Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Naba 78:14–20
78:14–17Page 582
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا ١٤
And sent down from the rain clouds pouring water
لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا ١٥
That We may bring forth thereby grain and vegetation
وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا ١٦
And gardens of entwined growth.
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا ١٧
Indeed, the Day of Judgement is an appointed time -
صفحة ٢٥
﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ ﴿لِنَخْرُجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ .
اسْتِدْلالٌ بِحالَةٍ أُخْرى مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى في نِظامِ المَوْجُوداتِ وجَعَلَها مَنشَأً شَبِيهًا بِحَياةٍ بَعْدَ شَبِيهٍ بِمَوْتٍ أوِ اقْتِرابٍ مِنهُ، ومَنشَأ تَخَلُّقِ مَوْجُوداتٍ مِن ذَرّاتٍ دَقِيقَةٍ. وتِلْكَ حالَةُ إنْزالِ ماءِ المَطَرِ مِنَ الأسْحِبَةِ عَلى الأرْضِ، فَتُنْبِتُ الأرْضُ بِهِ سَنابِلَ حَبٍّ وشَجَرًا وكَلَأً، وتِلْكَ كُلُّها فِيها حَياةٌ قَرِيبَةٌ مِن حَياةِ الإنْسانِ والحَيَوانِ وهي حَياةُ النَّماءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا لِلنّاسِ عَلى تَصَوُّرِ حالَةِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ بِدَلِيلٍ مِنَ التَّقْرِيبِ الدّالِّ عَلى إمْكانِهِ حَتّى تَضْمَحِلَّ مِن نُفُوسِ المُكابِرِينَ شُبَهُ إحالَةِ البَعْثِ.
وهَذا الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ هُنا قَدْ صُرِّحَ بِهِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، فَفي الآيَةِ اسْتِدْلالانِ بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّحابِ، واسْتِدْلالٌ بِالإنْباتِ، وفي هَذا أيْضًا مِنَّةٌ عَلى المُعْرِضِينَ عَلى النَّظَرِ في دَلائِلِ صُنْعِ اللَّهِ الَّتِي هي دَواعٍ لِشُكْرِ المُنْعِمِ بِها، لِما فِيها مِن مَنافِعَ لِلنّاسِ مِن رِزْقِهِمْ ورِزْقِ أنْعامِهِمْ، ومِن تَنَعُّمِهِمْ وجَمالِ مَرائِيهِمْ؛ فَإنَّهم لَوْ شَكَرُوا المُنْعِمَ بِها لَكانُوا - عِنْدَما يَبْلُغُهم عَنْهُ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى النَّظَرِ في الأدِلَّةِ - مُسْتَعِدِّينَ لِلنَّظَرِ، بِتَوَقُّعِ أنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ البالِغَةُ إلَيْهِمْ صادِقَةَ العَزْوِ إلى اللَّهِ فَما خَفِيَتْ عَنْهُمُ الدِّلالَةُ.
ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِن ذِكْرِ السَّماواتِ إلى ذِكْرِ السَّحابِ والمَطَرِ قَوِيَّةٌ.
والمُعْصِراتُ: بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الصّادِ السَّحاباتُ الَّتِي تَحْمِلُ ماءَ المَطَرِ، واحِدَتُها مُعْصِرَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ إذا آنَ لَها أنْ تَعْصِرَ، أيْ: تُنْزِلَ إنْزالًا شَبِيهًا بِالعَصْرِ. فَهَمْزَةُ (أعْصَرَ) تُفِيدُ مَعْنى الحَيْنُونَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ، وتُسَمّى هَمْزَةَ التَّهْيِئَةِ، كَما في قَوْلِهِمْ: أجَزَّ الزَّرْعُ، إذا حانَ لَهُ أنْ يُجَزَّ (بِزايٍ في آخِرِهِ)، وأحْصَدَ إذا حانَ وقْتُ حَصادِهِ. ويَظْهَرُ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّ هَمْزَةَ الحَيْنُونَةِ تُفِيدُ مَعْنى التَّهَيُّؤِ لِقَبُولِ الفِعْلِ، وتُفِيدُ مَعْنى التَّهَيُّؤِ لِإصْدارِ الفِعْلِ، فَإنَّهُ
صفحة ٢٦
ذَكَرَ: أعْصَرَتِ الجارِيَةُ، أيْ: حانَ وقْتُ أنْ تَصِيرَ تَحِيضُ، وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في أدَبِ الكاتِبِ: أرْكَبَ المُهْرُ، إذا حانَ أنْ يُرْكَبَ، وأقْطَفَ الكَرْمُ، إذا حانَ أنْ يُقْطَفَ. ثُمَّ ذَكَرَ: أقْطَفَ القَوْمُ: حانَ أنْ يَقْطِفُوا كُرُومَهم، وأنْتَجَتِ الخَيْلُ: حانَ وقْتُ نِتاجِها.
وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣] الآيَةَ مِن سُورَةِ النُّورِ، والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا جَعَلَ السَّحابَ رُكامًا جاءَ بِالرِّيحِ عَصَرَ بَعْضُهُ بَعْضًا فَيَخْرُجُ الوَدْقُ مِنهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانٍ:
كِلْتاهُما حَلَبَ العَصِيرَ فَعاطَنِي بِزُجاجَةٍ أرْخاهُما لِلْمِفْصَلِ
أرادَ حَسّانُ الخَمْرَ والماءَ الَّذِي مُزِجَتْ بِهِ، أيْ: هَذِهِ مِن عَصِيرِ العِنَبِ، وهَذِهِ مِن عَصِيرِ السَّحابِ؛ فَسَّرَ هَذا التَّفْسِيرَ قاضِي البَصْرَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ حَلَفَ صاحِبُهم بِالطَّلاقِ أنْ يَسْألَ القاضِيَ عَنْ تَفْسِيرِ بَيْتِ حَسّانٍ اهـ.
والثَّجّاجُ: المُنْصَبُّ بِقُوَّةٍ، وهو فَعّالٌ مِن ثَجَّ القاصِرُ إذا انْصَبَّ، يُقالُ: ثَجَّ الماءُ، إذا انْصَبَّ بِقُوَّةٍ، فَهو فِعْلٌ قاصِرٌ. وقَدْ يُسْنَدُ الثَّجُّ إلى السَّحابِ، يُقالُ: ثَجَّ السَّحابُ يَثُجُّ بِضَمِّ الثّاءِ، إذا صَبَّ الماءَ، فَهو حِينَئِذٍ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ.
ووَصْفُ الماءِ هُنا بِالثَّجّاجِ لِلِامْتِنانِ.
وقَدْ بُيِّنَتْ حِكْمَةُ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ السَّحابِ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ لِإنْباتِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ جَمْعًا بَيْنَ الِامْتِنانِ والإيماءِ إلى دَلِيلِ تَقْرِيبِ البَعْثِ لِيَحْصُلَ إقْرارُهم بِالبَعْثِ وشُكْرُ الصّانِعِ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (لِنُخْرِجَ) دُونَ نَحْوِ: لِنُنْبِتَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الإيماءُ إلى تَصْوِيرِ كَيْفِيَّةِ بَعْثِ النّاسِ مِنَ الأرْضِ؛ إذْ ذَلِكَ المَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذا الكَلامِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصِدُ الأوَّلُ مِن آيَةِ ”سُورَةِ ق“ هو الِامْتِنانَ جِيءَ بِفِعْلِ (أنْبَتْنا) في قَوْلِهِ:
صفحة ٢٧
﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ [ق: ٩] الآيَةَ، ثُمَّ أُتْبِعَ ثانِيًا بِالِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] . والبَعْثُ خُرُوجٌ مِنَ الأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] في سُورَةِ طه.
والحَبُّ: اسْمُ جَمْعِ حَبَّةٍ وهي البَرْزَةُ. والمُرادُ بِالحَبِّ هُنا: الحَبُّ المُقْتاتُ لِلنّاسِ، مِثْلَ: الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والسُّلْتِ، والذُّرَةِ، والأُرْزِ، والقُطْنِيَّةِ، وهي الحُبُوبُ الَّتِي هي ثَمَرَةُ السَّنابِلِ ونَحْوِها.
والنَّباتُ أصْلُهُ اسْمُ مَصْدَرِ نَبَتَ الزَّرْعُ، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] . وأُطْلِقَ النَّباتُ عَلى النّابِتِ، مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى الفاعِلِ، وأصْلُهُ المُبالَغَةُ، ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ فَنُسِيَتِ المُبالَغَةُ.
والمُرادُ بِهِ هُنا: النَّباتُ الَّذِي لا يُؤْكَلُ حُبُّهُ بَلِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِذاتِهِ، وهو ما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ والدَّوابُّ، مِثْلَ: التِّبْنِ، والقُرْطِ، والفِصْفِصَةِ، والحَشِيشِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وجُعِلَتِ الجَنّاتُ مَفْعُولًا لِ (نُخْرِجَ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: نَخْلَ جَنّاتٍ أوْ شَجَرَ جَنّاتٍ؛ لِأنَّ الجَنّاتِ جَمْعُ جَنَّةٍ وهي قِطْعَةٌ مِنَ الأرْضِ المَغْرُوسَةِ نَخْلًا، أوْ نَخْلًا وكَرْمًا، أوْ بِجَمِيعِ الشَّجَرِ المُثْمِرِ، مِثْلَ التِّينِ والرُّمّانِ، كَما جاءَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وهي اسْتِعْمالاتٌ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلافِ المَنابِتِ.
ووَجْهُ إيثارِ لَفْظِ جَنّاتٍ أنَّ فِيهِ إيماءً إلى إتْمامِ المِنَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُحِبُّونَ الجَنّاتِ والحَدائِقَ لِما فِيها مِنَ التَّنَعُّمِ بِالظِّلالِ والثِّمارِ والمِياهِ وجَمالِ المَنظَرِ، ولِذَلِكَ أُتْبِعَتْ بِوَصْفِ ألْفافًا لِأنَّهُ يَزِيدُها حُسْنًا، وإنْ كانَ الفَلّاحُونَ عِنْدَنا يُفَضِّلُونَ التَّباعُدَ بَيْنَ الأشْجارِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أوْفَرُ لِكَمِّيَّةِ الثِّمارِ؛ لِأنَّ تَباعُدَها أسْعَدُ لَها بِتَخَلُّلِ الهَواءِ وشُعاعِ الشَّمْسِ، لَكِنَّ مَساقَ الآيَةِ هُنا الِامْتِنانُ بِما فِيهِ نَعِيمُ النّاسِ.
وألْفافٌ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو مِثْلُ أوْزاعٍ وأخْيافٍ، أيْ: كُلُّ جَنَّةٍ مُلْتَفَّةٌ، أيْ: مُلْتَفَّةُ الشَّجَرِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ.
فَوَصْفُ الجَنَّةِ بِألْفافٍ مَبْنِيٌّ عَلى المَجازِ العَقْلِيِّ؛ لِأنَّ الِالتِفافَ في أشْجارِها، ولَكِنْ لَمّا كانَتِ الأشْجارُ لا يَلْتَفُّ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ في الغالِبِ إلّا إذا جَمَعَتْها جَنَّةٌ،
صفحة ٢٨
أُسْنِدَ ألْفافٌ إلى جَنّاتٍ بِطَرِيقِ الوَصْفِ، ولَعَلَّهُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ إذَ لَمْ أرَ شاهِدًا عَلَيْهِ مِن كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ.
وقِيلَ: ألْفافٌ جَمْعُ لِفٌّ - بِكَسْرِ اللّامِ - بِوَزْنِ جِذْعٍ، أيْ: كُلُّ جَنَّةٍ مِنها لِفٌّ - بِكَسْرِ اللّامِ - ولَمْ يَأْتُوا بِشاهِدٍ عَلَيْهِ. وذُكِرَ في الكَشّافِ أنَّ صاحِبَ الإقْلِيدِ ذَكَرَ بَيْتًا أنْشَدَهُ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ، وفي الكَشّافِ زَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّهُ لَفّاءُ ولُفٌّ ثُمَّ ألْفافٌ (أيْ أنَّ ألْفافًا جَمْعُ الجَمْعِ)، قالَ: وما أظُنُّهُ واجِدًا لَهُ نَظِيرًا. أيْ: لا يُجْمَعُ فُعْلٌ جَمْعًا عَلى أفْعالٍ، أيْ: لا نَظِيرَ لَهُ؛ إذْ لا يُقالُ: خُضْرٌ وأخْضارٌ، وحُمْرٌ وأحْمارٌ. يُرِيدُ أنَّهُ لا يَخْرُجُ الكَلامُ الفَصِيحُ عَلى اسْتِعْمالٍ لَمْ يَثْبُتْ وُرُودُ نَظِيرِهِ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ وُجُودِ تَأْوِيلٍ لَهُ عَلى وجْهٍ وارِدٍ.
فَكانَ أظْهَرُ الوُجُوهِ أنَّ ألْفافًا اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.
وبِهَذا الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ خُتِمَتُ الأدِلَّةُ الَّتِي أُقِيمَتْ لَهم عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وتَضَمَّنَتِ الإيماءَ إلى إمْكانِ البَعْثِ وما أُدْمِجَ فِيها مِنَ المِنَنِ عَلَيْهِمْ، عَساهم أنْ يَذْكُرُوا النِّعْمَةَ فَيَشْعُرُوا بِواجِبِ شُكْرِ المُنْعِمِ ولا يَسْتَفْظِعُوا إبْطالَ الشُّرَكاءِ في الإلَهِيَّةِ، ويَنْظُرُوا فِيما بَلَغَهم عَنْهُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَيَصْرِفُوا عُقُولَهم لِلنَّظَرِ في دَلائِلِ تَصْدِيقِ ذَلِكَ.
وقَدِ ابْتُدِئَتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ بِدَلائِلِ خَلْقِ الأرْضِ وحالَتِها وجالَتْ بِهِمُ الذِّكْرى عَلى أهَمِّ ما عَلى الأرْضِ مِنَ الجَمادِ والحَيَوانِ، ثُمَّ ما في الأُفُقِ مِن أعْراضِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ثُمَّ تَصاعَدَ بِهِمُ التَّجْوالُ بِالنَّظَرِ في خَلْقِ السَّماواتِ وبِخاصَّةٍ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِمْ إلى دَلائِلِ السَّحابِ والمَطَرِ فَنَزَلُوا مَعَهُ إلى ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ مِن بَدائِعِ الصَّنائِعِ ومُنْتَهى المَنافِعِ، فَإذا هم يَنْظُرُونَ مِن حَيْثُ صَدَرُوا وذَلِكَ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
78:18Page 582
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا ١٨
The Day the Horn is blown and you will come forth in multitudes
صفحة ٢٩
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ .
هَذا بَيانٌ لِما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبإ: ٣] وهو المَقْصُودُ مِن سِياقِ الفاتِحَةِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها السُّورَةُ وهَيَّأتْ لِلِانْتِقالِ مُناسَبَةُ ذِكْرِ الإخْراجِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ [النبإ: ١٥] إلَخْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ شُبِّهَ بِإخْراجِ أجْسادِ النّاسِ لِلْبَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] في سُورَةِ ق.
وهُوَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أعْقَبَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ [النبإ: ١٥] الآيَةَ فِيما قُصِدَ بِهِ مِنَ الإيماءِ إلى دَلِيلِ البَعْثِ.
وأُكِّدَ الكَلامُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّ فِيهِ إبْطالًا لِإنْكارِ المُشْرِكِينَ وتَكْذِيبِهِمْ بِيَوْمِ الفَصْلِ.
ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ البَعْثِ لِلْجَزاءِ.
والفَصْلُ: التَّمْيِيزُ بَيْنَ الأشْياءِ المُخْتَلِطَةِ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ المَعانِي المُتَشابِهَةِ والمُلْتَبِسَةِ؛ فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى الحُكْمِ، وقَدْ يُضافُ إلَيْهِ فَيُقالُ: فَصْلُ القَضاءِ، أيْ: نَوْعٌ مِنَ الفَصْلِ؛ لِأنَّ القَضاءَ يُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ الظُّلْمِ.
فالجَزاءُ عَلى الأعْمالِ فَصْلٌ بَيْنَ النّاسِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ.
وأُوثِرَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِيَوْمِ الفَصْلِ لِإثْباتِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْنَ ثُبُوتِ ما جَحَدُوهُ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، وذَلِكَ فَصْلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وكَذِبِهِمْ.
وثانِيهِما: القَضاءُ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وما اعْتَدى بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
وإقْحامُ فِعْلِ (كانَ) لِإفادَةِ أنَّ تَوْقِيتَهُ مُتَأصِّلٌ في عِلْمِ اللَّهِ لِما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى الَّتِي هو أعْلَمُ بِها وأنَّ اسْتِعْجالَهم بِهِ لا يُقَدِّمُهُ عَلى مِيقاتِهِ.
صفحة ٣٠
وتَقَدَّمَ يَوْمَ الفَصْلِ غَيْرَ مَرَّةٍ أُخْراها في سُورَةِ المُرْسَلاتِ.
ووَصْفُ القُرْآنِ بِالفَصْلِ يَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] في سُورَةِ الطّارِقِ.
والمِيقاتُ: مِفْعالٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَقْتِ، والوَقْتُ: الزَّمانُ المُحَدَّدُ في عَمَلٍ ما، ولِذَلِكَ لا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ وقْتٍ إلّا مُقَيَّدًا بِإضافَةٍ أوْ نَحْوِها نَحْوَ: وقْتِ الصَّلاةِ.
فالمِيقاتُ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ الآلَةِ وأُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الوَقْتِ المُحَدَّدِ بِهِ شَيْءٌ، مِثْلَ مِيعادٍ ومِيلادٍ، في الخُرُوجِ عَنْ كَوْنِهِ اسْمَ آلَةٍ إلى جَعْلِهِ اسْمًا لِنَفْسِ ما اشْتُقَّ مِنهُ. والسِّياقُ دَلَّ عَلى مُتَعَلَّقِ مِيقاتٍ، أيْ: كانَ مِيقاتًا لِلْبَعْثِ والجَزاءِ.
فَكَوْنُهُ مِيقاتًا كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ؛ إذِ التَّوْقِيتُ لا يَكُونُ إلّا بِزَمَنٍ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ ولَوْ تَأخَّرَ وأبْطَأ.
وهَذا رَدٌّ لِسُؤالِهِمْ تَعْجِيلَهُ وعَنْ سَبَبِ تَأْخِيرِهِ، سُؤالًا يُرِيدُونَ مِنهُ الِاسْتِهْزاءَ بِخَبَرِهِ.
والمَعْنى: أنْ لَيْسَ تَأخُّرُ وُقُوعِهِ دالًّا عَلى انْتِفاءِ حُصُولِهِ.
والمَعْنى: لَيْسَ تَكْذِيبُكم بِهِ مِمّا يَحْمِلُنا عَلى تَغْيِيرِ إبانِهِ المُحَدَّدِ لَهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ مُسْتَدْرِجُكم مُدَّةً.
وفِي هَذا إنْذارٌ لَهم بِأنَّهُ لا يُدْرى لَعَلَّهُ يَحْصُلُ قَرِيبًا، قالَ تَعالى: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقالَ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] .
و﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ بَدَلٌ مِن (يَوْمَ الفَصْلِ) .
وأُضِيفَ (يَوْمَ) إلى جُمْلَةِ ﴿يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فانْتَصَبَ (يَوْمَ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ وفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ أوَّلُها مُعْرَبٌ وهو المُضارِعُ.
وفائِدَةُ هَذا البَدَلِ حُصُولُ التَّفْصِيلِ لِبَعْضِ أحْوالِ الفَصْلِ وبَعْضِ أهْوالِ يَوْمِ الفَصْلِ.
والصُّورُ: البُوقُ. وهو قَرْنُ ثَوْرٍ فارِغُ الوَسَطِ مُضَيَّقٌ بَعْضُ فَراغِهِ ويُتَّخَذُ مِنَ
صفحة ٣١
الخَشَبِ أوْ مِنَ النُّحاسِ، يَنْفُخُ فِيهِ النّافِخُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الصَّوْتُ قَوِيًّا لِنِداءِ النّاسِ إلى الِاجْتِماعِ، وأكْثَرُ ما يُنادى بِهِ الجَيْشُ والجُمُوعُ المُنْتَشِرَةُ لِتَجْتَمِعَ إلى عَمَلٍ يُرِيدُهُ الآمِرُ بِالنَّفْخِ.
وبُنِيَ (يُنْفَخُ) إلى النّائِبِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِمَعْرِفَةِ النّافِخِ، وإنَّما الغَرَضُ مَعْرِفَةُ هَذا الحادِثِ العَظِيمِ وصُورَةِ حُصُولِهِ.
والنَّفْخُ في الصُّورِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ دُعاءِ النّاسِ وبَعْثِهِمْ إلى الحَشْرِ بِهَيْئَةِ جَمْعِ الجَيْشِ المُتَفَرِّقِ لِراحَةٍ، أوْ تَتَبُّعِ عَدُوٍّ فَلا يَلْبَثُونَ أنْ يَتَجَمَّعُوا عِنْدَ مَقَرِّ أمِيرِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْخٌ يَحْصُلُ بِهِ الإحْياءُ لا تُعْلَمُ صِفَتُهُ، فَإنَّ أحْوالَ الآخِرَةِ لَيْسَتْ عَلى أحْوالِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ النَّفْخُ هَذا مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ أمْرِ التَّكْوِينِ الخاصِّ وهو تَكْوِينُ الأجْسادِ بَعْدَ بِلاها وبَثُّ أرْواحِها في بَقاياها. وقَدْ ورَدَ في الآثارِ أنَّ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِهَذا النَّفْخِ هو إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وعَطْفُ (تَأْتُونَ) بِالفاءِ لِإفادَةِ تَعْقِيبِ النَّفْخِ بِمَجِيئِهِمْ إلى الحِسابِ.
والإتْيانُ: الحُضُورُ بِالمَكانِ الَّذِي يَمْشِي إلَيْهِ الماشِي فالإتْيانُ هو الحُصُولُ.
وحَذْفُ ما يَحْصُلُ بَيْنَ النَّفْخِ في الصُّورِ وبَيْنَ حُضُورِهِمْ لِزِيادَةِ الإيذانِ بِسُرْعَةِ حُصُولِ الإتْيانِ حَتّى كَأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ فَتَحْيَوْنَ فَتَسِيرُونَ فَتَأْتُونَ.
و(أفْواجًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَأْتُونَ)، والأفْواجُ: جَمْعُ فَوْجٍ - بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الواوِ -، والفَوْجُ: الجَماعَةُ المُتَصاحِبَةُ مِن أُناسٍ مُقَسَّمِينَ بِاخْتِلافِ الأغْراضِ، فَتَكُونُ الأُمَمُ أفْواجًا، ويَكُونُ الصّالِحُونَ وغَيْرُهم أفْواجًا، قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها﴾ [الملك: ٨] الآيَةَ.
والمَعْنى: فَتَأْتُونَ مُقَسَّمِينَ طَوائِفَ وجَماعاتٍ، وهَذا التَّقْسِيمُ بِحَسَبِ الأحْوالِ كالمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وكُلُّ أُولَئِكَ أقْسامٌ ومَراتِبُ.
78:19Page 582
وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا ١٩
And the heaven is opened and will become gateways
صفحة ٣٢
﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾
جُمْلَةٌ هي حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَأْتُونَ) .
والتَّقْدِيرُ: وقَدْ فُتِحَتِ السَّماءُ، أيْ: قَدْ حَصَلَ النَّفْخُ قَبْلَ ذَلِكَ أوْ مَعَهُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [النبإ: ١٨] فَيُعْتَبَرُ (يَوْمَ) مُضافًا إلى هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] . والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ الماضِي عَلى هَذا الوَجْهِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ هَذا التَّفْتِيحِ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ مَضى وُقُوعُهُ.
وفَتْحُ السَّماءِ: انْشِقاقُها بِنُزُولِ المَلائِكَةِ مِن بَعْضِ السَّماواتِ الَّتِي هي مَقَرُّهم نُزُولًا يَحْضُرُونَ بِهِ لِتَنْفِيذِ أمْرِ الجَزاءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] .
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (وفُتِّحَتْ) بِتَشْدِيدِ الفَوْقِيَّةِ، وهو مُبالَغَةٌ في فِعْلِ الفَتْحِ بِكَثْرَةِ الفَتْحِ أوْ شِدَّتِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ فَتْحٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ شَقَّ السَّماءِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ.
وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أصْلِ الفِعْلِ، ومُجَرَّدُ تَعَلُّقِ الفَتْحِ بِالسَّماءِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ فَتْحٌ شَدِيدٌ.
وفِي الفَتْحِ عِبْرَةٌ؛ لِأنَّ السَّماواتِ كانَتْ مُلْتَئِمَةً، فَإذا فَسَدَ التِئامُها وتَخَلَّلَتْها مَفاتِحُ كانَ مَعَهُ انْخِرامُ نِظامِ العالَمِ الفانِي، قالَ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] .
فالتَّفَتُّحُ والفَتْحُ سَواءٌ في المَعْنى المَقْصُودِ، وهو تَهْوِيلُ يَوْمَ الفَصْلِ.
وفُرِّعَ عَلى انْفِتاحِ السَّماءِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ ﴿فَكانَتْ أبْوابًا﴾، أيْ: ذاتَ أبْوابٍ.
فَقَوْلُهُ: (﴿أبْوابًا﴾) تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ: كالأبْوابِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى حاجِزٌ بَيْنَ سُكّانِ السَّماواتِ وبَيْنَ النّاسِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] .
صفحة ٣٣
والإخْبارُ عَنِ السَّماءِ بِأنَّها أبْوابٌ جَرى عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِذاتِ أبْوابٍ لِلدِّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ المَفاتِحِ فِيها، حَتّى كَأنَّها هي أبْوابٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]؛ حَيْثُ أُسْنِدَ التَّفْجِيرُ إلى لَفْظِ الأرْضِ، وجِيءَ بِاسْمِ العُيُونِ تَمْيِيزًا، وهَذا يُناسِبُ مَعْنى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ ويُؤَكِّدُهُ، ويُقَيِّدُ مَعْنى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ ويُبَيِّنُهُ.
و(كانَتْ) بِمَعْنى: صارَتْ.
ومَعْنى الصَّيْرُورَةِ مِن مَعانِي (كانَ) وأخَواتِها الأرْبَعِ وهي: ظَلَّ، وباتَ، وأمْسى، وأصْبَحَ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلى (فُتِحَتْ)، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] .
والأبْوابُ: جَمْعُ بابٍ، وهو الفُرْجَةُ الَّتِي يُدْخَلُ مِنها في حائِلٍ مِن سُورٍ أوْ جِدارٍ أوْ حِجابٍ أوْ خَيْمَةٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] في سُورَةِ العُقُودِ.
78:20Page 582
وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا ٢٠
And the mountains are removed and will be [but] a mirage.
﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ .
التَّسْيِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ سائِرًا، أيْ: ماشِيًا. وأُطْلِقَ هُنا عَلى النَّقْلِ مِنَ المَكانِ، أيْ: نُقِلَتِ الجِبالُ وقُلِعَتْ مِن مَقارِّها بِسُرْعَةٍ، بِزَلازِلَ أوْ نَحْوِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] حَتّى كَأنَّها تَسِيرُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، وهو نَقْلٌ يَصْحَبُهُ تَفْتِيتٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكانَتْ سَرابًا﴾ لِأنَّ ظاهِرَ التَّعْقِيبِ أنْ لا تَكُونَ مَعَهُ مُهْلَةٌ، أيْ: فَكانَتْ كالسَّرابِ في أنَّها لا شَيْءَ.
والقَوْلُ في بِناءِ (سُيِّرَتْ) لِلْمَجْهُولِ كالقَوْلِ في ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ [النبإ: ١٩] .
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَكانَتْ سَرابًا﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبإ: ١٩] .
والسَّرابُ: ما يَلُوحُ في الصَّحارِي مِمّا يُشْبِهُ الماءَ ولَيْسَ بِماءٍ، ولَكِنَّهُ حالَةٌ في الجَوِّ القَرِيبِ تَنْشَأُ مِن تَراكُمِ أبْخِرَةٍ عَلى سَطْحِ الأرْضِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٣٤
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] في سُورَةِ النُّورِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences