Ibn 'AshurAl‑Jinn · 72:16–24

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Jinn 72:16–24

72:16–17Page 573

وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ١٦

And [Allāh revealed] that if they had remained straight on the way, We would have given them abundant rain [i.e., provision]

لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا ١٧

So We might test them therein. And whoever turns away from the remembrance of his Lord1 He will put into arduous punishment.

﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾

اتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى فَتْحِ هَمْزَةِ ﴿أنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾، فَجُمْلَةُ ﴿أنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١]، والواوُ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، فَمَضْمُونُها شَأْنٌ ثانٍ مِمّا أُوحِيَ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَهُ لِلنّاسِ. والتَّقْدِيرُ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَوِ اسْتَقامَ القاسِطُونَ فَأسْلَمُوا لَما أصابَهُمُ اللَّهُ بِإمْساكِ الغَيْثِ.

و(أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وجِيءَ بِـ (أنْ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها مَعْمُولٌ لِفِعْلِ أُوحِيَ فَهو في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُهُ ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ إلى آخِرِ الجُمْلَةِ. وسَبْكُ الكَلامِ: أُوحِيَ إلَيَّ إسْقاءُ اللَّهِ إيّاهم ماءً في فَرْضِ اسْتِقامَتِهِمْ.

وضَمِيرُ اسْتَقامُوا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى القاسِطِينَ بِدُونِ اعْتِبارِ القَيْدِ بِأنَّهم مِنَ الجِنِّ وهو مِن عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى اللَّفْظِ مُجَرَّدًا عَنْ ماصَدَقَهُ كَقَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ: نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ.

صفحة ٢٣٨

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ ولَكِنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنَ المَقامِ إذِ السُّورَةُ مَسُوقَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِنادِ المُشْرِكِينَ وطَعْنِهِمْ في القُرْآنِ، فَضَمِيرُ اسْتَقامُوا عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الَّتِي في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ أسْماءُ الإشارَةِ كَما تَنَبَّهْنا إلَيْهِ ونَبَّهْنا عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ أنْ يُعادَ عَلى القاسِطِينَ مِنَ الجِنِّ إذْ لا عَلاقَةَ لِلْجِنِّ بِشُرْبِ الماءِ.

والِاسْتِقامَةُ عَلى الطَّرِيقَةِ: اسْتِقامَةُ السَّيْرِ في الطَّرِيقِ، وهي السَّيْرُ عَلى بَصِيرٍ بِالطَّرِيقِ دُونَ اعْوِجاجٍ ولا اغْتِرارٍ بِبُنَيّاتِ الطَّرِيقِ.

والطَّرِيقَةُ: الطَّرِيقُ، ولَعَلَّها خاصَّةٌ بِالطَّرِيقِ الواسِعِ الواضِحِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] .

والِاسْتِقامَةُ عَلى الطَّرِيقَةِ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ المُتَّصِفِ بِالسُّلُوكِ الصّالِحِ والِاعْتِقادِ الحَقِّ بِهَيْئَةِ السّائِرِ سَيْرًا مُسْتَقِيمًا عَلى طَرِيقَةٍ، ولِذَلِكَ فالتَّعْرِيفُ في الطَّرِيقَةِ لِلْجِنْسِ لا لِلْعَهْدِ.

وقَوْلُهُ ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾: وعْدٌ بِجَزاءٍ عَلى الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ جَزاءً حَسَنًا في الدُّنْيا يَكُونُ عُنْوانًا عَلى رِضى اللَّهِ تَعالى وبِشارَةً بِثَوابِ الآخِرَةِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .

وفِي هَذا إنْذارٌ بِأنَّهُ يُوشِكُ أنْ يُمْسِكَ عَنْهُمُ المَطَرَ فَيَقَعُوا في القَحْطِ والجُوعِ وهو ما حَدَثَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ ودُعائِهِ عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَإنَّهُ دَعا بِذَلِكَ في المَدِينَةِ في القُنُوتِ كَما في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الدُّخانِ. وقَدْ كانُوا يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في بُحْبُوحَةٍ مِنَ العَيْشِ وفي نَخِيلٍ وجَنّاتٍ، فَكانَ جَعْلُ تَرَتُّبِ الإسْقاءِ عَلى الِاسْتِقامَةِ عَلى الطَّرِيقَةِ كَما اقْتَضاهُ الشَّرْطُ بِحَرْفِ (لَوْ) مُشِيرًا إلى أنَّ المُرادَ: لَأدَمْنا عَلَيْهِمُ الإسْقاءَ بِالماءِ الغَدَقِ، وإلى أنَّهم لَيْسُوا بِسالِكِينَ سَبِيلَ الِاسْتِقامَةِ فَيُوشِكُ أنْ يُمْسِكَ عَنْهُمُ الرَّيَّ، فَفي هَذا إنْذارٌ بِأنَّهم إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى اعْوِجاجِ الطَّرِيقَةِ أُمْسِكَ عَنْهُمُ الماءُ. وبِذَلِكَ يَتَناسَبُ التَّعْلِيلُ بِالإفْتانِ في قَوْلِهِ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ مَعَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ إذْ يَكُونُ تَعْلِيلًا لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى إدامَةِ الإسْقاءِ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإسْقاءِ المَوْجُودِ حِينَ نُزُولِ

صفحة ٢٣٩

الآيَةِ ولَيْسَ تَعْلِيلًا لِلْإسْقاءِ المَفْرُوضِ في جَوابِ (لَوْ) لَأنَّ جَوابَ (لَوْ) مُنْتَفٍ فَلا يَصْلُحُ لَأنْ يُعَلَّلَ بِهِ، وإنَّما هم مَفْتُونُونَ بِما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُوقِظَ قُلُوبَهم بِأنَّ اسْتِمْرارَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِتْنَةٌ لَهم فَلا تَغُرَّنَّهم. فَلامُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ماءً غَدَقًا﴾ وهو الماءُ الجارِي لَهم في العُيُونِ ومِنَ السَّماءِ تَحْتَ جَنّاتِهِمْ وفي زُرُوعِهِمْ، فَهي حالٌ مُقارَنَةٌ.

وبِهَذا التَّفْسِيرِ تَزُولُ الحَيْرَةُ في اسْتِخْلاصِ مَعْنى الآيَةِ وتَعْلِيلِها.

والغَدَقُ: بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الدّالِ الماءُ الغَزِيرُ الكَثِيرُ.

وجُمْلَةُ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ إدْماجٌ فَهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ إلَخْ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ إلَخْ.

ثُمَّ أُكِّدَتِ الكِنايَةُ عَنِ الإنْذارِ المَأْخُوذَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهُمْ﴾ الآيَةَ، بِصَرِيحِ الإنْذارِ بِقَوْلِهِ (﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾)، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا انْقَلَبَ حالُهم إلى العَذابِ فَسَلَكْنا بِهِمْ مَسالِكَ العَذابِ.

والسَّلْكُ: حَقِيقَتُهُ الإدْخالُ، وفِعْلُهُ قاصِرٌ ومُتَعَدٍّ، يُقالُ: سَلَكَهُ فَسَلَكَ، قالَ الأعْشى:

كَما سَلَكَ السِّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ

أيْ: أدْخَلَ المِسْمارَ في البابِ نَجّارٌ.

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] في سُورَةِ الحِجْرِ.

واسْتُعْمِلَ السَّلْكُ هُنا في مَعْنى شِدَّةِ وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ وهي اسْتِعارَةٌ عَزِيزَةٌ. والمَعْنى: نُعَذِّبُهُ عَذابًا لا مَصْرِفَ عَنْهُ.

وانْتَصَبَ عَذابًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، وهي ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ إذا حَلَّ بِهِ يُحِيطُ بِهِ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.

والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ:

صفحة ٢٤٠

عَنْ ذِكْرِنا، أوْ عَنْ ذِكْرِي، لِاقْتِضاءِ الحالِ الإيماءَ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ فَإنَّ المُعْرِضَ عَنْ رَبِّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وأنْشَأهُ ودَبَّرَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُسْلَكَ عَذابًا صَعَدًا.

والصَّعَدُ: الشّاقُّ الغالِبُ، وكَأنَّهُ جاءَ مِن مَصْدَرِ صَعِدَ كَفَرِحَ إذا عَلا وارْتَفَعَ، أيْ: صَعِدَ عَلى مَفْعُولِهِ وغَلَبَهُ، كَما يُقالُ: عَلاهُ بِمَعْنى تَمَكَّنَ مِنهُ، ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ [الدخان: ١٩] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَسْلُكْهُ) بِنُونِ العَظَمَةِ فَفِيهِ التِفاتٌ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ”يَسْلُكُهُ“ بِياءِ الغائِبِ، فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ يَعُودُ إلى رَبِّهِ.

72:18Page 573

وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨

And [He revealed] that the masjids1 are for Allāh, so do not invoke2 with Allāh anyone.

﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ اتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى فَتْحِ الهَمْزَةِ في ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى مَرْفُوعِ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١]، ومَضْمُونُها مِمّا أُوحِيَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأُمِرَ بِأنْ يَقُولَهُ. والمَعْنى: قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مَعَ (أنْ) واسْمِها وخَبَرِها نائِبُ فاعِلِ (أُوحِيَ) .

والتَّقْدِيرُ: أُوحِيَ إلَيَّ اخْتِصاصُ المَساجِدِ بِاللَّهِ، أيْ: بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ بِناءَها إنَّما كانَ لِيُعْبَدَ اللَّهُ فِيها، وهي مَعالِمُ التَّوْحِيدِ.

وعَلى هَذا الوَجْهِ حَمَلَ سِيبَوَيْهُ الآيَةَ وتَبِعَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ.

وذَهَبَ الخَلِيلُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ لامِ جَرٍّ قَبْلَ (أنَّ)، فالمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ. والتَّقْدِيرُ: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا.

واللّامُ في قَوْلِهِ لِلَّهِ لِلِاسْتِحْقاقِ، أيْ: اللَّهُ مُسْتَحِقُّها دُونَ الأصْنامِ والأوْثانِ فَمَن وضَعَ الأصْنامَ في مَساجِدِ اللَّهِ فَقَدِ اعْتَدى عَلى اللَّهِ.

والمَقْصُودُ هُنا هو المَسْجِدُ الحَرامِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا وضَعُوا فِيهِ الأصْنامَ وجَعَلُوا الصَّنَمَ (هُبَلَ) عَلى سَطْحِ الكَعْبَةِ، قالَ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها﴾ [البقرة: ١١٤] يَعْنِي بِذَلِكَ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ.

وهَذا تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى اعْتِدائِهِمْ عَلى حَقِّ اللَّهِ وتَصَرُّفِهِمْ فِيما لَيْسَ لَهم أنْ

صفحة ٢٤١

يُغَيِّرُوهُ قالَ تَعالى ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وإنَّما عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي آيَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] بِلَفْظِ (مَساجِدَ) لِيَدْخُلَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ مَعَهم في هَذا الوَعِيدِ مِمَّنْ شاكَلَهم مِمَّنْ غَيَّرُوا المَساجِدَ، أوْ لِتَعْظِيمِ المَسْجِدِ الحَرامِ. كَما جَمَعَ (رُسُلِي) في قَوْلِهِ ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [سبإ: ٤٥]، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (كَذَّبُوا) عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبإ: ٤٣] في قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبإ: ٤٣] أيْ: كَذَّبُوا رَسُولِي.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] يُرِيدُ نُوحًا، وهو أوَّلُ رَسُولٍ، فَهو المَقْصُودُ بِالجَمْعِ.

وفُرِّعَ عَلى اخْتِصاصِ كَوْنِ المَساجِدِ بِاللَّهِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا، وهَذا إلْزامٌ لَهم بِالتَّوْحِيدِ بِطَرِيقِ القَوْلِ بِالمُوجِبِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم أهْلُ بَيْتِ اللَّهِ فَعِبادَتُهم غَيْرَ اللَّهِ مُنافِيَةٌ لِزَعْمِهِمْ ذَلِكَ.

72:19–20Page 573

وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا ١٩

And that when the Servant [i.e., Prophet] of Allāh stood up supplicating Him, they almost became about him a compacted mass."1

قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٠

Say, [O Muḥammad], "I only invoke my Lord and do not associate with Him anyone."

﴿وإنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾

قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأهُ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ في رِواياتِهِمُ المَشْهُورَةِ بِالفَتْحِ.

ومَآلُ القِراءَتَيْنِ سَواءٌ في كَوْنِ هَذا خارِجًا عَمّا صَدَرَ عَنِ الجِنِّ وفي كَوْنِهِ مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ.

فَكَسْرُ الهَمْزَةِ عَلى عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١]، والتَّقْدِيرُ: وقُلْ إنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ،؛ لِأنَّ هَمْزَةَ (إنَّ) إذا وقَعَتْ في مَحْكِيٍّ بِالقَوْلِ تُكْسَرُ، ولا يَلِيقُ أنْ يُجْعَلَ مِن حِكايَةِ مَقالَةِ الجِنِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدِ انْقَضى وتَباعَدَ ونُقِلَ الكَلامُ إلى أغْراضٍ أُخْرى ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] .

وأمّا الفَتْحُ فَعَلى اعْتِبارِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجن: ١]، أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، أيْ: أوْحى اللَّهُ إلَيَّ اقْتِرابَ المُشْرِكِينَ مِن أنْ يَكُونُوا لِبَدًا عَلى عَبْدِ اللَّهِ لَمّا قامَ يَدْعُو رَبَّهُ.

صفحة ٢٤٢

وضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ وجُمْلَةُ ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها خَبَرُهُ.

وضَمِيرُ ﴿كادُوا يَكُونُونَ﴾ عائِدانِ إلى المُشْرِكِينَ المُنْبِئِ عَنْهُمُ المَقامُ غَيْبَةً وخِطابًا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] .

و(عَبْدُ اللَّهِ) هو مُحَمَّدٌ ﷺ وُضِعُ الِاسْمُ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وأنَّهُ لَمّا قُمْتَ تَدْعُو اللَّهَ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْكَ، أوْ لَمّا قُمْتُ أدْعُو اللَّهَ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيَّ. ولَكِنْ عُدِلَ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِقَصْدِ تَكْرِيمِ النَّبِيءِ ﷺ بِوَصْفِ (عَبْدِ اللَّهِ) لِما في هَذِهِ الإضافَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ مَعَ وصْفِ (عَبْدٍ) كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .

و(لِبَدًا)، بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ اسْمُ جَمْعِ: لِبْدَةٍ، وهي ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ لِبْدَةُ الأسَدِ لِلشَّعْرِ المُتَراكِمِ في رَقَبَتِهِ.

والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ، أيْ: كادَ المُشْرِكُونَ يَكُونُونَ مِثْلَ اللِّبَدِ مُتَراصِّينَ مُقْتَرِبِينَ مِنهُ يَسْتَمِعُونَ قِراءَتَهُ ودَعْوَتَهُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. وهو التِفافُ غَيْظٍ وغَضَبٍ وهَمٍّ بِالأذى كَما يُقالُ: تَألَّبُوا عَلَيْهِ.

ومَعْنى قامَ: اجْتَهَدَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] في سُورَةِ الكَهْفِ، وقالَ النّابِغَةُ:

بِأنَّ حِصْنًا وحَيًّا مِن بَنِي أسَدٍ قامُوا فَقالُوا حِمانا غَيْرُ مَقْرُوبِ

وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومَعْنى قِيامِ النَّبِيءِ ﷺ إعْلانُهُ بِالدَّعْوَةِ وظُهُورُ دَعْوَتِهِ، قالَ جَزْءُ بْنُ كُلَيْبٍ الفَقْعَسِيُّ:

فَلا تَبْغِيَنَّها يا ابْنَ كُوزٍ فَإنَّهُ ∗∗∗ غَذا النّاسُ مُذْ قامَ النَّبِيءُ الجَوارِيا

أيْ: قامَ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ بَيانُهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾، فَهم لَمّا لَمْ يَعْتادُوا دُعاءَ غَيْرِ الأصْنامِ تَجَمَّعُوا لِهَذا الحَدَثِ العَظِيمِ عَلَيْهِمْ وهو دُعاءُ مُحَمَّدٍ ﷺ اللَّهَ تَعالى.

صفحة ٢٤٣

وجُمْلَةُ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (يَدْعُوهُ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (قالَ) بِصِيغَةِ المُضِيِّ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (قُلْ) بِدُونِ ألِفٍ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا. والتَّقْدِيرُ: أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ إلى آخِرِهِ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي، فَهو مِن تَمامِ ما أُوحِيَ بِهِ إلَيْهِ.

و﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ يُفِيدُ قَصْرًا، أيْ: لا أدْعُو غَيْرَهُ، أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ دُونَهُ.

وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ تَأْكِيدًا لِمَفْهُومِ القَصْرِ، وأصْلُهُ أنْ لا يُعْطَفَ، فَعَطْفُهُ لِمُجَرَّدِ التَّشْرِيكِ لِلْعِنايَةِ بِاسْتِقْلالِهِ بِالإبْلاغِ.

72:21–23Page 573

قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ٢١

Say, "Indeed, I do not possess for you [the power of] harm or right direction."

قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا ٢٢

Say, "Indeed, there will never protect me from Allāh anyone [if I should disobey], nor will I find in other than Him a refuge.

إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ٢٣

But [I have for you] only notification from Allāh, and His messages." And whoever disobeys Allāh and His Messenger - then indeed, for him is the fire of Hell; they will abide therein forever.

﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو انْتِقالٌ مِن ذِكْرِ ما أُوحِيَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ إلى تَوْجِيهِ خِطابٍ مُسْتَأْنَفٍ إلَيْهِ، فَبَعْدَ أنْ حُكِيَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما أوْحى اللَّهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مِمّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّئُونِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ مِنِ اتِّباعِ مُتابِعِينَ وإعْراضِ مُعْرِضِينَ، انْتَقَلَ إلى تَلْقِينِهِ ما يَرُدُّ عَلى الَّذِينَ أظْهَرُوا لَهُ العِنادَ والتَّوَرُّكَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ﴾) إلَخْ، تَكْرِيرًا لِجُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ [الجن: ٢٠] عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ وعاصِمٍ وأبِي جَعْفَرٍ.

والضُّرُّ: إشارَةٌ إلى ما يَتَوَرَّكُونَ بِهِ مِن طَلَبِ إنْجازِ ما يَتَوَعَّدُهم بِهِ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا رَشَدًا﴾ تَتْمِيمٌ.

وفِي الكَلامِ احْتِباكٌ؛ لِأنَّ الضُّرَّ يُقابِلُهُ النَّفْعُ، والرَّشَدُ يُقابِلُهُ الضَّلالُ، فالتَّقْدِيرُ: لا أمْلِكُ لَكم ضُرًّا ولا نَفْعًا ولا ضَلالًا ولا رَشَدًا.

والرَّشَدُ، بِفَتْحَتَيْنِ: مَصْدَرُ رَشَدَ، والرُّشْدُ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ: الِاسْمُ، وهو مَعْرِفَةُ الصَّوابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في قَوْلِهِ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] .

صفحة ٢٤٤

وتَرْكِيبُ لا أمْلِكُ لَكم مَعْناهُ: لا أقْدِرُ قُدْرَةً لِأجْلِكم عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ، وتَقَدَّمَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَتا ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ إلى مُلْتَحَدًا، مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ المُسْتَثْنى مِنهُ والمُسْتَثْنى، وهو اعْتِراضُ رُدٍّ لِما يُحاوِلُونَهُ مِنهُ أنْ يَتْرُكَ ما يُؤْذِيهِمْ فَلا يَذْكُرُ القُرْآنُ إبْطالَ مُعْتَقَدِهِمْ وتَحْقِيرَ أصْنامِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] .

والمُلْتَحَدُ: اسْمُ مَكانِ الِالتِحادِ، والِالتِحادُ: المُبالَغَةُ في اللَّحْدِ، وهو العُدُولُ إلى مَكانٍ غَيْرِ الَّذِي هو فِيهِ، والأكْثَرُ أنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ عَلى اللَّجَأِ، أيْ: العِياذُ بِمَكانٍ يَعْصِمُهُ. والمَعْنى: لَنْ أجِدَ مَكانًا يَعْصِمُنِي.

و(مِن دُونِهِ) حالٌ مِن مُلْتَحَدًا أيْ: مُلْتَحَدًا كائِنًا مَن دُونِ اللَّهِ، أيْ: بَعِيدًا عَنِ اللَّهِ غَيْرَ داخِلٍ مِن مَلَكُوتِهِ، فَإنَّ المُلْتَحَدَ مَكانٌ، فَلَمّا وُصِفَ بِأنَّهُ مَن دُونِ اللَّهِ كانَ المَعْنى أنَّهُ مَكانٌ مِن غَيْرِ الأمْكِنَةِ الَّتِي في مُلْكِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، ولِهَذا جاءَ لِنَفْيِ وِجْدانِهِ حَرْفُ (لَنْ) الدّالُّ عَلى تَأْبِيدِ النَّفْيِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن دُونِهِ) مَزِيدَةٌ جارَّةٌ لِلظَّرْفِ وهو (دُونَ) .

وقَوْلُهُ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن (ضَرًّا) و(رَشَدًا)، ولَيْسَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الضَّرَّ والرَّشَدَ المَنفِيَّيْنِ في قَوْلِهِ ﴿لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ هُما الضَّرُّ والرَّشَدُ الواقِعانِ في النَّفْسِ بِالإلْجاءِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِن مُلْتَحَدًا، أيْ: بِتَأْوِيلِ (مُلْتَحَدًا) بِمَعْنى: مَخْلَصٍ أوْ مَأْمَنٍ.

وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أُسْلُوبِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ.

والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرِ بَلَغَ، أيْ: أوْصَلَ الحَدِيثَ أوِ الكَلامَ، ويُطْلَقُ عَلى الكَلامِ المُبَلَّغِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] .

صفحة ٢٤٥

و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ صِفَةُ (بَلاغًا)، أيْ: بَلاغًا كائِنًا مِن جانِبِ اللَّهِ، أيْ: إلّا كَلامًا أُبَلِّغُهُ مِنَ القُرْآنِ المُوحى مِنَ اللَّهِ.

ورِسالاتُهُ: جَمْعُ رِسالَةٍ: وهي ما يُرْسَلُ مِن كَلامٍ أوْ كِتابٍ فالرِّسالاتُ بَلاغٌ خاصٌّ بِألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فالمُرادُ مِنها هُنا تَبْلِيغُ القُرْآنِ.

﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٠] إلى هُنا كَلامًا مُتَضَمِّنًا أنَّهم أشْرَكُوا وعانَدُوا الرَّسُولَ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ما تَوَهَّمُوهُ تَعْجِيزًا لَهُ مِن ضُرُوبِ الِاقْتِراحِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِمْ ووَعِيدِهِمْ بِأنَّهم إنْ دامُوا عَلى عِصْيانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ سَيَلْقَوْنَ نارَ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي اللَّهَ ورَسُولَهُ كانَتْ لَهُ نارُ جَهَنَّمَ.

و(مَن) شَرْطِيَّةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .

72:24Page 573

حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ أَضۡعَفُ نَاصِرٗا وَأَقَلُّ عَدَدٗا ٢٤

[The disbelievers continue] until, when they see that which they are promised, then they will know who is weaker in helpers and less in number.

﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ كانُوا إذا سَمِعُوا آياتِ الوَعْدِ بِنَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ والمُسْلِمِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وآياتِ الوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالِانْهِزامِ وعَذابِ الآخِرَةِ وعَذابِ الدُّنْيا اسْتَسْخَرُوا مِن ذَلِكَ وقالُوا: وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، ويَقُولُونَ: مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، ويَقُولُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وقالُوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ، فَهم مَغْرُورُونَ بِالِاسْتِدْراجِ والإمْهالِ فَلِذَلِكَ عَقَّبَ وعِيدَهم بِالغايَةِ المُفادَةِ مِن (حَتّى)، فالغايَةُ هُنا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن سُخْرِيَةِ الكُفّارِ مِنَ الوَعِيدِ واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ في العَدَدِ والعُدَدِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم لا يَزالُونَ يَحْسَبُونَ أنَّهم غالِبُونَ فائِزُونَ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ تَحَقَّقُوا إخْفاقَ آمالِهِمْ.

و(حَتّى) هُنا ابْتِدائِيَّةٌ وكُلَّما دَخَلَتْ (حَتّى) في جُمْلَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِـ (إذا) فَـ (حَتّى)

صفحة ٢٤٦

لِلِابْتِداءِ وما بَعْدَها جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. وذَهَبَ الأخْفَشُ وابْنُ مالِكٍ إلى أنَّ (حَتّى) في مِثْلِهِ جارَّةٌ وأنَّ (إذا) في مَحَلِّ جَرٍّ ولَيْسَ بِبَعِيدٍ.

واعْلَمْ أنَّ ”حَتّى“ لا يُفارِقُها مَعْنى الغايَةِ كَيْفَما كانَ عَمَلُ ”حَتّى“ .

و(إذا) اسْمُ زَمانٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي في جَوابِهِ وهو فَسَيَعْلَمُونَ.

وعَلى رَأْيِ الأخْفَشِ وابْنِ مالِكٍ (إذا) في مَحَلِّ جَرٍّ بِـ (حَتّى) . واقْتِرانُ جُمْلَةِ سَيَعْلَمُونَ بِالفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ (إذا) ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، واقْتِرانُ الجَوابِ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ يَصْرِفُ الفِعْلَ الماضِيَ بَعْدَ (إذا) إلى زَمَنِ الِاسْتِقْبالِ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ المُضافِ إلَيْها (إذا) فِعْلًا ماضِيًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.

وفِعْلُ (سَيَعْلَمُونَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِوُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في التَّعْلِيقِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يَكُونُ كِنايَةً عَنِ الغَرابَةِ بِحَيْثُ يَسْألُ النّاسُ عَنْ تَعْيِينِ الشَّيْءِ بَعْدَ البَحْثِ عَنْهُ.

وضَعْفُ النّاصِرِ وهَنٌ لَهم مِن جِهَةِ وهَنِ أنْصارِهِمْ، وقِلَّةُ العَدَدِ وهَنٌ لَهم مِن جانِبِ أنْفُسِهِمْ، وهَذا وعِيدٌ لَهم بِخَيْبَةِ غُرُورِهِمْ بِالأمْنِ مِن غَلَبِ المُسْلِمِينَ في الدُّنْيا فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. وقالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском