Ibn 'AshurAl‑Insan · 76:15–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:15–22

76:15–16Page 579

وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥

And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],

قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦

Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.

صفحة ٣٩١

﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرًا﴾ ﴿قَوارِيرًا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥]) إلَخْ كَما اقْتَضاهُ التَّناسُبُ بَيْنَ جُمْلَةِ يَشْرَبُونَ وجُمْلَةِ (﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ [الصافات: ٤٥]) في الفِعْلِيَّةِ والمُضارِعِيَّةِ، وذَلِكَ مِن أحْسَنِ أحْوالِ الوَصْلِ، عادَ الكَلامُ إلى صِفَةِ مَجالِسِ شَرابِهِمْ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِما أُجْمِلَ في جُمْلَةِ (﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥]) . وإنَّما عُطِفَتْ عَلَيْها لِما فِيها مِن مُغايَرَةٍ مَعَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها مِن صِفَةِ آنِيَةِ الشَّرابِ، فَلِهَذِهِ المُناسَبَةِ أعْقَبَ ذِكْرَ مَجالِسِ أهْلِ الجَنَّةِ ومُتَّكَآتِهِمْ، بِذِكْرِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِمّا تَعارَفَهُ أهْلُ الدُّنْيا مِن أحْوالِ أهْلِ البَذَخِ والتَّرَفِ واللَّذّاتِ بِشُرْبِ الخَمْرِ إذْ يُدِيرُ عَلَيْهِمْ آنِيَةَ الخَمْرِ سُقاةٌ. وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا لَمْ تَكُنْ حاجَةٌ إلى ذِكْرِ فاعِلِ الطَّوافِ فَبُنِيَ لِلنّائِبِ.

وهَذا وعْدٌ لَهم بِإعْطاءِ مُتَمَنّاهم في الدُّنْيا مَعَ مَزِيدٍ عَلَيْهِ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

والطَّوافُ: مَشْيٌ مُكَرَّرٌ حَوْلَ شَيْءٍ أوْ بَيْنَ أشْياءَ، فَلَمّا كانَ أهْلُ المُتَّكَأِ جَماعَةً كانَ دَوَرانُ السِّقاءِ بِهِمْ طَوافًا. وقَدْ سَمَّوْا سَقْيَ الخَمْرِ: إدارَةَ الخَمْرِ أوْ إدارَةَ الكَأْسِ. والسّاقِي: مُدِيرُ الكَأْسِ، أوْ مُدِيرُ الجامِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

والآنِيَةُ: جَمْعُ إناءٍ مَمْدُودٌ بِوَزْنِ أفْعِلَةٍ مِثْلَ كِساءٍ وأكْسِيَةٍ ووِعاءٍ وأوْعِيَةٍ اجْتَمَعَ في أوَّلِ الجَمْعِ هَمْزَتانِ مَزِيدَةٌ وأصْلِيَّةٌ فَخُفِفَتْ ثانِيَتُهُما ألِفًا.

والإناءُ: اسْمٌ لِكُلِّ وِعاءٍ يُرْتَفَقُ بِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: ما يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ اهـ. فَيَظْهَرُ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ وِعاءٍ يُقْصَدُ لِلِاسْتِعْمالِ والمُداوَلَةِ لِلْأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ ونَحْوِهِما سَواءً كانَ مِن خَشَبٍ أوْ مَعْدِنٍ أوْ فَخّارٍ أوْ أدِيمٍ أوْ زُجاجٍ، يُوضَعُ فِيهِ ما يُشْرَبُ. أوْ يُوكَلُ، أوْ يُطْبَخُ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُطْلَقُ عَلى ما يُجْعَلُ لِلْخَزْنِ فَلَيْسَتِ القِرْبَةُ بِإناءٍ ولا الباطِيَةُ بِإناءٍ، والكَأْسُ إناءٌ والكُوزُ إناءٌ والإبْرِيقُ إناءٌ والصَّحْفَةُ إناءٌ.

والمُرادُ هُنا آنِيَةُ مَجالِسِ شَرابِهِمْ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الأكْوابِ وذَلِكَ في عُمُومِ

صفحة ٣٩٢

الآنِيَةِ وما يُوضَعُ مَعَهُ مِن نُقْلٍ أوْ شِواءٍ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى في آيَةِ الزُّخْرُفِ (﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]) .

وتَشْمَلُ الآنِيَةُ الكُؤُوسَ وذِكْرُ الآنِيَةِ بَعْدَ كَأْسٍ مِن قَوْلِهِ (﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥]) مِن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ إلّا إذا أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ.

والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ بَعْدَهُ واوٌ ساكِنَةٌ. والكُوبُ: كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ لَهُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ.

وعَطْفُ أكْوابٍ عَلى آنِيَةٍ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِأنَّ الأكْوابَ تُحْمَلُ فِيها الخَمْرُ لِإعادَةِ مَلْءِ الكُؤُوسِ. ووُصِفَتْ هُنا بِأنَّها مِن فِضَّةٍ، أيْ تَأْتِيهِمْ آنِيَتُهم مِن فِضَّةٍ في بَعْضِ الأوْقاتِ ومِن ذَهَبٍ في أوْقاتٍ أُخْرى كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ (﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]) لِأنَّ لِلذَّهَبِ حُسْنًا ولِلْفِضَّةِ حُسْنًا فَجُعِلَتْ آنِيَتُهم مِنَ المَعْدِنَيْنِ النَّفِيسَيْنِ لِئَلّا يَفُوتَهم ما في كُلٍّ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ، أوْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وآنِيَةٍ مِن ذَهَبٍ مُتَنَوِّعَةٍ مُتَزاوِجَةٍ لِأنَّ ذَلِكَ أبْهَجُ مَنظَرًا مِثْلَ ما قالَ مَرَةً (﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١])، ومَرَةً (﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]) وذَلِكَ لِإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِحُسْنِ المَناظِرِ فَإنَّهم كانُوا يَتَمَنَّوْنَها في الدُّنْيا لِعِزَّةِ وجُودِها أوْ وُجُودِ الكَثِيرِ مِنها، وأوْثِرَ ذِكْرُ آنِيَةِ الفِضَّةِ هُنا لِمُناسَبَةِ تَشْبِيهِها بِالقَوارِيرِ في البَياضِ.

والقَوارِيرُ: جَمْعُ قارُورَةٍ، وأصْلُ القارُورَةِ إناءٌ شِبْهُ كُوزٍ، قِيلَ: لا تُسَمّى قارُورَةً إلّا إذا كانَتْ مِن زُجاجٍ، وقِيلَ مُطْلَقًا وهو الَّذِي ابْتَدَأ بِهِ صاحِبُ القامُوسِ.

وسُمِّيَتْ قارُورَةً اشْتِقاقًا مِنَ القَرارِ وهو المُكْثُ في المَكانِ وهَذا وزْنٌ غَرِيبٌ.

والغالِبُ أنَّ اسْمَ القارُورَةِ لِلْإناءِ مِنَ الزُّجاجِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى ما كانَ مِن زُجاجٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ إناءً كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤]) وقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ (قَوارِيرًا) في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّها شَبِيهَةٌ بِالقَوارِيرِ في صَفاءِ اللَّوْنِ والرِّقَّةِ حَتّى كَأنَّها تَشُفُّ عَمّا فِيها.

والتَّنافُسُ في رِقَّةِ آنِيَةِ الخَمْرِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ شارِبِيها قالَ الأعْشى:

تُرِيكَ القَذى مِن دُونِها وهي دُونَهُ إذا ذاقَها مَن ذاقَها يَتَـمَـطَّـقُ

صفحة ٣٩٣

وفِعْلُ (كانَتْ) هُنا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، والمَعْنى: إنَّها مِثْلُ القَوارِيرِ في شَفِيفِها، وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ (﴿مِن فِضَّةٍ﴾)، أيْ هي مِن جِنْسِ الفِضَّةِ في لَوْنِ القَوارِيرِ لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿مِن فِضَّةٍ﴾) حَقِيقَةٌ فَإنَّهُ قالَ قَبْلَهُ (﴿بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ﴾) .

ولَفْظُ (قَوارِيرًا) الثّانِي، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِنَظِيرِهِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ أنَّ لَها رِقَّةَ الزُّجاجِ فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى (قَوارِيرًا) الأوَّلِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِإفادَةِ التَّصْنِيفِ فَإنَّ حُسْنَ التَّنْسِيقِ في آنِيَةِ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ رَوْنَقِ مَجْلِسِهِ، فَيَكُونُ التَّكْرِيرُ مِثْلَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]) وقَوْلُ النّاسِ: قَرَأْتُ الكِتابَ بابًا بابًا فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى (قَوارِيرًا) الثّانِي.

وكُتِبَ في المُصْحَفِ (قَوارِيرًا قَوارِيرًا) بِألِفٍ في آخِرِ كِلْتا الكَلِمَتَيْنِ الَّتِي هي عَلامَةُ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ (قَوارِيرًا) الأوَّلَ والثّانِيَ مُنَوَّنَيْنِ وتَنْوِينُ الأوَّلِ لِمُراعاةِ الكَلِماتِ الواقِعَةِ في الفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ مِن قَوْلِهِ (كافُورًا) إلى قَوْلِهِ (تَقْدِيرًا) وتَنْوِينُ الثّانِي لِلْمُزاوَجَةِ مَعَ نَظِيرِهِ وهَؤُلاءِ وقَفُوا عَلَيْهِما بِالألِفِ مِثْلَ أخَواتِهِما وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿سَلاسِلًا وأغْلالًا﴾ [الإنسان: ٤]) .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وخَلَفٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (قَوارِيرًا) الأوَّلَ بِالتَّنْوِينِ ووَقَفُوا عَلَيْهِ بِالألِفِ وهو جارٍ عَلى التَّوْجِيهِ الَّذِي وجَّهْنا بِهِ قِراءَةَ نافِعٍ والكِسائِيِّ. وقَرَءا (قَوارِيرًا) الثّانِي بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الأصْلِ ولَمْ تُراعَ المُزاوَجَةُ ووَقَفا عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ فِيهِما لِمَنعِ الصَّرْفِ وعَدَمِ مُراعاةِ الفَواصِلِ ولا المُزاوَجَةِ.

والقِراءاتُ رِوايَةٌ مُتَواتِرَةٌ لا يُناكِدُها رَسْمُ المُصْحَفِ فَلَعَلَّ الَّذِينَ كَتَبُوا المَصاحِفَ لَمْ تَبْلُغْهم إلّا قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ.

وحَدَّثَ خَلَفٌ عَنْ يَحْيى بْنِ آدَمَ عَنِ ابْنِ إدْرِيسَ قالَ في المَصاحِفِ الأُوَلِ ثَبَتَ (قَوارِيرًا) الأوَّلُ بِالألِفِ والثّانِي بِغَيْرِ ألِفٍ، يَعْنِي المَصاحِفَ الَّتِي في الكُوفَةِ فَإنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إدْرِيسَ كُوفِيٌّ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: رَأيْتُ في مُصْحَفِ عُثْمانَ (قَوارِيرًا) الأوَّلَ بِالألِفِ وكانَ الثّانِي مَكْتُوبًا بِالألِفِ فَحُكَّتْ فَرَأيْتُ أثَرَها هُناكَ

صفحة ٣٩٤

بَيِّنًا. وهَذا كَلامٌ لا يُفِيدُ؛ إذْ لَوْ صَحَّ لَما كانَ يُعْرَفُ مَنِ الَّذِي كَتَبَهُ بِالألِفِ، ولا مَنِ الَّذِي مَحا الألِفَ ولا مَتى كانَ ذَلِكَ فِيما بَيْنَ زَمَنِ كِتابَةِ المَصاحِفِ وزَمَنِ أبِي عُبَيْدٍ، ولا يُدْرى ماذا عُنِي بِمُصْحَفِ عُثْمانَ أهْوَ مُصْحَفُهُ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ أمْ هو مُصْحَفٌ مِنَ المَصاحِفِ الَّتِي نُسِخَتْ في خِلافَتِهِ ووَزَّعَها عَلى الأمْصارِ ؟ .

وقَرَأ يَعْقُوبُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ فِيهِما في الوَصْلِ.

وأمّا في الوَقْفِ فَحَمْزَةُ وقَفَ عَلَيْهِما بِدُونِ ألِفٍ. وهِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وقَفا عَلَيْهِما بِالألِفِ عَلى أنَّهُ صِلَةٌ لِلْفَتْحَةِ، أيْ إشْباعٌ لِلْفَتْحَةِ ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ وعَلى الثّانِي بِدُونِ ألِفٍ ووَجْهُهُ ما وجَّهْتُ بِهِ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ وخَلَفٍ.

وقَوْلُهُ (﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدًا إلى الأبْرارِ أوْ (﴿عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]) الَّذِي عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ المُتَقَدِّمَةُ في قَوْلِهِ ”يُفَجِّرُونَها“ و”يُوفُونَ“ إلى آخَرِ الضَّمائِرِ فَيَكُونُ مَعْنى التَّقْدِيرِ رَغْبَتُهم أنْ تَجِيءَ عَلى وفْقِ ما يَشْتَهُونَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى نائِبِ الفاعِلِ المَحْذُوفِ المَفْهُومِ مِن بِناءِ (يُطافُ) لِلنّائِبِ، أيِ الطّائِفُونَ عَلَيْهِمْ بِها قَدَّرُوا الآنِيَةَ والأكْوابَ، أيْ قَدَّرُوا ما فِيها مِنَ الشَّرابِ عَلى حَسَبِ ما يَطْلُبُهُ كُلُّ شارِبٍ مِنهم ومَآلُهُ إلى مَعْنى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ. وكانَ مِمّا يُعَدُّ في العادَةِ مِن حِذْقِ السّاقِي أنْ يُعْطِيَ كُلَّ أحَدٍ مِنَ الشُّرْبِ ما يُناسِبُ رَغْبَتَهُ.

و(تَقْدِيرًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى وفاءِ التَّقْدِيرِ وعَدَمِ تَجاوُزِهِ المَطْلُوبِ ولا تَقْصِيرِهِ عَنْهُ.

76:17–18Page 579

وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧

And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger

عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨

[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.

﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾

أتْبَعَ وصْفَ الآنِيَةِ ومَحاسِنِها بِوَصْفِ الشَّرابِ الَّذِي يَحْوِيهِ وطِيبِهِ، فالكَأْسُ كَأْسُ الخَمْرِ وهي مِن جُمْلَةِ عُمُومِ الآنِيَةِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ ولا تُسَمّى آنِيَةَ الخَمْرِ

صفحة ٣٩٥

كَأْسًا إلّا إذا كانَ فِيها خَمْرٌ فَكَوْنُ الخَمْرِ فِيها هو مُصَحِّحُ تَسْمِيَتِها كَأْسًا، ولِذَلِكَ حَسُنَ تَعْدِيَةُ فِعْلِ السَّقْيِ إلى الكَأْسِ لِأنَّ مَفْهُومَ الكَأْسِ يَتَقَوَّمُ بِما في الإناءِ مِنَ الخَمْرِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الأعْشى:

وكَأْسٌ شَرِبْتُ عَلى لَـذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها

يُرِيدُ: وخَمْرٌ شَرِبْتُ.

والقَوْلُ في إطْلاقِ الكَأْسِ عَلى الإناءِ أوْ عَلى ما فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ (﴿إنَّ الإبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]) .

ومَعْنى الآيَةِ أنَّ هَذِهِ سَقْيَةٌ أُخْرى، أيْ مَرَّةً يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ مِزاجُها الكافُورُ ومَرَّةً يُسْقَوْنَ كَأْسًا مِزاجُها الزَّنْجَبِيلُ.

وضَمِيرُ (فِيها) لِلْجَنَّةِ مِن قَوْلِهِ (﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢]) .

وزَنْجَبِيلُ: كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ وأصْلُها بِالكافِ الأعْجَمِيَّةِ عِوَضِ الجِيمِ. قالَ الجَوالِيقِيُّ والثَّعالِبِيُّ: هي فارِسِيَّةٌ، وهو اسْمٌ لِجُذُورٍ مِثْلَ جُذُورِ السُعْدِ بِضَمِّ السِّينِ وسُكُونِ العَيْنِ تَكُونُ في الأرْضِ كالجَزَرِ الدَّقِيقِ واللِّفْتِ الدَّقِيقِ لَوْنُهُا إلى البَياضِ لَها نَباتٌ لَهُ زَهْرٌ، وهي ذاتُ رائِحَةٍ عِطْرِيَّةٍ طَيِّبَةٍ وطَعْمُهُا شَبِيهٌ بِطَعْمِ الفِلْفِلِ، وهو يَنْبُتُ بِبِلادِ الصِّينِ والسِّنَدِ وعُمانَ والشِّحْرِ، وهو أصْنافٌ أحْسَنُها ما يَنْبُتُ بِبِلادِ الصِّينِ، ويَدْخُلُ في الأدْوِيَةِ والطَّبْخِ كالأفاوِيَةِ ورائِحَتُهُ بُهارِيَةٌ وطَعْمُهُ حَرِيفٌ. وهو مُنَبِّهٌ ويُسْتَعْمَلُ مَنقُوعًا في الماءِ ومُرَبّى بِالسُّكَّرِ.

وقَدْ عَرَفَهُ العَرَبُ وذَكَرَهُ شُعَراءُ العَرَبِ في طَيِّبِ الرّائِحَةِ.

أيْ يَمْزُجُونَ الخَمْرَ بِالماءِ المَنقُوعِ فِيهِ الزَّنْجَبِيلُ لِطِيبِ رائِحَتِهِ وحُسْنِ طَعْمِهِ.

وانْتَصَبَ (عَيْنًا) عَلى البَدَلِ مِن (زَنْجَبِيلًا) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]) .

ومَعْنى كَوْنِ الزَّنْجَبِيلِ عَيْنًا: أنْ مَنقُوعَهُ أوِ الشَّرابُ المُسْتَخْرَجُ مِنهُ كَثِيرٌ كالعَيْنِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥])، أيْ هو كَثِيرٌ جِدًّا وكانَ يُعْرَفُ في الدُّنْيا بِالعِزَّةِ.

صفحة ٣٩٦

و(سَلْسَبِيلَ): وصْفٌ قِيلَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلاسَةِ وهي السُّهُولَةُ واللِّينُ فَيُقالُ: ماءٌ سَلْسَلُ، أيْ عَذْبٌ بارِدٌ قِيلَ زِيدَتْ فِيهِ الباءُ والياءُ - أيْ زِيدَتا في أصْلِ الوَضْعِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ - .

قالَ التَّبْرِيزِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ في قَوْلِ البَعِيثِ بْنِ حُرَيْثٍ:

خَيالٌ لِأُمِّ السَّلْسَبِيلَ ودُونَهَـا ∗∗∗ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذَبِ

قالَ أبُو العَلاءِ: السَّلْسَبِيلُ الماءُ السَّهْلُ المَساغِ. وعِنْدِي أنَّ هَذا الوَصْفَ رُكِّبَ مِن مادَّتِي السَّلاسَةِ والسَّبالَةِ، يُقالُ: سَبَلَتِ السَّماءُ، إذا أمْطَرَتْ، فَسَبِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، رُكِّبَ مِن كَلِمَتِي السَّلاسَةِ والسَّبِيلِ لِإرادَةِ سُهُولَةِ شُرْبِهِ ووَفْرَةِ جَرْيِهِ. وهَذا مِنَ الِاشْتِقاقِ الأكْبَرِ ولَيْسَ باشْتِقاقٍ تَصْرِيفِيٍّ.

فَهَذا وصْفٌ مِن لُغَةِ العَرَبِ عِنْدَ مُحَقِّقِي أهْلِ اللُّغَةِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ إلّا في القُرْآنِ، فَهو عِنْدَهُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ الجارِيَةِ عَلى أسالِيبِ الكَلامِ العَرَبِيِّ، وفي حاشِيَةِ الهَمَذانِيِّ عَلى الكَشّافِ نِسْبَةُ بَيْتِ البَعِيثِ المَذْكُورِ آنِفًا مَعَ بَيْتَيْنِ بَعْدَهُ إلى أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وهو عَزٌو غَرِيبٌ لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ.

ومَعْنى تُسَمّى عَلى هَذا الوَجْهِ، أنَّها تُوصَفُ بِهَذا الوَصْفِ حَتّى صارَ كالعَلَمِ لَها كَما قالَ تَعالى (﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧]) أيْ يَصِفُونَهم بِأنَّهم إناثٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]) أيْ لا مَثِيلَ لَهُ. فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهُ عَلَمٌ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ التَّسْمِيَةَ عَلى ظاهِرِها وجَعَلَ (سَلْسَبِيلًا) عَلَمًا عَلى هَذِهِ العَيْنِ، وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى تُسَمّى. وعَلى قَوْلِ ابْنِ الأعْرابِيِّ والجُمْهُورِ لا إشْكالَ في تَنْوِينِ (سَلْسَبِيلًا) . وأمّا الجَوالِيقِيُّ: إنَّهُ أعْجَمِيٌّ سُمِّيَ بِهِ، يَكُونُ تَنْوِينُهُ لِلْمُزاوَجَةِ مِثْلَ تَنْوِينِ (سَلاسِلًا) .

وهَذا الوَصْفُ يَنْحَلُّ في السَّمْعِ إلى كَلِمَتَيْنِ: سَلْ، سَبِيلًا، أيِ اطْلُبْ طَرِيقًا. وقَدْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وذُكِرَ أنَّهُ جُعِلَ عَلَمًا لِهَذِهِ العَيْنِ مِن قَبِيلِ العَلَمِ المَنقُولِ عَنْ جُمْلَةٍ مَثْلَ: تَأبَّطَ شَرًّا، وذَرّى حَبًّا. وفي الكَشّافِ أنَّ هَذا تَكَلُّفٌ وابْتِداعٌ.

76:19Page 579

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩

There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.

صفحة ٣٩٧

﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾

هَذا طَوافٌ آخَرُ غَيْرُ طَوافِ السُّقاةِ المَذْكُورِ آنِفًا بِقَوْلِهِ (﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥]) إلَخْ فَهَذا طَوافٌ لِأداءِ الخِدْمَةِ فَيَشْمَلُ طَوافَ السُّقاةِ وغَيْرِهِمْ.

و(وِلْدانٌ): جَمْعُ ولِيدٍ، وأصْلُ ولِيدٍ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ويُطْلَقُ الوَلِيدُ عَلى الصَّبِيِّ مَجازًا مَشْهُورًا بِعَلاقَةِ ما كانَ، لِقَصْدِ تَقْرِيبِ عَهْدِهِ بِالوِلادَةِ، وأحْسَنُ ما يُتَّخَذُ لِلْخِدْمَةِ الوِلْدانُ لِأنَّهم أخَفُّ حَرَكَةٍ وأسْرَعُ مَشْيًا ولِأنَّ المَخْدُومَ لا يَتَحَرَّجُ إذا أمَرَهم أوْ نَهاهم.

ووُصِفُوا بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ لِلِاحْتِراسِ مِمّا يُوهِمُهُ اشْتِقاقُ وِلْدانٍ مِن أنَّهم يَشِبُّونَ ويِكْتَهِلُونَ، أيْ لا تَتَغَيَّرُ صِفاتُهم فَهم وِلْدانٌ دَوْمًا وإلّا فَإنَّ خُلُودَ الذَّواتِ في الجَنَّةِ مَعْلُومٌ فَما كانَ ذِكْرُهُ إلّا لِأنَّهُ تَخْلِيدٌ خاصٌّ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مُخَلَّدُونَ: مُحَلَّوْنَ بِالخِلَدَةِ بِوَزْنِ قِرَدَةٍ. واحِدُهُا خُلْدٌ كَقُفْلٍ وهو اسْمٌ لِلْقُرْطِ في لُغَةِ حِمْيَرَ.

وشُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ تَشْبِيهًا مُقَيَّدًا فِيهِ المُشَبَّهُ بِحالٍ خاصٍّ لِأنَّهم شُبِّهُوا بِهِ في حُسْنِ المَنظَرِ مَعَ التَّفَرُّقِ.

وتَرْكِيبُ (﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهُمْ﴾) مُفِيدٌ لِلتَّشْبِيهِ المُرادِ بِهِ التَّشابُهُ والخِطابُ في ”رَأيْتَ“ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ إذا رَآهُ الرّائِي.

والقَوْلُ في مَعْنى الطَّوافِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥]) الآيَةَ.

76:20Page 579

وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠

And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.

﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾

الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، و(ثَمَّ) إشارَةٌ إلى المَكانِ ولا يَكُونُ إلّا ظَرْفًا والمُشارُ إلَيْهِ هُنا ما جَرى ذِكْرُهُ أعْنِي الجَنَّةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ (﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً﴾ [الإنسان: ١٢]) .

صفحة ٣٩٨

وفِعْلُ (رَأيْتَ) الأوَّلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرُّؤْيَةِ فَقَطْ لا تَعَلُّقِها بِمَرْئِيٍّ، أيْ إذا وجَّهَتْ نَظَرَكَ. و”رَأيْتَ“ الثّانِي جَوابُ (إذا)، أيْ إذا فَتَحْتَ عَيْنَكَ تَرى نَعِيمًا.

والتَّقْيِيدُ بِـ (إذا) أفادَ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فَدَلَّ عَلى أنَّ رُؤْيَةَ النَّعِيمِ لا تَتَخَلَّفُ عَنْ بَصَرِ المُبْصِرِ هُنالِكَ فَأفادَ مَعْنى: لا تَرى إلّا نَعِيمًا، أيْ بِخِلافِ ما يُرى في جِهاتِ الدُّنْيا.

وفِي قَوْلِهِ (﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾) تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ مِثْلَ أحْوالِ المُلْكِ الكَبِيرِ المُتَنَعَّمِ بِهِ.

وفائِدَةُ هَذا التَّشْبِيهِ تَقْرِيبُ المُشَبَّهِ لِمَدارِكِ العُقُولِ.

والكَبِيرُ مُسْتَعارٌ لِلتَّعْظِيمِ وهو زائِدٌ عَلى النَّعِيمِ بِما فِيهِ مِن رِفْعَةٍ وتَذْلِيلٍ لِلْمَصاعِبِ.

76:21Page 579

عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١

Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.

﴿عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ () هَذِهِ أشْياءُ مِن شِعارِ المُلُوكِ في عُرْفِ النّاسِ زَمانَئِذٍ، فَهَذا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ ( ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]) .

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ (﴿عالِيَهُمْ﴾) بِسُكُونِ الياءِ عَلى أنَّ الكَلامَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجُمْلَةِ (رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا)، فَـ (عالِيهِمْ) مُبْتَدَأٌ و(﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾) فاعِلُهُ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ وقَدْ عَمِلَ في فاعِلِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَمِدًا عَلى نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ أوْ وصْفٍ، وهي لُغَةُ خَبِيرِ بَنُو لَهَبٍ وتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ البَيانِ لِجُمْلَةِ (﴿رَأيْتَ نَعِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٠]) .

وقَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ (عالِيَهم) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ حالٌ مُفْرَدٌ لِـ (الأبْرارَ)، أيْ تِلْكَ حالَةُ أهْلِ المُلْكِ الكَبِيرِ.

وإضافَةُ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ بَيانِيَّةٌ مِثْلَ: خاتَمِ ذَهَبٍ، وثَوْبِ خَزٍّ. أيْ مِنهُ.

والسُّنْدُسُ: الدِّيباجُ الرَّقِيقُ.

صفحة ٣٩٩

والإسْتَبْرَقُ: الدِّيباجُ الغَلِيظُ وتَقَدَّما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]) في سُورَةِ الكَهْفِ وهُما مُعَرَّبانِ.

فَأمّا السُّنْدُسُ فَمُعَرَّبٌ عَنِ اللُّغَةِ الهِنْدِيَّةِ وأصْلُهُ (سُنْدُونُ) بِنُونٍ في آخِرِهِ، قِيلَ: إنَّ سَبَبَ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أنَّهُ جُلِبَ إلى الإسْكَنْدَرِ، وقِيلَ لَهُ: إنَّ اسْمَهُ (سُنْدُونُ) فَصَيَّرَهُ لِلُغَةِ اليُونانِ سُنْدُوسُ - لِأنَّهم يُكْثِرُونَ تَنْهِيَةَ الأسْماءِ بِحَرْفِ السِّينِ - وصَيَّرَهُ العَرَبُ سُنْدُسًا. وفي اللِّسانِ: أنَّ السُّنْدُسَ يُتَّخَذُ مِنَ المِرْعِزّى - كَذا ضَبَطَهُ مُصَحِّحُهُ - والمَعْرُوفُ المِرْعَزُ كَما في التَّذْكِرَةِ وشِفاءِ الغَلِيلِ. وفي التَّذْكِرَةِ المِرْعَزُ: ما نَعِمَ وطالَ مِنَ الصُّوفِ اهـ. فَلَعَلَّهُ صُوفُ حَيَوانٍ خاصٍّ فِيهِ طُولٌ أوْ هو مِن نَوْعِ الشَّعَرِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا أخْضَرَ اللَّوْنِ لِقَوْلِ يَزِيدَ بْنِ حُذّاقٍ العَبْدِيِّ يَصِفُ مَرْعى فَرَسِهِ:

وداوَيْتُها حَتّى شَتَتْ حَبَشِيَّةً كَأنَّ عَلَيْها سُنْدُسًا وسُدُوسًا

أيْ في أرْضٍ شَدِيدَةِ الخُضْرَةِ كَلَوْنِ الحَبَشِيِّ. وفي اللِّسانِ: السُّدُوسُ الطَّيْلَسانُ الأخْضَرُ. ولِقَوْلِ أبِي تَمّامٍ يَرْثِي مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ النَّبْهانِيَّ الطُّوسِيَّ:

تَرَدّى ثِيابَ المَوْتِ حُمْرًا فَما أتَـى ∗∗∗ لَها اللَّيْلُ إلّا وهي مِن سُنْدُسٍ خُضْرُ

وأمّا الإسْتَبْرَقُ فَنَسْجٌ مِن نَسْجِ الفُرْسِ واسْمُهُ فارِسِيٌ، وأصْلُهُ في الفارِسِيَّةِ: اسْتَقْرَهْ.

والمَعْنى: أنَّ فَوْقَهم ثِيابًا مِنَ الصِّنْفَيْنِ يَلْبَسُونَ هَذا وذاكَ جَمْعًا بَيْنَ مَحاسِنِ كِلَيْهِما، وهي أفْخَرُ لِباسِ المُلُوكِ وأهْلِ الثَّرْوَةِ.

ولَوْنُ الأخْضَرِ أمْتَعٌ لِلْعَيْنِ وكانَ مِن شِعارِ المُلُوكِ. قالَ النّابِغَةُ يَمْدَحُ مُلُوكَ غَسّانَ:

يَصُونُونَ أجْسادًا قَدِيمًا نَعِيمُـهُـا ∗∗∗ بِخالِصَةِ الأرْدانِ خُضْرِ المَناكِبِ

والظّاهِرُ أنَّ السُّنْدُسَ كانَ لا يُصْبَغُ إلّا أخْضَرَ اللَّوْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ (خُضْرٌ) بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِـ (ثِيابُ) . و(إسْتَبْرَقٌ) بِالرَّفْعِ أيْضًا عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ثِيابٍ بِقَيْدِ كَوْنِها مِن سُنْدُسٍ فَمَعْنى عالِيهِمْ إسْتَبْرَقٌ: أنَّ الإسْتَبْرَقَ لِباسُهم.

صفحة ٤٠٠

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (خُضْرٍ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِـ (سُنْدُسٍ)، و(إسْتَبْرَقٌ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (ثِيابُ) .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (خُضْرٌ) بِالرَّفْعِ و(إسْتَبْرَقٍ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (سُنْدُسٍ) بِتَقْدِيرِ: وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (خُضْرٍ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِـ (سُنْدُسٍ) بِاعْتِبارِ أنَّهُ بَيانٌ لِلثِّيابِ فَهو في مَعْنى الجَمْعِ. وقَرَءا و(﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى سُنْدُسٍ.

والأساوِرُ: جَمْعُ سُوارٍ وهو حَلْيٌ شَكْلُهُ أُسْطُوانِيٌّ فارِغُ الوَسَطِ يَلْبَسُهُ النِّساءُ في مَعاصِمِهِنَّ ولا يَلْبَسُهُ الرِّجالُ إلّا المُلُوكَ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ ذِكْرُ سُوارَيْ كِسْرى.

والمَعْنى: أنَّ حالَ رِجالِ أهْلِ الجَنَّةِ حالُ المُلُوكِ ومَعْلُومٌ أنَّ النِّساءَ يَتَحَلَّيْنَ بِأصْنافِ الحُلِيِّ.

ووُصِفَتِ الأساوِرُ هُنا بِأنَّها (﴿مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥]) . وفي سُورَةِ الكَهْفِ بِأنَّها (﴿مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]) في قَوْلِهِ (﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١])، أيْ مَرَّةً يُحَلَّوْنَ هَذِهِ ومَرَّةً الأُخْرى، أوْ يُحَلَّوْنَهُما جَمِيعًا بِأنْ تُجْعَلَ مُتَزاوِجَةً لِأنَّ ذَلِكَ أبْهَجُ مَنظَرًا كَما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (﴿كانَتْ قَوارِيرَ قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥]) .

* * *

﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾

هَذا احْتِراسٌ مِمّا يُوهِمُهُ شُرْبُهم مِنَ الكَأْسِ المَمْزُوجَةِ بِالكافُورِ والزَّنْجَبِيلِ مِن أنْ يَكُونَ فِيها ما في أمْثالِها المَعْرُوفَةِ في الدُّنْيا ومِنَ الغَوْلِ وسُوءِ القَوْلِ والهَذَيانِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِ شَرابِهِمْ طَهُورًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في الطَّهارَةِ وهي النَّزاهَةُ مِنَ الخَبائِثِ، أيْ مُنَزَّهًا عَمّا في غَيْرِهِ مِنَ الخَباثَةِ والفَسادِ.

وأسْنَدَ سَقْيَهُ إلى رَبِّهِمْ إظْهارًا لِكَرامَتِهِمْ، أيْ أمَرَ هو بِسَقْيِهِمْ كَما يُقالُ: أطْعَمَهم رَبُّ الدّارِ وسَقاهم.

76:22Page 579

إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢

[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."

صفحة ٤٠١

﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾

هَذا الكَلامُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ قَرِينَتُهُ الخِطابُ إذْ لَيْسَ يَصْلُحُ لِهَذا الخِطابِ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ إلّا أنْ يَكُونَ المُخاطَبُونَ هُمُ الأبْرارَ المَوْصُوفُ نَعِيمُهم.

والقَوْلُ المَحْذُوفُ يُقَدَّرُ فِعْلًا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ في سَقاهم، نَحْوَ: يُقالُ لَهم، أوْ يَقُولُ لَهم رَبُّهم، أوْ يُقَدَّرُ اسْمًا هو حالٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ نَحْوَ: مَقُولًا لَهم هَذا اللَّفْظُ، أوْ قائِلًا لَهم هَذا اللَّفْظَ.

والإشارَةُ إلى ما يَكُونُ حاضِرًا لَدَيْهِمْ مِن ألْوانِ النَّعِيمِ المَوْصُوفِ فِيما مَضى مِنَ الآياتِ.

والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِما أسْلَفُوا مِن تَقْوى اللَّهِ وتَكْرِمَتُهم بِذَلِكَ وتَنْشِيطُ أنْفُسِهِمْ بِأنَّ ما أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ هو حَقٌّ لَهم جَزاءً عَلى عَمَلِهِمْ.

وإقْحامُ فِعْلِ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ كَوْنِهِ جَزاءً لا مَنًّا عَلَيْهِمْ بِما لَمْ يَسْتَحِقُّوا، فَإنَّ مِن تَمامِ الإكْرامِ عِنْدَ الكِرامِ أنْ يُتْبِعُوا كَرامَتَهم بِقَوْلٍ يَنْشَطُ لَهُ المُكْرَمُ ويُزِيلُ عَنْهُ ما يَعْرِضُ مِن خَجَلٍ ونَحْوِهِ، أيْ هو جَزاءٌ حَقًّا لا مُبالَغَةَ في ذَلِكَ.

وعُطِفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾) عِلاوَةً عَلى إيناسِهِمْ بِأنَّ ما أُغْدِقَ عَلَيْهِمْ كانَ جَزاءً لَهم عَلى ما فَعَلُوا بِأنَّ سَعْيَهُمُ الَّذِي كانَ النَّعِيمُ جَزاءً عَلَيْهِ، هو سَعْيٌ مَشْكُورٌ، أيْ مَشْكُورٌ ساعِيهِ، فَأسْنَدَ المَشْكُورَ إلى السَّعْيِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: سَيْلٌ مُفْعَمٌ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (﴿مَشْكُورًا﴾) مَفْعُولًا حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً لَكِنْ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ مَشْكُورًا عَلَيْهِ.

وإقْحامُ فِعْلِ (كانَ) كَإقْحامِ نَظِيرِهِ آنِفًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском