Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:59–63

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:59–63

7:59Page 158

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩

We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day."

﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ انْتَقَلَ بِهِ الغَرَضُ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ والمِنَّةِ المُبْتَدِئَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٠]، وتَنْبِيهِ أهْلِ الضَّلالَةِ أنَّهم غارِقُونَ في كَيْدِ الشَّيْطانِ، الَّذِي هو عَدُوُّ نَوْعِهِمْ، مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، ثُمَّ بِالتَّهْدِيدِ بِوَصْفِ عَذابِ الآخِرَةِ وأحْوالِ النّاسِ فِيهِ، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الأمْثالِ والتَّعْرِيضِ؛ إلى غَرَضِ الِاعْتِبارِ والمَوْعِظَةِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ لَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِقَوْلِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] الآيَةَ، وقَدْ أُفِيضَ القَوْلُ فِيهِ في مُعْظَمِ السُّورَةِ وتَتْبَعُ هَذا الِاعْتِبارَ أغْراضٌ أُخْرى: وهي تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ، وتَعْلِيمُ أُمَّتِهِ بِتارِيخِ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، لِيَعْلَمَ المُكَذِّبُونَ مِنَ العَرَبِ أنْ لا غَضاضَةَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ولا عَلى رِسالَتِهِ مِن تَكْذِيبِهِمْ، ولا يَجْعَلُهُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، بَلْهَ أنْ يُؤَيِّدَ زَعْمَهم أنَّهُ لَوْ كانَ صادِقًا في رِسالَتِهِ لَأيَّدَهُ اللَّهُ بِعِقابِ مُكَذِّبِيهِ لَمّا قالُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أوِ الحِجاجِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] . ولِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم أنَّ ما لَقِيَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قَوْمِهِ هو شِنْشِنَةُ أهْلِ الشَّقاوَةِ تِلْقاءَ دَعْوَةِ رُسُلِ اللَّهِ. وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِأنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الأخْبارِ

صفحة ١٨٨

تَنْظِيرُ أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَها بِحالِ مُشْرِكِي العَرَبِ في تَكْذِيبِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وكَثُرَ في الكَلامِ اقْتِرانُ جُمْلَةِ جَوابِ القِسْمِ: بِـ قَدْ لِأنَّ القَسَمَ يُهَيِّئُ نَفْسَ السّامِعِ لِتَوَقُّعِ خَبَرٍ مُهِمٍّ فَيُؤْتى بِقَدْ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ أمْرٍ مُتَوَقَّعٍ، كَما أثْبَتَهُ الخَلِيلُ والزَّمَخْشَرِيُّ، والتَّوَقُّعُ قَدْ يَكُونُ تَوَقُّعًا لِلْمُخْبَرِ بِهِ، وقَدْ يَكُونُ تَوَقُّعًا لِلْخَبَرِ كَما هُنا.

وتَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِنُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكانَ قَوْمُ نُوحٍ يَسْكُنُونَ الجَزِيرَةَ والعِراقَ - حَسَبَ ظَنِّ المُؤَرِّخِينَ - وعَبَّرَ عَنْهُمُ القُرْآنُ بِطَرِيقِ القَوْمِيَّةِ المُضافَةِ إلى نُوحٍ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْمٌ خاصٌّ مِن أسْماءِ الأُمَمِ يُعْرَفُونَ بِهِ، فالتَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ هُنا لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ.

وعَطَفَ جُمْلَةَ ﴿فَقالَ يا قَوْمِ﴾ عَلى جُمْلَةِ أرْسَلْنا بِالفاءِ إشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ صَدَرَ مِنهُ بِفَوْرِ إرْسالِهِ، فَهي مَضْمُونُ ما أُرْسِلَ بِهِ.

وخاطَبَ نُوحٌ قَوْمَهُ كُلَّهم لِأنَّ الدَّعْوَةَ لا تَكُونُ إلّا عامَّةً لَهم، وعَبَّرَ في نِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِ لِتَذْكِيرِهِمْ بِآصِرَةِ القَرابَةِ، لِيَتَحَقَّقُوا أنَّهُ ناصِحٌ ومُرِيدٌ خَيْرَهم ومُشْفِقٌ عَلَيْهِمْ، وأضافَ ”القَوْمَ“ إلى ضَمِيرِهِ لِلتَّحْبِيبِ والتَّرْقِيقِ لِاسْتِجْلابِ اهْتِدائِهِمْ.

وقَوْلُهُ لَهُمُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إبْطالٌ لِلْحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وهي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ حالَةُ شِرْكٍ كَحالَةِ العَرَبِ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ حالَةَ وثَنِيَّةٍ بِاقْتِصارِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ دُونَ اللَّهِ تَعالى، كَحالَةِ الصّابِئَةِ وقُدَماءِ اليُونانِ، وآياتُ القُرْآنِ صالِحَةٌ لِلْحالَيْنِ، والمَنقُولُ في القَصَصِ: أنَّ قَوْمَ نُوحٍ كانُوا مُشْرِكِينَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آلِهَةَ قَوْمِ نُوحٍ أسْماءُ جَماعَةٍ مِن صالِحِيهِمْ فَلَمّا ماتُوا قالَ

صفحة ١٨٩

قَوْمُهم: لَوِ اتَّخَذْنا في مَجالِسِهِمْ أنْصابًا فاتَّخَذُوها وسَمَّوْها بِأسْمائِهِمْ حَتّى إذا هَلَكَ أُولَئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ.

وظاهِرُ ما في سُورَةِ نُوحٍ أنَّهم كانُوا لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ لِقَوْلِهِ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ [نوح: ٣] وظاهِرُ ما في سُورَةِ فُصِّلَتْ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ لِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] مَعَ احْتِمالِ أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ فَإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ كانَ أمْرُهُ إيّاهم بِعِبادَةِ اللَّهِ مُقَيَّدًا بِمَدْلُولِ قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أيْ أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ ولا تُشْرِكُوا مَعَهُ الأصْنامَ، وإنْ كانُوا مُقْتَصِرِينَ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ كانَ قَوْلُهُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلًا لِلْإقْبالِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، أيْ هو الإلاهُ لا أوْثانُكم.

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بَيانٌ لِلْعِبادَةِ الَّتِي أمَرَهم بِها، أيْ أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ لَكم بِإلاهٍ.

وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِلْأمْرِ بِالإقْلاعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ غَيْرُهُ بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِإلَهٍ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ لِأنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ إذْ هو مُبْتَدَأٌ وإنَّما جُرَّ لِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ ولا يُعْتَدُّ بِجَرِّهِ، وقَرَأهُ الكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِجَرِّ ”غَيْرِ“ عَلى النَّعْتِ لِلَفْظِ (إلَهٍ) نَظَرًا لِحَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ، كَما في الكَشّافِ: أيْ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: اتْرُكُوا عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ خَوْفًا مِن عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وبُنِيَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى خَوْفِ المُتَكَلِّمِ عَلَيْهِمْ، دَلالَةً عَلى إمْحاضِهِ النُّصْحَ لَهم وحِرْصِهِ عَلى سَلامَتِهِمْ، حَتّى جَعَلَ ما يَضُرُّ بِهِمْ كَأنَّهُ يَضُرُّ بِهِ، فَهو يَخافُهُ كَما يَخافُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ هَذا كانَ في مَبْدَأِ خِطابِهِمْ بِما أُرْسِلُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَهُ بَعْدَ أنْ ظَهَرَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ: أيْ إنْ كُنْتُمْ لا تَخافُونَ عَذابًا فَإنِّي أخافُهُ

صفحة ١٩٠

عَلَيْكم، وهَذا مِن رَحْمَةِ الرُّسُلِ بِقَوْمِهِمْ.

وفِعْلُ الخَوْفِ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى الشَّيْءِ المَخُوفِ مِنهُ، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ عَلى إذا كانَ الخَوْفُ مِن ضُرٍّ يَلْحَقُ غَيْرَ الخائِفِ، كَما قالَ الأحْوَصُ:

فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ثانِيَةً بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ لِقَصْدِ الإرْهابِ والإنْذارِ، ونُكْتَةُ بِناءِ نَظْمِ الكَلامِ عَلى خَوْفِ المُتَكَلِّمِ عَلَيْهِمْ هي هي.

والعَذابُ المَخُوفُ ويَوْمُهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُما في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا، والأظْهَرُ الأوَّلُ لِأنَّ جَوابَهم بِأنَّهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ يُشْعِرُ بِأنَّهم أحالُوا الوَحْدانِيَّةَ وأحالُوا البَعْثَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٧] فَحالُهم كَحالِ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ تُمَحِّضُ أهْلَها لِلِاقْتِصارِ عَلى أغْراضِ الدُّنْيا.

7:60Page 158

قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠

Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."

﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الفَصْلِ في المُحاوَراتِ، واقْتَرَنَ جَوابُهم بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم حَقَّقُوا وأكَّدُوا اعْتِقادَهم أنَّ نُوحًا مُنْغَمِسٌ في الضَّلالَةِ. المَلَأُ مَهْمُوزٌ بِغَيْرِ مَدٍّ: الجَماعَةُ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ ورَأْيُهم واحِدٌ لِأنَّهم يُمالِئُ بَعْضُهم بَعْضًا، أيْ يُعاوِنُهُ ويُوافِقُهُ، ويُطْلَقُ المَلَأُ عَلى أشْرافِ القَوْمِ وقادَتِهِمْ لِأنَّ شَأْنَهم أنْ يَكُونَ رَأْيُهم واحِدًا عَنْ تَشاوُرٍ، وهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَرِينَةِ (مِن) الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ أيْ أنَّ قادَةَ القَوْمِ هُمُ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِمُجادَلَةِ نُوحٍ والمُناضَلَةِ عَنْ دِينِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ خاطَبَ جَمِيعَهم، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، أيْ إنّا لَنُوقِنُ أنَّكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ولَمْ يُوصَفِ المَلَأُ هُنا بِالَّذِينَ كَفَرُوا، أوْ بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا كَما وُصِفَ المَلَأُ في قِصَّةِ هُودٍ بِالَّذِينَ

صفحة ١٩١

كَفَرُوا اسْتِغْناءً بِدَلالَةِ المَقامِ عَلى أنَّهم كَذَّبُوا وكَفَرُوا.

وظَرْفِيَّةُ في ضَلالٍ مَجازِيَّةٌ تَعْبِيرًا عَنْ تَمَكُّنِ وصْفِ الضَّلالِ مِنهُ حَتّى كَأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ مِن جَوانِبِهِ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.

والضَّلالُ اسْمُ مَصْدَرِ ضَلَّ إذا أخْطَأ الطَّرِيقَ المُوصِلَ، والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُرادِفِ بانَ، وذَلِكَ هو الضَّلالُ البالِغُ الغايَةَ في البُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وهَذِهِ شُبْهَةٌ مِنهم، فَإنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ الحَقَّ هو ما هم عَلَيْهِ، فَلا عَجَبَ إذا جَعَلُوا ما بَعُدَ عَنْهُ بُعْدًا عَظِيمًا ضَلالًا بَيِّنًا لِأنَّهُ خالَفَهم، وجاءَ بِما يَعُدُّونَهُ مِنَ المُحالِ، إذْ نَفى الإلَهِيَّةَ عَنْ آلِهَتِهِمْ، فَهَذِهِ مُخالَفَةٌ، وأثْبَتَها لِلَّهِ وحْدَهُ، فَإنْ كانُوا وثَنِيِّينَ فَهَذِهِ مُخالَفَةٌ أُخْرى، وتَوَعَّدَهم بِعَذابٍ عَلى ذَلِكَ وهَذِهِ مُخالَفَةٌ أيْضًا، وإنْ كانَ العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ عَذابُ الآخِرَةِ فَقَدْ أخْبَرَهم بِأمْرٍ مُحالٍ عِنْدَهم وهو البَعْثُ، فَهي مُخالِفَةٌ أُخْرى، فَضَلالُهُ عِنْدَهم مُبِينٌ، وقَدْ يَتَفاوَتُ ظُهُورُهُ، وادَّعى أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ وهَذا في زَعْمِهِمْ تَعَمُّدُ كَذِبٍ وسَفاهَةُ عَقْلٍ وادِّعاءُ مُحالٍ كَما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] - وقَوْلِهِ هُنا - ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] الآيَةَ.

7:61–63Page 158

قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١

[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.

أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢

I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allāh what you do not know.

أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allāh so you might receive mercy?"

﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ المُحاوَراتِ.

والنِّداءُ في جَوابِهِ إيّاهم لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ولَمْ يَخُصَّ خُطّابَهُ بِالَّذِينَ جاوَبُوهُ، بَلْ أعادَ الخِطابَ إلى القَوْمِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ جَوابَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُجادَلَةً

صفحة ١٩٢

لِلْمَلَأِ مِن قَوْمِهِ هو أيْضًا يَتَضَمَّنُ دَعْوَةً عامَّةً، كَما هو بَيِّنٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ في نِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ، فَأعادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُوسِهِمْ مِمّا سَيَعْقُبُ النِّداءَ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] .

والضَّلالَةُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الضَّلالِ، فَتَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ مَحْضٌ، والعَرَبُ يَسْتَشْعِرُونَ التَّأْنِيثَ غالِبًا في أسْماءِ أجْناسِ المَعانِي، مِثْلِ الغَوايَةِ والسَّفاهَةِ، فالتّاءُ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ اللَّفْظِ ولَيْسَ في هَذِهِ التّاءِ مَعْنى الوَحْدَةِ لِأنَّ أسْماءَ أجْناسِ المَعانِي لا تُراعى فِيها المُشَخِّصاتُ، فَلَيْسَ الضَّلالُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الجَمْعِ لِلضَّلالَةِ، خِلافًا لِما في الكَشّافِ، وكَأنَّهُ حاوَلَ إثْباتَ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ، وقَوْلِهِ هو ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ وتَبِعَهُ فِيهِ الفَخْرُ، وابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ، وقَدْ تَكَلَّفَ لِتَصْحِيحِهِ التَّفْتَزانِيُّ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، لِأنَّ التَّخالُفَ بَيْنَ كَلِمَتِي ضَلالٍ وضَلالَةٍ اقْتَضاهُ التَّفَنُّنُ حَيْثُ سَبَقَ لَفْظُ ضَلالٍ، ومُوجِبُ سَبْقِهِ إرادَةُ وصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)، فَلَوْ عَبَّرَ هُنالِكَ بِلَفْظِ ضَلالَةٍ لَكانَ وصْفُها بِمُبِينَةٍ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمالِ، ولَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ (ضَلالٍ) اسْتُحْسِنَ أنْ يُعادَ بِلَفْظٍ يُغايِرُهُ في السُّورَةِ دَفْعًا لِثِقَلِ الإعادَةِ؛ فَقَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] بِمُساوِيهِ لا بِأبْلَغَ مِنهُ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِي لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ، وهي تُناقِضُ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] فَإنَّهم جَعَلُوا الضَّلالَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، فَنَفى هو أنْ يَكُونَ لِلضَّلالِ مُتَلَبَّسٌ بِهِ.

وتَجْرِيدُ لَيْسَ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِ اسْمِها مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ جَرى عَلى الجَوازِ في تَجْرِيدِ الفِعْلِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، إذا كانَ مَرْفُوعُهُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، ولِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَجْرُورِ.

والِاسْتِدْراكُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾ لِرَفْعِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن أنَّهُ في ضَلالٍ حَيْثُ خالَفَ دِينَهم، أيْ هو في حالِ رِسالَةٍ عَنِ اللَّهِ، مَعَ ما تَقْتَضِي الرِّسالَةُ

صفحة ١٩٣

مِنَ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ والإخْبارِ بِما لا يَعْلَمُونَهُ، وذَلِكَ ما حَسِبُوهُ ضَلالًا، وشَأْنُ لَكِنَّ أنْ تَكُونَ جُمْلَتُها مُفِيدَةً مَعْنى يُغايِرُ مَعْنى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَها، ولا تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ وذَلِكَ هو حَقِيقَةُ الِاسْتِدْراكِ المَوْضُوعَةُ لَهُ لَكِنَّ فَلا بُدَّ مِن مُناسَبَةٍ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ: إمّا في المُسْنَدِ نَحْوَ ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: ٤٣] أوْ في المُسْنَدِ إلَيْهِ نَحْوَ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَلا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: ما سافَرْتُ ولَكِنِّي مُقِيمٌ، وأكْثَرُ وُقُوعِها بَعْدَ جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ، لِأنَّ النَّفْيَ مَعْنًى واسِعٌ، فَيَكْثُرُ أنْ يَحْتاجَ المُتَكَلِّمُ بَعْدَهُ إلى زِيادَةِ بَيانٍ، فَيَأْتِي بِالِاسْتِدْراكِ، ومَن قالَ: إنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِدْراكِ هو رَفْعُ ما يَتَوَهَّمُ السّامِعُ ثُبُوتَهُ أوْ نَفْيَهُ فَإنَّما نَظَرَ إلى بَعْضِ أحْوالِ الِاسْتِدْراكِ أوْ إلى بَعْضِ أغْراضِ وُقُوعِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ، ولَيْسَ مُرادُهم أنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِدْراكِ لا تَقُومُ إلّا بِذَلِكَ.

واخْتِيارُ طَرِيقِ الإضافَةِ في تَعْرِيفِ المُرْسَلِ: لِما تُؤْذِنُ بِهِ مِن تَفْخِيمِ المُضافِ ومِن وُجُوبِ طاعَتِهِ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، تَعْرِيضًا بِقَوْمِهِ إذْ عَصَوْهُ.

وجُمْلَةُ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَقْصُودُ مِنها إفادَةُ التَّجَدُّدِ، وأنَّهُ غَيْرُ تارِكِ التَّبْلِيغِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِهِمْ تَأْيِيسًا لَهم مِن مُتابَعَتِهِ إيّاهم، ولَوْلا هَذا المَقْصِدُ لَكانَ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ حاصِلًا مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾، ولِذَلِكَ جَمَعَ الرِّسالاتِ لِأنَّ كُلَّ تَبْلِيغٍ يَتَضَمَّنُ رِسالَةً بِما بَلَّغَهُ، ثُمَّ إنِ اعْتُبِرَتْ جُمْلَةُ أُبَلِّغُكم صِفَةً، يَكُنْ العُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ أُبَلِّغُكم وقَوْلِهِ رَبِّيَ التِفاتًا، بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَوْصُوفِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وإنِ اعْتُبِرَتِ اسْتِئْنافًا، فَلا التِفاتَ.

والتَّبْلِيغُ والإبْلاغُ: جَعْلُ الشَّيْءِ بالِغًا، أيْ واصِلًا إلى المَكانِ المَقْصُودِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْإعْلامِ بِالأمْرِ المَقْصُودِ عِلْمُهُ، فَكَأنَّهُ يَنْقُلُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.

صفحة ١٩٤

وقَرَأ الجُمْهُورُ: أُبَلِّغَكم بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مِنَ الإبْلاغِ والمَعْنى واحِدٌ.

ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾ هو ما تُؤْذِنُ بِهِ إضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مِن لُزُومِ طاعَتِهِ، وأنَّهُ لا يَسَعُهُ إلّا تَبْلِيغُ ما أمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ، وإنْ كَرِهَ قَوْمُهُ.

والنُّصْحُ والنَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، يُعَبَّرُ بِها عَنْ حُسْنِ النِّيَّةِ وإرادَةِ الخَيْرِ مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وفي الحَدِيثِ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ وأنْ تَناصَحُوا مَن ولّاهُ اللَّهُ أمْرَكم. ويَكْثُرُ إطْلاقُ النُّصْحِ عَلى القَوْلِ الَّذِي فِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْمُخاطَبِ إلى ما يَنْفَعُهُ ويَدْفَعُ عَنْهُ الضُّرَّ.

وضِدُّهُ الغِشُّ. وأصْلُ مَعْناهُ أنْ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، ويَكْثُرَ أنْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِلامٍ زائِدَةٍ دالَّةٍ عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ النّاصِحَ أرادَ مِن نُصْحِهِ ذاتَ المَنصُوحِ، لا جَلْبَ خَيْرٍ لِنَفْسِ النّاصِحِ، فَفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ ودَلالَةٌ عَلى إمْحاضِ النَّصِيحَةِ، وأنَّها وقَعَتْ خالِصَةً لِلْمَنصُوحِ، مَقْصُودًا بِها جانِبُهُ لا غَيْرَ، فَرُبَّ نَصِيحَةٍ يَنْتَفِعُ بِها النّاصِحُ فَيَقْصِدُ النَّفْعَيْنِ جَمِيعًا، ورُبَّما يَقَعُ تَفاوُتٌ بَيْنَ النَّفْعَيْنِ فَيَكُونُ تَرْجِيحُ نَفْعِ النّاصِحِ تَقْصِيرًا أوْ إجْحافًا بِنَفْعِ المَنصُوحِ.

وفِي الإتْيانِ بِالمُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى تَجْدِيدِ النُّصْحِ لَهم، وأنَّهُ غَيْرُ تارِكِهِ مِن أجْلِ كَراهِيَتِهِمْ أوْ بَذاءَتِهِمْ.

وعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ جَمْعًا لِمَعانٍ كَثِيرَةٍ مِمّا تَتَضَمَّنُهُ الرِّسالَةُ وتَأْيِيدًا لِثَباتِهِ عَلى دَوامِ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ لَهم، والِاسْتِخْفافِ بِكَراهِيَتِهِمْ وأذاهم، لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَهُ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى الِاسْتِرْسالِ في عَمَلِهِ ذَلِكَ، فَجاءَ بِهَذا الكَلامِ الجامِعِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا الإجْمالُ البَدِيعُ تَهْدِيدًا لَهم بِحُلُولِ عَذابٍ بِهِمْ في العاجِلِ والآجِلِ، وتَنْبِيهًا لِلتَّأمُّلِ فِيما

صفحة ١٩٥

أتاهم بِهِ، وفَتْحًا لِبَصائِرِهِمْ أنْ تَتَطَلَّبَ العِلْمَ بِما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ شَأْنُهُ أنْ يَبْعَثَهم عَلى تَصْدِيقِهِ وقَبُولِ ما جاءَهم بِهِ.

و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ: صارَ لِي عِلْمٌ وارِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَضَمَّنَها هَذا الِاسْتِدْراكُ هي ما يُسَلِّمُ كُلُّ عاقِلٍ أنَّها مِنَ الهُدى والصَّلاحِ، وتِلْكَ هي أحْوالُهُ، وهم وصَفُوا حالَهُ بِأنَّهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ، فَفي هَذا الِاسْتِدْراكِ نَعْيُ عَلى كَمالِ سَفاهَةِ عُقُولِهِمْ.

وانْتَقَلَ إلى كَشْفِ الخَطَأِ في شُبْهَتِهِمْ فَعَطَفَ عَلى كَلامِهِ قَوْلَهُ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ مُفْتَتِحًا الجُمْلَةَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بَعْدَ واوِ العَطْفِ، وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم أحالُوا أنْ يَكُونَ رَسُولًا، مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم، كَما وقَعَتْ حِكايَتُهُ في آيَةٍ أُخْرى ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم.

واخْتِيرَ الِاسْتِفْهامُ دُونَ أنْ يَقُولَ: لا عَجَبَ، إشارَةً إلى أنَّ احْتِمالَ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم مِمّا يَتَرَدَّدُ فِيهِ ظَنُّ العاقِلِ بِالعُقَلاءِ. فَقَوْلُهُ ﴿أوَعَجِبْتُمْ﴾ بِمَنزِلَةِ المَنعِ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مُقَدِّمَةِ دَلِيلٍ عَلى بُطْلانِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ.

وحَقِيقَةُ العَجَبِ أنَّهُ انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ يَحْصُلُ عِنْدَ إدْراكِ شَيْءٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ، وقَدْ يَكُونُ العَجَبُ مَشُوبًا بِإنْكارِ الشَّيْءِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ واسْتِبْعادِهِ وإحالَتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ﴾ [ق: ٣] وقَدِ اجْتَمَعَ المَعْنَيانِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥] . والَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ كِنايَةٌ عَنِ الإنْكارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] أنْكَرُوا عَلَيْها أنَّها عَدَّتْ وِلادَتَها ولَدًا، وهي عَجُوزٌ، مُحالًا.

وتَنْكِيرُ ذِكْرٌ ورَجُلٍ لِلنَّوْعِيَّةِ إذْ لا خُصُوصِيَّةَ لِذِكْرٍ دُونَ ذِكْرٍ

صفحة ١٩٦

ولا لِرَجُلٍ دُونَ رَجُلٍ، فَإنَّ النّاسَ سَواءٌ، والذِّكْرَ سَواءٌ في قَبُولِهِ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ، ورَدِّهِ لِمَن حُرِمَ التَّوْفِيقَ، أيْ هَذا الحَدَثُ الَّذِي عَظَّمْتُمُوهُ وضَجَجْتُمْ لَهُ ما هو إلّا ﴿ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ . ووَصْفُ رَجُلٍ بِأنَّهُ مِنهم، أيْ مِن جِنْسِهِمُ البَشَرِيِّ فَضْحٌ لِشُبْهَتِهِمْ، ومَعَ ما في الكَلامِ مِن فَضْحِ شُبْهَتِهِمْ فِيهِ أيْضًا رَدٌّ لَها بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يَكُونَ ما جَعَلُوهُ مُوجِبَ اسْتِبْعادٍ واسْتِحالَةٍ هو مُوجِبُ القَبُولِ والإيمانِ، إذِ الشَّأْنُ أنْ يَنْظُرُوا في الذِّكْرِ الَّذِي جاءَهم مِن رَبِّهِمْ وأنْ لا يُسْرِعُوا إلى تَكْذِيبِ الجائِي بِهِ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ كَوْنَ المُذَكِّرِ رَجُلًا مِنهم أقْرَبُ إلى التَّعَقُّلِ مِن كَوْنِ مُذَكِّرِهِمْ مِن جِنْسٍ آخَرَ مِن مَلَكٍ أوْ جِنِّيٍّ، فَكانَ هَذا الكَلامُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في إبْطالِ دَعْوى الخَصْمِ والِاسْتِدْلالِ لِصِدْقِ دَعْوى المُجادِلِ، وهو يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ سَنَدِ المَنعِ في عِلْمِ الجَدَلِ.

ومَعْنى عَلى مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ ﴿جاءَكُمْ﴾ ضُمِّنَ مَعْنى نَزَلَ: أيْ نَزَلَ ﴿ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾، وهَذا مُخْتارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وعَنِ الفَرّاءِ أنْ عَلى بِمَعْنى مَعَ.

والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن رَجُلٍ، أوْ هو ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿جاءَكُمْ﴾ وهو زِيادَةٌ في تَشْوِيهِ خَطَئِهِمْ إذْ جَعَلُوا ذَلِكَ ضَلالًا مُبِينًا، وإنَّما هو هَدْيٌ واضِحٌ لِفائِدَتِكم بِتَحْذِيرِكم مِنَ العُقُوبَةِ، وإرْشادِكم إلى تَقْوى اللَّهِ، وتَقْرِيبِكم مَن رَحْمَتِهِ.

وقَدْ رُتِّبَتِ الجُمَلُ عَلى تَرْتِيبِ حُصُولِ مَضْمُونِها في الوُجُودِ، فَإنَّ الإنْذارَ مُقَدَّمٌ لِأنَّهُ حَمْلٌ عَلى الإقْلاعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أوِ الوَثَنِيَّةِ، ثُمَّ يَحْصُلُ بَعْدَهُ العَمَلُ الصّالِحُ فَتُرْجى مِنهُ الرَّحْمَةُ.

والإنْذارُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والتَّقْوى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٩٧

ومَعْنى لَعَلَّ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والرَّحْمَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] في سُورَةِ الفاتِحَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском