Ibn 'AshurAn‑Nazi'at · 79:12–24

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nazi'at 79:12–24

79:12Page 583

قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢

They say, "That, then, would be a losing return."1

﴿قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ .

(قالُوا) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿يَقُولُونَ أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] .

وأُعِيدَ فِعْلُ القَوْلِ لِمَقاصِدَ؛ مِنها الدِّلالَةُ عَلى أنَّ قَوْلَهم هَذا في غَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ القَوْلِ الأوَّلِ، فالقَوْلُ الأوَّلُ قَصْدُهم مِنهُ الإنْكارُ والإبْطالُ، والقَوْلُ الثّانِي قَصَدُوا مِنهُ الِاسْتِهْزاءَ والتَّوَرُّكَ؛ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِتِلْكَ الكَرَّةِ فَوَصْفُهم إيّاها بِ (خاسِرَةٌ) مِن بابِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أيْ: لَوْ حَصَلَتْ كَرَّةٌ لَكانَتْ خاسِرَةً، ومِنها دَفْعُ تَوَهُّمِ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ اسْتِئْنافًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى.

وعُبِّرَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِصِيغَةِ الماضِي دُونَ المُضارِعِ عَلى عَكْسِ ﴿يَقُولُونَ أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠]؛ لِأنَّ هَذِهِ المَقالَةَ قالُوها اسْتِهْزاءً فَلَيْسَتْ مِمّا يَتَكَرَّرُ مِنهم، بِخِلافِ قَوْلِهِمْ: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] فَإنَّهُ حُجَّةٌ ناهِضَةٌ في زَعْمِهِمْ، فَهَذا مِمّا يَتَكَرَّرُ مِنهم في كُلِّ مَقامٍ. وبِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ التَّعْجِيبَ مِن قَوْلِهِمْ هَذا؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ يَقْتَضِي الإنْكارَ، وكَوْنُ كَرَّتِهِمْ أيْ: عَوْدَتِهِمْ إلى الحَياةِ عَوْدَةً خاسِرَةً أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يُنْكَرُ؛ لِأنَّهم يَعُودُونَ إلى الحَياةِ خاسِرِينَ لا مَحالَةَ.

و(تِلْكَ) إشارَةٌ إلى الرَّدَّةِ المُسْتَفادَةِ مِن (مَرْدُودُونَ) والإشارَةُ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْمُؤَنَّثِ لِلْإخْبارِ عَنْهُ بِـ (كَرَّةٌ) .

و(إذًا) جَوابٌ لِلْكَلامِ المُتَقَدِّمِ، والتَّقْدِيرُ: إذَنْ تِلْكَ كَرَّةٌ خاسِرَةٌ، فَقُدِّمَ (تِلْكَ) عَلى حَرْفِ الجَوابِ لِلْعِنايَةِ بِالإشارَةِ.

والكَرَّةُ: الواحِدَةُ مِنَ الكَرِّ، وهو الرُّجُوعُ بَعْدَ الذَّهابِ، أيْ: رَجْعَةٌ.

صفحة ٧٢

والخُسْرانُ: أصْلُهُ نَقْصُ مالِ التِّجارَةِ الَّتِي هي لِطَلَبِ الرِّبْحِ، أيْ: بِزِيادَةِ المالِ، فاسْتُعِيرَ هُنا لِمُصادَفَةِ المَكْرُوهِ غَيْرِ المُتَوَقَّعِ.

ووَصْفُ الكَرَّةِ بِالخاسِرَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ الخاسِرَ أصْحابُها. والمَعْنى: إنّا إذَنْ خاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنا وتَبَيُّنِ صِدْقِ الَّذِي أنْذَرَنا بِتِلْكَ الرَّجْعَةِ.

79:13–14Page 583

فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣

Indeed, it will be but one shout,

فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤

And suddenly they will be [alert] upon the earth's surface.

﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ .

الفاءُ فَصِيحَةٌ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهم ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] ﴿إذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١] مِن إحالَتِهِمُ الحَياةَ بَعْدَ البِلى والفَناءِ.

فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلا عَجَبَ في ذَلِكَ فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا أنْتُمْ حاضِرُونَ في الحَشْرِ.

وضَمِيرُ (هي) ضَمِيرُ القِصَّةِ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، واخْتِيرَ الضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ لِيَحْسُنَ عَوْدُهُ إلى (زَجْرَةٌ)، وهَذا مِن أحْسَنِ اسْتِعْمالاتِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ. والقَصْرُ حَقِيقِيٌّ مُرادٌ مِنهُ تَأْكِيدُ الخَبَرِ بِتَنْزِيلِ السّامِعِ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ زَجْرَةً واحِدَةً غَيْرُ كافِيَةٍ في إحْيائِهِمْ.

وفاءُ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ إنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، و(إذا) لِلْمُفاجَأةِ، أيِ: الحُصُولُ دُونَ تَأْخِيرٍ، فَحَصَلَ تَأْكِيدُ مَعْنى التَّفْرِيعِ الَّذِي أفادَتْهُ الفاءُ وذَلِكَ يُفِيدُ عَدَمَ التَّرَتُّبِ بَيْنَ الزَّجْرَةِ والحُصُولِ في السّاهِرَةِ.

والزَّجْرَةُ: المَرَّةُ مِنَ الزَّجْرِ، وهو الكَلامُ الَّذِي فِيهِ أمْرٌ أوْ نَهْيٌ في حالَةِ غَضَبٍ. يُقالُ: زَجَرَ البَعِيرَ، إذا صاحَ لَهُ لِيَنْهَضَ أوْ يَسِيرَ، وعُبِّرَ بِها هُنا عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِتَكْوِينِ أجْسادِ النّاسِ الأمْواتِ تَصْوِيرًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّسْخِيرِ لِتَعْجِيلِ التَّكَوُّنِ. وفِيهِ مُناسَبَةٌ لِإحْياءِ ما كانَ هامِدًا كَما يُبْعَثُ البَعِيرُ البارِكُ بِزَجْرَةٍ يَنْهَضُ بِها سَرِيعًا خَوْفًا مِن زاجِرِهِ، وقَدْ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالصَّيْحَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] وهو الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ بِالنَّفْخِ في الصُّورِ.

ووُصِفَتِ الزَّجْرَةُ بِواحِدَةٍ تَأْكِيدًا لِما في صِيغَةِ المَرَّةِ مِن مَعْنى الوَحْدَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ إفْرادَهُ لِلنَّوْعِيَّةِ، وهَذِهِ الزَّجْرَةُ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة ٧٣

﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَهي ثانِيَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، وهي الرّادِفَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها آنِفًا، وإنَّما أُرِيدَ بِكَوْنِها واحِدَةً أنَّها لا تُتْبَعُ بِثانِيَةٍ لَها، وقَدْ وُصِفَتْ بِواحِدَةٍ في سُورَةِ الحاقَّةِ بِهَذا الِاعْتِبارِ.

والسّاهِرَةُ: الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ البَيْضاءُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، يُخْتارُ مِثْلُها لِاجْتِماعِ الجُمُوعِ ووَضْعِ المَغانِمِ. وأُرِيدَ بِها أرْضٌ يَجْعَلُها اللَّهُ لِجَمْعِ النّاسِ لِلْحَشْرِ.

والإتْيانُ بِ (إذا) الفُجائِيَّةِ لِلدِّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ حُضُورِهِمْ بِهَذا المَكانِ عَقِبَ البَعْثِ.

وعَطْفُها بِالفاءِ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي أفادَتْهُ (إذا) لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ المُفاجَأةِ والتَّفْرِيعِ أشَدُّ ما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ السُّرْعَةِ مَعَ إيجازِ اللَّفْظِ.

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِأمْرِ التَّكْوِينِ بِخَلْقِ أجْسادٍ تَحِلُّ فِيها الأرْواحُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا فَتَحْضُرُ في مَوْقِفِ الحَشْرِ لِلْحِسابِ بِسُرْعَةٍ.

79:15–19Page 583

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ١٥

Has there reached you the story of Moses? -

إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ١٦

When his Lord called to him in the sacred valley of Ṭuwā,

ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧

"Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.

فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨

And say to him, 'Would you [be willing to] purify yourself

وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ١٩

And let me guide you to your Lord so you would fear [Him]?'"

﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَّكّى﴾ ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكِ فَتَخْشى﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا﴾ [النازعات: ٢٧] الَّذِي هو الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ البَعْثِ ثُمَّ الإنْذارُ بِما بَعْدَهُ دَعَتْ إلى اسْتِطْرادِهِ مُناسَبَةُ التَّهْدِيدِ لِمُنْكِرِي ما أخْبَرَهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ البَعْثِ لِتَماثُلِ حالِ المُشْرِكِينَ في طُغْيانِهِمْ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ بِحالِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وتَماثُلِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ بِحالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ لِيَحْصُلَ مِن ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ومَوْعِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ وأئِمَّتِهِمْ، مِثْلَ: أبِي جَهْلٍ،، وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأضْرابِهِما لِقَوْلِهِ في آخِرِها: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦] .

و(هَلْ أتاكَ) اسْتِفْهامٌ صُورِيٌّ يُقْصَدُ مِن أمْثالِهِ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى الخَيْرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى اسْتِعْلامِ المُخاطَبِ عَنْ سابِقِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ الخَبَرِ، فَسَواءٌ في ذَلِكَ

صفحة ٧٤

عَلِمَهُ مِن قَبْلُ أوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، ولِذَلِكَ لا يَنْتَظِرُ المُتَكَلِّمُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ جَوابًا عَنْهُ مِنَ المَسْؤُولِ، بَلْ يُعَقِّبُ الِاسْتِفْهامَ بِتَفْصِيلِ ما أوْهَمَ الِاسْتِفْهامَ عَنْهُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ كِنايَةً عَنْ أهَمِّيَّةِ الخَبَرِ، بِحَيْثُ إنَّهُ مِمّا يَتَساءَلُ النّاسُ عَنْ عِلْمِهِ.

ولِذَلِكَ لا تَسْتَعْمِلُ العَرَبُ في مِثْلِهِ مِن حُرُوفِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ (هَلْ) لِأنَّها تَدُلُّ عَلى طَلَبِ تَحْقِيقِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، فَهي في الِاسْتِفْهامِ مِثْلَ (قَدْ) في الإخْبارِ، والِاسْتِفْهامُ مَعَها حاصِلٌ بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، فالمُسْتَفْهِمُ بِها يَسْتَفْهِمُ عَنْ تَحْقِيقِ الأمْرِ، ومِن قَبِيلِهِ قَوْلُهم في الِاسْتِفْهامِ: ألَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ كَذا فَيَأْتُونَ بِ (قَدْ) مَعَ فِعْلِ النَّفْيِ المُقْتَرِنِ بِاسْتِفْهامِ إنْكارٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ عِلْمُ المُخاطَبِ مُحَقَّقًا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ.

والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فالكَلامُ مَوْعِظَةٌ ويَتْبَعُهُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ .

و(أتاكَ) مَعْناهُ: بَلَغَكَ؛ اسْتُعِيرَ الإتْيانُ لِحُصُولِ العِلْمِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، كَأنَّ الحُصُولَ مَجِيءُ إنْسانٍ عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِيَّةِ، أوْ كَأنَّ الخَبَرَ الحاصِلَ إنْسانٌ أُثْبِتَ لَهُ الإتْيانُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، قالَ النّابِغَةُ:

أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي

والحَدِيثُ: الخَبَرُ، وأصْلُهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن حَدَثَ الأمْرُ إذا طَرَأ وكانَ، أيِ: الحادِثُ مِن أحْوالِ النّاسِ، وإنَّما يُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لا يُذْكَرُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ تَقْدِيرُهُ خَبَرُ الحَدِيثِ، أيْ: خَبَرُ الحادِثِ.

و(إذا) اسْمُ زَمانٍ، واسْتُعْمِلَ هُنا في الماضِي وهو بَدَلٌ مِن حَدِيثِ مُوسى بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ حَدِيثَهُ يَشْتَمِلُ عَلى كَلامِ اللَّهِ إيّاهُ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وكَما جازَ أنْ تَكُونَ (إذا) بَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾ [آل عمران: ١٠٣] يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الفاعِلِ وغَيْرِهِ، واقْتِصارُ ابْنِ هِشامٍ وغَيْرِهِ عَلى أنَّها تَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ أوْ بَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ بِهِ اقْتِصارٌ عَلى أكْثَرِ مَوارِدِ اسْتِعْمالِها إذا خَرَجَتْ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَقَدْ جُوِّزَ في الكَشّافِ وُقُوعُ (إذْ) مُبْتَدَأً في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [آل عمران: ١٦٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

صفحة ٧٥

وأُضِيفَ (إذْ) إلى جُمْلَةِ (﴿ناداهُ رَبُّهُ﴾) والمَعْنى: هَلْ أتاكَ خَبَرُ زَمانٍ نادى فِيهِ مُوسى رَبُّهُ.

والوادِ: المَكانُ المُنْخَفِضُ بَيْنَ الجِبالِ.

والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ. والمُرادُ بِهِ التَّطْهِيرُ المَعْنَوِيُّ وهو التَّشْرِيفُ والتَّبْرِيكُ لِأجْلِ ما نَزَلَ فِيهِ مِن كَلامِ اللَّهِ دُونَ تَوَسُّطِ مَلَكٍ يُبَلِّغُ الكَلامَ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ تَقْدِيسٌ خاصٌّ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ لَهُ في الآيَةِ الأُخْرى فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ.

وطُوًى: اسْمُ مَكانٍ، ولَعَلَّهُ هو نَوْعٌ مِنَ الأوْدِيَةِ يُشْبِهُ البِئْرَ المَطْوِيَّةَ، وقَدْ سُمِّيَ مَكانٌ بِظاهِرِ مَكَّةَ ذا طُوًى بِضَمِّ الطّاءِ وبِفَتْحِها وكَسْرِها. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ طَهَ. وهَذا وادٍ في جانِبِ جَبَلِ الطُّورِ في بَرِّيَّةِ سِينا في جانِبِهِ الغَرْبِيِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (طُوى) بِلا تَنْوِينٍ عَلى أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِتَأْوِيلِ البُقْعَةِ، أوْ لِلْعَدْلِ عَنْ طاوٍ، أوْ لِلْعُجْمَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ مُنَوَّنًا بِاعْتِبارِهِ اسْمَ وادٍ مُذَكَّرَ اللَّفْظِ.

وجُمْلَةُ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿ناداهُ رَبُّهُ﴾) .

وجُمْلَةُ (إنَّهُ طَغى) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ: (اذْهَبْ)، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّذِي هو لِلِاهْتِمامِ ويُفِيدُ مُفادَ التَّعْلِيلِ.

والطُّغْيانُ إفْراطُ التَّكَبُّرِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبإ: ٢٢] في سُورَةِ النَّبَأِ.

وفِرْعَوْنُ: لَقَبُ مَلِكِ القِبْطِ بِمِصْرَ في القَدِيمِ، وهو اسْمٌ مُعَرَّبٌ عَنِ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ، ولا يُعْلَمُ هَلْ هو اسْمٌ لِلْمَلِكِ في لُغَةِ القِبْطِ، ولَمْ يُطْلِقْهُ القُرْآنُ إلّا عَلى مَلِكِ مِصْرَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ مُوسى، وأُطْلِقَ عَلى الَّذِي في زَمَنِ يُوسُفَ اسْمُ المَلِكِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.

و﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ عَرْضٌ وتَرْغِيبٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] .

صفحة ٧٦

وقَوْلُهُ: (﴿هَلْ لَكَ﴾) تَرْكِيبٌ جَرى مَجْرى المَثَلِ فَلا يُغَيَّرُ عَنْ هَذا التَّرْكِيبِ لِأنَّهُ قُصِدَ بِهِ الإيجازُ، يُقالُ: هَلْ لَكَ إلى كَذا ؟ وهَلْ لَكَ في كَذا ؟ وهو كَلامٌ يُقْصَدُ مِنهُ العَرْضُ بِقَوْلِ الرَّجُلِ لِضَيْفِهِ: هَلْ لَكَ أنْ تَنْزِلَ ؟ ومِنهُ قَوْلُ كَعْبٍ:

ألا بَلِّغا عَنِّي بُجَيْرًا رِسالَةً ∗∗∗ فَهَلْ لَكَ فِيما قُلْتُ ويْحَكَ هَلْ لَكا

بِضَمِّ تاءِ (قُلْتُ) . وقَوْلٌ بُجَيْرٍ أخِيهِ في جَوابِهِ عَنْ أبْياتِهِ:

مَن مُبْلِغٌ كَعْبًا فَهَلْ لَكَ في الَّتِي ∗∗∗ تَلُومُ عَلَيْها باطِلًا وهي أحْزَمُ

و(لَكَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ لَكَ رَغْبَةٌ في كَذا ؟ فَحُذِفَ (رَغْبَةٌ) واكْتُفِيَ بِدِلالَةِ حَرْفِ (في) عَلَيْهِ، وقالُوا: هَلْ لَكَ إلى كَذا ؟ عَلى تَقْدِيرِ: هَلْ لَكَ مَيْلٌ ؟ فَحُذِفَ (مَيْلٌ) لِدِلالَةِ (إلى) عَلَيْهِ.

قالَ الطَّيِّبِيُّ: قالَ ابْنُ جِنِّي: مَتّى كانَ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ في مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ، فَكَثِيرًا ما يُجْرى أحَدُهُما مَجْرى صاحِبِهِ فَيُعَوَّلُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ إلَيْهِ (كَذا) ويُحْتَذى بِهِ في تَصَرُّفِهِ حَذْوَ صاحِبِهِ وإنْ كانَ طَرِيقُ الِاسْتِعْمالِ والعُرْفِ ضِدَّ مَأْخَذِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: (﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾) وأنْتَ إنَّما تَقُولُ: هَلْ لَكَ في كَذا ؟ لَكِنَّهُ لَمّا دَخَلَهُ مَعْنى: آخُذُ بِكَ إلى كَذا أوْ أدْعُوكَ إلَيْهِ، قالَ: (﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾) . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] لا يُقالُ: رَفَثْتُ إلى المَرْأةِ، إنَّما يُقالُ: رَفَثْتُ بِها، ومَعَها، لَكِنْ لَمّا كانَ الرَّفَثُ بِمَعْنى الإفْضاءِ عُدِّيَ بِ (إلى) وهَذا مِن أسَدِّ مَذاهِبِ العَرَبِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ يَمْلِكُ فِيهِ المَعْنى عِنانَ الكَلامِ فَيَأْخُذُهُ إلَيْهِ اهـ. قِيلَ لَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّضْمِينِ بَلْ مِن بابِ المَجازِ والقَرِينَةِ الجارَّةِ.

و(تَزَكّى) قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ بِتَشْدِيدِ الزّايِ عَلى اعْتِبارِ أنَّ أصْلَهُ: تَتَزَكّى، بِتاءَيْنِ، فَقُلِبَتِ التّاءُ المُجاوِرَةُ لِلزّايِ زايًا لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما وأُدْغِمَتْ في الزّايِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الزّايِ عَلى أنَّهُ حُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ اقْتِصارًا لِلتَّخْفِيفِ.

وفِعْلُ (تَزَكّى) عَلى القِراءَتَيْنِ أصْلُهُ: تَتَزَكّى بِتاءَيْنِ مُضارِعُ تَزَكّى مُطاوِعُ زَكّاهُ، أيْ: جَعَلَهُ زَكِيًّا.

صفحة ٧٧

والزَّكاةُ: الزِّيادَةُ، وتُطْلَقُ عَلى الزِّيادَةِ في الخَيْرِ النَّفْسانِيِّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ٩] وهو مَجازٌ شائِعٌ ساوى الحَقِيقَةَ ولِذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى قَرِينَةٍ.

والمَعْنى: حَثُّهُ عَلى أنْ يَسْتَعِدَّ لِتَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِنَ العَقِيدَةِ الضّالَّةِ الَّتِي هي خُبْثٌ مَجازِيٌّ في النَّفْسِ، فَيَقْبَلَ إرْشادَ مَن يُرْشِدُهُ إلى ما بِهِ زِيادَةُ الخَيْرِ فَإنَّ فِعْلَ المُطاوَعَةِ يُؤْذِنُ بِفِعْلِ فاعِلٍ يُعالِجُ نَفْسَهُ ويُرَوِّضُها إذْ كانَ لَمْ يَهْتَدِ أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ.

ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِعَطْفِ: ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ أيْ إنْ كانَ فِيكَ إعْدادُ نَفْسِكَ لِلتَّزْكِيَةِ يَكُنْ إرْشادِي إيّاكَ فَتَخْشى، فَكانَ تَرْتِيبُ الجُمَلِ في الذِّكْرِ مُراعًى فِيهِ تَرَتُّبُها في الحُصُولِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُحْتَجْ إلى عَطْفِهِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ، إذْ كَثِيرًا ما يُسْتَغْنى بِالعَطْفِ بِالواوِ مَعَ إرادَةِ التَّرْتِيبِ عَنِ العَطْفِ بِحَرْفِ التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّ الواوَ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ بِالقَرِينَةِ، ويُسْتَغْنى بِالعَطْفِ عَنْ ذِكْرِ حَرْفِ التَّفْسِيرِ في العَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ الَّذِي يَكُونُ الواوُ فِيهِ بِمَعْنى (أيِ) التَّفْسِيرِيَّةِ فَإنَّ أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ في قُوَّةِ المُفْرَدِ. والتَّقْدِيرُ: هَلْ لَكَ في التَّزْكِيَةِ وهِدايَتِي إيّاكَ فَخَشْيَتِكَ اللَّهَ تَعالى.

والهِدايَةُ: الدِّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى المَطْلُوبِ إذا قَبِلَها المَهْدِيُّ.

وتَفْرِيعُ (فَتَخْشى) عَلى (أهْدِيَكَ) إشارَةٌ إلى أنَّ خَشْيَةَ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ، قالَ تَعالى: إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ أيِ: العُلَماءُ بِهِ، أيْ: يَخْشاهُ خَشْيَةً كامِلَةً لا خَطَأ فِيها ولا تَقْصِيرَ.

قالَ الطَّيِّبِيُّ: وعَنِ الواسِطِيِّ: أوائِلُ العِلْمِ الخَشْيَةُ، ثُمَّ الإجْلالُ، ثُمَّ التَّعْظِيمُ، ثُمَّ الهَيْبَةُ، ثُمَّ الفَناءُ.

وفِي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ الخَشْيَةِ إيجازٌ بَلِيغٌ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ مِلاكُ كُلِّ خَيْرٍ. وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن خافَ أدْلَجَ ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ» .

صفحة ٧٨

وذُكِرَ لَهُ الإلَهُ الحَقُّ بِوَصْفِ (رَبِّكَ) دُونَ أنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ العَلَمُ أوْ غَيْرُهُ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ إلْطافًا في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وتَجَنُّبًا لِاسْتِطارَةِ نَفْسِهِ نُفُورًا، لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ في لُغَةِ فِرْعَوْنَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ عَرَّفَهُ لَهُ بِاسْمِهِ في لُغَةِ إسْرائِيلَ لَنَفَرَ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَعْبُدُ آلِهَةً باطِلَةً، فَكانَ في قَوْلِهِ (إلى رَبِّكَ) - وفِرْعَوْنُ يَعْلَمُ أنَّ لَهُ رَبًّا - إطْماعٌ لَهُ أنْ يُرْشِدَهُ مُوسى إلى ما لا يُنافِي عَقائِدَهُ فَيُصْغِي إلَيْهِ سَمْعَهُ حَتّى إذا سَمِعَ قَوْلَهُ وحُجَّتَهُ داخَلَهُ الإيمانُ الحَقُّ مُدَرَّجًا، فَفي هَذا الأُسْلُوبِ اسْتِنْزالٌ لِطائِرِهِ.

والخَشْيَةُ: الخَوْفُ؛ فَإذا أُطْلِقَتْ في لِسانِ الشَّرْعِ يُرادُ بِها خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى، ولِهَذا نَزَلَ فِعْلُها هُنا مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مَفْعُولٌ؛ لِأنَّ المَخْشِيَّ مَعْلُومٌ مِثْلَ فِعْلِ الإيمانِ في لِسانِ الشَّرْعِ، يُقالُ: آمَنَ فُلانٌ، وفُلانٌ مُؤْمِنٌ أيْ: مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ.

79:20–24Page 584

فَأَرَىٰهُ ٱلۡأٓيَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢٠

And he showed him the greatest sign,1

فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ٢١

But he [i.e., Pharaoh] denied and disobeyed.

ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ ٢٢

Then he turned his back, striving [i.e., plotting].1

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ٢٣

And he gathered [his people] and called out

فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٤

And said, "I am your most exalted lord."

﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ .

الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ فَصِيحَةٌ، وتَفْرِيعٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ [النازعات: ١٧] . والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ فَدَعاهُ فَكَذَّبَهُ فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: (إنَّهُ طَغى) يُؤْذِنُ بِأنَّهُ سَيُلاقِي دَعْوَةَ مُوسى بِالِاحْتِقارِ والإنْكارِ؛ لِأنَّ الطُّغْيانَ مَظِنَّةُ ذَيْنِكَ، فَعَرَضَ مُوسى عَلَيْهِ إظْهارَ آيَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ دَعْوَتِهِ لَعَلَّهُ يُوقِنُ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] فَتِلْكَ هي الآيَةُ الكُبْرى المُرادَةُ هُنا.

والآيَةُ: حَقِيقَتُها العَلامَةُ والأمارَةُ، وتُطْلَقُ عَلى الحُجَّةِ المُثْبَتَةِ لِأنَّها عَلامَةٌ عَلى ثُبُوتِ الحَقِّ، وتُطْلَقُ عَلى مُعْجِزَةِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّها دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وهو المُرادُ هُنا.

وأُعْقِبَ فِعْلُ ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ بِفِعْلِ (فَكَذَّبَ) لِلدِّلالَةِ عَلى شِدَّةِ عِنادِهِ ومُكابَرَتِهِ، حَتّى أنَّهُ رَأى الآيَةَ فَلَمْ يَتَرَدَّدْ ولَمْ يَتَمَهَّلْ حَتّى يَنْظُرَ في الدِّلالَةِ بَلْ بادَرَ إلى التَّكْذِيبِ والعِصْيانِ.

صفحة ٧٩

والمُرادُ بِعِصْيانِهِ عِصْيانُ أمْرِ اللَّهِ أنْ يُوَحِّدَهُ أوْ أنْ يُطْلِقَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ اسْتِعْبادِهِمْ وتَسْخِيرِهِمْ لِلْخِدْمَةِ في بِلادِهِ.

وعَطْفُ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ بِ (ثُمَّ) لِلدِّلالَةِ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، فَأفادَتْ (ثُمَّ) أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ بِها أعْلى رُتْبَةً في الغَرَضِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ قَبْلَها، أيْ أنَّهُ ارْتَقى مِنَ التَّكْذِيبِ والعِصْيانِ إلى ما هو أشَدُّ وهو الإدْبارُ والسَّعْيُ وادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ لِنَفْسِهِ، أيْ: بَعْدَ أنْ فَكَّرَ مَلِيًّا لَمْ يَقْتَنِعْ بِالتَّكْذِيبِ والعِصْيانِ فَخَشِيَ أنَّهُ إنْ سَكَتَ رُبَّما تُرَوَّجُ دَعْوَةُ مُوسى بَيْنَ النّاسِ فَأرادَ الحَيْطَةَ لِدَفْعِها وتَحْذِيرِ النّاسِ مِنها.

والإدْبارُ والسَّعْيُ مُسْتَعْمَلانِ في مَعْنَيَيْهِما المَجازِيَّيْنِ، فَإنَّ حَقِيقَةَ الإدْبارِ هو المَشْيُ إلى الجِهَةِ الَّتِي هي خَلْفُ الماشِي بِأنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى جِهَةٍ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إلى جِهَةٍ تُعاكِسُها، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ الدّاعِي مِثْلَ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِمُسَيْلِمَةَ لَمّا أبى الإيمانَ: «ولَئِنْ أدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ» .

وأمّا السَّعْيُ فَحَقِيقَتُهُ: شِدَّةُ المَشْيِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْحِرْصِ والِاجْتِهادِ في أمْرِهِ النّاسَ بِعَدَمِ الإصْغاءِ لِكَلامِ مُوسى، وجَمَعَ السَّحَرَةَ لِمُعارَضَةِ مُعْجِزَتِهِ؛ إذْ حَسِبَها سِحْرًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] .

والعَمَلُ الَّذِي يَسْعى إلَيْهِ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَثَلاثَتُها مُرَتَّبَةٌ عَلى يَسْعى.

فَجُمْلَةُ (فَحَشَرَ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَسْعى)؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ بَذَلَ حِرْصَهُ لِيُقْنِعَ رَعِيَّتَهُ بِأنَّهُ الرَّبُّ الأعْلى خَشْيَةَ شُيُوعِ دَعْوَةِ مُوسى لِعِبادَةِ الرَّبِّ الحَقِّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أدْبَرَ) عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ: تَرَكَ ذَلِكَ المَجْمَعَ بِأنْ قامَ مُعْرِضًا إعْلانًا بِغَضَبِهِ عَلى مُوسى ويَكُونُ (يَسْعى) مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ أيْضًا، أيْ: قامَ يَشْتَدُّ في مَشْيِهِ وهي مِشْيَةُ الغاضِبِ المُعْرِضِ.

والحَشْرُ: جَمْعُ النّاسِ، وهَذا الحَشْرُ هو المُبَيَّنُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٧] .

صفحة ٨٠

وحُذِفَ مَفْعُولُ (حَشَرَ) لِظُهُورِهِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ هم أهْلُ مَدِينَتِهِ مِن كُلِّ صِنْفٍ.

وعَطْفُ (فَنادى) بِالفاءِ لِإفادَةِ أنَّهُ أعْلَنَ هَذا القَوْلَ لَهم بِفَوْرِ حُضُورِهِمْ لِفَرْطِ حِرْصِهِ عَلى إبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ.

والنِّداءُ: حَقِيقَتُهُ جَهْرُ الصَّوْتِ بِدَعْوَةِ أحَدٍ لِيَحْضُرَ ولِذَلِكَ كانَتْ حُرُوفُ النِّداءِ نائِبَةً مَنابَ أدْعُو فَنَصَبَتِ الِاسْمَ الواقِعَ بَعْدَها. ويُطْلَقُ النِّداءُ عَلى رَفْعِ الصَّوْتِ دُونَ طَلَبِ حُضُورٍ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، كَقَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الثَّلاثِينَ: ”فَحِينَ جَلَسَ كَأنَّهُ ابْنُ ماءِ السَّماءِ، نادى مُنادٍ مِن قِبَلِ الأحْماءِ“ إلَخْ، وحُذِفَ مَفْعُولُ (نادى) كَما حُذِفَ مَفْعُولُ (حَشَرَ) .

وإسْنادُ الحَشْرِ والنِّداءِ إلى فِرْعَوْنَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ لا يُباشِرُ بِنَفْسِهِ حَشْرَ النّاسِ ولا نِداءَهم، ولَكِنْ يَأْمُرُ أتْباعَهُ وجُنْدَهُ، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِ لِأنَّهُ الَّذِي أمَرَ بِهِ، كَقَوْلِهِمْ: بَنى المَنصُورُ بَغْدادَ.

والقَوْلُ الَّذِي نادى بِهِ هو تَذْكِيرُ قَوْمِهِ بِمُعْتَقَدِهِمْ فِيهِ؛ فَإنَّهم كانُوا يَعْتَبِرُونَ مَلِكَ مِصْرَ إلَهًا؛ لِأنَّ الكَهَنَةَ يُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ ابْنُ آمُونَ رَعِ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ إلَهًا ومَظْهَرُهُ الشَّمْسُ.

وصِيغَةُ الحَصْرِ في (أنا رَبُّكم) لِرَدِّ دَعْوَةِ مُوسى.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (فَنادى) بَدَلًا مُطابِقًا بِإعادَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهو الفاءُ؛ لِأنَّ البَدَلَ قَدْ يَقْتَرِنُ بِمِثْلِ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (يَسْعى) عَلى أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِهَذا القَوْلِ في أنْحاءِ مَمْلَكَتِهِ، ولَيْسَ قاصِرًا عَلى إعْلانِهِ في الحَشْرِ الَّذِينَ حَشَرَهم حَوْلَ قَصْرِهِ.

فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالرَّبِّ الأعْلى لِأنَّهُ ابْنُ آمُونَ رَعْ وهو الرَّبُّ الأعْلى، فابْنُهُ هو

صفحة ٨١

القائِمُ بِوَصْفِهِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ في عَصْرِ اعْتِقادِهِ: أنَّ فِرْعَوْنَ رَبُّ الأرْبابِ المُتَعَدِّدَةِ عِنْدَهم فَصِفَةُ الأعْلى صِفَةٌ كاشِفَةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском