لِلْعَمَلِ، وهي مُماثَلَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، فَلِذَلِكَ يُقالُ: إنَّ الكافَ في مِثْلِهِ لِلتَّعْلِيلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وإنَّما التَّعْلِيلُ مَعْنًى يَتَوَلَّدُ مِنِ اسْتِعْمالِ الكافِ في التَّشْبِيهِ الِاعْتِبارِيِّ، ولَيْسَ هَذا التَّشْبِيهُ بِمَجازٍ، ولَكِنَّهُ حَقِيقَةٌ خَفِيَّةٌ لِخَفاءِ وجْهِ الشَّبَهِ.

وقَوْلُهُ ﴿كَما نَسُوا﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ نَنْساهم أيْ نِسْيانًا كَما نَسُوا.

وما في: ﴿كَما نَسُوا﴾ وفي ﴿وما كانُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] مَصْدَرِيَّةٌ أيْ كَنِسْيانِهِمُ اللِّقاءَ وكَجَحْدِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ. ومَعْنى جَحْدِ الآياتِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском