Ibn 'AshurAl‑Ma'arij · 70:8–38

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'arij 70:8–38, continued

فَإذا أُخْبِرَ عَنِ الإنْسانِ بِشِدَّةِ تَلَبُّسِهِ بِبَعْضِ النَّقائِصِ وجُعِلَ ذَلِكَ في قالَبٍ أنَّهُ جُبِلَ عَلَيْهِ فالمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ: إلْقاءُ تَبِعَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ فَرَّطَ في إراضَةِ نَفْسِهِ عَلى ما فِيها مِن جِبِلَّةِ الخَيْرِ، وأرْخى لَها العِنانَ إلى غايَةِ الشَّرِّ، وفَرَّطَ في نَصائِحِ الشَّرائِعِ والحُكَماءِ.

وإذا أُسْنِدَ ما يَأْتِيهِ الإنْسانُ مِنَ الخَيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى فالمَقْصُودُ: التَّنْبِيهُ إلى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِخَلْقِ القُوَّةِ الجالِبَةِ لِلْخَيْرِ فِيهِ، ونِعْمَةِ إرْشادِهِ وإيقاظِهِ إلى الحَقِّ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] . وفي هَذا المَجالِ زَلَّتْ أفْهامُ المُعْتَزِلَةِ، وحَلَكَتْ عَلَيْهِمُ الأجْواءُ، فَفَكَّرُوا وقَدَّرُوا وما اسْتَطاعُوا مَخْلَصًا وما قَدَرُوا.

واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ (خُلِقَ الإنْسانُ) إذا تَعَلَّقَ بِها ما لَيْسَ مِنَ المَوادِّ مِثْلَ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] بَلْ كانَ مِنَ الأخْلاقِ والغَرائِزِ قَدْ يُعْنى بِها التَّنْبِيهُ عَلى جِبِلَّةِ الإنْسانِ وأنَّها تُسْرِعُ إلى الِاعْتِلاقِ بِمَشاعِرِهِ عِنْدَ تَصَرُّفاتِهِ تَعْرِيضًا بِذَلِكَ لِوُجُوبِ الحَذَرِ مِن غَوائِلِها نَحْوَ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾، وقَدْ تَرِدُ لِلْعُذْرِ والرِّفْقِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، وقَدْ تَرِدُ لِبَيانِ أصْلِ ما فُطِرَ عَلَيْهِ الإنْسانُ وما طَرَأ عَلَيْهِ مِن سُوءِ تَصَرُّفِهِ في أفْعالِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤] فَفِعْلُ الخَلْقِ مِن كَذا مُسْتَعارٌ لِكَثْرَةِ المُلابَسَةِ. قالَ عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ:

إنَّ الَّتِي زَعَمَتْ فُؤادَكَ مَلَّها ∗∗∗ خُلِقَتْ هَواكَ كَما خُلِقْتَ هَوًى لَها

صفحة ١٧٠

أرادَ إبْطالَ أنْ يَكُونَ مَلَّها بِحُجَّةِ أنَّها خُلِقَتْ حَبِيبَةً لَهُ كَما خُلِقَ مَحْبُوبُها، أيْ: أنَّ مَحَبَّتَهُ إيّاها لا تَنْفَكُّ عَنْهُ.

والهَلَعُ: صِفَةٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ، فَوَصْفُ الإنْسانِ هُنا بِها لَوْمٌ عَلَيْهِ في تَقْصِيرِهِ عَنِ التَّخَلُّقِ بِدَفْعِ آثارِها، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِهِ قَوْلُهُ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾) عَلى كِلا مَعْنَيَيْهِ.

وانْتَصَبَ (جَزُوعًا) ‌عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (هَلُوعًا)، أوْ عَلى البَدَلِ - بَدَلِ اشْتِمالٍ -؛ لِأنَّ حالَ الهَلَعِ يَشْتَمِلُ عَلى الجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ الشَّرِّ.

وقَوْلُهُ (مَنُوعًا) عَطْفٌ عَلى (جَزُوعًا)، أيْ: خُلِقَ هَلُوعًا في حالِ كَوْنِهِ جَزُوعًا إذا مَسَّهُ الشَّرُّ، ومَنُوعًا إذا مَسَّهُ الخَيْرُ.

والشَّرُّ: الأذى مِثْلُ المَرَضِ والفَقْرِ.

والخَيْرُ: ما يَنْفَعُ الإنْسانَ ويُلائِمُ رَغَباتِهِ مِثْلَ الصِّحَّةِ والغِنى.

والجَزُوعُ: الشَّدِيدُ الجَزَعِ، والجَزَعُ: ضِدُّ الصَّبْرِ.

والمَنُوعُ: الكَثِيرُ المَنعِ، أيْ: شَدِيدُ المَنعِ لِبَذْلِ شَيْءٍ مِمّا عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ.

و(إذا) في المَوْضِعَيْنِ ظَرْفانِ يَتَعَلَّقانِ كُلُّ واحِدٍ بِما اتَّصَلَ بِهِ مِن وصْفَيْ (جَزُوعًا) و(مَنُوعًا) .

70:22–35Page 569

إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ ٢٢

Except the observers of prayer -

ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ ٢٣

Those who are constant in their prayer

وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ٢٤

And those within whose wealth is a known right1

لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ٢٥

For the petitioner and the deprived -

وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٢٦

And those who believe in the Day of Recompense

وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٢٧

And those who are fearful of the punishment of their Lord -

إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُونٖ ٢٨

Indeed, the punishment of their Lord is not that from which one is safe -

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٢٩

And those who guard their private parts

إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٣٠

Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they are not to be blamed -

فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٣١

But whoever seeks beyond that, then they are the transgressors -

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٣٢

And those who are to their trusts and promises attentive

وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدَٰتِهِمۡ قَآئِمُونَ ٣٣

And those who are in their testimonies upright

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٣٤

And those who [carefully] maintain their prayer:

أُوْلَٰٓئِكَ فِي جَنَّٰتٖ مُّكۡرَمُونَ ٣٥

They will be in gardens,1 honored.

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾

صفحة ١٧١

اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ.

فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ.

فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.

والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ.

وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ.

وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ.

ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها.

والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ.

صفحة ١٧٢

وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) .

ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ.

وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ.

وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ.

ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم.

ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ.

والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ.

وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) .

والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) .

ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.

ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ.

صفحة ١٧٣

والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ.

وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .

وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .

والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ.

وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ.

والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ.

والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ.

صفحة ١٧٤

وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ.

ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] .

والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ.

فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ.

والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ.

وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ

صفحة ١٧٥

الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» .

وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ.

ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .

وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

70:36–38Page 569

فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهۡطِعِينَ ٣٦

So what is [the matter] with those who disbelieve, hastening [from] before you, [O Muḥammad],

عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ ٣٧

[To sit] on [your] right and [your] left in separate groups?1

أَيَطۡمَعُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُدۡخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٖ ٣٨

Does every person among them aspire to enter a garden of pleasure?

﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ ﴿كَلّا﴾ [المعارج: ٣٩] ) فُرِّعَ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ وتَعْجِيبِيٌّ مِن تَجَمُّعِ المُشْرِكِينَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مُسْتَهْزِئِينَ بِما يَسْمَعُونَ مِن وعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ووَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابِ جَهَنَّمَ.

فُرِّعَ ذَلِكَ عَلى ما أفادَهُ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥] .

والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا مَطْمَعَ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ فَلِماذا يُحاوِلُونَ بِتَجَمُّعِهِمْ حَوْلَكَ بِمَلامِحِ اسْتِهْزائِهِمْ ؟ .

وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ فالمَقْصُودُ بِهِ إبْلاغُهُ إلَيْهِمْ فِيما يَتْلُو عَلَيْهِمْ

صفحة ١٧٦

مِنَ القُرْآنِ فَهو مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ في المَعْنى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْهِيَتُهُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ فَهو لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ إعْلامًا لِلنَّبِيءِ ﷺ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ مُقَرَّرٌ في عِلْمِهِ.

ومَعْنى فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا: أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في حالِ كَوْنِهِمْ عِنْدَكَ، أوْ في حالِ إهْطاعِهِمْ إلَيْكَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَرْكِيبُ (ما لَهُ) لا يَخْلُو مِن حالٍ مُفْرَدَةٍ، أوْ جُمْلَةٍ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ تَكُونُ هي مَصَبُّ الِاسْتِفْهامِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحالُ المُتَوَجِّهُ إلَيْها الِاسْتِفْهامُ هُنا الظَّرْفَ، أيْ: قِبَلَكَ فَيَكُونُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا وصاحِبُ الحالِ هو (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مُهْطِعِينَ) فَيَكُونُ (قِبَلَكَ) ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ (مُهْطِعِينَ) . وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هُما مَثارِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ فَأيُّهُما جُعِلَ مَحَلَّ التَّعْجِيبِ أُجْرِيَ الآخَرُ المُجْرى اللّائِقَ بِهِ في التَّرْكِيبِ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (الَّذِينَ) مَفْصُولَةً عَنْ مَدْخُولِها وهو رَسْمٌ نادِرٌ.

والإهْطاعُ: مَدُّ العُنُقِ عِنْدَ السَّيْرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨]) في سُورَةِ القَمَرِ.

قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وصاحِبُ الكَشّافِ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ كَلامَهُ ويُكَذِّبُونَهُ ويَسْتَهْزِئُونَ بِالمُؤْمِنِينَ، ويَقُولُونَ: لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم ولَيَكُونَنَّ لَنا فِيها أكْثَرُ مِمّا لَهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

وقِبَلَ: اسْمٌ بِمَعْنى (عِنْدَ) .

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى مُهْطِعِينَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن حالِهِمْ في حَضْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ أقْوى لِما فِيهِمْ مِنَ الوَقاحَةِ.

ومَوْقِعُ قَوْلِهِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ مِثْلُ مَوْقِعِ قِبَلَكَ ومَوْقِعُ مُهْطِعِينَ. والمَقْصُودُ: كَثْرَةُ الجِهاتِ، أيْ: وارِدِينَ إلَيْكَ.

صفحة ١٧٧

والتَّعْرِيفُ في اليَمِينِ والشِّمالِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ أوِ الألِفُ واللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ.

والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ اليَمِينِ والشِّمالِ: الإحاطَةُ بِالجِهاتِ فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ اليَمِينِ والشِّمالِ، لِأنَّهُما الجِهَتانِ اللَّتانِ يَغْلِبُ حَوْلَهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَطَرِيُّ بْنُ الفُجاءَةِ:

فَلَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً مِن عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمامِي

يُرِيدُ: مِن كُلِّ جِهَةٍ.

و(عِزِينَ) حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وعِزِينَ: جَمَعُ عِزَةٍ، بِتَخْفِيفِ الزّايِ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، اسْمٌ بِوَزْنِ فِعْلَةٍ. وأصْلُهُ عِزْوَةٌ بِوَزْنِ كِسْوَةٍ، ولَيْسَتْ بِوَزْنِ عِدَةٍ. وجَرى جَمْعُ (عِزَةٍ) عَلى الإلْحاقِ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وهو مِن بابِ سِنَةٍ مِن كُلِّ اسْمٍ ثُلاثِيٍّ حُذِفَتْ لامَهُ وعُوِّضَ عَنْها هاءَ التَّأْنِيثِ ولَمْ يُكْسَرْ مِثْلَ عِضَةٍ (لِلْقِطْعَةِ) .

وهَذا التَّرْكِيبُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ (جَنَّةَ نَعِيمٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، شُبِّهَ حالُهم في إسْراعِهِمْ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِحالِ مَن يُظَنُّ بِهِمُ الِاجْتِماعُ لِطَلَبِ الهُدى والتَّحْصِيلِ عَلى المَغْفِرَةِ لِيَدْخُلُوا الجَنَّةَ،؛ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ لا يَلْتَفَّ حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ إلّا طالِبُو الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ.

والِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا مُسْتَعْمَلٌ في أصْلِ مَعْناهُ؛ لِأنَّ التَّمْثِيلِيَّةَ تَجْرِي في مَجْمُوعِ الكَلامِ مَعَ بَقاءِ كَلِماتِهِ عَلى حَقائِقِها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن حالِ إسْراعِهِمْ ثُمَّ تَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ عَنْ جُمْلَةِ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ الآيَةَ،؛ لِأنَّ التِفافَهم حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لِطَلَبِ الهُدى والنَّجاةِ فَشُبِّهَ حالُهم بِحالِ طالِبِي النَّجاةِ والهُدى فَأُورِدَ اسْتِفْهامٌ عَلَيْهِ.

وحَكى المُفَسِّرُونَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ: نَحْنُ نَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ المُسْلِمِينَ، فَجازَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارًا لِتَظاهُرِهِمْ بِالطَّمَعِ في الجَنَّةِ بِحَمْلِ اسْتِهْزائِهِمْ عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أوْ بِالتَّعْبِيرِ بِفِعْلِ

صفحة ١٧٨

يَطْمَعُ عَنِ التَّظاهُرِ بِالطَّمَعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ أيْ: يَتَظاهَرُونَ بِأنَّهم يَحْذَرُونَ.

وأُسْنِدَ الطَّمَعُ إلى كُلِّ امْرِئٍ مِنهم دُونَ أنْ يُقالَ: أيَطْمَعُونَ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ بِأنَّها حالُ جَماعَةٍ يُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ لِتَساوِيهِمْ، يَرَوْنَ أنْفُسَهم سَواءً في ذَلِكَ، فَفي قَوْلِهِ (كُلُّ امْرِئٍ مِنهم) تَقْوِيَةُ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.

ثُمَّ بُنِيَ عَلى التَّهَكُّمِ ما يُبْطِلُ ما فُرِضَ لِحالِهِمْ بِما بُنِيَ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ التَّهَكُّمِيُّ بِكَلِمَةِ الرَّدْعِ وهي (كَلّا) أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ. وذَلِكَ انْتِقالٌ مِنَ المَجازِ إلى الحَقِيقَةِ ومِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ إلى تَوْبِيخِهِمْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ الكَلامَ السّابِقَ لَمْ يَكُنْ تَهَكُّمًا.

وهُنا تَمَّ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الجَزاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском